المراجع الصحفي

مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

بين الكتب والقرّاء


الحصان والمكتبة

03 أغسطس 2017

كيف تشتري كتبك؟

05 أكتوبر 2015
المزيد »

السرد المتقطع والمتناثر على شكل قطع معزولة بثلاث نجمات يُلزمك أن تبذل جهداً يماثل جهد تجميع لعبة البازل لتكوين مجموعة كبيرة من الصورة المحصورة ضمن إطار واسع.. تبدو اللعبة لطيفة عندما يساعدك الكاتب بالعثور على القطعة المناسبة حين يقاطع نفسه كثيراً بما يشبه الاعترافات أو ربما الإفادات. يلعب دور شاهد العيان الذي يتطوع ليروي تلك الأحداث التاريخية حتى التي سبقت ميلاده في مزجها مع راهن فج لتتشكل الصورة التي يرغب في إظهارها. يضع الناشر توصيف "رواية عربية" على نص ابراهيم الجبين المسمى "عين الشرق"، لكن الكاتب نفسه غير مكترث بالتسمية ولا يبالي إن لم يكن العنوان يشابه ما كتبه بل كان حريصا أكثر على توصيل شهادته بتفريغ تجاويف ذاكرته المليئة بالأسماء والصور والتقاطعات والأخيلة على شكل سرد قصير مركز، بأسلوب صحافي مع جرعة تشويق عالية الشحنة يسارع الكاتب إلى قول ما يعرفه قبل أن يندثر وكأنه الشاهد الأخير. كان الجبين ملهوفاً لاطلاعنا على مجموعة من الحقائق ذات الشكل التاريخي ولكنها لازمة في الوقت الحاضر لترسيخ حقائق أخرى أو لجلاء ما طمس أو ما أريد له أن يكون غامضاً. يختلط الوطني بالشخصي وتتبعثر الأسماء المشهورة والمغمورة على صفحات الرواية ويعيد الكاتب توصيفها أو اتهامها ويعيد تسميتها وإدراجها تحت عناوين جديدة مستنداً إلى ذاكرته وأحياناً "جراب" مليء بالوثائق أقرب إلى قبعة لاعب الخفة الذي يخرج منه التاريخ على شكل بوالين صغيرة تفقع في وجهك أو ترتطم بالأرض محدثة قرائن جديدة، كل ذلك يحدث داخل الحضن الكبير الذي يحفظ الكاتب تفاصيلة والمسمى دمشق أو عين الشرق كما يقتبس الكاتب من الرومان. الكاتب المريض بذاكرته التي ترفض أن تتجاهل كل ما يمر بها، يصادق رساماً عجوزاً يحمل ذاكرته في كيس، يخرج منه الأشياء فيتغير الواقع، الشاعر المرموق المرشح لجائزة نوبل كان عنصراً في الشعبة الثانية وهي جهاز القمع سيئ الصيت المعروف بالمخابرات، والجاسوس الذي سارعت السلطات إلى شنقه مجرد مبعوث، يعرض الإعلام الرسمي جزءاً من سيرته، أما الجزء المهم فموجود داخل كيس الذكريات، كان هذا المبعوث يبحث عن أحد رجال هتلر الموجود في عين الشرق، مابين إبقاء القارئ متربصاً ومنتظراً، وبين الإدلاء بالحقائق يقدم الجبين هذه المعلومات حيث الزمن هو الثابت الوحيد، فالذاكرة المثخنة بالوقائع كالكيس المتين الذي لا يسرب شيئاً. يرفض الجبين أن يقول كل شيء دفعة واحدة، يعتصر نفسه قطرة قطرة، ويحافظ على أيقونة الثلاث نجمات، وتأتيك المعلومات وكأنها تتسرب من شخص يُحتضر يحتاج إلى حقن مقوية ليكمل اعترافاته، تتكاثر الحكايا وتتقاطع، والأسماء تولد أسماءً جديدة، وتشعر أن الكاتب يبطئ سيره عند نقاط محددة يريد أن يسهب عندها، لا يخونه تدفق الذاكرة ولكنه يرغب في إعادة عرض بعض أجزائها مرة ثانية. تتقاطع سيرة مجموعة "حراس الأرض" العلوية وهي ثلة من المدعين ممن عرفهم الكاتب مع حادثة سجن الشيخ ابن تيمية، يدخل الكاتب إلى سجنه ويحاوره منتزعاً منه براءة لم يستطع الإثم الباطني أن يطمسها، يتحيز للسجين صاحب المواقف الجريئة ويحرص أن يفند آراءه كلها ولا يستثني فتاويه المثيرة للجدل والتي تدين "حراس الأرض" حتى قبل أن يولدوا. يظهر العشق الكامن لعين الشرق أو دمشق عند الكاتب وهو يلاحق سيرة الأمير عبد القادر الجزائري، ويتوقف حيث يجب أن يقف عند "طوشة النصارى"، حيث كان الأمير أميراً، هنا لا ينبش الكاتب ذاكرته بل ينبش الجدران والأرصفة والحارات القديمة التي سالت فوقها دماء النصارى، وحيث أثر دعسات أقدام الأمير، ويجد وقتاً لينحي ذاكرته جانباً ويستدعي حلاً أشبه بنظرية المؤامرة عندما يصر على أن "الطوشة" كانت مكيدة أريد بها ضرب صناعة النسيج الدمشقية الناشئة، وقد تم ذلك بنجاح بتحطيم أجهزة إنتاج البروكار والأقمشة الفاخرة، وقتل الصناعيين المهرة أو إجبارهم على الرحيل، ثم بث الذكر بالمستثمرين ليحملوا روؤس أموالهم ويغادروا البلاد، وقد تم كل ذلك بسلاسة حل لعبة سودوكو سهلة. لم يعتمد الكاتب على ذاكرته لابتكار هذا الحل كان الأمر بحاجة إلى استقراء اقتصادي ذي طبيعة صناعية، ودون الالتفات إلى بنية الشارع في أواسط القرن التاسع عشر ولا إلى إرث ابن تيمية الذي خرج بريئا بأثر رجعي من محكمة الكاتب. لا نستطيع أن نطبق على هذا النص مقولة رولان بارت بتنحية الكاتب عن نصه فور إنجازه، إذ يبدو النص كفتاوي ابن تيمية تحمل نكهة عصرها وثقافة كاتبها، ولا يمكن فصلها عنه أو فصله عنها، وهو مليء بلواعج شخصية معذبة بذاكرة ترغب أن تلفظ ما تحتويه، والمشاعر الخاصة طاغية في العلاقة مع الشخصيات والأحداث والأشياء وحتى الاستنتاجات، ولم يكن الكاتب بحاجة إلى جهد تبرئة ابن تيمية فالرجل بريء فقد كان محكوما بقوانين ظرفية أراد أن يحطم بعضها كما يفعل كل المبدعين، ولكن الجبين أراد أن يسبغ عليه شرعية معاصرة، وبدا متعلقاً بالأمير الجزائري أكثر من دمشق، عندما لاحقه وحاول التقرب من أحفاده ليتعرف على تفاصيل الأمير الدقيقة. ملأ الجبين صفحات مدونته بالأسماء وبالأحداث بطريقة صحف التابلويد، عناوين مثيرة تثير شهية التعمق، ولكن الكاتب توقف عند العنوان ليعرض الذي يليه. كان مثيراً عندما عرَّفنا على صداقة الأسد الأب بأحد مهندسي الهولوكوست، وكان صادماً عندما قرأ علينا سيرة جديدة للجاسوس إيلي كوهين، وكان فضائحياً عندما عرفنا أن في دمشق أو "عين الشرق" مسبحاً للعراة رفض الكاتب دعوة للتمرغ في مياهه كل ذلك كان موجودا في ذاكرة الكاتب "الكاش". للكاتب الحق في أن لا يسمي هذا النص رواية، رغم وجود ملامح حكائية وطغيان سيمياء الرواية، فقد لجأ إلى تقطيع السرد، على شكل منولوجات منفصلة يمكن أن تكون بعضها فقرات حرة مقطوعة العلاقة بما يحيط بها، واضطر أن يكون إخبارياً أحياناً محافظاً على صيغ التقارير مع محاولة إثارة الدهشة والإعجاب بطرافة المعلومة، ودمشق التفاصيل والجغرافيا كانت ملمحاً مهماً وحاضراً ولكن كوعاء حيادي لكل المزيج التاريخي الذي نشره أمامنا، فلم يظهر من عين الشرق إلا الاسم وولع الكاتب. كان الحضور الأكبر لإعادة ترتيب بعض المشاهد المهمة وإدانة الديكتاتور والإثم الذي اقترفه بحق المدينة. بدأ الكاتب نصه غاضباً ومتحمساً ومتعجلاً أيضا وقال معظم ما يعرف فيما هدأ في القسم الثاني وحرك شخصية الأمير عبد القادر الجزائري كثيراً، وفقد حسه الصحفي وكاد أن يقطع علاقاته مع كيسه الإخباري المثير. كانت رواية "عين الشرق" (الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 2016)، نصاً يسهل التعامل معه، ويمكن أن تجد بين شخصياته وأسراره ما تتفق معه دون أن يأخدك بعيداً أو يدلك على مصدر أكثر عمقاً، يكتفي بتلاوة عناوينه ولا يجبرك على تصديقها، ولا يلزم نفسه بتسليم وثيقة واحدة من وثائق الكيس عليك أن تثق بذاكرة ابراهيم الجبين ولو كانت "مريضة" بالهايبرثيميسيا.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...