A-Ile Self-hallucination

أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة التشاؤمية كمعيار أخلاقي إنّ السحر الذي يتمتع به ستيفان زفايغ والعمق الذي تفوّق به على كثيرين غيره من الكُتّاب المشهورين عالمياً، قد أباح نفسه في روحي منذ أول قراءة له "لاعب الشطرنج"، ورغم قصر العمل وفكرته التي قد تُعتبر بأنها أحد ضروب الواقعية المضطربة بشخوصها، من خلال غرابة الأحاسيس التي تنفذ في صفحاتها، رغم واقعية كل شيء بها، إلا أنها تركت صورة في مخيلتي، بأن قراءة هذا الرجل تتفوق في حدتها وأخلاقيتها ورعبها ما تتمتع به قراءات كافكا ودوستوفسكي ودانتي وبروخ. لقد تركت في داخلي إعجاباً قلّ مثيله أثناء قراءة كتاب ما. وشعرت أن قراءة زفايغ يجب أن تترافق لمستوى من التحضير النفسي قبل الغرق في صفحاته كي يستطيع القارئ النفاذ إلى المخيلة الأكثر رعباً في معناها الأخلاقي. عندما بدأت بهذه الرواية "أربع وعشرين ساعة في حياة امرأة" أُصبت بلعنة البطء في تتبع كل كلمة والتلذذ النادر في التفاصيل وفي الرؤى الأخلاقية لشخوصه، وهي من الأشياء القليلة الحدوث في قراءة رواية ما، وعندما أنهيتها أدركت بأن انتحار زفايغ عام 1942 في البرازيل هو أمر طبيعي لرجل مثله، عانى دائماً من مستوى أخلاقي رفيع في هذا العالم، محاولاً التعبير بكل قوة عن أزمته الوجودية دون جدوى. خلال مئة صفحة حاول زفايغ معالجة مسألتين فيهما من التنبّه والعمق ما جعلني أعود للوراء في روايتين قبله ناقتشا المسألة من منظور آخر واُعتبرتا حتى اليوم مرجعاً للتفسير النفسي والأخلاقي، لكن زفايغ رمى بأوراقه المائة ليعيد تشكيل العالم، وليهدم منظومة مُشرّعة، دون أن يلتفت أحد إليها حتى وقتنا الحاضر. إنها تماماً تشبه نظرية الفن لأرسطو التي بقيت مُتبعة في العالم لعشرات القرون، لكن عصر التنوير أزاح اللثام عن تلك النظرية العتيقة ليبدأ عصر عالمي جديد في الفهم. بمثل ذلك الشكل زرع زفايغ في قلبي رؤية مختلفة عن معالجتين قديمتين، وهما ما سنناقشهما هنا، "النظرة الأخلاقية من منظور تشاؤمي". الأولى هي معنى سقوط الإرادة الأخلاقية والاندفاع الإنساني كصورة قدمها يوماً فلوبير في مدام بوفاري، والثانية هي الهوس المميت والنهاية البشرية التابعة لها كما قدمها دوستوفسكي في المقامر. وبرغم أن كلتا الروايتين مستقلتان بالمعنى التطوري للحدث الدرامي في كل منهما، لكن زفايغ استطاع مزج الفكرتين في عمل واحد وقصير، وهذا بحد ذاته يدلل على عبقرية فطرية في التعامل مع الأدب. في سقوط الإرادة الأخلاقية: منذ قرن ونصف تقريباً ظهرت مدام بوفاري للنور، وتربّعت مباشرة على العرش الأخلاقي لتاريخ الأدب، وبقيت للوقت الحالي من أهم العناصر التي يتم الاستشهاد بها بمعنى الانحطاط للسلوك البشري، رغم إشكاليتها المطروحة (لدى البعض) بأنها تصوير للصراع بين الواقع والرغبة. فإيما بوفاري ذهبت إلى أقصى حد في محاولة اكتشافها لمعنى الذات، فهي المتنقلة بين إحساسها بالغفران الذي تلقته من الكنيسة وبين قراءاتها الكلاسيكية التي زرعت في مخيلتها رؤى للعاطفة، لكن بعد زواجها اكتشفت تقليدية الحياة ومللها واعتيادية الحب والجنس. ذلك الاكتشاف الذي دعاها للتمرد على النموذج الأخلاقي المتعارف عليه، فتنقلت بين عشاقها وزوجها لينتهي بها المطاف منتحرة. إن تجربة إيما بوفاري هي تجربة اكتشاف محض وبحث عن المعنى الشخصي للوجود، وهذا ما عرضه زفايغ مع شخصية بطلته الإنكليزية السيدة "س" بمستوى إحساسها لفكرة الانحطاط التي كانت تسير إليها مع إدراكها لسوء الأمر، مع فارق أن السيدة "س" كانت تجربتها آنية، ناتجة عن مجموعة من التناقضات اللحظية بين فعل الخير والانزلاق إلى العهر (المرفوض اجتماعياً). إنّ خط الحياة لدى إيما، يشبه خطاً أفقياً يتصاعد ليصل إلى ذروته، إنه نمط التطور الكلاسيكي للواقع، فمن الطبيعي بعد كل تلك التجارب ستؤدي بوفاري غايتها للوصول إلى ذلك المستوى من النهاية المتجلي بالانتحار، لكن خط حياة السيدة "س" يشبه المنحني الذي يكون في الأعلى ليهبط للأسفل ثم يرتفع ويكمل حياته كمعنى أخلاقي رفيع في الوجود دون أن يعلمه أحد. وبرغم أن إيما أكثر تحرراً بالمعنى العقلي، رغم لا عقلانية السلوك، وأكثر قدرة على التفكير والموازنة والاختيار كإرادة حرة، لكنها سقطت في النهاية كتعبير عن الرفض الذاتي لسلوك الحياة الذي أرادته ولم ترده بنفس الوقت، لكن السيدة "س" كانت تجربتها الآنية بمثابة اندفاع عاطفي غير عقلاني، ورغم سقوط إرادتها لحظياً لكن احتفظت بالسر الذي أبقاها كمنتصر في عملية الصراع الأخلاقي وأمام مجتمعها. إنّ المميز في شخصية السيدة "س" هو بالضبط تلك اللاعقلانية في التعامل مع تجربتها، الذي من المفترض كسلوك طبيعي أن تصبح الإرادة الحرة فيها مستباحة، نتيجة اللاعقلانية والعاطفة الاندفاعية، وبالتالي السقوط المشابه لبوفاري .. لكن ما الذي جرى وأنقذ فعلياً السيدة الإنكليزية من المصير البوفاري !! قد تبدو للوهلة الأولى أن التجربة الوحيدة في الأربع وعشرين ساعة لم تكن تكفي السيدة "س" لذلك السقوط، فإيما اتخذت خط حياة طويل بينما "س" لم تستغرق يوماً. ذلك الفارق الزمني قد يبدو سبباً منطقياً لدى البعض، لكن المسألة ليست بهذه السطحية، فالزمن لا يقارن بالمعنى العاطفي. يعرض زفايغ المعالجة الأخلاقية للسيدة الإنكليزية في حديثها عندما تقول: - ووسط هذه الغرفة القذرة وأثاثها البالي، في نزل الزنا هذا، الكريه والمتسخ، غمرني فجأة شعور رائع بمعجزة وتطهّر، كذلك الذي أشعر به داخل كنيسة. وقد وُلدت فيّ من اللحظة الأكثر رهبة في حياتي، لحظةٌ ثانية أكثر قوة وإدهاشاً. كانت تلك اللحظة للسيدة، لحظة إدراك داخلي بالعهر، لكن فيها شيء من إنقاذ الإنسان من الموت، إنها خليط بين الرأفة والحب الغامر، وقد رسمه زفايغ باحتراف قلّ مثله. إن كانت بوفاري قد اختبرت التجربة بمعناها البحثي عن الذات وانتهت بانتحارها نتيجة طغيان الفكرة على الجسد والواقع، وسيطرة رغبة تملّك كل شيء على قبول ما لديها، فالسيدة "س" اختبرت التجربة بصيغة الإنسان الواقعي (رغم عاطفيته المنطلقة) الذي قد يرضخ لمتطلبات الرأفة الشخصية والتي تتحول إلى عشق، وذلك ما أدى بها في النهاية للاستمرار بحياتها والاحتفاظ بالسر لأربعين عاماً لاحقة. ما حكم السيدة الإنكليزية هو الاندفاع العفوي لرفض فكرة الموت الذي شاهدته في بطل العمل (الذي سنناقشه في القسم الثاني)، فكل ما فعلته كان بدافع الإنقاذ، لكن بالنتيجة أدى بها إلى عشق أفقدها رونق الشرف الأنثوي (بحسب منظورها). هنا تتجلى اللحظة التشاؤمية لدى زفايغ بمعناها الأخلاقي، فعدم سقوط السيدة "س" في المصير البوفاري هو بسبب الحامل الذي رسمه زفايغ (المقامر). إنّ مستوى انحطاط شخصية البطل، وهبوطه إلى القاع رفع من الشأن الأخلاقي للسيدة. نشاهد التصوير البوفاري كرغبة عندما تقول: - لو تشبّث بي ذلك الرجل حينها، لو طلب مني اللحاق به، لذهبت معه إلى أقاصي العالم، ولطّخت شرفي وشرف أولادي، ولهربت معه غير عابئة بأقاويل الناس ولا بضميري ... لضحيت من أجل هذا الرجل بمالي، واسمي، وبثروتي، وبشرفي .. ولتسوّلت من أجله، ولعلي ما تورعت عن قبول أي دناءة في العالم يجرني إليها. ولكنت لفظت جميع ما يُسمّى في المجتمع عفة واحتشاماً، لو تقدّم نحوي فحسب، وقال كلمة واحدة، لو تقدم خطوة واحدة، لو حاول أن يحضنني، لكنت في تلك اللحظة ضائعة ومرتبطة به إلى الأبد. تلك العاطفة المهدورة والتي كادت أن تقوم بعمل الانحطاط لولا تشاؤم البطل المطلق بعد خسارته في المقامرة ورغبته بالموت، كانت تلك العاطفة قد تجلت بأشنع صورة تشاؤمية يمكن لتاريخ الأدب رسمها، لو أنّ البطل قال كلمة واحدة وبقي مقامراً، لكانت السيدة الإنكليزية قد أصبحت مقامرة مثله نتيجة عاطفيتها، لكن عدم قوله والتطور الدرامي للأحداث الذي من خلاله توقف عن لعب القمار لوقت قصير قبل أن يعود والصراع بينهما بعد الوعد الذي قطعه على نفسه في الكنيسة، هو من أنقذ السيدة من ذلك المصير البوفاري قطعاً، والذي سيؤدي بها إلى الموت عاجلاً أم آجلاً. بهذا المعنى تجلت الإرادة الحرة وسقوطها بشكل عكسي أدى للاستمرار، وهو ما خلق لدى زفايغ رؤية جديدة حول معنى الانحطاط وكيفية تحويله إلى عنصر أخلاقي مجتمعياً، رغم إحساسها لأربعين عاماً بالذل الشخصي. إن انسياق السيدة وراء العاطفة قدمها كنموذج أخلاقي لكن بانحطاط داخلي لم يظهر، لأنها لم تمتلك تجربة البحث المستمر على طول خط الحياة عن الذات كما فعلت إيما بوفاري. وهنا يتجلى المعنى الحرفي لفكرة زفايغ، أنّ الصورة الأخلاقية مجتمعياً لن تُصاب بزلل، وستبقى محافظة على فكرة الإرادة الحرّة (توهماً) ما دامت خاضعة لمنطق عدم البحث عن المعرفة والذات. في الهوس المميت والنهاية البشرية: لم يعرف العالم الأدبي صورة أكثر قوة وتعبيراً عن المقامر وتجليه في الحياة إلا من خلال البطل "ألكسي إيفانوفتش" التي قدمها فيدور دوستوفسكي في رواية المقامر. فتلك الصورة التي رسمها فيدور أوضحت بشكل جلي معنى الهوس البشري بأمر ما. المعرفة بالسلوك السلبي للمقامرة، والرغبة بالخلاص منها، والخسارة الدائمة، والعودة إليها. كل ذلك يتجلى في عمل المفامر، لكن الميزة الأساسية له والتي افترضها فيدور كانت في ختام العمل عندما يطلق "ألكسي إيفانوفتش" عبارته الأكثر شهرة في تاريخ الأدب: - غداً .. غداً سينتهي كل شيء. بذلك الشكل الساخر أغلق دوستوفسكي عمله تاركاً بطله ألكسي يقوم بآخر مقامرة له قبل عودته إلى بلاده. لكن تلك السخرية الضمنية في العبارة توضّح تماماً، لا شيء سينتهي، فهوس المقامرة مثل أي هوس آخر، والوعد الذي قطعه على نفسه بأن غداً سينتهي كل شيء، ليس أكثر من كلام مقامر. بذات الشكل يقوم زفايغ برسم ملامح بطله المقامر الذي يخسر مقامرته في بداية العمل، ويصفها زفايغ أيضاً بطريقة أكثر من رائعة باختلاجات اليدين وبالمشاعر التي ترتاد البطل وإحساسه بالهزيمة اتجاه الكون لا اتجاه ذاته فقط. كل تلك التوصيفات يركّبها زفايغ ليطرح الإشكالية برغبة بطله بالانتحار. إنّ ألكسي إيفانوفتش يشعر بالسوء لخسارته وقطعه لوعوده، لكن بطل زفايغ يشعر برغبة الموت، مع توافر الهوس لكليهما، لكن ألكسي في صورته الانحطاطية مندفع للحياة وباحث عن أي وسيلة لجلب الأموال من أجل إعادة المقامرة، بينما بطل زفايغ أكثر طفولية، إنه مهووس دون البحث عن مورد الهوس، دون السعي، إن خسارته هي بمثابة موته. يعرض زفايغ مع قصة السيدة "س"، قصة بطله المقامر الذي تحاول السيدة إنقاذه من الموت وتقع في حبه، ويشعر البطل بأن ملاكاً أُنقذه، وهو ما يُسيء شعورياً للسيدة "س" بأن نظرة الرجل الذي أحبته هي نظرة لملاك وليست لأنثى. لكن هل كان بطل زفايغ يهتم بكل تلك التفاصيل الأنثوية باعتباره مقامراً مهووساً !! بالتأكيد لا. بعد الوعد الذي قطعه وسفره المفترض والأموال التي أعطته إياها السيدة للسفر، تعلو مشاعر الحب في قلبها فتلحقه إلى المحطة حيث القطار انطلق، فتعود خائبة وتسير في كل الأماكن التي ارتاداها سوياً بما فيها أول تعارف بينهما، صالة القمار. هناك تشاهده جالساً يقامر. لقد أخذ أموالها ولم يسافر. تتجلى تلك اللحظة المهووسة بنزوع الإنسان إلى كل شيء إدماني. تحاول إيقافه عندما يدفعها صارخاً بها أن تدعه وشأنه وهو يرمي في وجهها أوراقها المالية التي أعطته إياها قبل يوم، واصفاً إياها بالعهر بعد أن أمضيا ليلة في نزل حقير. كان ذلك المشهد هو المنقذ للمصير البوفاري للسيدة "س" وسقوط البطل في القاع. هنا يمشي زفايغ بذات الإيقاع النفسي مع رؤية دوستوفسكي حول هوس المقامرة، لكن بعد ذلك يجري شيء ما يشق الصورة الافتراضية للمقامر التي صنعها فيدور باعتبارها الصورة الأكثر كلاسيكية حول طبيعة المقامرة. يخبرنا زفايغ في نهاية العمل وبعد رحيل السيدة "س" بسنوات، أن البطل قد انتحر في صالة قمار قبل عشر سنوات، في تلك اللحظة لا تشعر بأي مشاعر اتجاه ذلك الذي عشقته يوماً، بل على العكس تشعر بالراحة أنها لم يعد بإمكانها لقاءه مرة أخرى. إنّ انتحار بطل زفايغ هو الصورة الأكثر تطرفاً في معنى الهوس، فدوستوفسكي قدّم فكرة الهوس البشري باعتباره الصيغة الوحيدة لتكوين هدف يمكن للإنسان الاستمرار في الحياة من خلالهن لكن زفايغ كسر تلك الصورة النمطية بانتحار بطله .. هل يمكن لمهووس بشيء ما، يشعر بأنه إله أثناء قيامه بهوسه، أن يُنهي ذلك الهوس لمجرد هزيمة !. بالطبع صورة زفايغ متطرفة قليلاً بمنحاها العقلي ومغايرة كلياً لصورة فيدور التي أرادها تكاملاً هوسياً للإنسان، لكن صورة زفايغ أكثر راديكالية وتجذراً بالمعنى التاريخي للأخلاق، إنها بالضبط الرؤية التشاؤمية التي ستتجلى بأكبر صورة لمعنى العدم البشري. كان بإمكان بطل زفايغ أن يقول كلمة واحدة للسيدة "س" ويحصل عليها، وهي بدورها ستكون مستعدة للسقوط معه في أشنع صورة أخلاقية ممكنة، وكان بإمكانه أن يحصل على الأموال من خلالها ويبقى مقامراً. لكنه لم يكن يريد سوى هوسه المميت، وهنا تتعارض فكرة البطل المقامر بين فيدور وزفايغ .. فألكسي إيفانوفتش مقامر ساخر ومندفع للحياة وللمقامرة ومستعد لفعل أي شيء، أن يسرق أو يتحايل أو ربما يقتل في سبيل مال للمقامرة، إنها بالنسبة إليه فعل متعة وشعور بالانتصار، لكن بالنسبة لبطل زفايغ إحساس عميق بالوجود وأهمية الذات مع الكبرياء الخالص لمعنى الإنسان، وهذا هو دافعه الحتمي للانتحار، رغم انحطاطه في السلوك الذي مارسه مع من وهبت له قلبها. من خلال هذه البنية نستطيع فهم الصورة التي أرادها زفايغ ببطليه "السيدة س والمقامر" إنها محاولة تقديم صورة الإنسان المثالي بكل أخطاءه وكبرياءه. الصورة الأكثر تشاؤمية للمعنى الأخلاقي لإنسان أوروبا والعالم. أعتقد أنّ هذا العمل "أربع وعشرين ساعة في حياة امرأة" غيّر بنية كاملة في المعاني للصور المتعارف عليها في نظرتنا الأدبية والحياتية، وزفايغ أحد القلائل الذي أمتلك مشروعاً فلسفياً فردانياً ومغايراً عن أدب النصف الأول من القرن العشرين.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...