رانيا منير

الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

رواية ساحرة، لا تقرأها بعينيك فقط، وإنما بجميع حواسك، ترى الجبال والشِعاب والوديان والغدران، تسمع أصوات الضفادع والخنافس والحجل والوبران. تشم رائحة النباتات العطرية التي لا تفارق ملابس سكان تلك المنطقة كالريحان والكادي.. تفكر بطعم أغصان البشام التي يلوكونها بين أسنانهم، وتتذوق مع عطية وصديقه فوق قمة الجبل طعم أطيب شايٍ يستغرق صنعه منذ بدأ بغسل الأواني عند الصفحة 131 وحتى الصفحة 133 ويسهم في إعداد هذا الإبريق ماء الغدير وشجرة العدنة والبشام والشاي الخشن والنار وأصوات الليل.. تشم رائحة الخبز الذي أعدته غالية في الجبل، وتشعر بحلاوة قرص العسل الذي تذوقه عطية بعد مشقة الوصول.. تستمع لحكايات جدة عطية فتشعر كأنك تقرأ في أحد كتب التراث أو قصة من قصص ألف ليلة وليلة.. أشجار السدر، العدنة، السمر، البشام، المض، السلم.. طيور الحجل، أبي معول، الصفرد، الوبران، عيد وسعيد، الثعلب الماكر الذي حاول التشويش على عطية أثناء الصيد (بصراحة أضحكتني القصة ولكن لم أقتنع أن الثعلب أغمض عينيه عندما استدار عطية إليه وتظاهر بالموت رغم ضربه بالعود)، والذئب اللص، والكلب غنام، كلها شخصيات نابضة بالحياة لدرجة أنك تحزن لموت الكلب غنام وتشعر بالارتياح لموت رجل كهياس.. عطية الإنسان الحر، المتمرد، الكائن اللامنتمي، "الذي يفكر خارج دائرة العائلة دائماً" تخنقه الحياة في المدينة وسط الزحام والضجيج وطوابير الحالمين بوظيفة مدنية التي يأس من الحصول عليها فالتحق بوظيفة في الحرس الوطني على الحدود بين السعودية واليمن.. كان أول انتصار لشخصية عطية عندما تمكن من رمي القناص الذي كان يوقع رفاقه الواحد تلو الآخر مستدلاً عليهم بوميض سيجارتهم، كان يجيد الرماية والتفكير فرغم انتصاره وانتقامه من قتلة رفاقه شعر بالحزن، لأنه لا يرى في إشعال الحروب وإراقة الدماء أي نصر: "لكن عطية يشعر بداخله بشيء مكسور، فهو لأول مرة يظن أنه أزهق روحاً".. بعد نهاية الحرب قرر ترك الحياة العسكرية رغم الترقية والعروض المغرية التي قدمت له ووصمة "شرد من العسكرية" التي ستلصق به لكنه روح حرة لم تخلق لهذه الحياة، قدم استقالته وعاد للعمل مع إخوته في المستودع العمل الذي لم يكن الحال فيه أفضل بكثير.. كيف يمكن لإنسان يعرف رائحة الطبيعة والوديان والجبال أن يحتمل العيش وسط رطوبة مستودع تتكدس فيه "قطم" الأرز وكراتين رقائق البطاطس وكراتين الفوط النسائية! شرد مرة ثانية ولكن للديرة هذه المرة: "في الوادي يشعر بالانتشاء، فلديه الآن غنم، وسلاح، وذخيرة، ومال يكفيه لتحقيق أحلامه القروية". يعيش هناك تجربة الحرية والحب والعيش مع الطبيعة، لكن سعادته لم تدم.. من الاقتباسات الجميلة التي جاءت في مقدمة الرواية والتي تعبر بحق عن موضوعها: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.." سورة الحجرات 13 "السعادة تكمن في زراعة بستانك" فولتير "الوطن حيث يكون المرء بخير" أريستوفان ينتقد الكاتب التفكير العنصري والطبقي الذي يؤدي لهدم حياة وسعادة انسان لم يعتد على أحد ، فقد تم تفريق انسان كريم شريف وشهم عن زوجته فقط لأنه أدنى نسباً ولأنه يقوم بنفسه بأعمال صناعة لا تليق بأنساب شيوخ القبائل! في الوقت الذي كان فيه ابن شيخ القبيلة شخصية قذرة لا تستحق ثمن الرصاصة التي قتل بها.. ملاحظة: هناك بعض الأسماء لم أفهمها فكنت ألجأ لجوجل للبحث عنها، كأسماء النبات والحيوانات والأشجار، إضافة لبعض العبارات في الحوارات القليلة باللغة العامية رغم طرافتها وجمالها ولا سيما جمل الترحيب والتكريم عند حلول ضيف.. حتى كلمة "الصِفِر" لم أفهم بداية أنها تعني فوارغ الطلقات إلا بعد أن عرفت مصير عطية في نهاية الرواية..


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...