رانيا منير

الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

كثير من الكتب نقرأها وننساها بمجرد الانتهاء منها، فلا تترك لدينا أي أثر أو رغبة بالحديث عنها أو مراجعتها، وهناك كتب تود لو تخبر الجميع عنها وتبقى لعدة أيام بعد الانتهاء من قراءتها، تشعر وكأنك تعيش في عالم آخر، لا هو عالمك الحقيقي ولا عالم الكتاب المتخيل وإنما هو مزبج من الاثنين معاً، ورواية "الفيومي" للكاتب طاهر الزهراني هي أحد هذه الكتب التي نسعد بمرورها في حياتنا بين الحين والآخر.. رواية ساحرة، لا تقرأها بعينيك فقط، وإنما بجميع حواسك، ترى الجبال والشِعاب والوديان والغدران، تسمع أصوات الضفادع والخنافس والحجل والوبران. تشم رائحة النباتات العطرية التي لا تفارق ملابس سكان تلك المنطقة كالريحان والكادي.. تفكر بطعم أغصان البشام التي يلوكونها بين أسنانهم، وتتذوق مع عطية وصديقه فوق قمة الجبل طعم أطيب شايٍ متخيل ذقته في حياتك، قد استغرق صنعه منذ بدأ بغسل الأواني ثلاث صفحات وأسهم في إعداد هذا الإبريق: ماء الغدير وشجرة العدنة والبشام والشاي الخشن والنار وأصوات الليل..كما تشم رائحة الخبز الذي أعدته غالية في "السقيفة"، وتشعر بحلاوة قرص العسل الذي تذوقه عطية بعد مشقة الوصول.. تستمع لحكايات جدة عطية فتشعر كأنك تقرأ في أحد كتب التراث أو قصة من قصص ألف ليلة وليلة.. أشجار السدر، العدنة، السمر، البشام، المض، السلم.. طيور الحجل، أبي معول، الصفرد، الوبران، عيد وسعيد، الثعلب الماكر الذي حاول التشويش على عطية أثناء الصيد، الذئب اللص، والكلب غنام، كلها شخصيات نابضة بالحياة لدرجة أنك تحزن لموت الكلب غنام وتشعر بالارتياح لموت رجل كهياس.. "عطية" بطل الرواية، هذا الإنسان الحر، المتمرد، الكائن اللامنتمي، "الذي يفكر خارج دائرة العائلة دائماً" تخنقه الحياة في المدينة وسط الزحام والضجيج وطوابير الحالمين بوظيفة مدنية يأس من الحصول عليها فالتحق بوظيفة في الحرس الوطني على الحدود بين السعودية واليمن.. كان أول انتصار لشخصية عطية عندما تمكن من رمي القناص الذي كان يوقع رفاقه الواحد تلو الآخر مستدلاً عليهم بوميض سيجارتهم، كان يجيد الرماية والتفكير فرغم انتصاره وانتقامه من قاتل رفاقه شعر بالحزن، لأنه لا يرى في إشعال الحروب وإراقة الدماء أي نصر إذ كان "يشعر بداخله بشيء مكسور، فهو لأول مرة يظن أنه أزهق روحاً".. بعد نهاية الحرب قرر ترك الحياة العسكرية رغم الترقية والعروض المغرية التي قدمت له ووصمة "شرد من العسكرية" التي ستلحق به طيلة حياته، فكل ما يتمناه هو حياة هادئة "بعيداً عن الصراعات، وبعيداً عن الدماء".. قدم استقالته وعاد للعمل مع إخوته في المستودع، لكن إنساناً مر بتجربة الحرب لن يتمكن أن يعود لحياة تستهلك كرامة الإنسان وحريته: "مرّ عطية بتجربة عظيمة في حياته لن ينساها، لقد عرف معنى الحرب، السهر على الحدود، التعرف على أصدقاء يتقاطعون معه في الأجل والمصير، والخسائر، والانتصارات المتواضعة، الانتصار على النفس، والرغبة، ذبح الوهن على خطوط النار.." كيف يمكن لإنسان جبلي يعشق القمم أن يحتمل العيش وسط رطوبة مستودع تتكدس فيه "قطم" الأرز وكراتين رقائق البطاطس وكراتين الفوط النسائية! "شرد" مرة ثانية ولكن للديرة هذه المرة: "في الوادي يشعر بالانتشاء، فلديه الآن غنم، وسلاح، وذخيرة، ومال يكفيه لتحقيق أحلامه القروية". يعيش هناك تجربة الحرية والحب والعيش مع الطبيعة، يزرع أرضه ويربي النحل ويرعى الغنم ويخرج للصيد، ويعيش أصفى لحظات السعادة والهناءة برفقة زوجته "غالية" .. نحن نقرأ عن هذه السعادة بمزيج من الغبطة والأسى لأننا نعرف أن سعادة كهذه لن تدوم أبداً.. من الاقتباسات الجميلة التي جاءت في مقدمة الرواية والتي تعبر بحق عن موضوعها: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.." سورة الحجرات 13 "السعادة تكمن في زراعة بستانك" فولتير "الوطن حيث يكون المرء بخير" أريستوفان تنتقد رواية "الفيومي" التفكير العنصري والطبقي لبعض البشر، والذي قد يؤدي لهدم سعادة وحياة إنسان لم يعتد على أحد فهو "مجرد فلاح يجري في دمائه حب المكان، يريد أن يعيش في وئام في شِعبه بجوار غالية، ويمارس الرماية، والقنص، والزراعة".. لكن صغار النفوس لن تدعه وشأنه فقد تم تفريق هذا الرجل الشهم عن زوجته فقط لأنه أدنى نسباً ولأنه يقوم بنفسه بأعمال صناعية لا تليق بأنساب شيوخ القبائل! في الوقت الذي كان فيه ابن شيخ القبيلة شخصية قذرة لا تستحق ثمن الرصاصة التي قتل بها.. بعد قراءة الكتاب لا تستطيع التخلص من أثر نهاية "عطية" المأساوية، فهي نهاية تخبرنا بأن لا نحلم بسعادة مطلقة، وأن لا مكان على هذه الأرض لمثل هذه السعادة.. لا تستطيع أن تتجاوز بسهولة شعورك بالغضب والاستياء لهذا المصير الذي جعله ينزف ذاكرته مع دمائه على قمة جبل شهد قصة حبه لزوجته ولأرضه ولجميع المخلوقات.. ملاحظة: هناك بعض الكلمات التي لم أفهمها فكنت ألجأ لجوجل للبحث عن معناها، كأسماء النباتات والحيوانات والأشجار، إضافة لبعض العبارات في الحوارات القليلة باللغة العامية رغم طرافتها وجمالها ولا سيما جمل الترحيب والتكريم عند حلول ضيف.. حتى كلمة "الصِفِر" لم أفهم بداية أنها تعني فوارغ الطلقات إلا بعد أن عرفت مصير عطية في نهاية الرواية..


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...