بين الكتب والقرّاء


الحصان والمكتبة

03 أغسطس 2017
المزيد »

ميتتان لرجل واحد جورج أمادو " على كل فرد ان يعتني بدفن نفسه ، فلا وجود للمستحيل" هل حقا مات كينكاس هدير الماء ام ان جواكيم هو من مات ؟ لكن استميحكم عذرا ؛ أليس كينيكاس هو نفسه جواكيم بعد ان قرر ان يحيا متحررا من كل قيود و ضوابط المجتمع بعد ان ابلغ الخمسين من عمره؟ هل يمكننا ان نحيا مثله بهويات و ذوات متعددة؛ لنكون عندالبعض قديسين و لدى أخرين شياطين فلتت من عقالها؟ إليكم القصة يا سادة ؛ يقرر الموظف. المحترم جواكيم سواريس دي كونَا الذي عاش تحت نياط سلطة زوجته المتسلطة حياة رتيبة لا روح فيها و لا حس للمغامرة ، تثقله الضوابط المجتمعية ، و حرصه ان يكون حسب معايير الاخرين ليحوز على تقديرهم و رضاهم... باختصار لم يكن يحيا حسب ما يُؤْمِن به؛ لم يكن سوى قناع مزيف للواجب ، لذات مشوهة هي شتات من رضا هذا و ذاك .. حتى يفيض به الكيل و يقرر بعد تقاعده من دائرة الضرائب ان يحيا حياة التشرد و السكر و العربدة بين حانات باهيا البرازيلية الرخيصة و في احضان المومسات.. تتنكر له أسرته و تعلن موته الرمزي .. فالسيد المحترم جواكيم قد مات ليختار العيش باسم جديد كينيكاس هدير الماء الذي كان يردد انه وحده من يمتلك خيار حياته و موته..و لن يقبل الا للبحر ان يطوي جسده و يغيب في ظلمته باختياره! كيف يمكن للإنسان ان ينقلب من النقيض الى النقيض ؟ هل يمكن ان نقول بان روحا شيطانية كانت كامنة في جسد جواكيم و كانت فقط تنتظر لحظة انفلاتها من عقالها ؟ ألا تسهم الظروف و القيود المجتمعية على تشويه صورة الذات في مرآتها الشخصية، حتى اذ ما ادركت ذلك انتفضت عليها معلنة سخطها على كل شئ، لتبالغ في التحور الى الذات الاخرى ،التي كانت تتمناها يوما، تمتص من الزمن كل ثانية لتعوض ما فاتها ، فإذ بها تنساق بجنون الى النقيض مما كانت ؟ نعود الى كينكاس او جواكيم الذي توافيه المنية على فراشه البائس بملابسه القذرة و ينتقل الخبر ، لتزفر أسرته زفرة ارتياحها الابدي لتخلصها من ذاك العار الذي ألحقه بهم بسيرة حياته الماجنة في سنواته العشر الاخيرة.. كل ما يجول في خاطرهم هو التفكير في تكاليف الدفن وتجهيز الميت و كيف سيواجهون تهامز الناس ( المحترمين طبعا) حين يسمعون بخبر رحيل جواكيم .. في محاولة من ابنته القاسية فندا لإعادة ابيها الى عهده السابق ( اي الخنوع لسلطة أمها ) تكلف مؤسسة تجهيز الموتى لتحضير الميت الذي لم تذرف دمعة واحدة من اجله، و يتم تبديل ملابسه ببدلة سوداء أنيقة و قميص ابيض و حذاء لامع .. لا ضرورة للإسراف اكثر، لذا تغاضت العائلة عن إلباسه ملابس داخليه ، فكل ما يهمها ( المظهر) لا ( الجوهر) صورة جواكيم الخارجية في عيون الاخرين .. اما روحه اما جوهره اما داخليته فلطالما تجاهلتها طويلا في حياته و الان عند موته..الى هنا ما زلنا نتناول سيرة حياة جواكيم و لكن ماذا عن شخصيته الاخرى كينكاس هدير الماء التي اختارها بمحض ارادته؟ كيف سيستقبل أصحابه خبر موته؟ من قاع المدينة ؛ حيث المواخير و بيوت الدعارة و الخمارات النتة يتعالى النحيب، فهل حقا مات ابوهم الروحي ؟ هل حقا مات كينكاس السكير المعربد المحبوب كجيفة على فراش في غرفة بائسة! ماذا عن وعوده بالموت في ظلمات البحر ! يسارع أصدقاؤه الأربعة الى غرفته و الدموع تجلل عيونهم .. رشيق الحركة .. المدهون.. النقيب..الطائر الجميل مجموعة من الصعاليك بألقابهم المستعارة من حياتهم المستهترة بمعايير المجتمع لكنها متسقة و متصالحة مع ذواتهم و مع ما يريدون من هذه الحياة ، رغم اختلاف كل شخصية منهم عن الاخرى .. يعزي كل منهم رفيقه؛ فالعلاقات الحقيقية هي التي نختارها لا ما تفرض علينا .. أسرته تنكرت له رغم استقامته خمسين عاما ، لانه في نظرها أساء اليها بتصرفاته، بينما كانت مشاعر أصدقائه حقيقية صادقة رغم قصر مدة معرفتهم به مقارنة بعمره المديد الذي قضاه مع عائلته .. هاهم يبكون و يحتسون ما تبقى من زجاجة الخمر .. يسهرون على الميت بعد ان تعهدوا لعائلة كينكاس بالسهر معه و آثر اهله الخلود للراحة و الاستعداد ليوم الدفن ، يسكر الأربعة و يقررون ان يشاركهم كينكاس الشرب .. كيف لا ؟ أليست ابتسامة كينكاس تعلو وجهه رغم موته؟ أليس اذا هو سعيد لتواجدهم حوله؟ ألم تكن تلك الابتسامة التي اخذت قلوبهم الى بر الأمان هي ذات الابتسامة التي رأت فيها عائلته تماديا في وقاحته حتى و هو ميت؟! المهم يقرر الرفقة ان هذه الملابس الأنيقة تعيق تعرفهم على كينكاس ابوهم الروحي و مادام سيدفن و الدود سيأكله، فلماذا يبقونها ؟ انتزعوا ملابسه الأنيقة .. وزعوها بينهم ..ألبسوه ملابسه القديمة في تأكيد منهم لهويته التي اختاره هو لنفسه ..و أسرفوا في سكرهم حتى أعلنوا ان اليوم هو عيد ميلاده ! ليكون موته معادلا موضوعيا لميلاده فقد مات جواكيم ليحل محله كينكاس .. و يتذكرون ان صديقا لهم سيقيم حفلة على مركبه مع وجبة طالما احبها كينكاس .. يقررون الاحتفال و يجرجرون الجثة المبتسمة في الطرقات .. يدخلون حانة يتسبب كينكاس بمشاجرة لان ساقه الممدودة قد أسقطت احد السكارى عندما مر و استفزيته ابتسامة كينكاس الساخرة .. تنشب مشاجرة و تهرب العصبة التي لم تنس ان تحضر معها عشيقة كينكاس التي تعاتبه كيف أمكنه ان يمزح مثل هذه المزحة و يتظاهر بالموت.. تلعنه تضمه فهي لم تصدق بعد انه ميت .. هاهنا البطولة المطلقة في هذه الرواية لميت .. ميت يصر أصحابه انه حي .. لانه لم يمت وفق الطريقة التي أعلن عنها في حياته و ساعد سكرهم على تعزيز قناعتهم بانه حي،في ظلال جو ساخر رسم الكاتب جورج أمادو لوحة جرجرتهم لجثة كينكاس و إنكارهم لموته،و تصوير مشهد موته الثاني الذي سيقنعهم برحيله الابدي ، حين يركبون المركب و تهب عاصفة و تضرب موجة هائجة المركب و تبرق البروق عندها يسمعون صوت جسد يلقى الى الماء .. كينكاس يرحل اخيرا كما كان يتمنى و يتناقلون عبارته الشهيرة : " على كل فرد ان يعتني بدفن نفسه ، فلا وجود للمستحيل" الرواية و ان كانت تبدو ساخرة تبعث على الضحك في بعض صفحاتها القصيرة رغم جلال الموت الذي جردته من ردائه ، الا انها تدفعنا للتفكير في وجودنا في ذاتنا ، فهل نحيا وفق ما نطمح اليه و نقتنع به ، حتى و ان تعارض مع الاّراء المجتمعية ، ام نحيا و نقدم انفسنا للاخرين وفق ما يرضيهم بغض النظر عن رضانا الشخصي عن ذواتنا؟ هل يمكن ان نرسم خط حياتنا الخاص بنا و ننتصر لارادة الحياة التي نريدها لنكون اكثر انسجاما مع ذواتنا ، حتى لا تتمزق بين ما هو كائن منها و ما تتمنى ان تكونه يوما ؟ أليس في هذا السعي لارضاء الذات و التناغم معها مخاطرة قد تدفعنا لنخسر كل مكتسباتنا التي سعينا اليها طوال حياتنا، و لكن سنكسب فيها روحنا، كما قال كينكاس في قصيدته التي تداولها السكارى ساعة موته: سأدفن كما أشتهي في الساعة التي أشتهي يمكنكم ان تحفظوا تابوتكم إذن لميتة جديدة ، و ميت جديد يحبسني في قبر ارضي رذيل . #رائدة_نيروخ #ميتتان_لرجل_واحد #جورج_امادو ٢٠١٧/٨/٣ الخميس


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...