Dr.Sayed Kotb

ناقد أدبي

بين الكتب والقرّاء


مما قيل في الحب..

05 أغسطس 2017

الحصان والمكتبة

03 أغسطس 2017
المزيد »

من سمات الأدب الجيد أنك ترى المؤلف في عمله. هذا ما تقدمه لك ضحى إبراهيم توفيق في رواياتها الأولى "خارج عالم الحكي" الصادرة عن دار قلمي للترجمة والنشر والتوزيع 2015م بتصميم غلاف لأسامة علام تنعكس فيه إحدى الصور المؤثرة في الرواية وهي خيام العمل في الصحراء وهي تكاد تلتهب باللون البني الغامق الذي لا ترى خلفه شيئا وفي الأفق القريب اللون البرتقالي بصهده الحار، وتظهر أمام هذا الجو الخانق شجرة تؤكد الحياة والخصوبة برغم المناخ والظروف، وعند حافة الغلاف السفلى جهة اليسار حين يضع القرئ يده ليدخل النص، توجد شجرة أخرى صغيرة رقيقة نحيفة، تمثّل خصوبة فعل القراءة نفسه. ربما تكون الرواية جريئة حين تتعرض للصعوبات التي يواجهها العمال المغتربون في دول الخليج العربي، لكن هذه الصورة التي تعكس قسوة الحياة لا تنفصل بحال من الأحوال عن الصورة الكلية التي تتركها الرواية في ذهن المتلقي، فهذا العالم الصحراوي هو طفولة البطلة "هالة" التي تعود منه بعد أن فقدت أباها الذي قتله العمّال بسبب وشاية وموت أمها التي لم تتحمّل ألم مخاض ابنتها الثانية. تعود "هالة" إلى مصر لترعاها خالتها "خديجة" في بيئتها المتوسطة المحافظة المتمسكة بالتقاليد، الباحثة للبنت عن زواج مستقر بلا عواطف ملتهبة تدمره مثلما دمرت "ليلى _ أم هالة - حياتها" وخرجت مع من تحب لتعاني الغربة والضياع. تعمل "هالة" الثلاثينية مصححة لغة. إن عمر الشخصية مهم فهي ابنة زمن صعب طارد للطبقة المتوسطة في مصر، وتصحيح اللغة عمل يشير إلى التمسك بالقواعد والأصول، مثلما يعد مدخلا لعالم الإبداع. هنا نجد الشخصية متنازع عليها بين الالتزام بالتقاليد والتطلع إلى الابتكار. هنا نجد القيمة التشكيلية الجمالية لاسم "هالة" فمعنى الاسم حلقة النور المحيطة بالشمس أو القمر، إن هذه الحلقة تحجب نورا أكثر كثافة وعمقا خلفها، من هذا المنظور فإن شخصية "هالة" تسير في خطين: الخوف والحصار وإرضاء السياق الاجتماعي من ناحية، والرغبة في الإبداع بلا حظر ولا مراعاة لتسلط النظرية الأدبية في المجتمع الذكوري من ناحية أخرى. وتجد "هالة" نموذجين يدفعانها في سياق الإبداع هو مديرها "نبيل مرزوق" الأديب المحبط الذي يتمنى أن يصنع منها شخصية لم يستطع أن يصنعها لنفسه حين استسلم للنمط الوظيفي ولم يخلص لموهبته الإخلاص الكامل، لقد ارتضى بإرضاء السياق الاجتماعي في مقابل كبح ذاته المبدعة، ولاشك أن اسم "نبيل" يشير إلى ما تحمله هذه الشخصية من سمة نفسية جليلة مخلصة لمن حولها واسم "مرزوق" تدل على حسن رعايته لمن حوله من أمه المصابة بالزهايمر إلى الموظفة الصغيرة التي يفف بجانبها، والنموذج الثاني هو شخصية "شادي" المبدع الذي يرفض النظرية الأدبية المحافظة التي ترى أن الأدب مجرد تعبير عن أخلاق اجتماعية تكرس لما هو سائد، فهو يرى الأدب طاقة تستخلص من أعماق التجارب جوهرها الغني لإعادة صياغة الإنسان العصري، واسم "شادي" يدل على الغناء الحر، وتنتهي الرواية بزواج "هالة" من "شادي" في تشكيل رمزي لاستحواذ "هالة" على البعد الآخر من نفسها الحرة. إن الرواية بها كثير من التفصيلات والإشارات إلى أحداث معاصرة من باب التشويق وربط النص السردي بمرجعية اللحظة التاريخية، ولكن هذا يحدث في سياق درامي يمكن قبوله مع ما فيه من مبالغات يمكن تبريرها لمنح النص الروائي كيانه الخاص ومنطقه الدرامي الجذاب في عالم الصخب الإعلامي. سيجد القارئ العلاقة الرمزية بين "هالة" داخل السرد و"ضحى" المؤلفة فيتأمل العنوان "خارج عالم الحكي" ويستخلص العلاقة بين التشكيل الجمالي الرمزي والذات المبدعة، "هالة" و"ضحى" من حقل النور، و"هالة" تحاول أن تتجاوز القيود التي تستهلك موهبتها الإبداعية وتخنقها خلفها، كذلك "ضحى" في روايتها الأولى تريد أن تستمد من هذا العمل ما يجعلها تستلهم طاقتها الإيجابية وهي تدخل عالم الحكي وتحقق نفسها خارجه.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...