بين الكتب والقرّاء


عشاق من حلب

06 مايو 2016
المزيد »

تخيل طفلاً فقيراً يمشي كل يوم ٤٠ كيلومتراً في طريق ترابي في غابات سومطرة ، ثم يضع كتبه في كيس بلاستيكي ليعبر مستنقعاً مليئاً بالتماسيح وأصناف الخطر ، من أجل الوصول إلى المدرسة ذات الصف الواحد المسقوف بصفائح حديدية، تطير مع أي هبة ريح . ويغرق الصف وتغوص الأقدام في الوحل مع كل زخة من الأمطار الموسمية الدائمة الهطول . مدرسة بلا زي مدرسي ولا قرطاسية مناسبة أو كافية ، ولا دورات مياه ولا باحة للعب ولا ميزانية . مدرسة بمدرِّسَين مات أحدهما ، وبعشرة طلاب فقط !! ومع كل ذلك ، فالطلاب يذهبون بشغف إلى المدرسة ويتفوقون ، ويحزنون أشد الحزن لتركها أيام العطل . تذكرت نفسي أيام كانت حافلة المدرسة تأتي لتقلني إلى مدرستي كل صباح ، وأنا بدوري أدّعي "آلام البطن المبرحة " لكي لا أذهب إلى مدرستي النموذجية الخاصة، ذات الملاعب والمطاعم وقاعات الرياضة والسباحة والمختبرات والعيادات الصحية والتدفئة المركزية ودروس الكمبيوتر كل أسبوع ، والرحلات الترفيهية ، مع زي وقرطاسية متكاملين . لطالما سألت نفسي لماذا لم أحبها رغم كل ذاك؟ ولم أجد الجواب إلا عندما قرأت هذه الرواية . عندما يكون لديك معلم بنى المدرسة بجهده وعرقه ، واشترى لطلابه كتب المدرسة ومستلزماتها مما جناه من بيع ثمار مزرعته ، وعلمهم بالروح قبل اللسان . وعندما يكون الطالب الواحد لدى المعلمة يساوي نصف روحها ، وعندما تبكي المعلمة لغياب واحد من طلابها . وعندما تخيط الثياب ليل نهار لتبيعها فتشتري بها ما تحتاجه المدرسة لاستمرارها. وعندما تفني شبابها في التعليم دون أجر ، في حين أن الفرصة متاحة لها لتكسب أعلى الأجور، وتستعد للتضحية بروحها في سبيل بقاء المدرسة والطلاب . وتبقى حتى اللحظة الأخيرة تعطيهم من روحها في سبيل تعليمهم وترقيتهم وتربيتهم على أخلاق الإسلام مع كل كلمة وفعل . وعندما يكون المعلم مربياً ومصلحاً وأباً لطلابه هدفه أن يصنع منهم رجالاً ونساءً عظماء، -لا كروت ذاكرة متنقلة مملوئة بالغث والسمين من المعلومات- وعندما يكون لدى الطالب هدف سام وروح تشع أملاً بالخلاص ، وتقديراً للعلم والدراسة وصبراً عليهما. فعندها ، وعندها فقط ، سوف يحب الطالب المدرسة، ويصحو باكراً ليكون أول الطلاب وصولاً ، وسيخوض البحر حتى يصل إلى من وما يحب . هكذا كان المعلمان "بو مس وباك هرڤان" وهكذا أحبّ الطلاب العشرة العلم والمدرسة والأخلاق . فعندما ترى صفاً يكره طلابه حضوره، فألقِ لومك على مجتمع لا يزرع الا روح الكسل والخمول في طلابه الاغنياء ، فهم مكتفون ولا يحتاجون الى العلم، ويبث اليأس في نفس الطالب الفقير من أنه سيعيش ويموت دون أن يحقق شيئاً يذكر في حياته. فتذبل الهمم وتذوي العزائم ويحصل مجتمعنا على الجيل الفاشل الذي يبغي والذي صنع. ولُم من هدفه حشر المعلومات في الرؤوس كيفما اتفق، ثم قبض الأجر في نهاية كل شهر والسلام. لُم المعلم على مجتمع مدارسه ذات جدران كجدران السجون علواً ، وعلى طلاب يخاطرون ويتسلقونها ويرمون أنفسهم من فوقها هرباً وكرهاً للعلم والمدارس والحياة كلها بفضل طريقته في التعليم . ((طبعاً، إلا ما ندر من بعض معلمينا الفضلاء )) تحكي الرواية عن معاناة أطفال القرى الفقيرة للخروج من واقعهم المرير عن طريق العلم. أرادوا الحصول على مستقبل يمكّنهم من دفن فقرهم والخروج مما عاشوا هم وآبائهم وأجدادهم فيه من قبل . ولم يروا طريقاً لذلك إلا مدرسة الفقراء "المدرسة المحمدية" التي واجهت وواجهوا معها أصعب الظروف في سبيل بقائها صامدة في وجه من يريد هدمها ومن يريد إغلاقها إلى غير رجعة "لعدم مطابقتها للمواصفات" !!. حكت عن معلمتهم المناضلة وعن معلمهم الذي عاش أيامه في المدرسة ومات فيها. حكت لنا عن شعلة ذكائهم المتقدة وعن آمالهم التي ذهبت أدراج الرياح لأن أمواج الحياة العاتية أبت إلا أن تجرفهم معها محطمة آمالهم الصغيرة البسيطة في الحياة الكريمة. تبددت طاقاتهم وخبت شعلتهم وماتت أحلامهم . وعاشوا ما كانوا يخشونه .. حياة أهليهم وشقاءها. لا أدري إن كانت القصة حقيقية تماماًً أم تم اختلاق بعض فصولها ، ولكنني وجدتها جميلة وتجسد أجمل المعاني والمشاعر . لكن.. حوت الرواية بعض الفصول التي وجدتها غير مهمة ولا مؤثرة في لب القصة فمللت معها، وأحسستها إضافة للإطالة فقط . ولذلك أنقصت نجمة واحدة من تقييمي.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...