محمد نظمي

ورقة سقطت عن الشجرة "سهواً"

سيكون الحديث عن المجتمع الذي يحوينا اليوم صعباً إن لم نتعمّق في تفاصيله ومشكلاته وتحدياته بسبب التعقيدات التكنولوجية وتأثيراتها على علم الإجتماع وعلم النفس على حد سواء، وهنا تبرز هذه الرواية القصيرة (76 صفحة) لتشرح لنا أبعاد علاقتنا مع الأشياء، برذم أدبي عبقري وصاعق، ولغة مهذبة وعميقة ومفهومة في نفس الوقت، لا يمكن لمثل هذا العمل الفنّي أن يصدر عن أديب في مقتبل التجربة “هيا نشترِ شاعراً” هي تجربة أدبية استثنائية حقاً ولا يمكن أن يؤلفها كاتب عادي، الا ان كان استثنائياً – كتب آرثر ميلر رواية فتاة عادية – في التسعين من عمره، رواية قصيرة لخصت كل ما أراد أن يقوله في حياته (100 صفحة) يقول النقاد أن تجربة ميلر أوصلته الى هذا العمل الفني البسيط، أما أفونسو كروش الكاتب والموسيقي البرتغالي الشاب، فقد بدأ هذا الخط من آخره، انها تحفة فنية حقاً. يقيس “كروش” البشر ومتعلقاتهم بأدوات قياس نستخدمها يومياً، النقود، السنتميتر، كم أنا بعيد عنك؟ انها مجرد 32سنتمتر، هكذا يتخاطب الشخوص في هذه الرواية، الكميات مهمة أيضاً، الأحجام والنقود، القيم الأساسية في مجتمع الرواية هذه يقاس بالنفع من عدمه، النفع المادي طبعاً. كل الأماكن في هذه الرواية هي بنوك ومصانع ومكاتب ومحطات بنزين ومصارف ..الخ ولكن؛ أليس حقاً هذا ما نعيشه في مجتمعنا نحن أيضاً لا في مجتمع الرواية المجتلب من الخيال: مقتطف: الخيال ليس هروبًا من القبح، ومن الرعب، ومن المظالم الاجتماعية، وإنما، هو بالضبط تصميم لبناء بديل، هندسية فرضية لمجتمع أكثر انسجامًا مع انتظاراتنا الإنسانية والأخلاقية. انفصال الإنسان عن قيمه الأصلية يولّد كل هذا الفصام الحاد في العلاقة الحقيقية بين الإنسان وطبيعته، حيث تحكمه القيم، لا النفع المادي: مقتطف: في الأشياء” غير النافعة” نجد الإيثاء وهو ما يعتبره الكائن البشري أكثر نبلاً. يسخر “كروش” منا جميعاً، من علاقاتنا وأشيائنا وقيمنا، التي أصبحت تقاس الآن، حياتنا التي أصبحت بالكامل برعاية الشركات الخاصة والبنوك ومحطات البنزين، علاقاتنا التي تحورت القيم فيها لتغدو مادية بحتة، يعيد الشاعر الذي تشتريه العائلة المفترضة في الرواية ضبط الزمن كبداية ونهاية، والمكان كحالة طبيعية توجب الإستعارة، حين يغذّي الحالة المادية للعلاقة بالقليل من الإستعارة كما يقول \ تقول الرواي. ولأن للشعراء عمل ضروري في الحياة فقد ابتكر “كروش” دوره جيداً، قبل أن يتخلصوا منه. مقتطف: قدّم صامويل جونسن في معجمه ثلاثة تعريفات لكلمة “شاعر” وهي في ترتيب تنازلي حسب الأهمية: الأول، “شخص يبتكر”؛ الثاني، “كاتب خيال”؛ وأخيراً: “كاتب قصائد”. ينهي كروش روايته القصيرة بما يشبه الخاتمة، يقول: المجتمع يكون أفضل إن نحن تخيلنا أفضل يستعيد زمام الأمر من جديد بعد أن يفقد شاعره في نهاية القصة، لكن هذه المرة بمفاجأة من نوع آخر، ما يشبه الخاتمة هي بداية أخرى لهذا الكاتب الفذ، مقتبساً ومعلقاً على الخيال بوصفه ضرورة للمجتمع والفرد، يتحدث عن دور الثقافة في تحسين الواقع وخلق فرص العمل كقيمة اجتماعية ضرورية في أي محيط اجتماعي.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 2
  • 2

جاري التحميل...