A-Ile Self-hallucination

بين الكتب والقرّاء


كيف تشتري كتبك؟

05 أكتوبر 2015

الحصان والمكتبة

03 أغسطس 2017
المزيد »

مئة عام من العزلة من المؤسف عندما يتحول فعل القراءة إلى شكل صنمي، ومن المؤسف أكثر هو الموافقات العامة على تلك الصنميّة في القراءة. قرأت مئة عام من العزلة قبل حوالي 18 سنة، وفي ذلك الوقت بدت لي نوع من شيء غريب، إحساس مفرط بالهذيان والجنون والمتعة. ربما كان ذلك الإحساس له علاقة بصعوبة توفر كتاب في ذلك الوقت، وضعف عام لمعرفة كُتّاب ومؤلفين إلا الذين اشتهروا منهم عالمياً، وربما لأنّ ما كان يصل من ترجمات في فن الرواية كان في ذلك الوقت يحترم نفسه حقيقة. في مئة عام من العزلة، وبعد جولة لدى بعض الأصدقاء وآرائهم حولها، شعرت بنفسي مضطراً أن أقدّم رؤيتي عن هذا العمل، ولو بعد 18 سنة من القراءة، وسبب ذلك بتصوري يكمن في استسهال فعل القراءة. بداية عندما يتم تصنيف الأدب الأمريكي اللاتيني "بالواقعية السحرية"، فيجب فهم المصطلح بشكل دقيق كي نستطيع فهم مثل هذه الأعمال بشكل دقيق. إن للواقعية السحرية قانونها المتشدد بشأن الفضاء اللا زماني واللا مكاني، إنها تعتبر بمثابة كتاب تاريخ غير رسمي، وسير ذاتية وتجارب واقعية بقالب خيالي، وهذا بالضبط ما يعيشه القارئ في مئة عام من العزلة. إن عظمة هذه الرواية هي تفسير التاريخ الأمريكي اللاتيني بطريقة المزج بين الواقعي والأسطوري، وتداخل الجدي والساخر، والكوميدي والمأساوي، والفكاهة غير المنطقية. إن عدم القدرة على فهم هذه العناصر السبعة مجتمعة ومتفاوتة خلال صفحات الرواية، يمكن أن يكون سبباً لاعتبارها عملاً ردئياً. التاريخ يكرر نفسه مثلما الشخوص تكرر نفسها، بمشابهاتها المادية وحتى الاسمية .. يمكن اختصار الرواية بهذا الشكل، إعلاناً عن تجربة بلاد أمريكا اللاتينية التي خاضت حروبها المدمرة والاحتلالية لأكثر من خمسين عاماً وتحت الديكتاتوريات، وكلما انتهوا يُعاد ويتكرر التاريخ. إن مئة عام من العزلة كانت بمثابة تنبؤ للتاريخ الأمريكي اللاتيني، برمزية أحداثها وبنائها وشخوصها. تلك الدول البعيدة عن الحدث العالمي المباشر، فهي بعيدة عن الشرق الأوسط، وبعيدة عن الحروب الكبرى وبعيدة حتى عن التطور الأوروبي والأمريكي. إن ماكوندو هي التجسيد الواقعي لأمريكا اللاتينية. لكن هل يجب الاكتفاء بهذا !!. تنطلق الرواية من بديهة أساسية وهي انعزالها الكلي، إذاً يتعامل ماركيز مع قارئه من باب الاغتراب، اغتراب الصورة والخيال، هو اغتراب مادي وروحي لدى الشخوص، وهو الفهم الأساسي للتعامل مع الرواية. إن ماكوندو النائية في أدغال أمريكا وغاباتها الممطرة رمز للوضع اللاتيني عامة، الخاضع لعهد استعماري وتبعية مستقبلية، وهذا ما سيناضل من أجله قائد القوات الليبرالية العقيد أوريليانو بوينديا، قبل أن يستيقظ من سبات عائلته، التي كانت تعيش في دوامة من العزلة والانانية والتفكك، كتجسيد لحياة الأسرة اللاتينية الارستقراطية التقليدية. تتوالى حالات العزلة والاستلاب لواقع فوضوي تعيشه ماكوندو بأكملها، إلا من حادثة وحيدة تتخلل الرواية وهي القصة التي جمعت أوريليانو وبتراكوتس، والتي تخللها شيء من عاطفة الحب، وهي الحالة الإنسانية الوحيدة والصادقة التي تشهدها الرواية، وكادت ان تتكرر فقط في النهاية بين "أوريليانو بابيلونيا" و"أمارانتا أورسولا" اللذان قررا إنجاب طفل كان يأمل والده بأن يعيد إحياء مجد الأسرة التي شارفت على الإنقراض. إلا أن أمارانتا توفيت بعد وضعها طفل له ذيل خنزير، وبرغم أن الطفل أكله النمل إلا أنه أتى كمبشر بظاهرة إيجابية وهي محاولة الاستمرار للوجود الإنساني رغم ما يحمله من قيم عزلة واغتراب وأوهام ماكوندو والهواجس المريضة لعائلة بونيديا. تزدحم الرواية بتفاصيل دراماتيكية غريبة. تبدأ بزيارات الغجر الموسمية لبلدة "ماكوندو" وعرضهم فيها بضائعهم الجديدة القادمة من العالم الخارجي، كالثلج الاصطناعي والتلسكوبات. إنها بداية المعرفة في ماكوندو، وخلق طموح الجد بالبحث عن اكتشافات مماثلة، مما يؤدي لربطه في النهاية بشجرة حتى موته، وتوريثه هوس الاكتشاف لأحفاده. إن ذلك البحث والهوس جعل ماكوندو تبدأ بفقد البراءة والعزلة تدريجياً، لتبدأ علاقتها مع البلدات المحيطة حيث تندلع الحروب الأهلية وتجلب الموت لماكوندو، والتي يلعب فيها ابن "خوزيه أركاديو بوينديا" الأصغر،"أوريليانو"، دوراً بارزاً كزعيم للمتمردين الليبراليين وبعد اكتسابه صيتاً سيئاً بصفته الجديدة "العقيد أوريليانو"، خاصة بعد سلسلة من الإنقلابات الدموية التي حصلت في البلدة، حيث تغيرت حكوماتها مراراً، بما في ذلك حكومة الديكتاتور "أركاديو" الذي يعتبر الأشد قساوة في أسرة"بوينديا"، وهو الذي أعدم بالرصاص في نهاية المطاف، إثر انتفاضة أدت الى توقيع معاهدة سلام بين المحافظين والليبراليين. من جهة أخرى، تتعاظم أحداث بلدة "ماكوندو" المأساوية مع تعاظم الممارسات والأنشطة الاستغلالية والاستبدادية التي تعرض لها مواطنيها من قبل الشركة الأميركية الاحتكارية المسيطرة على زراعة الموز، بما فيها الاضراب الاحتجاجي الذي قمعه الجيش بوحشية وأدى الى مجزرة ذهب ضحيتها الآلاف من المزارعين والعمال. وتنتهي أحداث الرواية بخمس سنوات من المطر المتواصل والفيضانات التي تقضي على بلدة "ماكوندو" بما فيها آخر أفراد عائلة "بوينديا"، وذلك تزامناً مع توصل الأخير الى فكّ طلاسم الغجر القديمة التي كانت تنبأت بالنهاية المأساوية لأولئك "الذين يعيشون خارج دائرة ما هو مقرّر سلفاً". ضمن هذا الشكل البسيط رسم ماركيز التاريخ الأمريكي اللاتيني بشكل فكاهي وساخر ودموي بنفس الوقت، هذه المعالم من المزج الفريد والقاسي لديه، خلقت من "مئة عام من العزلة" الرواية التي يمكن وصفها بأنها صوّرت البشاعة البشرية بأجمل حللها. عندما أُعطي ماركيز نوبل عن روايته فإن السبب هو أنه لم يوجد أحد استطاع تصوير التاريخ الأمريكي اللاتيني بحروبه ودماره ودمويته القاسية وباسلوب ساخر وجدي وناقد مثل مئة عام من العزلة. هذه الرواية ستبقى شاهداً على جنس أدبي مميز، وباب افتتاحي لمرحلة الواقعية السحرية الثالثة.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 1
  • 1

جاري التحميل...