A-Ile Self-hallucination

بين الكتب والقرّاء


المزيد »

الشرق ثقافة الجهل المقدس إنّ الصدى الذي حظيت به رواية طوارق للروائي الإسباني ألبرتو باثكث فيكيروا، لدى القارئ العربي، لم يكن معقولاً. وإنّ حالة الانبهار الشديد بالرواية هو ما دفعني لقراءتها بحذرٍ مبالغ به. يبني فيكيروا عالمه في مكان مجرّد من كل أساليب الحياة المدنيّة، يضعنا منذ البداية داخل صحراء شاسعة، لونٌ أصفرٌ متناهي في المسافة اللامحدودة، تُغطيها سماء النهار الزرقاء، وكحل المساء الداكن كأرواحٍ تائهة. في ذلك العالم البسيط والواضح كطبيعةٍ ملساء ناعمة، يقص علينا فيكيروا حكاية غزال صياح، ذلك الرجل الطوارقي الذي يعيش في إمبراطوريته داخل عمق الصحراء. إمبراطوريته المكونة من أربعة مضارب منسوجة من وبر الجمال، ونصف دزينة من الزرائب، بئر، تسع نخلات، وبضع معز وجمال. ذلك الرجل الأسطورة، السيد من شعب الأماهغ، الذي يرى بنفسه وبقومه الترفّع عن بقية القبائل الطوارقية الأخرى، والتي ليست سوى خدمٍ لدى الأماهغ. يجد غزال نفسه في داخل معركة مع الآخر دون معرفة أو اهتمام بأسباب حربه تلك، إلا من خلال ما يؤمن هو به. (من دخل مضربي فهو آمن). تبدأ القصة بلجوء شخصين إلى مضارب غزال، هاربين من الحكومة الديكتاتورية، فيحميهم بأمان إلى ذلك اليوم الذي يُعرَفُ فيه مكانهما، فتُداهم قوة مكونة من الجيش مضارب غزال، فيقتلون الأول ويعتقلون الثاني. الرجل المُعتقل هو سياسي اشتراكي، يطالب بحكم البلاد لتحقيق العدالة، لكن ذلك لا يهم غزال بشيء. لدى غزال قانون واحد، وهو أن من طلبوا حمايته لم يستطع أن يفعل شيئاً حيالهما، وهو ما أثار غضب الطوارقي وقرر الانتقام. تبدأ سلسلة من الجرائم، في قتل عناصر من الجيش والضباط، التي يقوم بها غزال من منظوره الشخصي بأنه يريد أن يستعيد كرامته المهدورة. فيصبح الطوارقي هارباً ومطلوباً من الدولة ومن الفرنسيين. ينقذ غزال صيّاح السياسي عبد الكبير من السجن ويطوح به في الصحراء، ثم تقوم الدولة باعتقال زوجة غزال وأبنائه ويطالبون مقايضة غزال أن يُسلّم السياسي مقابل عائلته، وتنتهي القصة بوعد أطلقه غزال بقتل السياسي بعد أن استلم السلطة، فيطلق النار ثلاث مرات عليه ويسقط الطوارقي صريعاً، ويتم نقل عبد الكبير إلى المشفى. بعد أحداث طويلة ومفارقات في الشخصيات استطاع فيكيروا أن يجسدها بمهارة أدبية ولغوية وتحليل فائق الذكاء حقيقة. إن عمل فيكيروا يحمل دراما عميقة، لكنها الدراما الجليّة التي يختفي ورائها احتفال بطبيعة الشرق، ذلك الاحتفال الاستشراقي، الذي نهلل له للأسف بفرح غامر دون الوقوف على طبيعته الضمنية. وبعيداً عن مدى صدق ذلك الاستشراق أو باطله، لكننا نجد أنفسنا أمام شخصية يتفاخر بها الشرقي شاء من شاء وأبى من أبى، دون التفكير بعقلانية ذلك السلوك الذي يوصمنا يوماً بعد يوم بالجهل تحت مُسمّيات الشجاعة والكرم، وكأنّ العالم الآخر (خارج المنظومة الشرقية) مُصاب بالجُبن والبخل. ذلك المشهد القطيعي مع العالم الآخر هو ما يزيد الجهل الشرقي دون الوقوف على عمقه. الطوارقي رجل شجاع، لكنه لا يعترف سوى بقانونه العشائري، فهو لا يؤمن بقانون الآخر، ليس من مبدأ فهم للآخر المُحتل، بل فقط لأنه لا يفهم من العالم سوى عالمه الصحراوي الممتد. يسرد فيكيروا طبائع الطوارق وعاداتهم وفهمهم إلى العالم من خلال حوارات تأتي مُكمّلاً لفن الرواية، تلك العادات النابعة من الجوهر الإسلامي، ضمن التابوهات المقدسة – كالشرف والشجاعة والكرم والنخوة – تلك الأصالة الصحراوية التي لا تمد إلى أي نوع من التمدّن بصلة، وما يزيد الأمر سوءً هو محاولة فيكيروا الواضحة للدفاع عن تلك الطبائع التي توصم الشرقي بمزيد من الجهل، بصيغة احتفاء أصيل وكأنّ ما يجب أن يكون عليه العالم هو ذاك. الطوارقي رجل ضحّى بزوجته وعائلته من أجل أن يُدافع عن فكرته. ولا يتوقف الأمر عند غزال صيّاح، بل يتعداه لسرد الجانب الآخر من البشر المتجسد برجال السلطة الموزعين بصحراء عدوراس، البعيدين عن أي حياة طبيعية والمُحتقنين من الحروب والفراغ المحيط بهم. فهم أيضاً شرقيون بامتياز لكنهم يقومون بعملهم مثلما يقوم غزال بعمله. في مشهد يُغيّر البنية الدرامية للحدث، يقوم السرجنت مالك الحيدري باغتصاب زوجة الطوارقي، فيراه الملازم أول رازمان فيُطلق رصاصة في رأسه فوق الصحراء ويُلقي خطبة الحس الوطني : - الوقت بدأ يحين للتغيير .. الرئيس عبد الكبير استطاع اجتياز الحدود. أطلق النداء الأول للنضال والوحدة الوطنية لمن يرغب بعودة الديمقراطية والحرية. أنا ذاهب للاجتماع به. ما رأيته اليوم أقنعني تماماً، وأنا مستعد لقطع صلتي بالماضي والبدء في النضال معاً إلى جانب الرجل الوحيد الذي أثق به فعلاً. ذلك المشهد الذي يُبرّر فيه فيكيروا صعود الحس الوطني لدى الجيش، ليس نابعاً من الأفكار المجردة والواعية لمفهوم الوطن بقدر ما هو رد الفعل على العمق الشرقي المُتجسّد بالشرف. فحب الوطن والإيمان بالحرية والديمقراطية لدى رازمان يأتي نتيجة موقف من فكرة الشرف المهدور. رازمان المتمدّن الذي شاهد العالم لا يختلف عن غزال صياح الصحراوي من حيث المبدأ لدى فيكيروا، كلاهما يتغيران بالعقل والموقف نتيجة العاطفية المفرطة المُختزنة من تعاليم العالم القديم (الديني) أو بمعنى أدق، الموروث الاجتماعي. ومن قام باغتصاب زوجة الطوارقي ليس سوى جزء من ذلك الفهم الشرقي (مالك الحيدري) الساقط أخلاقياً والذي ينال جزاؤه بالموت ويُغيّر مسار البناء الدرامي تجسيداً برازمان. فكرة العدالة وانتصار الحق بالنهاية ليست سوى فكرة شفافة ورومنسية وكأنّ العالم مثالي إلى تلك الدرجة التي يجب أن يقتنع فيها الإنسان بأنّ ما يجري سيؤدي بالنهاية إلى الخير المطلق. إنها أشبه بفكرة اللاهوت لتسكين ألم الشعوب. شخوص فيكيروا شرقية عاطفية ومتقلّبة، إنها تفتقد إلى الوعي، وما يُحركها هو الحس الموروث شرقياً. إننا أمام عمل متكمن أدبياً، لكنه يحمل ما بين سطوره سرداً قطيعياً واحتفالاً بالجهل المقدّس الذي يتفاخر به الشرقي. صراع الشرق مع الشرق، وكأنّ العالم الخارجي بريء من ذلك الجهل. ما بين سطور فيكيروا تمكين حذر لدفع الشخوص للاستمرار ضمن منهجية العاطفة وفقد الوعي. إنها ترسيخ دقيق لذلك الجهل المقدس الذي مازال الشرقي يراه نجماً متلامعاً في سماءه. طوارق من الأعمال الإبداعية التي تستحق القراءة لكن بحذر، إنها إحدى الأعمال الاستشراقية القليلة والخطيرة في الأدب العالمي.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...