Rania Moneer

الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

زهرة فتاة من بيئة متوسطة تعيش مع أم تخون زوجها مع رجل آخر، وتصطحبها وهي طفلة في زياراتها لعشيقها لتحتمي بها من شكوك زوجها، ذلك الأب الذي بقيت زهرة تخاف منه حتى بعد أن كبرت وتزوجت.. لزهرة أخ واحد يحظى بدلال أمها وعنايتها لأنه الصبي وهي البنت.. منذ الفصل الأول تصدمنا الكاتبة بتفاصيل الجريمة والدمار الذي تسببه الأم لابنتها، تعتقد الأم أن ابنتها صغيرة ولا تفهم ما يجري حولها، لكن ما تراه الطفلة يبقى محفوراً بذاكرتها حتى نهاية حياتها، إنها تشهد خيانة أمها وعلاقتها برجل ليس أبيها ولا تعرف عنه شيئاً سوى أنه يختفي مع أمها في غرفة وعليها أن تنتظرهما في الخارج وهي تشعر بالخوف والرعب الذي لا تفهم سببه بعد.. ثم يكتمل رعبها وخوفها عندما يقوم الأب بضرب أمها وضربها معها لكي تعترف أين كانت والدتها تذهب وبمن تلتقي.. لم تكن أمها تعلم أنها تقضي تماماً على حياة ابنتها ومستقبلها وأن زهرة هذه الطفلة "البيتوتية التي يحمر وجهها خجلاً بسبب وبلا سبب. المجتهدة في المدرسة التي تسهر حتى منتصف الليل تدرس عكس أخيها أحمد. زهرة التي لا يقوى أي غبار أن يعلق بحذائها، زهرة التي ما ابتسمت لأي رجل حتى لأصحاب أخيها. زهرة امرأة تتمدد يوماً بعد آخر على فراش في غرفة كاراج نتنة، عارية. زهرة لا تستطيع الاعتراض على شيء، تمددت على طاولة الدكتور العجوز، حملت مرتين، أجهضت مرتين، خاطت عذريتها مرة واحدة، كل هذا مع رجل لا يحبها ولا تحبه". (ص42) كبرت زهرة وأصبحت صبية خجولة وجهها مليء بالبثور التي تشوه مظهرها وتزداد سوءً عندما تعبث بها أمام المرآة فتنال تقريع أبيها وأمها الذين يؤنبانها لأن أحداً لن يتزوجها وهي بهذه الهيئة التي تختلف تماماً عن جمال أمها ونقاء جسدها.. لهذا اعتقدت زهرة أن أحداً لن يهتم بها إلى أن استطاع أحد الرجال المتزوجين أن يغويها ويستدرجها لكراج يشبع فيه رغبته ويمضي بعدها ليستدعيها في أي وقت يشاء دون أن تتمكن زهرة من الاعتراض أو الرفض، ليس لأنها تحبه بل لأنها لا تعرف كيف ترفض ولأن من ينزل في مستنقع ما يصعب عليه التراجع فلا يستطيع العودة وإنما يستمر في الانحدار.. أجهضت زهرة مرتين دون علم أهلها وبدأت نوبات الصرع تنتابها فيخضعونها لجلسات كهربائية في المشفى.. تسافر زهرة إلى أفريقيا حيث يعيش خالها ، اللاجئ السياسي الهارب من لبنان بعد محاولة حزبه الانقلاب على نظام الحكم، لكي تهرب من قرار والدها بتزويجها من أحد المتقدمين لخطبتها، خافت زهرة أن يكتشف والدها أنها لم تعد عذراء فلم تجد سوى السفر لأفريقيا والزواج من أحد أصدقاء خالها الذي لم تتعرف عليه جيداً، يكتشف هذا الزوج الذي كان يسعى لزواج لا يكلفه الكثير من المال، أن زوجته الجديدة ليست عذراء فتخبره زهرة بكل شيء ويحاول أن يبدأ معها من جديد دون إثارة أي فضائح ، لكن نوبات الصرع والهلوسات التي تدخل فيها زهرة وتسبب لزوجها فضائح بين أصدقائه ومعارفه من الجالية العربية المهاجرة هناك، تجعله يطلقها لتعود مرة ثانية إلى لبنان حيث تبدا الحرب الأهلية هناك وتعيش زهرة أحداثها وتفاصيلها إلى أن تغير مسار حياتها للأبد. المدهش أن الحرب والفوضى وانعدام القوانين قد ينقذنا أحياناً ويعيد إلينا التوازن الذي كنا نبحث عنه ونستجديه، لقد عادت زهرة للحياة خلال سنوات الحرب، صارت تقرأ الصحف وتتابع الأخبار وتتفاعل مع الأحداث حولها، بعد أن كانت قد حبست نفسها في غرفتها ولم تعد راغبة بالحياة ولا بمواجهة أحد.. يشارك أخاها أحمد في مأساة الحرب، ينتمي لأحد الأطراف المتصارعة ويمارس ما يفعله بقية الشبان ممن يحملون السلاح، من تعاطي المخدرات والسرقة والقتل العشوائي.. وهناك في أحد شوارع بيروت التي منع فيها التجول وامتلأت أسطحة البنايات بالقناصة وأصبح كل جسم متحرك في الشارع هدف لرصاص القناص، تقيم زهرة علاقة حب حقيقية لم تشعر به في الثلاثين سنة التي مرت من حياتها أبداً، لأول مرة تشعر زهرة بأنها تحيا دون قيود، "كنت أريد المزيد من كل شيء، من الطعام والكلام والضحك. لكن والدي والجيران حتى الجدران كانوا يخففون من حدة طلبي لهذا المزيد". (ص 181). لم يعد مهماً اكتشاف أبيها أنها لم تكن عذراء ، تختلف كل مقاييس الشرف والمجتمع والقوانين خلال الحرب:"الحرب قد ألغت العذرية . لا يراني أحد الآن سوى جدران بناية الموت والقناص الذي أنا دائمة الشكر له فهو رضي بي رغم قباحتي". (ص 192) " الحرب جعلت فوارق الجمال والمال والخوف والتقاليد تنزوي مع الجثث المنزوية. وأتساءل، هل كان على الحرب أن تطلّ بكل وطأتها، بكل مآسيها بكل خرابها، حتى تعيدني انسانة طبيعية لا أتقوقع ولا أنزوي بالحمام ساعات وأياماً". تمشي إليه كل يوم في شارع خطر، يلتقيان في بناية مهجورة يتبادلان الحب والأحاديث ثم تعود لمنزلها من الشارع نفسه الذي لا يجرؤ أحد على المرور منه وهي واثقة أن قناصها يحميها، لكنها في النهاية ستكون هي نفسها هدف له، بعد أن تخبره بأنها حامل ولم يوافق الطبيب على إجراء عملية الإجهاض لها لأن الوقت فات لفعل ذلك، وعدها حبيبها أن كل شيء سيكون على ما يرام وأنه سيأتي إلى منزلهم لخطبتها وسيكون لديهما بيت وطفل وحياة مشتركة، ونشعر أنه صادق فعلاً وأن الحياة بدأت تبتسم لزهرة، لكنها في اللحظة التي قررت فيها مكاشفة القناص بأنها تعلم حقيقته وبأنه يعمل كقناص.. يقرر عندها أنها ستكون الهدف التالي له كقناص.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 3
  • 1

جاري التحميل...