المراجع الصحفي

مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

الحياة تبدأ وتنتهي في مقهى     تروي رواية "مالك الحزين" كيف يتغلب الفقراء على مصاعب الحياة اليومية بالخيال وحب الحياة.   قليلون في مصر هم من يعرفون الكاتب إبراهيم أصلان وأقل منهم من يعرف روايته "مالك الحزين" التي ترجمتها دوريس كيلياس للألمانية تحت اسم ( Der Ibis). لكن يتذكر ملايين المصريين والعرب فيلم "الكيت كات" الذي تم إنتاجه عام 1991 مأخوذًا من رواية مالك الحزين، وأكثر المشاهد تشويقًا هي مشهد بطل الفيلم الكفيف الشيخ حسني الذي قاد ذات مرة دراجة بخارية خلال الحارات وانتهى به المطاف للهبوط في النيل. يروي إبراهيم أصلان بالتفصيل وبكثير من الفكاهة والحب  الحياة الصاخبة حول مقهى في حي إمبابة أحد أحياء القاهرة الأكثر إزدحامًا. يعد مقهى عوض الله أهم نقطة التقاء للرجال في إمبابة منذ سنوات وإذا تم إغلاقه سيضيع مكان رئيسي للعلاقات الاجتماعية، هنا تسمع الراديو وتلعب الطاولة وتقرأ الجريدة وتدخن  النرجيلة وتقوم بعقد كل الصفقات، كما يتحدث الناس عن الأشياء الصغيرة المتعلقة بالحياة اليومية وعن الأحداث الكبيرة في السياسة، أو يتم الإعداد لعزاء صديق مُتوفى، فيشارك الكل بطريقته مثل الشيخ حسني الكفيف والسيد قدري المُلقب بالإنجليزي وجابر البقّال ورمضان الخبّاز وقاسم أفندي صاحب محل البصريات وقاريء، وبدوي الحلاق، وحرم بائع الحشيش، والكاتب يوسف النجار الذي يتأمل الكتابة بدلا من أن يكتب بنفسه، لكنه أدرك في نفس الوقت ضرورة تدوين الأحداث، لأن في يوم العزاء وقعت ثورة شعبية كبيرة،  حيث يصف إبراهيم أصلان في روايته المصاغة بعناية دون غمضة عين واحدة كيف يتغلب سكان إمبابة على مصاعب الحياة اليومية بالخيال وحب الحياة. يحلل الكاتب لودفيج أمان (جريدة نويه تسوريشر تسايتونج ) رواية إبراهيم أصلان التي ترجمت بالفعل ونشرت العام الماضي فيما يلي. ليس إبراهيم أصلان رومانسي اجتماعي لأنه يعرف العالم الذي يكتب عنه فسكان الحي التقليديون تمزقهم التناقضات الاجتماعية والاقتصادية فالأزلية الشعبية للحياة اليومية مجرد خداع، لم يظهر المؤلف أبدًا بدور العالم بكل شيء، فالمهم  أبعاد الشخصيات وتتحول  عملية التأمل إلى تأمل ذاتي متعدد النغمات وبالتالي كشف ذاتي للحي، وهذا ما جعل أصلان عظيمًا. يبدأ اليوم، مات الرجل العجوز ويستعد الأصدقاء للعزاء، إنه الشتاء، القاهرة في الثامن عشر من يناير عام 1977 يوم مثل غيره من الأيام، لكنه يوم خاص جدًا، فلقد بدأ ببساطة وبخداع. يعود شاب صغير من الصيد لمنزله ويتقابل الرجال في المقهى حيث تصنع الأخبار الحوار، لكن  هناك توقع لزوال المقهى خلف أبواب مغلقة. ربما تلك بداية النهاية، لكن من يريد الاعتراف بأن الحياة تتغير؟ فالحياة اليومية ليست هي الحياة اليومية، جمل قصيرة عن أناس صغيرة، أناس مثل إبراهيم أصلان قبل أن تجعله حكاياته وهذه الرواية على وجه الخصوص مشهورًا، لايوجد شخص بعينه في بؤرة الأحداث بل حي إمبابة، الحياة في مجموعها حول ميدان الكيت كات، يلتقط المشهد شخصًا ويتبعه لعدة خطوات حتى الموعد الغرامي السرى مع فاطمة التي يحلم بها كل الرجال، ثم يعود ليتبع آخر مستغرق في قراءة جريدته، وبعد ذلك عثر على أذن رأس عجل مباعة، تتابع المشاهد المتناقضة لكي تتشابك ، حتى يهددنا الدفع بأربع وعشرين شخصية بغسل عقولنا، لأن التعايش بين الناس قريب للغاية، لأن الكل خاضع ومرتبط بالكل في السراء والضراء الآن. الآن تبدأ الإثارة والتشويق شيئا فشيئا والآن تبدأ لعبة المكاشفة الماهرة للكاتب حيث ينفتح القاع  خلف واجهة عالم مثالي، فأصلان ليس رومانسيًا اجتماعيًا، لأنه يعرف العالم الذي يكتب عنه فمجتمع الحي التقليدى تمزقه التناقضات الاقتصادية الاجتماعية  والأبدية الشعبية للحياة اليومية التي لامناص منها ليست إلا وهم خالص، ولم يظهر  الكاتب في أي مقطع بمظهر العالم بكل شيء فالمهم هو أبعاد الشخصيات، ويتحول التأمل إلى تأمل ذاتي متعدد النغمات وكشف ذاتي للحي وهذا ما صنع شهرة أصلان، فقلة الكلام حتى الذوبان الذاتي جعلا الأشياء تتحدث عن نفسها، حيث يتحدث الناس بنغمة الشارع وكان هذا بمثابة ثورة في فترة الستينيات بعد أسلوب نجيب محفوظ الذي يمتاز بفيض الكلمات الاستعارية والمجازية، فكان الاهتمام بما هو واضح فحسب أمرًا بديعًا، كما تدعي النهاية فالحوارات الذاتية الغاضبة والذكريات الكئيبة هى التي أضفت على الحبكة الاجتماعية عمقا وقوة، لكن أين بدأت؟ ربما عند الشيخ حسني الكفيف الذي يصارع العمى، فهل هو فنان البقاء على قيد الحياة؟ أم بدأت مع مجموعة الكيت كات التجار الشرفاء والحرفيين الذين يدخنون الحشيش كل ليلة في وكر الحلاق أم بدأت عند الحارس الذي لم يعد كذلك لأنه يدخن معهم  ويشتري الآن لزملائه من أمام المقهى سجائر، مجرد فاشل يلتقط الصدقات السرية،  أم بدأت عند موقف الملكية، فالمقهى أكثر من مجرد نقطة الإلتقاء لأناس كسالى سعداء بشكل أقل أو أكثر، والشباب الذين لايبحثون عن عمل وصانع الحلويات السابق الذي اكتشف كيف يحصل على المكسب من مجر بيع الدقيق المُدعًم  إن المقهى مجرد بطاقة رابحة في لعبة البوكر القائمة على الحظ والتخمين، وتاجر الخضروات صبحي المحظوظ والصاعد اجتماعيًا الذي يريد هدم المنزل والحي كله. ولقد لخّص الشيخ حسني الأمر كله ببساطة في أن المستأجر الغاضب سوف يعيد له عقله بطعنة سكين. اعترت القاهرة حمى البناء وأصبحت أيام إمبابة القديمة معدودة، هذه بالطبع الرواية الكبيرة عن سياسة السادات الشهيرة سيئة السمعة "للانفتاح الاقتصادي والسياسي" منذ عام 1974 ،ثورة التصحيح لثورة عبد الناصر الاجتماعية، ولذلك لم تبدأ رواية "مالك الحزين " من يوم 18 يناير 1977 فلقد كان ذلك هو اليوم الذي ثار فيه الشعب واقتحم فقراء القاهرة المحلات والفنادق بعد رفع أسعار السلع المُدعّمة وأطلقت الحكومة النيران على جموع الشعب بمساعدة آلة الحرب الأمريكية، لكن تحفظ إبراهيم أصلان واقتصر بحكمة على أحداث ميدان الكيت كات الذي لاتسمع به تبرمًا حيث تقول نفس الكاتب مع إيقاف التنفيذ يوسف العجيبة له أنه لايفهم شيئًا عن  السياسة، وأكثر مايعرفه هو الصيد، ليس أمامهم سوى التأمل والملاحظة الدقيقة، هذا ما فعله أصلان وصاغ الأحداث لذلك بعمق أكبر عن كل تغطية صحفية التي توجهت للحدث الأهم، اليوم "التاريخي"، وبغض النظر عن ذلك تصاعدت حدة الأشياء في الحي، وقي ذروة الأحاث الهائلة أعلن أكبرهم سنًا في العزاء عبر المذياع الحقيقة ونهاية المقهى ورجع للتاريخ، فكل شيء كان سرقة من البداية، من نادي الكيت كات الممزق منذ وقت طويل للمجتمع الاستعماري الراقي ومقهى المستعمرين المشتق من مادة بناءه. تودع رواية "مالك الحزين" حقبة زمنية معينة وأحلام الثورة الاجتماعية عن مجتمع عادل، وتدخل الشخصيات تحت أمطار االشتاء مخمورين ومتعجبين ويتملكهم الحزن لأن لم يعد هناك الكبير والنهر أصبح مٌلوثًا، فقط جرسون المقهى التعيس أفقر شخص الذي لم يعد أحد في حاجة إليه تحول في لمح البصر لقاتل كبش فداء، وكانت تلك الرواية بمثابة توقع مدرك لما هو آت،  فالتحول العنيف في العالم العربي جعل هذا الحدس أمر واقع .


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...