وكأنها بداية النهاية… قراءة في رواية « حرير» للروائي اليساندرو باريكو.. تحيط بالمفردات الروائية في رواية « حرير»  للكاتب « اليساندرو باريكو » ، والتي ترجمها الى العربية دكتور « علي أسعد » المؤثرات الفنية الغنية بالمشاهد المشحونة بالصور التخيلية ، مما يترك اثرا عميقا في نفس القارىء، إلا ان الرواية لم تخل من الاستشراق من حيث بناء الصورة الذهنية القادرة على التقاط التفاصيل المزينة بجماليات مشرقية تصويرية ترك للذكورية فيها مقومات سلطوية « المؤشر المرئي الوحيد على سلطته امرأة مستلقية وقد اتكأت على ركبتيه» في هذه الرواية وضعنا « اليساندرو باريكو»  داخل شرنقته الروائية لنسلك معه طريق الحرير الممتد من  شمال الصين وصولا الى البندقية عبر شبكة من الطرق الفرعية حيث شهد طريق الحرير ازدهار الثقافات والتجارات وفي الجانب الاخر منه شهد ايضا الحروب الدامية،  وهذا ما اشار اليه « اليساندرو»  في مقدمة الرواية حدث ذلك عام  1861بينما فلوبير يكتب « سالامبو» في حين كان الضوء الكهربائي وقتذاك فرضية لا أكثر، وفي الجهة الاخرى للمحيط كان ابراهام لنكولن يشن حربا لم يشهد نهايتها. ان امتلاك الثروة الكبرى هو في القدرة على السعي والتوجه نحو المستقبل بقدرات تجعلنا نتطور ونكتشف كل ما هو جديد دائما،  فالطموح بحاجة الى عمل متوازن وتؤدة «فهو من هولاء الذين يحبون ان يشهدوا حياتهم الشخصية فيعدّون اي طموح في عيش هذه الحياة انما هو مسألة غير لائقة.» وهنا استطاع إيجاد تكوين حواري تجاوز من خلاله التساؤلات التي يطرحها القارىء على نفسه،  ومن ثم يستنتج اجوبتها تباعا في تسلسل النص الروائي باعتباره كينونة ذاتية ترافقها بموضوعية الصور الذهنية، وبمختلف مستوياتها الفنية والتي يغلب عليها الطابع التصويري الرومانسي،  والشاعرية الرقيقة القادرة على التسرب داخل وجدان القارىء « كاللهب الرقيق المرتجف داخل القنديل» فالاحاسيس الرومانسية في الرواية كقطعة الحرير « لو ضغطت عليه بقبضة يدك لانتابك شعور بانك لا تمسك شيئا بأصابعك» فالجمل  الاختزالية المليئة بالمعاني التي تعصف بالذهن هي بمثابة بناء روائي يكشف عن حبكة متينة لا يمكن ان يشوبها تخلخل في بعض مواضعها،  حتى انه اختار المعاني بدقة تتوافق مع التفاصيل المتناقضة احيانا بين الحب والحرب ، ولما حمله طريق الحرير من جمال ذي وجهين « لأن الحرب لعبة باهظة» وفي الحرب تعدد اسباب الموت . كما ان الحب كان السبب الرئيسي في وفاة الطفل الذي أرشده على الطريق « لقد كان هو رسالة الحب» لكن تأويلات متعددة طرحها من خلالها دودة الحرير،  وغموض تلك المرأة التي تركت فيه بصمة جمالية تشبه الخيط الحريري او العملة الخيطية،  وفي المكان الاكثر خطورة حيث يشنق فيه الغريب،  فالباحث عن المرأة المميزة ، كالذي يبحث عن دود الحرير والمحافظة عليها في سراديب الروح كالممسك بالبيوض،  فالمقارنات الحسية تغلغلت داخل الوجدان ، وصارت جزءا من سيميائية النص الروائي،  حيث المحاكاة العقلانية والانفعالات العاطفية تفجرت عندما فك لغز تلك الصفحات حيث « بدت الكتابة له وكأنها مصدر لاثار اقدام عصافير صغيرة، نظم بدقة متناهية .والذي يثير الدهشة انها في الحقيقة اشارات لغوية رماد صوت يحترق.» فهل يحاول اليساندرو رسم اللغات بحروف تصويرية ينقل من خلالها المشاهد التعبيرية لمخيلة القارىء؟. أم أنه يبحث عن الأشكال التي « تشبه طمأنينة من يشعرون أنهم في مكانهم المناسب» فيطمئن انه سيلقاها من جديد. يفتح « اليساندرو باريكو « أبواب النفس الوجدانية،  لتتشبع بأنماط تخيلية تمدنا بقدرات جمالية فتحت له الذاكرة حين « قرأ في أحد الكتب أن الشرقيين لا يقدمون حلا لعشيقاتهم تكريما لوفائهن، بل عصافير فاخرة وبهية « فهو يستكشف ذاته من خلال الأنثى،  وقدراتها على التأثير بما يجعله يتوغل فيها أكثر،  فيبحث ويبحث دون أن ينتبه أن زوجته هيلين تمتلك الحاسة السادسة « عندما حل الليل توجه إلى فراش هيلين وأحبها بلهفة مخيفة، فأخذت تبكي وهنا اشارات ايحائية بأن هيلين استطاعت ان تدرك من تغيراته ولهفته شغفه بتلك المرأة الشبيهة بشرنقة تركت له كلمات غامضة « ارجع والا سأموت». خيوط درامية اتقن نسجها روائيا، وصراعات نفسية عشناها معه بقلق وغموض تفنن في بثه بصمت حواري قصير،  وسرد تعلو وتيرته وتنخفض تبعا لسلسة احداث تقاطعت فيها الصور الذهنية الرومنطقية السلسة،  والبسيطة من حيث ايقاع المفردات الغنية بالموسيقى الشاعرية الناعمة الملمس « كحرير حديث الولادة».  فهو يجيد استخدام العبارات النابضة بالحياة « وهو جالس تحت الشرفة كان يقلبها بين أصابعه. وذات مساء، شرع ينظر إليها تحت القنديل في مكتبه، فشعر وكأن آثار العصافير الصغيرة تتحدث بشفافية» ان كل عنصر من عناصر الرواية متشابك مع الاخر ، مما يجعلها وحدة موسيقية متكاملة لا يمكن تجزئتها،  وكأنها شرنقة نغوص في مجاهلها الحيوية معه لنلتقط مواصفات الطيف بنرجسية جعلته في نهاية الرواية يرى مشهد حياته الرقيق والغامض مرتسما على صفحة الماء.  فما بين هيلين وصاحبة العيون خيط موصول أشبه بطريق الحرير الذي يسلكه ليحصل على البيوض التي لا تقدر بثمن. نواحي جمالية متعددة تضافرت لتشكل العين لغة سرية لا نفهم ما هيتها.  الا اننا نشعر بما في داخلها تبعا لعواطفنا ، لكنه استطاع تمييز « أن شكل عينيها ليس شرقيا» فالتشويق رافق الرواية من البداية الى النهاية لأنه  استطاع اثارة اهتمام القارىء بكل تفاصيل تحركاته،  وحتى بخواتم الزهر الزرقاء ليخلق نوعا من الدهشة.  لأن الزوجة استطاعت ان تدفعه نحو الوهم بقوة الايحاء في كلماتها ، لكنها ايضا وضعت حاجزا بينه وبين اللقاء كي يستريح من عناء التفكير بذات العيون الغامضة لأنه»  نوع غريب من الألم أن تموت حنيناً إلى شيء لن تختبره قط». كشف «اليساندرو باريكو»  في هذا الرواية عن حس مرهف،  ومواءمة حياتية تميزت بصياغة شاعرية،  ومضمون عميق يتناسب مع اسلوبه المتشابك،  وافكاره الروائية الدقيقة المضامين والبسيطة.  لأنها  تتناسب مع القارىء الوسط والقارىء الجيد، ومع الاحتفاظ بقدرة على توسيع الخيال،  وقوة الملاحظة ليجذب انتباه القارىء من البداية إلى النهاية،  وليملؤه بتألق حيوي يبعده عن الجمود الذهني،  فيستسيغ المادة التاريخية المتسلسلة مع السرد الجذاب اذا بقول « كانت اليابان بالفعل في الطرف الآخر من العالم، وهي جزيرة مؤلفة من مجموعة جزر عاشت خلال مائتي عام منفصلة انفصالا كاملا عن بقية الانسانية ترفض اي اتصال مع القارة وتمنع دخول الغرباء اليها .» فهو لم يتحاش التاريخ لكنه كتب رواية تؤرخ لبداية اكتشاف الحرير والقدرة على امتلاك هذه الثروة الكبيرة والتي اطلق عليها العملة الحريرية.

أضيفت في 01 مارس 2015 الزوار : 34
أليساندرو باريكو في روايته "حرير"*: رواية إيطالية عن الحرير ذات أسلوب حريري .. > كان والد هرفيه جونكور هيّأَ ابنه لمستقبل مشرقٍ في الجيش. غير أن الابن انتهى يكسب عيشه في مهنة غريبة بعض الشيء وتحمل طابعاً "أنثوياً": يبيع ويشتري بيوض دود القزّ. انه العام 1861. غوستاف فلوبير على وشك الفراغ من كتابة سالامبو، والتيار الكهربائي لا يزال مجرد تخمين، وفي ما وراء المحيط يخوض ابراهام لنكولن حرباً غير واثق من نهايتها. هرفيه جونكور يبلغ الثانية والثلاثين من العمر. زوجته هيلين ذات صوت جميل. ليتجنب الوباء الذي انتشر بين دود القزّ الأوروبي اضطر هرفيه الى الذهاب بعيداً لجلب البيوض من مصر وسورية. ينطلق في أوائل السنة، يقطع ألف وستمئة ميل في البحر وثمانمئة ميل في البر، يختار البيوض ويساوم على أثمانها ثم يعود الى بلدته في الأحد الأول من شهر نيسان ابريل. ولكن الوباء انتقل الى البيض القادم عبر المتوسط أيضاً. ووقف هرفيه جونكور، وأهالي بلدته لافيل ديو، الواقعة في جنوب فرنسا، وجهاً لوجه أمام الخسارة والهلاك. ولكن بالدابيو سوف ينقذ الجميع من الموقف الصعب. وبالدابيو هو من كان جلب المهنة الى البلدة لأول مرة. جاء ودخل غرفة رئيس البلدة ووضع قطعة من الحرير على طاولته وسأله: - ما هذا؟ لم يتردد الرئيس كثيراً وأجاب: - انه قماش نسائي. - خطأ، قال بالدابيو، إنها صناعة رجالية، إنها نقود. طرده رئيس البلدة من غرفته. أقام بالدابيو مطحنة هوائية قرب النهر وهناك أنشأ بيتاً لتربية دود القز. جلب آلة لغزل القماش. ولم ينبس ببنت شفة لسبع سنين. بعد ذلك عاد الى غرفة رئيس البلدة ووضع قدراً كبيراً من المال على طاولته وسأله: - ما هذا؟ أجاب الرئيس: - نقود. - خطأ، قال بالدابيو، انه برهان على أنك غبي. أصبح بالدابيو رجلاً ثرياً وصار يملك سبع مطاحن هوائية وغدت لافيل ديو مركزاً مرموقاً لتربية دود القز وغزل الحرير في أوروبا. كان بالدابيو غيَّر حياة البلدة، ولكنه غيّر خصوصاً حياة هرفيه جونكور. حين أبصره يسير في ساحة البلدة رأى فيه الرجل المناسب للمهنة. اقترب منه وقال له: - تهانيَّ يا ولدي. لقد عثرتَ أخيراً على العمل الذي يليق بك. هكذا انتقل هرفيه من الخدمة في الجيش، تلك المهنة الرجالية العنيفة، الى تجارة الحرير، المهنة "النسائية". وها هو بالدابيو ينقذ هرفيه من كساد التجارة. عهد اليه مهمة الذهاب الى "آخر الدنيا" لجلب بيوض دود القزّ. وآخر الدنيا آنذاك كان اليابان. شرح بالدابيو الأمر بالقول أن هناك جزيرة مليئة بدود القز، حريرها ناعم وفاخر. حين تلمسه تشعر كما لو أنك تحمل بين يديك... لا شيء. لم يطأ الجزيرة قدم رجل صيني أو انكليزي ولهذا فإن الوباء لم ينتشر هناك. - وأين يقع هذا المكان، اليابان؟ يسأل هرفيه بهدوء. - واظب على السير حتى نهاية العالم. وانطلق هرفيه في رحلته الى آخر الدنيا. احتضن زوجته مودعاً وذهب في مشوار غامض الى أفق مجهول. وصل قرية يابانية نائية يتاجر سيدها ببيع بيوض دود القزّ. حين التقى هرفيه سيد القرية رآه جالساً على الأرض القرفصاء مرتدياً ثوباً طويلاً قاتماً وعقداً من الجواهر، وأبصر الى جانبه فتاة شابة أخذ رأسها في حضنه وراح يلعب بخصلات شعرها. بدا السيد وكأنه يداعب "حيواناً أليفاً وثميناً". حين طلب من هرفيه أن يخبره عن نفسه، تحدث هذا الأخير بصوت ناعم ولكن واثق وبلغة فرنسية يجهلها الياباني. بدا وكأن هرفيه يتحدث لنفسه، وأن السيد يستمع الى موسيقى الكلام وليس الى مضمونه. وكان كل شيء "هادئاً وصامتاً". فجأةً، ودون الإتيـان بأي حركة، فتحت الفتاة عينيها وأمعنت النظر في هرفيه. وإذ التقت نظراتهما بدا كما لو أنهما تبادلا كلمات كثيرة من دون كلام. هكذا، عند هذه النقطة، تدخل حياة هرفيه منـعطفاً جديداً. يتبدل كل شيء فيه منذ اللحظة التي تلتقي عيناه بعيني خليلة التاجر الياباني. تتبدل الرواية أيضاً ويبدو السياق السردي وكأنه يستبدل سكّةً بسكّةٍ أخرى. تنحسر أحوال البيع والشراء والتجارة والمال وتتراجع الى الخلف لتحل محلها هموم الانشـغال العاطفي لهرفيه والتحام قلبه مع قلب الفتاة اليابانية. هذا نوعٌ من غرام تقليدي، حيث تنبت على ضفاف أحداث الرواية قصة حب مؤثرة. ولكن الغرام هنا يحمل طابعاً خاصاً. انه شغف صامت وعميق. يحضر الحب مجراه دون صوت. لا كلام، لا أحاديث، لا تبادل للشجون. فقط تواصل صامت. يتم كل شيء في سكون تام. يستمر العاشقان يلوذان بالصمت. والصمت وحده ينقل ما يدور في قلبيهما ويكشف المشاعر الدفينة التي تضطرب في أعماقهما. هي رواية عن تجارة الحرير والتحولات التي طرأت على حركتها وانتقالها عبر القارات. ولكنها رواية عن حبّ شفاف وآسر أيضاً. قصة حبّ في قالب كلاسيكي. أسلوب رقيق. آلية سرد بسيطة وصريحة. حبكة في متناول اليد. لا تنبع جمالية القصّ من متن الحكاية بل من خلفية الحدث. ليس من الوسط بل من الطرف. ولا تكمن قوة النص في احتدام عناصره وانغماسه في الدراما، بل، بالعكس، في الابتعاد عن ضوضاء الصراع وارتطام الأشياء. فما يبقى عالقاً في الذهن هو هذا الهدوء اللذيذ. الصمت الشيق الذي يجعل من عشق هرفيه وولعه بعشيقته إيقاعاً جميلاً يتردد صداه في الذاكرة. كأن حكاية الهوى شيء شبيه بقماش من الحرير الياباني الذي يظهر لمن يلمسه كأنه "لا شيء". يقوم هرفيه بأربع رحلات الى اليابان. يبدأ كل رحلة في بداية العام ويعود منها في أوائل شهر نيسان. يقطع مسافات طويلة عبر أوروبا وروسيا جيئة وذهاباً. يأخذ نقوداً ويعود بصناديق مليئة ببيوض دود القزّ. تتوزع مسارات الرواية على أطراف محددة لا تتجاوز كثيراً نطاق المكان الذي ينطلق منه هرفيه، أي قريته، والمكان الذي يسافر اليه، أي قرية التاجر الياباني. ورغم الارتحال عبر البلدان فإن الجوّ الريفي الهادىء هو الذي يهيمن على مسار الأشياء. في القريتين يسود السكون والوداعة. ليس هناك من حشد كبير للأشخاص ولا تقوم أحداث كثيرة. تكاد الرواية أن تكون ملاحقةً دائبة للحدث الأساسي، تجارة هرفيه، ومن ثمّ لوقوعه في غرام الفتاة اليابانية. كأن الحدث الأول كان مقدمةً، أو ذريعة، للثاني. وفي الاثنين هناك ولع كبير: ولع بالحرير، مادة التجارة، وولع بالفتاة، عنصر العشق. ولا تتغير الأشياء من الخارج كثيراً. ما يتغيّر يحدث في الداخل، في الأعماق، من دون صوت أو حركة. هناك اقتصاد كبير في الأصوات والحركات والأفعال. ومقابل ذلك هناك خصوبة وفيرة في الشجن والحنان والحزن والعشق. وتعبّر هذه الأشياء عن ذاتها عبر لغة الصمت. كأن هناك سعي للقول أن الأشياء الجميلة والمدهشة تكتفي بحالها وتنأى عن عرض نفسها. لا يتطلب الجمال لغة أو حواراً. لا تقوم مادته في الأفكار بل في النظر والملمس. طوال الرواية لا ينشأ أي حديث بين هرفيه والفتاة. لا يتبادلان كلمة واحدة. مع هذا ينمو حبّهما باضطراد ويتغذى من النظرات الصامتة والارتعاشات الموحية للعيون والشفاه. كأن الرواية تريد القول أن اللّذة تنهض في استمرار ما يشبه المستحيل في قلب الواقع. وان أي محاولة لتقريب المستحيل من الممكن إنما هو قضاء على اللذة وإنهاء لوجودها. إن مصير هرفيه، المعيشي والعاطفي، يقع تحت رحمة التاجر الياباني. ولقد تداخلت أشياء الواقع والعاطفة مثلما تتداخل خيوط الحرير وأصبحت حياة هرفيه مثل قطعة قماش حريري، خفيفة، نحسُّ ونحن نلمسها كأنها "لا شيء". وتتشابك الأشياء تشابكاً محكماً فإذا ما انفرط خيطٌ هناك انفرطت الخيوط الأخرى من تلقاء نفسها. هكذا، حين تندلع حرب أهلية في اليابان تتوقف تجارة الحرير. تنتهي تجارة هرفيه أيضاً... وتلوح نهاية حبّه أيضاً. لقد حلّ الخراب بقرية التاجر الياباني ورحلت عشيقته مع سيّدها تاركةً لهرفيه الرسالة التي خبأها بين أصابعه. هكذا ينتهي كل شيء، مثلما بدأ، في سكينة وهدوء. كأن الأمر كان حلماً ممتعاً وحزيناً. يرحل بالدابيو عن القرية. تموت هيلين، زوجة هرفيه. ويقضي هرفيه بقية حياته في صمت، يطوي في قلبه ذكرى عزيزة عن عشق غريب مسَّ حياته مساً ناعماً ولكن عميقاً. لقد نجح الروائي في توليف مادته القصصية توليفاً ذكياً وتمكن من طرز نسيج النص بزخرفة حكائية أضفت سحراً لذيذاً على البنية التقليدية للسرد فصارت الرواية مثل تحفة أثرية قديمة ملفوفة بورق عصري. لقد جعل الروائي من الصمت والرقّة والسكون والوداعة أشياء تنطق بالدهشة والمتعة. بهذه الرواية رسّخ الإيطالي أليساندرو باريكر اسمه أعمق في ذاكرة القراء الذين سبق أن قرأوا له Castelli de rabbia قلاع الغضب، التي كانت فازت بجائزته ميديسيس للرواية، وكذلك Oceano mare بحر المحيط، التي فازت بجائزته فياريجو للرواية وروايته هذه Seta حرير ترجمت الى ستة عشر لغة، بما فيها اللغة اليابانية. * اعتمدتُ في هذه القراءة على الترجمة الانكليزية بعنوان Silk، التي صدرت من دار هارفيل برس في لندن عام 1998.

أضيفت في 01 مارس 2015 الزوار : 28
«أيها القراء الأعزاء، إن «بطل من هذا الزمان» هو صورة رجل حقاً، لكنه ليس صورة رجل واحد. انه صورة تضم رذائل جيلنا كله، وقد بلغت كمال التفتح. قد تقولون لي مرة أخرى: ما من انسان يمكن أن يبلغ هذا المبلغ من الفساد. وجوابي: ترى لماذا تصدقون وجود جميع فجرة المآسي والروايات الرومانسية، ثم لا تصدقون ان شخصاً مثل بتشورين يمكن أن يكون مستمداً من الواقع؟ وكيف تطيب لكم أخيلة أفظع، ثم لا تلقى منكم صورة هذا الشخص، وإن كانت خيالاً، قبولاً ورضى؟ ترى... ألا يرجع ذلك الى أن هذه الصورة أصدق مما تحبون؟». كاتب هذا الكلام كان في الخامسة والعشرين حين كتبه كجزء من مقدمة رواية اصدرها بعنوان «بطل من هذا الزمان». وهو سيموت بعد ذلك بعام واحد، في زمن كان قد بدا فيه واعداً بأن يكون واحداً من أعظم الروائيين في بلده، روسيا. لكن قدره كان بالمرصاد، فقتل شاباً، مخلّفاً بين كتابات قليلة أخرى، هذه الرواية التي ينظر اليها بوصفها احدى قمم الأدب الروسي في القرن التاسع عشر. ومؤلف الرواية هو طبعاً ميخائيل جورييفتش ليرمنتوف الذي سيقول عنه كبار النقاد الروس دائماً انه «عندما عرّى في روايته هذه عيوب النظام القائم آنذاك، ساعد على تطوير الفكر الاجتماعي التقدمي في زمنه». ونعرف طبعاً ان هذا الفكر لعب في التاريخ الروسي دوراً فائق الأهمية، إذ كان الاداة التي حملت الوعي الى الناس ولا سيما قراء الأدب منهم بشكل متواصل وعنيد. وفي هذا يوضع ليرمنتوف عادة الى جانب بوشكين وغوغول، ثم تولستوي ودوستويفسكي وتورغنيف باعتبارهم القوة الابداعية الخارقة التي عرفت كيف تنقل روسيا من أدغال العصور الوسطى الى زمن الحداثة. وهذا على رغم ان ليرمنتوف لم يعش زمناً يكفيه لقول كل ما عنده. وهو كان شاعراً قبل أن يكتب النثر. أما «بطل من هذا الزمان» فهي روايته الطويلة الوحيدة. وكانت، على أية حال، كافية لكي تمنحه الخلود. * والحقيقة انه إذا كانت رواية «بطل من هذا الزمان» تتميز بحدتها في مجال النقد الاجتماعي، وتعرية مفهوم البطولة، أي في موضوعها وما تريد أن تقوله، فإنها كانت ايضاً رائدة في شكلها الفني. والطريف ان هذه الرواية المؤلفة من خمسة اجزاء، تبدو للوهلة الأولى لدى قراءتها غير مترابطة، نشرت متفرقة في المجلات، ولم يتنبه القراء أول الأمر الى أنها تشكل كلاً واحداً مترابطاً. لاحقاً حين نشرت في كتاب تم ادراك هذا ودهش القراء، والنقاد، من قدرة ليرمنتوف الفنية. وكان الناقد الكبير بيلينسكي (مكتشف دستويفسكي بين آخرين من اساطين الأدب والفكر في روسيا اواسط القرن التاسع عشر) من أكثر الناس حماسة للرواية. وحماسته جعلته يدخل معركة حادة مع الذين هاجموها وحاولوا الاساءة الى مؤلفها، إذ ها هو يكتب، في مجال التعليق على شخصية بتشورين بطل الرواية (أي «بطل هذا الزمان») قائلاً: «يمكن للاخلاقيين المتزمتين ان يجأروا بأن بتشورين شخص أناني شرير وحشي ولا أخلاقي. الحق معكم أيها السادة. ولكن ما الذي يدفعكم الى ذلك؟ ولم تشتاطون غضباً؟ انكم تلعنونه ليس بسبب عيوبه - فإن بكم في حقيقة الأمر أكثر منها بكثير ناهيكم بأن عيوبكم اكثر سواداً وعاراً من عيوبه - بل بسبب تلك الطلاقة الباسلة وتلك الصراحة الساخرة التي بها يتحدث بتشورين عن عيوبه». > تتألف رواية «بطل من هذا الزمان» إذاً، من خمسة أجزاء، أو قصص هي «بيلا» و «مكسيم مكسيموفتش» و «تامان» و «الأميرة ماري» و «المؤمن بالقدر». وفي القصص الخمس لدينا البطل نفسه: بتشورين، مرة يكون الراوية، ومرة يكون ميتاً وثمة من يروي عنه، أو من يقرأ في أوراقه. والقصص غير مرتبة زمنياً بالتتابع، بل ان احداثها متداخلة، وقد نجد بتشورين ميتاً في قصة، ثم نراه يروي لنا القصة التالية... وهكذا. العمل كله أشبه بلعبة كلمات متقاطعة، وكان هذا الاسلوب جديداً، في الواقع، على الأدب الروسي في ذلك الحين. ومن هنا أغاظت هذه الرواية بقدر ما فتنت. في القصة الأولى يروي المؤلف حكاية هيام بتشورين بابنة امير التتار، بيلا، التي ما إن يغتصبها حتى يتخلى عنها بكل نذالة ولا مبالاة. وبعد ذلك يأتي شخص آخر تتري هذه المرة ويغتصبها من جديد ويقتلها. بعد ذلك يطالعنا مكسيم مكسيموفتش، الضابط الروسي العجوز الذي يهيمن على منطقة في القوقاز، وهناك يتعرف الى بتشورين وحكايته مع بيلا. وهذا ما يتيح للمؤلف ان يقيم التعارض بين القيم النبيلة التي يمثلها مكسيموفتش وتلك النذالة التي يمثلها بتشورين. القصة الثالثة «تامان» هي قصة فتاة حسناء قاطعة طرقات يتمكن بتشورين نفسه من كشفها، لكن الفتاة تخدعه وتقتله إذ ترمي به في مياه البحر. واللافت ان هذه الحكاية لا نعرفها إلا عبر تنقيبنا في أوراق بتشورين الخاصة. وهذه الأوراق نفسها هي التي نكتشف عبرها حكاية الأميرة ماري، والحب المزدوج الذي يعيشه بتشورين معها، وحكاية المنافسة التي تؤدي الى مبارزة بين بتشورين وغريمه، تشبه المبارزة الحقيقية التي سيخوضها ليرمنتوف لاحقاً وتؤدي الى قتله. > أما في القصة الخامسة، فإنه من العبث البحث عن حبكة، لأن النص يبدو هنا وعظياً ويبدو كما لو ان ليرمنتوف يريد من خلاله ان يقول لنا، كما لو انه يبرر كل أفعال بطله، ان الانسان ليس في نهاية الأمر من يمسك بمصيره، بل انه ضحية الأقدار التي تسيّره على هواها. > والحقيقة ان بتشورين كما يصوره لنا ليرمنتوف في هذه الفصول (القصص) المتلاحقة، وكما يقول الباحث الروسي المعاصر اندرونيكوف «شخص ذكي حادّ الملاحظة، ويتحلى بمستوى ثقافي رفيع». وهو فتى وسيم ثري، «لكنه يعيش حياته بلا هدف ولا أمنيات. انه لم يذق طعم السعادة لا في الحب ولا في الصداقة. وقد قضى أفضل سنوات عمره في الجمود والكسل. وتتلاشى بلا جدوى تلك القوى التي يتحسسها في دخيلته. وتظل أحلامه بالمآثر العظمى احلاماً لا غير. إنه وحيد تعيس لا يحمل للناس الذين يرتبط بهم مصيره غير الهلاك والآلام»، فما الذي يجعل لبتشورين هذه الشخصية؟ سبب ذلك يكمن، في رأي اندريكوف في أن بتشورين «لم ير الهدف ولم يتحسس سبل النضال في امبراطورية نيقولاي الأول، في أقسى سنوات الرجعية (...). كان بتشورين في زمن ما يتألم حين يفكر بالعبودية الشائنة التي يعيشها ملايين الناس. لكنه على مر السنين دفن في أعماق فؤاده أفضل مشاعره وسماها. تعلم مواجهة الآلام بلا مبالاة». وهذا كله يجعل القارئ يدرك أن هذا البطل انما كان ضحية المجتمع وضحية أقداره. انه الضحية قبل أن يوقع، هو نفسه، الآخرين ضحايا. وهنا بالتحديد، تكمن قوة هذه الرواية، رواية البطل/المضاد، الذي كان جديداً إلى حدّ ما في ذلك الحين، لكنه سيكون لاحقاً، سمة سائدة في الأدب الغاضب. > ولد ليرمنتوف، الذي كان بدوره غاضباً على الدوام، العام 1814، وكان حفيداً لضابط اسكوتلندي دخل روسيا خلال الربع الأول من القرن السابع عشر. وليرمنتوف نفسه، بعد دراسته الثانوية دخل الجيش القيصري ليتخرّج ضابطاً، ثم بدأ يعرف كشاعر متأثر، خصوصاً، بالرومانسيين الانكليز، وذي شخصية متمردة تجلت في أبرز قصائده وأشهرها «أمنية» التي يبدي فيها حنيناً الى اسكوتلندا، و «لا... أنا لست بيرون» و «موت شاعر» التي كتبها تحية لبوشكين، وأثارت ضده غضب القيصر ما أدى الى سجنه. وهو كتب لاحقاً رواية «بطل من هذا الزمان» التي أثارت حنق القيصر من جديد، فنفاه الى القوقاز، ثم أوعز الى رجاله أن يدبروا مؤامرة ضده قادته الى مبارزة تسببت في نفيه من جديد. وفيما كان في هذا المنفى، عاد وخاض في العام 1841 مبارزة انتهت بقتله وهو لم يبلغ السابعة والعشرين.

أضيفت في 01 مارس 2015 الزوار : 54
أرملةُ رجلٍ حيٍّ تتذكَّر  ..     خمسمائة رسالة هي مختصر الحياة/التكاتُب بين نيكوس كازنتزاكي وزوجته إيليني، منذ أن التقى بها في أثينا سنة 1924، وهي لمَّا تتجاوز الواحدةَ والعشرين فيما كان هو يخطو أولى خطواته نحو العقد الخامس من عمره، إلى أن سمعتْ آخرَ كلماته: "إني أشعر بالعطش"، قبل أن يسلم الروح في ألمانيا بلحظات سنة 1957، لتمسك بيده اليسرى "الحريرية، التي لم تتعرق"، بحسب وصفها في نهاية المذكرات، التي جمعت فيها أيضًا بعضَ مراسلاته ونصوصه غير المنشورة لتُصدِرَها في كتاب، أرادها أن تكتبه هي دون غيرها:   اكتبي عني كتابًا... سوف تضعين كتابًا عني، يا لينوتشكا. عليك أن تفعلي ذلك لأن الآخرين سوف يقولون عني أشياء كثيرة غير دقيقة. أنت الوحيدة التي تعرفينني جيدًا.   وبعد أن تجاوزت إيليني ما كانت تعتبره مستحيلاً، أي الكتابة عن كازنتزاكي – الأسطورة، الإنسان، المناضل، المحب – واستطاعت، بكثير من الجهد والمغالبة، أن تمسَّ خطاباتِه، فاستنسختْها على الآلة الكاتبة لتتفادى النظر إلى خطِّ يد رجل أحبَّتْه ولاءً وعاهدتْه مسلكًا، أصدرتْ كتابَها بعد عشر سنوات عن الذي ناداها ذات مُكاتَبة: "يا أرملةً يحبها رجلٌ حي"، واستعطفها مرة أخرى: "عندما أسافر أندم على اضطهادي لك"، في إشارة إلى كثرة أسفاره وابتعادهما الدائم واحدهما عن الآخر، أحيانًا بسبب ظروف الحياة، وأحيانًا أخرى وفق عهد متفَق عليه: "ميثاق الأيام العشرة" التي يلتقيان فيها سنويًّا بين فاصل التنسك للكتابة والاعتراك مع متطلبات الحياة والمُكاتَبة.   وقد صدرت الترجمةُ العربية للكتاب الذي تجاوَز الخمسمائة صفحة بعنوان المنشق (بترجمة محمد علي اليوسفي) عن دار الآداب – وإن كان سيد أحمد بلال يميل في مقدمته لكتاب كازنتزاكي تصوف إلى عنوان مختلف: الذي لا يساوم، في إشارة دلالية إلى كاتب تطابقتْ حياتُه تطابقًا مقنعًا مع كتاباته. فهذا الذي اندفع مرتين ليصبح "قديسًا" هو ذاته الذي أغضبَ العالمَ المسيحي بكتابه المثير الإغواء الأخير، وأيضًا بكتابه المسيح يُصلَب من جديد؛ وهو ذاته الذي ذهب إلى موسكو شيوعيًّا، فلم يعثر فيها، بحسب قوله، "على الجنة التي وَصَفَها الشيوعيون التبسيطيون، ولا على الجحيم الذي أعلن عنه البرجوازيون الشرسون المتخوفون"؛ وهو الذي وجَّه نداءً إنسانيًّا بمثابة بيان من لندن "إلى ذوي الإرادة الطيبة في العالم قاطبة"؛ وهو الذي أعاد إلى الصين مبلغَ "لجنة السلام الدولية" في بكين ببرقية تنم عن حسٍّ إنساني رفيع: "الصداقة عندي أهم. لن نأكل الرز الذي يعود إلى الشعب الصيني"، فيما كان هو في أمسِّ الحاجة إلى ذلك المبلغ من أجل العلاج؛ وفي المقابل، أهدى إلى الصينيين رواياتِه دون مقابل.   هكذا كان كازنتزاكي يحصد الأصدقاء والأعداء، المحبين والكارهين، أفرادًا وجماعات. فقد كان أول المهنئين – إنْ لم يكن الفَرِحَ الوحيد – بحسب إيليني، بحصول ألبير كامو على جائزة نوبل، فيما كان العالمُ يترقب الإعلانَ عن فوزه هو بالجائزة، ليردَّ كامو على برقيته برسالة وصلت لزوجته بعد وفاته: "تحسَّرتُ على جائزة يستحقها كازنتزاكي مئة مرة أكثر مني." ولم يكن بعيدًا عن المهمات الرسمية: فقد حمل حقيبةً وزارية، كما عمل مديرًا في اليونسكو، حتى استقال من منصبه لأنه كان يرفض استلام راتب دون عمل؛ تمامًا كما رفض عقد دار نشر باريسية لأنها عرضت عليه شرط الكتابة بالفرنسية، وهو المتمسك بموقعه في الأدب اليوناني والمحب لِلُغته حدَّ الهوس بترجمة ملاحمها إلى لغة عصرية، ضمن جهوده لمواءمة اللغة اليونانية الصفائية بالتداوُلية. فقد كان مناضلاً شريفًا من أجل عقيدته وناسه، يعطي للآخرين حقَّ وواجب مهاجمة فكرته، ويحمل على عاتقه مهمة "إعادة الفضيلة إلى هذا العالم"، على الرغم من وصفه لنفسه في مرافعته المبكرة في كريت بأنه ليس صاحب عقيدة منحوتة بفظاظة، وبأنه ليس رجل ممارسة، بل "رجل هدفه التفكير ومحاولة صياغة أفكاره"، وبأنه ليس من أولئك السذَّج الذين يعتقدون بإمكانية تحوُّل الفكرة إلى واقع تحولاً آليًّا وفوريًّا.   أجل، من تلك الزوايا جميعًا ينبغي النظر إلى كازنتزاكي: "أو هكذا كان يجب أن نحكم عليه، ليس بما فعله وبما إذا كان ما فعله ذا قيمة سامية أم لا"، بحسب إيليني في مقدمتها لكتاب تقرير إلى الغريكو، بل "بما أراد أن يقوم به وبما إذا كان لما أراد أن يقوم به قيمةٌ سامية له ولنا أيضًا."   في نظرها، كان الأمر كذلك خلال سنوات عشرتهما التي دامت 33 عامًا؛ وهو ما حاولتْ أن تبثَّه عِبْرَ سيرة محبٍّ كبير يرى "للبطولة والحب مُعينًا واحدًا"، ومناضل حرٍّ ظلَّ يبشر بفكرة ما بعد الشيوعية التي سماها "الميتاشيوعية"، فيما رآها بعضُهم مثلبةً صريحةً من آثار اجتماع لينين والمسيح في داخله، أو نتيجةً لحسِّ التصوف الذي سطا على حياته تأثرًا بأديان وحكمة الشرق الذي افتتن به لدرجة الاعتقاد بأن دمًا من هناك يجري في عروقه، وبعشقه الواضح لكلِّ البقاع المقدسة، أو ربما نتيجة انقياده للنزعة النتشوية ومراسلاته مع غاندي – وإنْ كان لا ينفي عن دماغه الكريتي الصلب بعض التقليدية والإيمانية العميقة التي لا تذهب به إلى الإلحاد بقدر ما تدفعه إلى الاحتجاج، كما بدا ذلك جليًّا في مذكراته.   كل ذلك الهَجْس بـ"القفص الإنساني"، كما يسمِّي جدله الداخلي، الذي استحق بموجبه "سعادة متوحشة"، بحسب تعبيره، تبدَّى من خلال عشقه الحاد للكلمة، ذلك الإكسير الذي ظل يجري فيه مجرى الدم. فقد كان يصارع بها – بالكلمة – العملَ والمرضَ في شجاعة: "لم يعد لي عزاء إلا في الكلمة." حتى وصل إلى ما يسمِّيه المتصوِّفة البيزنطيون، على غرار الطاويين، "ذروة اللاجهد"، حيث أنجز أكثر من ثلاثين أثرًا أدبيًّا جدليًّا، موزعةً بين الشعر والرواية والمسرحية والسيرة والنقد والترجمة. فقد ظل حتى آخر لحظاته يستشعر مثابرةً جسدية عارمة تستنفره للكتابة: "في ذهني أعمال عديدة، والأيام تبدو لي قصيرة. لم يسبق لي أن عشت أعوامًا بهذا القِصَر." أجل، هذا ما كتبه؛ وهو هاجسه في آخر أيامه: "أحمل في داخلي منذ الآن ثلاثة كتب أخرى تتلهف لرؤية النور... سوف أموت وكتب كثيرة لا تزال في داخلي." ولذلك انتابه الجزعُ عندما علم بإمكانية بتر ذراع اليمنى، وهو الكاتب الذي لا يجيد إملاء كتابته.   ولكن ترى ما هي الكتب التي كتبها أو أراد أن يكتبها، وماذا كانت تعني في نظره؟ إنها كتب مُقلِقة، فظيعة إذا أمكن، كما يصفها،   ... لأنه يجب التأكيد للبشر بأنهم سائرون نحو الكارثة، وبأن عالمنا على شفير الشواش الذي سيلتهمه. قليلون هم الكتَّاب الذين يهتمون بذلك. إنهم يتلاعبون بحكايات صغيرة عن الجنس والتحليل النفسي. الرسامون والموسيقيون أكثر حساسية ويتوقعون دنوَّ النتيجة؛ أما الكتَّاب فيتلهون بملذات بالية. ينبغي إعلامهم بأننا نقترب من النهاية.   هكذا تحدث عن آثاره الأدبية. فهو لا يكف عن الابتهاج وإبداء القلق إزاء أوذيسته التي نَظَمَها في 33333 بيتًا، ولا يخفي انفعالَه وتوحشه في أثناء كتابة الإغواء الأخير: "لم أعد قادرًا على رفع رأسي من شدة انغماسي في فرح الإغواء الأخير وقلقها." كما يكتب في موقع آخر: "تأثرت في أثناء كتابتها بتأثر عميق وحنوٍّ صارم، وكثيرًا ما كانت عيناي تترقرقان بالدموع."   أما روايته زوربا فكتبها في إثر صحبته لزوربا الذي يلقِّبه إعجابًا بـ"الغول" ويضعه في مصاف نيتشه وبرغسون وبوذا، انبهارًا بفلسفته الحسية في الحياة؛ وقد شبَّهها بحوار "بين كاتب فاشل ورجل حقيقي من عامة الشعب، حوار بين الروح–المحامية وروح الشعب العظيمة". كان يرى في كتاب الفقير إلى الله – سيرة حياة القديس فرنشيسكو الأسيزي – الذي أملاه على إيليني في أوقات الحمِّى، انعكاسًا لقناعته بـ"حاجة العالم إلى أبطال". كما كتب عنه مرة أخرى متسائلاً: "لماذا كتبتُه؟ هل يوجد متصوف ديني في أعماقي؟" كذلك رأى كتابه القبطان ميخاليس أو الحرية أو الموت: فمأساة القبطان التي عاشها "بصورة نازفة"، بحسب تعبيره، عندما كان في الرابعة من عمره في أجواء كريت المأساوية، تحولت إلى كتاب يحكي "سيرة الصراع من أجل الحرية، تطلُّع الروح الأبدي إلى الانعتاق، جهد المادة للتحول إلى روح".   هكذا يوجِد كازنتزاكي مبررًا روحيًّا لكلِّ كتاب يكتبه. فهو يحب كتبه ويجيد التحدث عنها: فكتابه رياضة روحية أو مخلِّصو الله، الذي ترجمه سيد أحمد بلال لدار المدى بعنوان تصوف، أراد للآخرين أن يقرؤوه بالروح نفسها التي كتبه بها: "كلهم يعتبرون كتاب الزهد عملاً فنيًّا، وليس صرخة بحث وقلق، وذلك لعدم وجود واحد منهم يمتلك هذه الصرخة." ثم يكتب عنه في رسالة أخرى: "إن كتاب الزهد الذي كتبته بدمي هو صرخة مريعة سوف يتم الاستماع إليها بعد موتي. لا يفهم الناس حاليًّا سوى الشكل الشعري." أما كتاب تقرير إلى الغريكو الذي لم تُرِدْ إيليني أن ترقنه على الآلة الكاتبة، حيث كانت تجهش بالبكاء كلما دفعها إلى ذلك، بحسب قوله، لأنه يتحدث فيه عن موته، فهو مزيج من الواقع والخيال؛ وقد كان بمثابة   ... سيرة ذاتية أُسِرُّ فيها باعترافاتي إلى جدي الغريكو... فكرتي ليست شخصية، إنها قديمة جدًّا، تدفع بالمرء إلى محادثة ميت محبوب يثق به كي يعترف بهمومه.   وهكذا جاءت روايته الحرية أو الموت، حيث كتب عنها: "أسعى قدر المستطاع إلى بعث والدي حيًّا، وبالتالي، إلى تسديد ديني لِمَن أنجبني بوضعه في العالم."   وعلى الرغم من الاضطهاد الذي واجهه به مثقفو بلاده، إلا أنه لم يُبْدِ أيَّ يأس أو إحباط، إلى أن مات صديقُه الشاعر آنغِلوس سيكِليانوس، فأحدث موتُه في داخله فجيعةً كبرى، وأراد أن يخلِّده في كتاب. وقد رثاه كمن يرثي نفسه، بلغة غاية في الشفافية، تنمُّ عن حزن دفين، وربما مؤجل منذ زمن بعيد:   هنا في العزلة أحاول الشفاء من صدمة فظيعة: تربطني بسيكليانوس صداقة أربعين عامًا. كان وحده الذي أستطيع معه التنفس والتحدث والضحك والصمت. أما الآن، فاليونان فارغة في نظري... مات صديقي. ومنذ ذلك اليوم وأنا أحمل جثمانه بين ذراعي. أنام وأستيقظ ولا أتوصل إلى هدوء البال. وعندما أختلي بنفسي فقط أنحني وأبكي، وتعاودني الأسئلةُ الأبدية تمزِّق فكري، فلا أعود قادرًا على تحمُّل الحياة والظلم. ثمة الآن قرود مثقفة تحيا، وتعيش جيدًا، وتدنِّس اليونان.   كان سيكِليانوس ملاذَه وتوأمه. فالسعادة تكمن في رحلة يتم فيها الجمعُ بين الصداقة والحركة، تمامًا مثلما كان هنري ميلِّر يتحسَّس صلابةَ الأرض بقدميه ثقةً وامتنانًا وإعجابًا بكاتسيمبالِس عملاق ماروسي عندما كانا يجوبان أرجاء اليونان. أما ملاذه الثاني، فهي إيليني التي تترقق لغتُه كلما تحدث عنها: "إن زوجتي هي التي مازالت تشدني إلى مجتمع البشر وتمنعني من التوحش." وهكذا كان ينتظرها على الدوام ويخاطبها بكثير من الرقة والأمل: "لحسن الحظ أنك ستأتين بعد ثلاثة أسابيع، وسوف تصالحينني مع بني البشر."   لم تكن كتاباتُه كلماتٍ وأفكارًا، بل نداءاتٌ يتخفف بها من قلق وجودي أزلي مقيم في الروح الإنسانية. فأحيانًا، كما يقول، تتملَّكه رغبةٌ جامحةٌ في رؤية أشخاص   ... أنقض عليهم في وحشية خفية وبربرية، كي ألمسهم وأرى ما الذي يجلبونه. حتى الآن لم أكتشف عند أيِّ شخص آخر توترًا روحيًّا وقلقًا نفسيًّا في مستوى ما أعيشه، لكنهم أنجزوا أعمالاً ومارسوا تأثيرًا لا أدَّعيهما.   أجل، هكذا كان كازنتزاكي: ممتلئًا بالأسئلة والكفاحات الميتافيزيقية، كما يصف نفسه؛ بل كان وعاءً بشريًّا هائلاً يتسع للصداقة والحب في أسمى معانيهما. ولذلك دعا القارئ في مقدمة كتابه تقرير إلى الغريكو إلى تلمُّس أثر قطرات دمه الحمراء، "الأثر الذي يشير إلى رحلتي بين الناس والعواطف والأفكار".

أضيفت في 01 مارس 2015 الزوار : 83
لهذا الكتاب قدرة مدهشة على أن يأسر عقل القارئ ويستولي على مشاعره منذ الصفحة الأولى. والحقيقة أنني لا أجد الكلمات المناسبة لوصف هذا الكتاب وإيفائه حقه أو الحديث عن الأثر الكبير الذي يتركه في النفس والعقل معا. "تقرير إلى غريكو" لنيكوس كازانتزاكيس ليس مجرّد سيرة ذاتية لأحد أعظم كتّاب وأدباء وفلاسفة اليونان في العصر الحديث، وإنما يمكن اعتباره بحق دليلا روحيا وبحثا معمّقا في معنى الحياة وأسرار الوجود. كما انه بمعنى آخر بحث عن الله وعن الخلود ومحاولة لسبر أغوار الطبيعة الثنائية للإنسان وصراع النفس والجسد. في هذا الكتاب الرائع صور فلسفية ووجدانية مدهشة ولغة جمالية راقية وقدرة فائقة على النفاذ إلى جوهر الأشياء من خلال مزج الواقع بالرمز والتاريخ بالأسطورة والدين بالطقوس، بأسلوب هو خليط من الشعر والموسيقى والتصوّف. لقد تأسفت كثيرا على أنني لم انتبه لهذا الكتاب من قبل، لكن مما يخفّف ذلك الشعور حقيقة أنني اقتنيته أخيرا وقرأته بشغف ومتعة ليس لهما حدود، والفضل في ذلك يعود للصديق الشاعر سلمان الجربوع الذي دلّني على الكتاب وحفّزني على قراءته فوجدته مثلما وصفه وأكثر، فله خالص الشكر والتحية.

أضيفت في 01 مارس 2015 الزوار : 78