حكاية العمر المعقد المملوء بصقيع الغربة حتى تحت شمس الصيف المحرقة يرويها البير كامو ببساطة في "الغريب". الرواية كلها مكتوبة على لسان بطلها الذي يحكي قصته.. وهو موظف عادي، شكله عادي، ذكاؤه عادي، ثقافته عادية. ليس بطلاً كأبطال روايات القرن التاسع عشر  الذين هم دائماً في غاية الجمال أو في غاية القبح، في غاية البراءة أو في غاية الشر.. إنه مجرد رجل عادي مثل بقية الملايين في أنحاء العالم. تبدو حياته كلها وكل ما يفعله مجرد دور يؤديه شبه مرغم ودونما شهية.. يواجه الكثير من المواقف فيبدو أمامها بلا موقف لأنه لا يحس أن لهذه الأشياء علاقة بعالمه الغريب المتفرد.. تموت أمه فيحضر جنازتها ويمشي كأي معز غريب، تطلب حبيبته الزواج منه فيوافق لأن تلك رغبتها فقط، تحدث أمامه جناية ضرب فيشهد بما يريد صديقه.. الغريب هو الانسان اللامنتمي، إنسان ما بعد الحروب العالمية، إنسان ما بعد المد الصناعي والحياة الآلية والقنبلة الذرية.. نموذج الانسان المغترب في مجتمعه والعالم والكون كله، الوحيد على شاطئ الوجود، تسوطه شمس غريبة تكاد تدفع به إلى الجنون وإلى الجريمة..

أضيفت في 10 يونيو 2014 الزوار : 69
كان أستاذ النقد عندما يود أن ينصحنا بكتاب مفيد وممتع في نفس الوقت، يردد دائماً عبارة: be swift to read swift.. مؤكداً لنا روعة أسلوب سويفت ولغته القوية البسيطة وسخريته.. وبالطبع من يرغب بالقراءة لسويفت لن يجد لديه كتاباً أهم ولا أمتع من "رحلات جيلفر". وقد يبدو لك من الوهلة الأولى أنه مجرد كتاب للأطفال حول رجل يغرق قاربه فيصل لشاطئ بلد غريب كل من فيه أقزام، ومن ثم ينتقل إلى بلد العمالقة.. لكنه كتاب رحلات ممتع ومليء بالسخرية من الأوضاع الاجتماعية السائدة في القرن السابع عشر. ورحلة جيلفر، التي قضى سويفت في تأليفها أكثر من خمس سنوات، عبارة عن أربع أقسام وأربع بلدان يزوها جيلفر ويرى في كل منها ما يثير العجب، أراد سويفت من خلالها أن يجيب عن سؤال "ما هو الإنسان؟". كان يريد أن يدحض مقولة "الإنسان حيوان عاقل" معتبراً أنه منح فقط القدرة على التفكير. فالإنسان في نظر سويفت أكثر  إقبالا على ارتكاب الشر منه على فعل الخير، ويستطيع أن يرى الشر والفساد في غيره لكنه عاجز عن رؤيتهما في ذاته وأفعاله. ولهذا فإن الجنس البشري يسير في طريق يهبط به نحو مزيد من الانحطاط والفساد والعبثية والضلال. لهذا كله فالكتاب ليس مجرد قصة أطفال تسليهم وتنشط خيالاتهم وتوسع مداركهم بل هو أيضا كتاب للكبار يمتعهم بما فيه من خيال واسع وفكاهة رائعة وسخرية لاذعة وهو فوق ذلك كتاب جاد عميق الفكر بعيد الغور في ثناياه كنوز أدبية وفكرية وفلسفية مغرية..

أضيفت في 10 يونيو 2014 الزوار : 69
يحكي ميخائيل نعيمة قصة كتابه الأرقش فيقول: كان القلم يجري بالحروف، ومن الحروف تبرز ملامح فتى غريب الأطوار، في رقعة وجهه آثار من الجدري. ولذلك أسميته "الأرقش" وأسميت الكتاب "مذكرات الأرقش". فما انتهيت من التوطئة حتى وجدتني في الواقع، كمن ولد له ولد وقد بات لزاماَ عليه أن يتعهده بأقصى ما يملك من الحنو والمحبة. خلقت الأرقش من خيالي فلم يلبث أن أصبح في حياتي أكثر من خيال. فلكم سامرته وسامرني، وماشيته وماشاني، وآكلته وآكلني. ولكم توسد وسادتي، وافترش فراشي، وتلحف بلحافي. وقبل أن تتهيأ لي أي فكرة عن نهاية الكتاب أخذت أبعث بفصوله الأولى إلى نسيب عريضة الذي كان يلحف عليّ في طلب المواد "للفنون". وإليك ما جاءني منه بتاريخ 18 كانون الثاني، 1918: الأرقش وصل. وقد هبت على روحي نسمات لطيفة من خلال أوراقه. فانتعشت. وأظن –واسمح لي أن أقول ذلك- أن الأرقش هو أحسن ما صدر عن روحك (مع الاحترام اللائق للآباء والبنون وغيرها). "مذكرات الأرقش" يا ميخائيل هي بحر واسع خضم. وفد أعجبني في القسم الأخير منها القطعة الشعرية التي ختمت بها القطعة. فزدنا زادك الله من كل ما تشتهيه. واعلم أن الأدباء أصبحوا أسرى الأرقش.

أضيفت في 10 يونيو 2014 الزوار : 71
سواء كان زوربا رجلاً من لحم و دم عبر في حياة هذا الكاتب فعلا أم كان مجرد شخصية من ورق فالأكيد هو أن كل واحد منا يملك في أعماقه زوربا مفعماً بالجنون و الرغبات والمستحيلات، زوربا رجل أمّي بدائي يرقص بجموح و يأكل بشراهة ويضحك ويحب ويغني ولا يخاف ويعيش معتمداً على الحتمية القلبية التي تعطيه إياها روح بريئة لم تتعلم بعد الحذر ولا القلق.. روح مازالت تملك الدهشة و تتساءل ماذا تعني الشجرة والبحر والصخرة والطير ويمارس بنهم طقوس الغضب والحزن والضحك والجموح والخجل والنسيان والحب الحقيقي الذي يعرينا من وقارنا وحذرنا وحساباتنا الدقيقة الحب الذي يمكننا من أن نكون نحن بكامل غاباتنا ونملك تلك الروح التي تعتقد أن بإمكان إسفنجة أن تمحي كل الذنوب حين نعترف بها !!‏ يبقى زوربا اليوناني أغرب الشخصيات التي تعرف عليها نيكوس كزانتزاكس في منجم قرب خليج صغير ورائع، وتظل علاقة نيكوس برفيق دربه، والشخص الذي أثر به كثيرا، وبطل رائعته الشهيرة( زوربا اليوناني) عامل المناجم البسيط، من أكثر علاقات كبار الكتاب بشخصياتهم غموضا وجمالا وخصبا والتباسا. لم يكن زوربا متعلما،إنما حكيم، تلك الحكمة التي تنساب كالنهر الرقراق في ليلة قمرية دافئة. وكان شخصا مفعما بحيوية وقوة وحس متدفق، وشهما، وكان عمليا، أمام ما كان يسميه زوربا" قارضة الكتب" وهو لقب الغضب الذي كان يكني به نيكوس في ساعات الشدة.

أضيفت في 10 يونيو 2014 الزوار : 163
الكتابة القصصية عند نجيب محفوظ ليست تصويراً فوتوغرافياً رغم انتماءه للمدرسة الواقعية. إلا أنه يعتبر تصوير الواقع في جوهره هو عملية خلق، عملية معاناة فيها انفصال عن الواقع. وهو يعترف لنا مرة أنه لم يحدث له وخلال أربعين عاماً من الكتابة القصصية أن نقل قصة كما حدثت في الواقع تماماً سوى مرة واحدة وذلك في قصة (ثمن الزوجة) في مجموعة (همس الجنون).. فهذه القصة حدثت حقيقة في الحياة وبنفس الصورة التي كتبت بها.. والسبب أن هذه القصة وبالطريقة التي حدثت بها كانت قصة درامية أكثر من كونها واقعية. ففي الواقع المألوف لا يتصرف شخص بهذا الأسلوب مع زوجته أبداً.. وإذا وجد واحد في كل مليون من هذا الطراز ويتصرف بهذه الطريقة، فإن على الفن أن يصوره كما هو!

أضيفت في 10 يونيو 2014 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 41