يطالعنا اليوم بل يُفاجئنا ونحن ننتظر عودته إلى مضمار العمل والكتابة الجديدة الأديب الكبير غازي القصيبي، بكتاب من خارج السرب تماماً، يحمل عنوان «الوزير المرافق» كما أراد له أديبنا وهو «الوزير الأصيل» طوال أربعين عاماً مضت، مجانباً أعمال السير الذاتية ومحيداً سطوة التاريخ عن هذا الكتاب الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2010.

يعود القصيبي إلى فترة عمله وزيراً للصناعة ووزيراً للصحة؛ إذ قام بدور الوزير المرافق لرؤساء وملوك زاروا المملكة وكذا مرافقة ولي العهد أو الملك السعودي في فترة السبعينات وحتى منتصف الثمانينات الميلادية تقريباً، وهذا يعني أن زمناً طويلاً مضى على هذه الذكريات والانطباعات، ما يجعلها محل تمحيص وتغيير نظراً إلى طباعتها الحديثة، إلّا أن القارئ يكتشف براءة تسجيل الأحداث والمناسبات الواردة من إمكان التبديل والتغيير، إضافة إلى وقوفه على دقائق الأمور لجلسات القمة العربية المغلقة والمشادات بين الرؤساء مع المواقف المدهشة والمحرجة لبعض الملوك والأمراء وكذا رؤساء الدول الغربية والأفريقية والوزراء.

 

يبدأ كاتبنا مقدماً بقوله: «كانت هناك بين الحين والآخر مهام تأخذ الوزير من دوامة العمل الروتيني اليومي. أبرز هذه المهام مرافقة الملك وولي العهد في الزيارات الرسمية، ومرافقة رؤساء الدول الذين يزورون المملكة والمساهمة في المؤتمرات المختلفة… وفي هذا الكتاب فصول تحمل انطباعاتي الشخصية عن عدد من رؤساء الدول والحكومات، وقد حرصت على أن تبقى الانطباعات كما دونتها أول مرة منذ سنين طويلة…». 

 

وفي ذلك تأكيد لروح الكتاب التي أتت مطلقة ومن دون قيود فنية، عدا صنعة القصيبي القصصية التي لا تخلو من ابتكار الدهشة في أجزاء مدوناته العشر، وتحت كل عنوان يسرد تجربة الوزير المرافق في مرات كثيرة، وفي مرة أو مرتين تجده رئيساً للوفد السعودي كوزير مثلاً حين زار تونس والتقى «الحبيب بورقيبة» أو «المجاهد الأكبر» كما سماه في فهرس الكتاب، وفي هذه المدونة يكسر القصيبي قالب الرسميات ويحتد حزناً في آخر لقائه بالمجاهد فيحنو عليه من ذكرياته المكررة والحزينة ودفوعه حول الزواج في تونس والحجاب وعمل المرأة وتمسّكه برئاسة تونس وهو في معزله مع زوجته «الماجدة» التي أحاطها القصيبي بكثير من الملاحظة لبساطتها ودرايتها الكاملة بشؤون المجاهد الذي لا يدركه الخطأ في التذكر حتى تصوب له «الماجدة» الأسماء أو التواريخ خصوصاً ما تعلق باعتقاله وسجنه.

 

في مدونة «البيت الأبيض.. بين سيدين» تحدث الوزير المرافق عن «نيكسون إمبراطور واشنطن» أمام قضية «ووترغيت» التي أطاحت به في الولايات المتحدة الأميركية، ولم يجعل للقضية نهاية بيد مجلس الشيوخ حتى قدم استقالته ورحل، وكان هو السيد الأول الذي التقاه القصيبي في الزيارة الأولى عام 1974 مع النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء الأمير فهد، وكشف القصيبي، نقلاً عن سفير أميركا في الرياض، أن «نيكسون» في زيارته للمملكة «خلط بين مضيفه الملك فيصل وبين فيصل الأول (ملك العراق) لكن المترجم تلافى الخطأ. كما التقى الكاتب «كيسنجر» مهندس سياسة أميركا الأول في تلك الفترة. ويحكي الكاتب أن وزير الدفاع حينها هو شليسنجر وحين صار وزيراً للطاقة في عهد «كارتر» ترأس الوفد الأميركي في اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي بين السعودية وأميركا، بينما الأمير فهد تولى رئاسة الجانب السعودي، وعرض شليسنجر مقترحاً – لا يخلو من تعجب الكاتب والقارئ معاً، ومفاده أن تقوم المملكة وعلى نفقتها ببناء المخازن المعدة للاحتياطي الاستراتيجي النفطي في أميركا، ثم تشحن النفط على نفقتها الخاصة إلى أميركا لوضعه في المخازن، وذلك لضمان تدفق النفط لو حصلت اضطرابات، وأنه بوسع المملكة أن تحظر النفط بكل اطمئنان! يقول القصيبي: «كوزراء سعوديين حاضرين جميعنا نظرنا لبعض وحسدنا الأمير فهد على سعة صدره وهدوء أعصابه ورباطة جأشه، فقد قال للوزير الأميركي: «هذه على كل حال فكرة تستحق الدرس والعناية…». يضيف الكاتب أن تلك كانت واشنطن «نيكسون» أما واشنطن «كارتر» فليس هناك أباطرة ولا نجوم. رئيس متواضع لكنه كما وصفه الأمير فهد «لا ينفع صديقاً ولا يضر عدواً»، فقد تبنى الاعتراف في تلك الأيام بمنظمة التحرير بشروط ليست صعبة وذلك برعاية الأمير فهد الذي عاش سنوات طويلة يشعر بالحسرة على تلك الفرصة الضائعة أمام الفلسطينيين والعرب، فقد كان الأمير فهد كما يصف الكاتب متمسّكاً بدولة فلسطينية مستقلة، إلّا أن «كارتر» أنكر دور الأمير فهد حين صرح ذات يوم بأنه لا يوجد قائد عربي طالب بالدولة المستقلة، مع أنه ذكر في مذكراته بأن السعوديين وحدهم من يقولون في العلن ما يقولونه تماماً في المحادثات الخاصة – بحسب تسجيل الوزير المرافق! وكان لوزيرنا لقاء «مع سيدة الهند الحديدية» ووقف على شجونها الخاصة وكشف لنا مماحكة المرأة مع المرأة في علاقتها بزوجة ابنها، وقرأ لنا تطلعات الهند، لكنها لم تتحدث عن تجربة التقدم لديهم ولم تطلب أي مساعدة للهند، وتمنى الكاتب لو زوار المملكة مثلها.

 

ولأن القصيبي مبدع فلم يفوّت على نفسه أبداً مقابلة عدد من الشخصيات التي عرك الزمن عنها الكثير من الحكايات والقصص وحتى الأساطير، ففي لقائه «مع الأخ العقيد.. في الحافلة»، يذكر أن أول ليلة في ضيافة العقيد نام الوفد السعودي في البلكونات لشدة الحر وخلو الغرف من المكيفات، ثم يُبرز لنا الوزير نقاشات مختلفة بين مستشار الملك خالد الشرعي وبين العقيد في جوانب فقهية كثيرة وأهمها اختراعه لتاريخ هجري متعلق بوفاة الرسول (ص) لمخالفة المسيحيين الذين يؤرخون بميلاد المسيح، وقال القذافي في دفوعه إنه ابتكر هذا التاريخ لأنه حاكم مسلم وعمر بن الخطاب حاكم مسلم، فسأله «الملك خالد مذهولاً: أنت مثل عمر بن الخطاب؟!».. ليحسم العقيد القضية بقوله: «الأيام بيننا.. سوف ترون…». وكان الملك خالد قد طيب خاطر الرائد الليبي «عبدالسلام جلّود» الذي لا يكاد يجلس حتى يأمره العقيد بأمر لا قيمة له كجلب الشاي أو توجيه الشرطة ألا تسرع أمامهم، إذ قال له الملك خالد: «يا أخ عبدالسلام. شكراً. خادم القوم سيدهم». وهذا الرائد نفسه وعلى رغم اكتشاف الكاتب صفة السذاجة فيه إلّا أنه سأله: «لماذا قتلتم موسى الصدر؟» فكانت إجابته زوبعة من الإنكار وصيحات عنيفة. وقد سأل الرائد وزيرنا: «لماذا لا يثق جعفر نميري بنا؟…»، فأجابه القصيبي بأنهم قد دبروا ضده انقلاباً رهيباً… فقال الرائد: «صحيح إنا «درنا عليه انقلاب». ولكننا اعتذرنا له بعد ذلك. ألا يكفي؟».. يعلق القصيبي على كلام الرائد بأنه كان يتحدث بجد ولا يمزح فـ«بإمكانك أن «تُدير» انقلاباً على رئيس دولة مجاورة يقتل فيه المئات وتسفك الدماء البريئة… ثم يفشل الانقلاب. فتعتذر منه. وتبدآن صفحة جديدة من الوئام والمحبّة. هكذا يفكر الأخ الرائد.. ولله في خلقه شؤون!». وعرج مع العقيد القذافي على الكتاب الأخضر ونظرياته، مستدركاً زيارة العقيد للرياض وحادثة تعرّض هيئة الأمر بالمعروف لزوجته ورفيقاتها وغضبه وطلب تجهيز الطائرة ليغادر المملكة لو لا تدخل الملك خالد بأنه «لا يستطيع أن يمنعه من السفر، ولكن يحب أن يؤكد له أن الشامت الأكبر إذا فشلت الزيارة سيكون أنور السادات».. عندها اقتنع العقيد وطلب مناظرة رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وشخصية أخرى تفوق الحكايات لدرجة الأساطير هي شخصية «قاهر الإمبراطورية البريطانية» وهو الرئيس الأوغندي «عيدي أمين» وقد طلب القصيبي مرافقة هذه الشخصية تحديداً من رئيس المراسم الملكية أحمد عبدالوهاب حينئذ. قدم في هذه المدوّنة صورة ما نُقل أو قيل عن حكم امتد لعقد من الزمان شهد المجازر وأجهزة المخابرات والجثث الطافية على النهر وفضائح الرئيس الأمي مع النساء، ويكشف وزيرنا أن عيدي أصر على زيارة المملكة أثناء حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، ونقل عن الأمير فهد الذي حضر اجتماع «عيدي» بالملك فيصل أنه عرض «خطة جهنمية» لمهاجمة إسرائيل بحيث تنقل طائرات عربية مئات الطيارين العرب إلى المطارات العسكرية الإسرائيلية وتحط بهدوء ثم ينقض الطيارون العرب على الطائرات الإسرائيلية ويطيرون بها ثم يدكّون إسرائيل، فرد عليه الملك فيصل بأن عليه عرض الخطة على دول المواجهة وأن المملكة جاهزة لأي رأي تراه الدول العربية المعنية. وفي مرة زار الملك فيصل أوغندا وتفاجأ بحفل ترقص فيه فتيات ويغنين للملك «إنا أعطيناك الكوثر» فشاح الملك فيصل بنظره بعيداً، بينما يعتقد «عيدي» أنه قدم للملك حفلة إسلامية بحسب رأي الكاتب الذي راح يعدد مطالب الرئيس الزائر بعد أن استقبله الأمير فهد – ولي العهد آنذاك – مع وزيرنا المرافق وخرج عليهما من طائرته الصغيرة بلباس عجيب جعل الأمير فهد يُخفي ابتسامته عن الرجل والصحافة. قال القصيبي انتهى حكم «عيدي» ولاذ بليبيا ثم بالمملكة وصرّح لصحيفة عالمية أنه سيعود، ويتساءل الكاتب: «هل يعود؟.. من يدري؟؟! لقد شهد التاريخ أحداثاً أغرب من عودة الرجل الذي استطاع أن يكون قاهر الإمبراطورية البريطانية وحامل وسام الملكة فكتوريا – في آن واحد!!». ولا ريب أن هذا التساؤل يُؤكد أن هذا التسجيل لم يلحقه أي تعديل فـ«عيدي أمين» توفي سنة 2003 في جدة من دون عودة.

 

ونحن بكل تأكيد سنتضامن مع هذا الوزير إذا ما عرفنا أنه نفي عن مائدة الملكة «اليزابيث» تسع سنوات عجاف، فكلما وجد نفسه قريباً من هذه المائدة حتى تم الاعتذار له ولرفاقه بأن مائدة الملكة لا تتسع لأكثر من العدد المحدد ليكون هو خارج الحسبة. في المرة الأولى بلندن ودعي للمائدة فقط أعضاء الوفد من الأسرة السعودية المالكة، ثم في زيارة لها إلى المملكة بدعوة الملك خالد.. كتبت الصحف البريطانية الكثير من سخافاتها ومنها أن الملك خالد لم يستقبل الملكة إلّا بعد أن اعتبرت «رجلاً فخرياً»!.. وهذه المرة جاء رئيس المراسم الملكية يعتذر للوزراء السعوديين عن عدم دعوة أكثر من ثلاثة وزراء وليجد القصيبي نفسه منفياً عن المائدة التي لا تُسمن فقد حضرها الوزراء الثلاثة «سعيدو الحظ» وأعلنوا بعد تلك الوجبة أنهم ذاهبون للفندق لتناول العشاء! وعرض القصيبي أحداثاً مختلفة عن تقدم وانحصار العلاقات السعودية – البريطانية، وموقف الأمير عبدالله – ولي العهد حينذاك – حين اشتكى إلى «مارغريت تاتشر» من مستوى شركة بريطانية تدير مسشفى للحرس الوطني فرأى الكاتب «المرأة الحديدية» وقد تحولت إلى «مزاج حديدي» وهي تهدد وتتوعد بالتأديب لمدير الشركة قائلة: «إني أريد معرفة هذا الشخص. إني أريد أن أضعه على البساط». ومن حسن حظ الوزير أنه في تلك الزيارة كان الشخص الثاني بعد ولي العهد، وهذه المرة وبعد تسع سنوات جلس على المائدة الملكية إلى يسار الملكة وتحدث معها حول الصحة والأطباء، ووجدها منطلقة وبكثير من الذكاء ولم يفوّت وزيرنا الشعر معها.

 

أما «ميتران» فقد احتاج وزيراً مرافقاً بطول «متران» كما اقترح بدعابة الأمير ماجد بن عبدالعزيز، وكان القصيبي هو الوزير المرافق ليدوّن عن هذا الرئيس بعنوان «بين المهندس والنحلة!» في مقاربة لكتاب «النحلة والمهندس» الذي يرى فيه «ميتران» أن على الإنسان الابتكار والإبداع وصياغة مصيره، ما جعل الوزير المرافق يستدرج الرئيس نحو الماركسية التي دافع عنها الرئيس وأن ما هو قائم هو سلطوي يدعي الماركسية وأن المجتمع الماركسي لم يوجد بعد. ويصفه الكاتب: «رجل ذكي، قوي الشخصية، ولكنه إنسان متجهم لا يتصف بالمرونة… نادراً ما رأيته يبتسم خلال الزيارة». ووجد ابتسامته النادرة كالورد الاصطناعي، متسائلاً: «هل هذه طبيعته؟ لا أدري. ربما كان السبب القلق الطبيعي الذي حسّه رجل اشتراكي ماركسي وهو يزور بلداً محافظاً». وتعجب الوزير أن الزيارة مرت من دون أي مطالب!

 

ولا ينتهي الوزير من هذه الرفقة المديدة من دون أن يدوّن شيئاً عن اجتماعات زعماء الدول العربية خصوصاً في «فاس.. بين قمتين» والتي بدأت قمتها الأولى بمناقشة مشروع فهد للسلام الذي انطلق من تصريح للأمير وتباينت الآراء حول كلمة «تعايش» وتناقلته وسائل الإعلام العالمية قبل هذه القمة التي شد فيها الحديث حول عدم استمرارها لغياب عدد من الزعماء العرب، كما قرر رئيس القمة الملك «الحسن الثاني»، وبعد أن أصرّ الأمير فهد على سحب المشروع لوقف بعض الألسنة التي جرّحت المملكة. وفي القمة الثانية اختلفت الظروف وكان الجو شبه متاح لتبني المشروع من جميع الدول بعد إصرار سورية على تعديل كلمة «تعايش»، ويسرد القصيبي عدداً من المواقف المثيرة في القمة الثانية كتبادل الرئيسين العراقي والسوري التهم بالاغتيالات والتفجيرات، واعتراض الرئيس الجيبوتي على مخاطبته باللغة الإنكليزية من قبل الملك فهد حينما حاول أن يوضح له ضرورة وجود عضوين فقط من وفده لحضور جلسة الرؤساء فرد عليه الرئيس: «اثنين وزير؟ أنا عندي أربعة! أنا فين حط الباقي؟ حطه في جيبي؟». وعندما لم يستوعب حاول الملك فهد أن يوضح له باللغة الإنكليزية – وبحسب المؤلف فإن إنكليزية الملك فهد أفضل، بالتأكيد، من عربية الرئيس الجيبوتي – فغضب الرئيس وقال للملك: «إنت كلّم إنكليزي ليه؟ أنا أربي زيّك؟ أنا أحكي أربي!». وفي آخر هذه المدوّنة استعرض القصيبي معظم الرؤساء بوصفهم كما رآهم في تلك القمة، فتساءل عن «ياسر عرفات» الذي عاصر كل التجارب المريرة لكنه ما زال «يلقي بالكلام على عواهنه، وألفاظه تسبق تفكيره…». تساءل الكاتب: «هل هذا أصلح إنسان لقيادة المقاومة الفلسطينية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها؟». أما «الملك حسين» فهو كعادته «منطقي منظم الأفكار شمولي النظرة». و«صدام حسين تمثيل بشري صادق للعنجهية والغرور». ويصف «حافظ الأسد» بأنه «أكثر الزعماء العرب قدرة على الشرح والإقناع» و«الملك فهد.. لا يتكلم إلّا قليلاً وبحساب» بينما زعماء الخليج صمتوا طوال الوقت. اشتغل القصيبي بكتابة القاص والروائي الذي يملك زمام اللحظة والإحاطة بتفاصيلها ولا يفوته أن يُدخل استشراف الرائي ودراية النابه في شخصه لتكوين قصة كاملة على رغم تشعب الشخوص والأحداث، ويأخذنا الكتاب لبداية السبعينات متنقلاً بين الأزمنة وموزعاً حكاياتها بالاستدراك في بعض المواقع كما لو كان في عملية تجريب إبداعية وليس في رحلة رأى الناشر أن يَسِمها بالسيرة؛ إلّا أن مبدع الرواية الشهيرة «العصفورية» استطاع أن يجعل هذه الكتابة سيرة جديدة في الفكرة والزمن؛ إذ لم يترصد التواريخ بحكايات متتالية ولا افتعال تفرضه تراتبية الأحداث زمنياً، فقد خرج بمذكرات صغيرة يومية انتظمت بصياغة القصيبي المتمرس منذ سبعينات القرن الماضي وهو يدوّن تلك المسودات العاجلة ويكدسها لمدة ربع قرن، ثم تصدر على هذا الشكل الفني المختلف والرائد إبداعياً بحق.

 

أضيفت في 28 نوفمبر 2012 الزوار : 429
قرأت هذا الكتاب قبل سنوات .. وأنا أعيد قراءته كأنها المرة الأولى بحثا عن نظرية القصور الذاتي السالب ، أتذكر كلامه رحمه الله معقبا على النظرية و قائلاً : "والعلم قد يأخذك إلى الجنون .. إن لم تأخذ منه بتعقل!" من أجمل كتب د. مصطفى ، وأسهلها شرحا لنسبية إنشتاين..

أضيفت في 28 نوفمبر 2012 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 327

الحديث في قضية حمزة كاشغري يفهم بقراءة البيئة التي أشعلت الصراع، وتقييم بُنيتها المعرفية في تكوين آرائها، وبُنيتها الأخلاقية في تشكيل صراعاتها عند الاختلاف، وبالنظر إلى هذين الأمرين نجد أن مؤججي القضية ينطلقون من منهجية تقليدية في تكوين المعرفة تعتمد على التناسخ جيلاً بعد جيل!
تناسخ اعتباطي دون اعمال العقل فيه بالنقد أو التجديد بل هم صراحة يُعادون بالتحريم والتنكيل شتّى العلوم التي تهدف إلى إعمال العقل وفنونه.
وهم على ضوء ذلك سيفتقدون سببيّاً للأخلاقيّات اللازمة لفهم المختلف والتعاطي مع الاختلاف، وإن منهجية كهذه تنتج أشخاصاً عدائيين تجاه معارف الغير واختلافاتهم.إن القول بدعوى المنهجية السلفية في تكوين المعرفة قول يناقض السيرورة البشرية التي تؤكد استحالة اجتماع أهل حقبة زمنية معينة على رأي واحد يمكن انتهاجه وتوريثه بحجة أنه الحق الأبلج، وهنا سيضطر منتهجي هذا الطريق إلى الانتقاء من العطاء السلفي المعرفي الانتقاء من أشخاصه ومذاهبه وحكر الحق فيهم، أو كما يصفونه ( تنقيته ) من الشوائب، وهذه ممارسة بحدّ ذاتها تنافي أخلاقيات البحث عن الحق التي تنطلق أساساً من الاستدلال لا الانتقاء.
وهم سيضطرون لإحقاق هذا الانتقاء إلى ترجيح غير الراجح، وتقوية الضعيف، وحكاية اجماع مستحيل، وهكذا تُبني الظلمات بعضها فوق بعض.وانظر كيف يفقد حينها الباحث النزاهة والأمانة مع نفسه، فكيف تنتظره أن يمارسها مع المختلف معه اختلافاً أصيلاً أو فرعيا؟!

قال في مثلهم الخوارزمي: “… ويعملون بروايات القادح والمقدوح فيه، وهذا ليس من الدين في شيء، بل هؤلاء المحدثون أتباع كل من عز، وعبيد كل من غلب، ويروون لأهل كل دولة في ملكهم، فإن انقضت دولتهم تركوهم..” واستقواءهم بالغالب قوّة يعكسه احتفاءهم بالأمويين وتبريرهم لكل طغيانهم اً وصولا إلى عصرنا هذا ولا يُنسى أنهم احتفوا بالطغاة الحُكّام ، حتى إذا خلعتهم الشعوب رجعوا إليها واحتفوا بها منقلبين على أنفسهم، فهم مفقترون إلى قوة دامية ليستمروا في الظهور والاستعلاء على مخالفيهم ولو بتلبيس الحق، لباساً وراء آخر.
وبتحليل مواقف الأئمة في منهج كهذا نرى أنهم يتعاظمون بالباطل بفخامة الحكاية ليعطوا للتاريخ وجهاً آخرا لا يبين معه انقلابهم وتناقضهم، فلا يُنكر أن الإمام أحمد بن حنبل مثلاً قد تطرّف في نكرانه المخالِف وصولا إلى تكفيره وذلك باطّراد مع تبجيله الحاكمَ وتشريع الإذعان لظلمه ولم يكن ذلك إلا بعد تعرّضه للسجن والضرب، على أنهم يحكون له صبراً وثباتاً يظهر نفي الحكاية هذه في مدارسة تغّير منهجيته بعد المحنة بل انقلابها.
وإنّ منهجية كهذه تقوم أيضاً على مزاج العالم ومقاييسه الشخصية في الفهم، مما لا يمكن معه إلزام غيره به خلاف ما يلزمون هم غيرهم، فمُحدثيهم مثلاً يضعون من استقراءاتهم وأفكارهم معاييرهم الحديثية في القبول والرد، في التعديل والتجريح، وبدل أن يسع الأمر ذاته مخالفيهم ، تراهم يسقطون المُخالِف في معايير هي ذاتها اجتهادية، كإسقاطهم للمُديني وإهمالهم مؤلفاته.وكما نرى فإن منهجية كهذه ستستمر في الاطّراد أزماناً، لا بقوّة التجديد بل بقوة التكرار والجرأة على عرض ودم المُخالف، وهذه منهجيّة أسقط كثيراً من عدول التاريخ فإنها ستجد طريقها إلى كاتب مفكّر نيّر شاب ( حمزة كاشغري) أرعبهم فِكره ففزعوا إلى سلفهم يستلهمون منه إسقاطهم للمُخالف والافتئات عليه ، وتهييج الناس والاستعانة بالحاكم ورفع بطاقة الردة.والردة هنا هي أحد أسلحة تم اختراعها لتحقيق الغلبة المذهبية ، وهي منافية لأصول القرآن المتضافرة في حصر الرسالة بالتبليغ والتبشير لا الالزام، وهي المُسماة بحرية الاعتقاد والتفكير ، من أول الحُرية الابتدائية عند عرض الرسالة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر شريطة ألا يعرقل مسار التبليغ السلمي الحُر بالرسالة، ثم الحرية الداخلية المكفولة للمؤمن بالاجتهاد والتفسير من داخل دائرة النص، وصولاً إلى الحرية الانتقالية التي تكفل للمؤمن حق البقاء والاستمرار في إيمانه أو الميل والنزوح إلى غيره مع تخطئته ووعيده في الآخرة إلا أن حقّه في الوجود والاعتقاد مكفولاً ” ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه …” هكذا دون سفك دماء.
وإن تهويل الردة إلى حد اصطناعها حداً شرعياً يقام به الاسلام أو يسقط يتعارض كلياً مع فهم حق الاختلاف من أساسه ، لذلك نرى تطرفاً في التكافر في الفتوى والتأليف تصل إلى مسائل عفوية دقيقة كتكفير المختلف في تفسير الأسماء والصفات أو حتى بعض الممارسات الفقهية الجزئية التي لا تتصل بالعقيدة من أي وجه، وهذا كله نابع من ضعف البناء المعرفي الأخلاقي الذي تم توضيحه.

فالظلمات تتداخل ويلزم بعضها بعضها ، إذا تم تغييب العقل وتجريم علومه ، والنزول بأخلاقيات الحقّ إلى حدّ تكفير المخالف ونفي وجوده.


أضيفت في 28 نوفمبر 2012 الزوار : 359
أتعلم أم أنت لا تعلم .. بأن جراح الضحايا فمُ! بهذا البيت الخالب ، استفتح المؤلف هذا الكتاب ، و هو الكتاب الوحيد المؤلف للدفاع عن السعودي حمزة كاشغري في قضيته التي أثارت الشارع السعودي في بداية عام 2012 بتطاوله على ذات الرسول صلى الله عليه و سلم ، و رغم أن حمزة كتب اعتذارا و توبة و نشرهما ، إلا أن السلطات السعودية قبضت عليه و أودعته السجن في نفس الشهر. الكتاب رائع جداً ، و سمين بالاستدلات القوية ، و النقد المسبوك الذي ينم عن علمية المؤلف ، و موسوعيته ، لقد سعدت كثيراً و أنا أقرأ هذا الكتاب ، حيث التاريخ و الفلسفة و النقد الموضوعي ، و شذر متفرقة من التاريخ لكثير من الذين أساؤوا أكثر مما فعل حمزة ، أظن و الله أعلم أن المؤلف الذي بحثت عنه كثيراً في الانترنت فلم أجد عنه أي نبذة تعريفية، أظنه سلفي سعودي منقلب ، و متخصص شرعي و أديب أيضا لقوة السبك و بلاغة العبارة في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب و لربما يكون اسم "عبدالرحمن الأسعد" اسم مستعار ، وإن لم يكن ، فأرجو ممن يعرف مؤلفات أخرى لهذا الجهبذ أن يعرفنا بها. ، و خمسة أنجم..

أضيفت في 28 نوفمبر 2012 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 341

ديوان مفرداته بسيطة الى أبعد الحدود بس بتحمل معانى عميقة جدا .. مصطفى إبراهيم اضافة قوية جدا للشعر العامية المصرية.

اقتباس :

نظرتها ليك حتى .. 
ساعة ما بصتلك .. 
لو دامت لعين غيرك ..
مكنتش وصلتلك ..


أضيفت في 27 نوفمبر 2012 الزوار : 310