قد تكون قصة هاملت قصة عادية، وقد تحدث في أي مكان من العالم وفي أي بيئة شعبية، شاب مسافر من أجل الدراسة يقطع رحلته فجأة عندما يصل خبر موت والده ويعود مسرعاً ليجد والدته تزف لعمه ولم يمض شهر على موت والده، فيحزن ويصاب بالسوداوية ويغضب ويشك في نوايا من حوله ويحقد على أمه وعلى جميع النساء ويفكر بالانتقام.. هذه قصة هاملت بكل بساطة وهكذا هي جميع قصص شكسبير فهو لم يخترع موضوعات رواياته بل كان يأخذ القصص والشخوص والحوادث حيثما اتفقت وراقت لديه من روايات سابقة وسير مشهورة وتراجم من بلوتارك وحكايات من الايطالية يعلم أنها معروفة بين القراء. ويرجح أن رواية هملت مستمدة من رواية ضائعة كتبها توماس كيد وأخذ حوادثها من كتاب فرنسي بقلم فرانسوا بلفورست.. لكن شكسبير في "هاملت" لا يقدم لنا مجرد قصة، بل يقدم لنا مسرحاً شعرياً أهم ما فيه الحوار والكلمات، فنشعر أننا نتابع على المسرح لاعبي سيرك يتلاعبون بالحبال والنار والخناجر والألاعيب المختلفة من خلال الكلمات فقط.. ومنذ المشهد الأول للمسرحية عندما يظهر هاملت بلباسه الأسود في زفاف والدته ليعكس لنا بشاعة الواقع وظلام الأسئلة التي تبحث عن إجابة واضحة لكل الغموض الذي يحيط به، ونحن نلهث وراء هاملت ونحلل كل كلمة يتفوه بها ويرميها جزافاً كأنه مجنون يرعب العقلاء من حوله بكلماته الفاضحة لحقيقتهم.. في صراع هاملت نشعر بالأزمة التي يتعرض لها إنسان حضاري وفيلسوف مثقف عندما يجد نفسه مسؤولاً أمام ما يهدد كرامته وأسرته ووطنه.. هل سيلجأ لحوار السيف أم سيبقى متردداً فوق أرجوحة الكلمات؟.. يظهر له شبح والده ويخبره أنه مات مقتولاً وأن عمه اغتصب عرشه وعليه الانتقام لدم أبيه، فتبدأ رحلة الشك والوساوس.. هل الشبح صادق أم هو مجرد انعكاس لأفكاري السوداوية، وهل يكفي كلام شبح لأقدم على فعل القتل والانتقام، أم أبحث عن دليل أكثر واقعية.. ولكن لم الانتقام؟ ما جدوى الحياة؟ ماذا لو انتحرت؟ كيف سيكون مصيرنا جميعاً بعد الموت؟ وتبدأ أسئلة هاملت التي لا تنتهي، فهو يعلم أنه باتخاذه قرار الانتقام يعني أن يحكم على نفسه بالموت أيضاً.. وتتوالى أجمل الحوارات الداخلية التي تعبر عن صراع هاملت الذي وضع لنفسه قانوناً واحداً هو "أكون أو لا أكون". يزداد تردد هاملت ويخرج الشبح مرات ومرات ليزيل شكوكه ويشحذ إرادته، ونشعر أن هاملت أصبح مداناً مثل عمه تماماً.. فرغم أنه لم يقتل ولم يغتصب عرشاً ولم يتآمر يوماً ليحصل على ملك، لكن تردده وسلبيته وعدم فعله أي شيء في الوقت الذي تشرف بلاده على الانهيار وتغرق بالمؤامرات والدسائس والقذارة، فهذا كله يجعله مذنباً ولا يعفيه من المسؤولية أنه لم يتسبب بحدوث كل ذلك.. فعندما نرى الجريمة ونسكت عنها فنحن شركاء في الجرم، لهذا ونحن نتابع هاملت مشغولاً بفلسفة الأحداث وتحليلها نكاد نصرخ به أن هيا أقدم، افعل شيئاً، كفاك كلمات.. يحاول أحد النقاد فهم سر جمال شخصية هاملت قائلاً: "هاملت يبعث نشاطنا العقلي بواسطة شعور السكون والخواء الذين يحملهما سر شخصيته. إبداع عظيم غامض ولا يمكن تفسيره بالعقل، حقيقي عيني بالنسبة إلى الغريزة، معروف قبل أن يفهم كالأشخاص وشؤونها في الحياة، هاملت هو هذا كله انه تقعر وخواء إنساني يحاول العقل أن يملأه بأفكاره وتفسيراته ومن هنا جاء ذلك المحصول الوافر من الأفكار حول هاملت، المحصول الذي يلقي به كل جيل في هوة شخصيته المتسلطة". إن كل مشهد من هاملت تحفة فنية لا تنسى.. فمن مشهد حواره الداخلي، لمشهد ادعاءه الجنون، لمشهد المقبرة وحديثه مع جمجمة مهرج القصر، لمشهد المبارزة فوق قبر حبيبته، حتى مشهد حفلة الموت الجماعي الأخير.. يشعرنا هاملت بأنه منذ اللحظة التي دخل فيها المسرح أول مرة مرتدياً لباس الحداد الأسود في حفل زفاف والدته، أنه مشرف على نهاية مأساوية سواء أقدم على فعل الانتقام أم لم يقدم، وأن كل ما فعله خلال المسرحية كان محاولة لفهم هذه المأساة ولنفي السلبية والعبثية عما تبقى له من أيام حياته فيكون له موتاً جميلاً إن لم تتح له الحياة الجميلة..

أضيفت في 11 يونيو 2014 الزوار : 79
عندما كنا ندرس عطيل في الجامعة كان السؤال الأكثر تردداً بين الطلاب: هل كان شكسبير متحيزاً ضد العرب ليظهر عطيل بمظهر الرجل الأرعن، حاد الطبع، الذي يسمح لعاطفته أن تقوده بدل أن يحكم عقله ويتأكد أولاً من خيانة زوجته قبل أن يقدم على قتلها.. فيكون جواب أستاذ المادة أكثر غموضاً وإرباكاً من أسئلتنا إذ يقول أننا لو حاكمنا عطيل بهذا الشكل فعلينا بنفس الطريقة أن نقول عن هاملت أنه الرجل الغربي البارد الطبع، الذي يفلسف الأمور ويتردد كثيراً بينما كل الأدلة تصرخ فيه "تحرك أيها الأحمق، افعل شيئاً.. فيم كل هذا التردد والتأمل والتفكير. أقدم، انتقم".. وهنا بالذات يكمن جمال مسرح شكسبير.. أن جميع الاحتمالات مفتوحة وجميع التفسيرات مقبولة.. وذلك لأنه يقدم كل شخصية تماماً كما يجب أن تكون.. فلا هاملت يمكن أن يكون عطيل ولا عطيل يمكن له أن يتصرف كهاملت.. عطيل رجل بدوي مغربي، فارع الجسم، قوي العضل، أسود اللون، حاد الطبع، قليل التأمل، بالغ الجرأة، طيب القلب. انتقل إلى البندقية وخدم في جيشها حتى أصبح قائداً بارزاً مرهوب الجانب بما حققه من انتصارات وسمعة طيبة وسيرة مشرفة. قضى حياته كرجل عسكري لا يقبل الفوضى ولا الخيانة ولا الحلول الوسط، ويرفض أن يسمح لشيء أن يشوه سمعته هذه حتى وإن كان فيه حياته وسعادته.. أحبته ديدمونة، ابنه أحد وجهاء البندقية، عندما كانت تستمتع لما يرويه من قصص بطولاته وشجاعته.. لكن أبى المغرضون والحساد أن يدعوهما وشأنهما فراحت المؤامرة تحاك ضد سعادتهما، وتبث الشك والريبة في نفس عطيل، وتوقظ وحش الغيرة في نفسه إلى أن يقدم على قتلها ليس كرهاً فيها بل لأنه يحبها ولأنه بزواجه منها اقترن اسمه باسمها وشرفه بشرفها وبقتلها كان يدافع عن نقاء هذا الاسم وطهارة هذا الشرف وهو يعلم تمام العلم أنه بذلك يقضي على نفسه وعلى سعادته إلى الأبد..

أضيفت في 11 يونيو 2014 الزوار : 81
هذا الكتاب، وجبة من البؤس والحزن والمشاهد المروعة ولا ينصح بتعاطيه لذوي القلوب الرقيقة.. كانت مليكة أوفقير فيه شهرزاد المغرب حقاً، فهي كشهرزاد كانت ابنة رجل سياسي ومقرب من قصر الملك. وكشهرزاد أيضاً يطلب الملك التحاقها بالقصر لا لتروي له القصص والحكايات وإنما لتكون صديقة لابنته المدللة الوحيدة التي قرر أن يحضر لها صديقة بعمرها تلازمها كأي حيوان أليف يمكن أن يجلبه أب لابنته، ولا بأس إن كان هذا الحيوان الأليف بصورة إنسان انسلخ عن عائلته وحضن أمه وهو في الخامسة من عمره ليسلي ابنة الملك! "تبناها الملك محمد الخامس وهي في الخامسة من العمر، وترعرعت مع ابنته الأميرة أمينة لتقارب عمريهما. وحين توفي العاهل المغربي أخذ ابنه الحسن الثاني على عاتقه تربية البنتين وكأنهما بنتاه. أمضت مليكة أحد عشر عاماً من حياتها في القصر، وراء أسوار قصر قلما خرجت منه، أي أنها كانت منذ ذلك اليوم سجينة الترف الملكي، الذي انتقلت منه إلى جحيم السجن، مما ضاعف مأساتها، فمن نعيم القصور والترف إلى شقاء السجن والحياة التي لم تكن تتخيل وجودها على سطح الأرض أصلاً.. دخلت مليكة السجن في شهر كانون الأول من العام 1972 يوم كانت في الثامنة عشر والنصف من عمرها هي وخمسة من أشقائها وشقيقاتها ووالدتهم سجنوا طوال عقدين كعقاب على الانقلاب العسكري الذي نظمه والدها. ففي السادس عشر من شهر آب من العام 1972 حاول الجنرال محمد أوفقير، الرجل الثاني في النظام يومها، اغتيال الملك الحسن الثاني. فشل الانقلاب وأعدم الجنرال أوفقير فوراً بخمس رصاصات استقرت في جسده. يومها قرر الملك إنزال أبشع العقوبات بعائلة الجنرال المتمرد، فذاقت العائلة أقسى ألوان العذاب في معسكرات الاحتجاز والسجون والمطامير، يومها كان عبد اللطيف، الأخ الأصغر، لا يكاد يبلغ الثالثة من العمر. في هذا الكتاب نرافق مليكة وإخوتها في رحلة العذاب والموت اليومي في سجنهم، نشاهد كيف كانوا يموتون يومياً، كيف كانوا يصادقون الفئران ويشاركونهم الطعام والفراش، كيف ينهش الوقت أعصابهم وأحلامهم.. وكيف كان عليها في السجن أيضاً أن تأخذ دور شهرزاد لا لتسلي ابنه السلطان هذه المرة وإنما لتنقذ إخوتها من الجنون والعتمة والوحدة، فتقص عليهم الحكايات وتساعدهم على تخفيف بؤسهم وشقاءهم.. في نهاية الكتاب أول ما يخطر ببالك هو أن تبحث عن حقيقة الأحداث التي يرويها الكتاب ومدى صدقها وهل نجحت هي وإخوتها في الفرار من السجن كما ورد في تلك الحبكة البوليسية الشيقة بالضبط.. لكن أياً كانت الوثائق التاريخية التي تثبت صحة هذا الكتاب من عدمه فإنك تستمع بقراءته وبنفس الوقت تتمنى لو أنه مجرد رواية خيالية رغم أن ما يحدث في السجون العربية أسوأ مما وصف الكتاب بكثير..

أضيفت في 11 يونيو 2014 الزوار : 110
هذه الرواية تجسيد فعلي للمثل الشعبي القائل: "شر البلية ما يضحك"، هنا تضحكنا غادة السمان حد البكاء.. تضحكنا من غباء البشر وحماقاتهم وجنونهم.. وتفزعنا بنفس الوقت من هستيريا القتل والعنف .. هنا يقف الموت ساخراً.. فعندما يموت رجل كالعم فؤاد وينتهي إلى برميل نفايات بعد أن بقي حتى آخر لحظة من حياته متمسكاً بمقتنياته الفضية وأثرياته وتقاليد عائلته الأرستقراطية في أصول الطعام والشراب واستقبال الضيوف حتى بعد أن تحول منزله لمرمى للقنابل وساحة لتبادل اطلاق النار، لا نعرف هل نحزن لموته أم نضحك.. وعندما يموت بائع الحيوانات ميتة شنيعة حيث تنهشه كلابه التي تاجر بها طوال حياته ربما لا نضحك من موته ولكننا لا نحزن عليه أيضا.. لكن المشهد الذي لا يمكن أن ننساه أبداً والموت الذي نحزن عليه أكثر من موت أي شخصية أخرى هو مشهد حريق المكتبة.. جميع كتبها التي جمعتها خلال حياتها من مختلف أنحاء العالم وفضلتها على الثياب والعطور والهدايا، تحولت فجأة لكتل نارية متساقطة من حولها.. ".. مكتبتي.. إنها ليست مجرد كتب بالنسبة لي.. إنها حوار.. كل كتاب انسان تحاورت معه.. فعلى هوامش كتبي كلها دونت ذلك الحوار .. وعلى هوامش كتبي كلها سجلت صرخات الاستحسان أو الغضب أو التساؤل أو النقاش.. الكتاب الذي أقرأه، أقرأه كما لو أنني أعيد كتابته، أو أشارك كاتبه في حيرته وبحثه وتساؤلاته.. كتبي ليست مجرد كتب تزيينية.. بل هي محاضر جلسات بيني وبين المؤلف.. إنه الجحيم.. فأنا لا أستطيع أن أقول ذلك كله لأمين لأنه لن يفهم.. صواني الفضة والذهب الموجودة لديه، يمكن إعادة شرائها من أي مخزن (كريستوفل) في العالم، وكل ما يحتاجه الأمر هو توقيع على (شيك)، أما مكتبتي فلا يمكن شراؤها كما هي من أي مكان في العالم، فأنا أستطيع شراء الكتب نفسها، لا جلسات الألفة مع السطور والهوامش على جوانبها.. الهوامش التي تسجل تفاعلي مع الكتاب، لا الكتاب وحده.. والتفاعل الانساني لا يمكن شراؤه.."

أضيفت في 11 يونيو 2014 الزوار : 64
هذا المالك الذي أسرف في القراءة والحلم وعدم التلاؤم مع واقعه، قرر ذات صباح أن يعدو وراء حلمه أو سرابه. ارتدى لباس الفرسان، وحمل حربته، ثم هجر اقطاعيته ومعه تابعه سانشو. إلى أين؟ إلى حيث المغامرة. فهو يريد أن يستعيد حياة الفروسية التي قرأ عنها كثيراً في بطون الكتب القديمة، وأن يحقق بطولات تجعله يتخطى مستنقع التفاهة الذي يغرق فيه معاصروه. تخيل نفسه واحداً من فرسان القرون الوسطى الذين نسجت سيرهم الكتب والحكايات، فانطلق ينضم إليهم، وينتظم في ايقاع تجوالهم البطولي. ومنذ هذه اللحظة يفقد الواقع وجوده الموضوعي، ويتلملم متوارياً خلف الحلم. كذلك تتبدل المعالم والأحداث متقولبة وفق خيالاته أو أوهامه (فالسهوب الهادئة تنقلب ساحات معارك، وأصداء الليل خبب خيول، وشخير قاطع الطريق صيحات كوكبة من الفرسان ترتج الأرض تحت حركتها الدائبة في المسالك الوعرة). ومع أن تابعه سانشو، الفلاح المعجون بحكمة الأمثال الشعبية، والمعرفة العملية للحياة والانسان، حاضر دائماً إلى جوار سيده يكشف له هلامية رؤاه، ويذكره بشراسة الواقع، وضغوط الحاجات اليومية، فإن دون كيشوت لا يكاد يسمعه. يكتفي بالامتعاض، ويسترسل في تشكيل العالم على هواه.

أضيفت في 11 يونيو 2014 الزوار : 97