لعل من الصعوبة بمكان قراءة رواية "مذبحة الفلاسفة" للفلسطيني السوري تيسير خلف عن تاريخ مدينة تدمر السورية من دون الإحالة إلى واقع حالها، وتناوب النظام وتنظيم الدولة الإسلامية السيطرة عليها مؤخرا، وتدمير جزء مما تبقى من شواهدها الأثرية والتاريخية في حرب مستمرة. يعود الفلسطيني تيسير خلف في روايته إلى تاريخ مدينة تدمر للتأكيد على أهمية الدور التاريخي الذي لعبته في تاريخ المشرق والعالم القديم، وكيف كانت ملكتها زنوبيا تهتم بالحكمة والمعرفة والعلم، وتستعين بالحكماء والفلاسفة لينهضوا بدورهم التنويري المنوط بهم. سطوة الألم ويؤرخ الكاتب بطريقة درامية للصراعات التي كانت تعترك بها المنطقة، والحروب التي كانت تنشب في مسعى للهيمنة والتسلط، كما يصور الصراعات الداخلية التي كانت تكثر بين الأسر الحاكمة والمحيطين بها وبين رجال الدين، وواقع أن الفلاسفة كانوا حجر الأساس في بناء الإمبراطورية التدمرية، ويسوق أمثلة تاريخية على ضرورة التسامي على الجراح والمضي نحو الغاية المتمثلة بتأسيس جمهورية أساسها القيم والأخلاق وقوة المعرفة، بعيدا عن التورط في حروب عبثية. يستهل الروائي عمله باستعراض تواريخ هامة متسلسلة، فيبدأ بسنة 224م حين تسلم أردشير حكم بلاد فارس، مرورا بتدمير وحرق موانئ ومدن الخليج على يديه سنة 230م، وكذلك اغتيال الملك التدمري أذينة وتولي معن سنة 267م، وبعدها اغتيال معن وتولي وهب اللات ووالدته زنوبيا الحكم سنة 268م، وصولا إلى سقوط تدمر وإعدام لونجينوس والفلاسفة سنة 273م. الراوي حنبل بن جرم اللات كبير كهنة تدمر يروي حكاية اقتيادهم من تدمر إلى روما وسجنهم في قصر تيبور، وكيف أن إمبراطور روما أورليانوس اختار أن يسجنه مع الملكة زنوبيا وأبنائها وبناتها وحاشيتها في أحد القصور الثلاثين التي تشكل المجمع الإمبراطوري الكبير المسمى "فيلا هدريانا". ويلفت إلى أن هدف أورليانوس اللئيم من سجنهم في ذاك المكان الملعون هو أن تحل في ملكتهم روح ملعونة تقودها إلى الألم والجنون، وبرغم محاولاتها الحثيثة بعدم الارتهان لسطوة الألم فإنها لم تفلح في المقاومة طويلا، وقضت بطريقة مأساوية. يستعيد الكاهن حنبل مشهد مدينة تدمر وهو يغادرها إلى سجن روما، في صورة أقرب ما تكون إلى واقعها الحالي، يصور حرائق تعمها وسحابات دخان تسود أجواءها، وبين كل ذلك أسراب التدمريين الهائمين على وجوههم فرارا إلى جهات الأرض الأربع. ويكون المشهد الأكثر إيلاما متجسدا في إعداد أورليانوس محكمة ميدانية في حمص، وإعدام فلاسفة تدمر في مذبحة جماعية، بتهم عديدة بينها التحريض ضد روما. يتساءل الراوي الذي يسترجع تلك الأحداث المؤلمة عن أسباب المذبحة تلك ودوافع أورليانوس لارتكابها بحق فلاسفة سلاحهم الكلام فقط، وتراه ينشغل بمحاججات فلسفية تدور بين الشخصيات عن مفاهيم مثل القوة والعدل والحرب والتأمل والدين والفضيلة والقيم والأخلاق.. وغيرها. معسكر الفلسفة تقترب الرواية من البحث التاريخي، لا سيما أن هناك حرصا على توثيق الأحداث بالتفاصيل والتواريخ، كما أن الروائي لا يخفي استفادته من مراجع تاريخية اعتمد عليها في بناء روايته، وهو الذي اشتغل سابقا على تحقيق العديد من الوثائق التاريخية المتعلقة بالمنطقة والشرق. يسلك صاحب "عجوز البحيرة" دربا سلكه روائيون آخرون من قبله، منهم الإيطالي أمبرتو إيكو في روايته الشهيرة "اسم الوردة"، وكذلك المصري يوسف زيدان في روايته "عزازيل"، ويفترق في عمله بالإطار المكاني والسياق الزمني، لكن الفكرة المحورية تكون هي ذاتها تقريبا، لاسيما في الاعتماد على الحيلة الروائية المكررة في الرواية وهي العثور على مخطوط تاريخي كتبه أحدهم، ثم عثر عليه آخرون في مكان ما، وحاولوا ترجمته وفك أسراره وكشف النقاب عنه، وذلك في محاولة لإضفاء نوع من المعاصرة والدرامية والتشويق على الأحداث. في تصريح خاص للجزيرة نت يلفت تيسير خلف إلى أن الهاجس بالنسبة له لم يكن توظيف التاريخ لخدمة فكرة معاصرة، بل فهم التاريخ لفهم المشكلة المعاصرة، ويعتقد أن هذا الشيء يحرر الكاتب أو الباحث من الأفكار المسبقة التي تؤدي إلى التعسف. ويصف خلف عمله بأنه إعادة قراءة لتاريخ منطقة المشرق بعيدا عن ثنائية شرق وغرب أو محتلين وخاضعين للاحتلال، التي كرستها الرؤية الأيدولوجية لمؤرخي القرن العشرين، ويصف الأمر كما بدا له أنه لا يقع ضمن هذه الثنائية الاختزالية بل هو أعمق بكثير، يقول "إنه الصراع بين أصحاب المثل وأصحاب المصالح". كما يشير إلى أنه يبدو له أن ما حصل مرتبط بتحول نوعي كان يشهده العالم، بين مسيحية ناهضة تحمل أيدولوجية استئصالية، وفلسفة آيلة إلى السقوط تحاول أن تحافظ على نفسها قدر الإمكان، ولكن في فترات لاحقة انتصرت المسيحية وماتت الفلسفة، وكانت تدمر يومها تتزعم معسكر الفلسفة. أما بالإشارة إلى الجانب الفني والأسلوبي فيذكر خلف أنه حاول بقدر ما يستطيع اعتماد طرائق السرد القديمة فيما يتعلق ببناء الجمل والتشبيهات والاستعارات وصيغ المبالغة والتعبير، واعتمد في ذلك على مؤلفات كثيرة لبورفيريوس وداماسكيوس ويمبليخوس وغيرهم من كتاب وفلاسفة تلك العصور، وحاول قدر المستطاع أن يبني نصه وفق منطقهم اللغوي، لأن التقنية الروائية التي اعتمدها هي تقنية المخطوط القديم المعاصر للأحداث.

أضيفت في 12 يونيو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
في روايتها الجديدة "سنة الراديو" تقدّم "رينيه الحايك" تفاصيل يومية لسنة من حياة شابة في العشرينيات من العمر، تلك السنة التي تحل فيها كضيفة في أحد البرامج الإذاعية لتقدم نصائح للأهل حول كيفية التعامل مع أولادهم، ومن هنا تكتسب الرواية اسمها. لا أحداث كبيرة إذاً، ولا حكاية أو حبكة تدور حولها الأحداث. في كل روايات "الحايك" نحن أمام سلسلة كبيرة من التفاصيل اليومية الصغيرة، التي تشكّل حياة الشخصية/ الشخصيات الرئيسية في العمل. وفي هذه الرواية تذهب الكاتبة إلى الأقصى في أسلوبها ذاك، فتتعمد إهمال الحكاية أكثر، وإعطاء اليوميات الأهمية كلها. بطلة الرواية التي تسرد علينا تلك اليوميات على مدار سنة شابة اسمها "يارا غزال"، تبدأ حكيها في اليوم الذي صودف خروجها من المشفى إثر حادث تعرضت له، فترك ندبة على يدها، وآثاراً نفسية تظهر على امتداد السرد. "خرجت في 15 كانون الثاني من المستشفى. ندبة حمراء عميقة تغطي ذراعي. كانت أمي تحيط كتفي وتمسك بالجاكيت الذي بقي كمّها الأيسر متدلياً. (...) في الأيام التي استعدت فيها وعيي سمعت أبي وأمي يكرران وقائع الحادث على أصدقائي وأقاربي. كانا يخفضان رأسيهما في كل مرة ويقولان "الحمدلله. الله يعين أهل سامر"، ثم يؤكدان بأنني لم أكن أعرفه قبل السهرة. فعلياً ما كنت أعرفه. ركبت سيارته لأدع كريستيل وأحمد وحدهما. أحمد من دعا سامر ليعرفني عليه. طوال السهرة كنت أدخن سيجارة تلو الأخرى. أرد على أسئلته أو أتظاهر بعدم سماعها. ما عرفته عنه هو ما سمعته بعد الحادث". هكذا، تسير حياة "يارا" بإيقاع روتيني، لا شيء جوهري يتغيّر، تذهب إلى عملها في المدرسة حيث تعمل اختصاصية بتقويم النطق، تلتقي بأصدقائها بعد العمل، تتذكر أحداثاً ماضية من طفولتها أو مراهقتها أو من سنوات قريبة ماضية. الروتين والملل واللاجدوى التي تشعر بها يمكن لمسها وهي تتسرب من ثنايا السرد. ثمة علاقة عاطفية عاشتها في وقت قريب، وانتهت بعد سفر الشاب إلى الخارج للدراسة، هي أكثر ما تتذكره وتحنّ إليه. يأتيها عرض عمل في الإذاعة، فتغدو الخبيرة النفسية في برنامج يُبث على الهواء مباشرة تقدّم فيه النصائح حول كيفية التعامل مع الأطفال الذين يعانون من صعوبات ما، وهذا سيعود بالفائدة عليها فتحصل على زبائن يأتون لمكتبها. وباستثناء السهرات واللقاءات مع أصدقائها لا شيء يحرك الركود سوى علاقة عاطفية ثانية لكنها كغيرها تنتهي بعد فترة قصيرة. ليست وحدها على هذه الحال، كأن اليأس واللاجدوى إحساساً مشتركاً لدى جميع أفراد هذا الجيل الذي تنتمي "يارا" إليه، لدرجة قد تدفع أحدهم للسؤال دوماً: "هل عشت الحياة الخطأ؟". الثيمة الأبرز الموجودة في الرواية هي كشف العلاقات الإنسانية، والنبش فيها، و"الحايك" بارعة في الغوص هناك، تلك منطقتها التي تكتب من أجل كشفها. علاقات حب تبدأ وتنتهي سريعاً، علاقات تورّط عاطفي، خيانات، علاقات صداقة، علاقات زواج، علاقات الأهل بأبنائهم، والأولاد بآبائهم... شبكة معقدة وكبيرة من العلاقات التي تنسجها على امتداد السرد. عمل "يارا" في الإذاعة وفي مكتب يتابع حالات الأطفال يتيح لها أن تتعرف على حالات أخرى من العلاقات، والكاتبة تعمل على حياكتها، وأحياناً على شبكها، مع نسيج العمل الأساسي. "الصمت دفعنا إلى تبادل الكلام همساً. حكت عن إحساسها فجأة بأنها ليست المرأة ذاتها. لذلك لا تستطيع العودة إلى بشارة. كأن ما فعله، فتح عينيها على حقيقة كانت تجهلها. ليست كما يعتقد الجميع مجروحة من خيانته. هي متألمة لأنها لا شيء طوال السنين. كيف تظن أنها أنجزت شيئاً. بكاؤها صعّب علي فهم كلماتها". تسير الرواية هكذا، بإيقاعها نفسه الذي بدأت به، لا تصاعد درامي يشد انتباه القارئ. حتماً هي ليست رواية لمن يبحث عن تسلية سريعة، ولا لمن يبحث عن حكاية أو مقولة جاهزة. هي رواية تقرأنا، وتقرأ علاقاتنا وخيباتنا تلك التي نعيشها أو نراها حولنا. وهي أولاً تحتاج إلى الصبر، وتحتاج منا اعترافاً في النهاية إلى أن رواية كهذه يمكن أن تخربط أفكارنا المسبقة حول كيف يجب أن تكون الرواية. رينيه الحايك روائية لبنانية، ولدت في جنوب لبنان ودرست الفلسفة في الجامعة اللبنانية. لها مجموعتان قصصيتان: "بورتريه للنسيان" و"بيوت المساء". وتسع روايات: "شتاء مهجور"، "البئر والسماء"، "العابر"، "بلاد الثلوج"، "بيروت 2002"، "أيام باريس"، "صلاة من أجل العائلة"، "حياة قصيرة"، "رسالة من كندا"، و"سنة الراديو". وصلت اثنتان من رواياتها إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2009 و2010.

أضيفت في 12 يونيو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
كشف الشاعر والروائي ووزير الثقافة المغربي الأسبق محمد الأشعري، من خلال قراءته التحليلية والنقدية لرواية «المغاربة» للروائي عبد الكريم الجويطي، عن تفاصيل دقيقة وجوانب تستحضر التشخيص السوسيولوجي والأنثربولوجي والتاريخي، وتعاقب الأزمنة وصراع الأجيال ومسألة الهوية والثابت والمتحول في صيرورة الوقائع والشخوص، وغيرها من التقييمات التي جعلت من الرواية عنصر تشويق وإثارة، للوقوف على جوانب مهمة من تاريخ المغاربة. يؤكد الأشعري أن هذا النص الجديد محكم البناء ومتعدد الأبعاد في شخصياته وعوالمه ولغته، جاء بعد سنوات من صدور رواية «كتيبة الخراب» للكاتب الجويطي، ليضيف إلى المتن الروائي المغربي تجربة ثرية ناضجة وممتعة، تستند إلى رؤية فنية عميقة، وإلى جهد صبور في تشييد معرفة دقيقة بالتاريخ والمجال، وضعها المؤلف رهن إشارة كتابة تجمع بين الحكي والتأمل والغنائية والتحليل السوسيولوجي، بدون أن تتنازل عن توترها الذي يجعل الكاتب طرفا في كل تفاصيل الرواية. ويتابع الأشعري قائلا إنه منذ الوهلة الأولى يضعنا عنوان الرواية في مهب أسئلة متضاربة: كيف يمكن لنص روائي أن يحيط بكل هذا الإطلاق والوثوقية بشعب كامل يجر خلفه قروناً من الوجود الجلي والخفي؟ هل سنلتقي في الرواية بكل المغاربة أم ببعضهم أم بملامح ينوب بعضها عن بعض؟ وهل المغاربة في هذا السياق هم «ألْ» ـ مغاربة» أي نمط محدد من الجنس البشري، جسد واحد معروف ومعرف لا يقبل التجزئة؟ أم هم مغاربة متعددون ومختلفون لا يمكن جمعهم في تعريف حاسم؟ وماذا سيحدث لنا بعد قراءة الرواية، هل سنفهم اللغز الذي اسمه المغاربة، أم هل سنعثر على لغز آخر أشد تعقيداً؟ هل هناك في تاريخنا البعيد والقريب تفاصيل لا غنى عنها لمعرفة من نحن وما معنى ما نحن عليه؟ هل هناك في أصل الرواية رواية «كامنة» تنير طريق الرواية؟ وهل الكتابة في «المغاربة» هي من أَجل تبديد الغموض حول هذا «الجوهر»، أم من أجل تشييد غموض يذهب بالتجريد إلى مداه، أي من أجل اقتناص «التاريخ اللاَّمرئي» الذي يتألف منهُ جوهر المغاربة؟ هذه الأسئلة وغيرها تتناسل لدينا حتى قبل أن نفتح الرواية، متواشجة مَع سؤال محير: مَا معنى الحاجة اليوم إلى «قلق روائي» حول المغاربة؟ هل المغاربة يضعون اليوم سؤالاً عن أنفسهم: من هم، وَمَا هو الوجه، ومَا هو القناع في وجودهم؟ في كتابه العميق والممتع: «متاهة العزلة أو في نقد الهرم»، يعتبر أوكتافيو باث الذي كرس كتابه لمحاولة سبر أغوار «المكسيكي»، أن من الأشياء العميقة الدلالة، الإلحاح الذي تعود به الشعوب في بعض المراحل من تاريخها، إلى نفسها، وتبدأ في طرح الأسئلة.. فالانتباه إلى التاريخ يعني الوعي بخصوصيتنا، وهو لحظة توقف وتفكير قبل الانتقال إلى مرحلة الفِعل… عندما نحلم بأننا نحلم، فمعنى ذلك أن لحظة الإفاقة قد أصبحت وشيكة كما يقول «نوفاليس». لاَ شك أن هذا الإلحاح لم يكن غائباً عن عبد الكريم جويطي الشغوف بالتاريخ، يقرؤه كعمل تخييلي تتعاون فيه الاحتمالات الممكنة والمستحيلة على تَشييد «نص صامت». ذلك أن حروب القبائل وتيهها المجالي، وانبثاق الدول وانهيارها، وظهور مدن واختفاءها كل ذلك يُساهم بدرجات متفاوتة في بناء «مَا نحن عليه»، ولكنه أيضاً يخلف «نصا» لا يفصح عن نفسه بتاريخ الأحداث والمصائر، بل بذلك التماس المستمر بين الحقيقة والخيال. لذلك فإن استراتيجية الروائي تنبني على تتبع نصين: نص صاخب تقوله حياة المدينة وشخصياتها الحاضرة، ونص صامت تقوله الأصوات الغائبة. في المدينة بؤر حكائية متعددة يكاد لا يجمع بينها شيء في الظاهر سِوى الفضاء المشترك. ولكنها في الواقع شبكة من الحكايات يضيء بضعها بعضا، وتلعب كل واحدة منها دور مَرْصد نتتبع منه تحولات السرد، وتنامي الشخصيات. 1 – في الرواية (وخارجها) يقودنا الراوي الأعمى، نتبع عماه، من العتمات الأولى حتى انبثاق فجر الحكاية. الأعمى يرى بعين الحكي مَا يريد أن نراه، ويختبئ في تفاصيل سيرته حتى نفقد الوِجْهة، ونسقط في المتاهة التي يجعلها «ميثاق قراءة» بيننا وبينه، لا نغادرها منذ الاستفاقة المضطربة على سرير مستشفى، حتى إغلاق الرواية على «الواقعة» أو على صبح الأعمى، أي على آخر فصل من فصول العنف والعبث والخدعة التي كانت كلها حلقات متماسكة داخل المتاهة. 2 ـ في بؤرة ثانية للحكي، نَتَبين على مهل انبثاق شخصية العسكري. كما تنبثق ملامح مشوشة من ضباب كثيف. عائد من الحرب، ومقيم فيها إلى الأبد. نتبين عطب القذيفة التي ذهبت بساقه، ولكننا ندرك أن ذلك ليس عطبه. في روحه شظية ما تزال، لَم يستطع الأطباء انتزاعها، يحمل معه «حديقة البوكمازي» التي أراد جندي مجهول أن يروض بها الجحيم، لا شَيْء بقي من الحرب، لا الأسماء ولا الحدائق المهربة ولا المدافن التي ابتلعتها جنازات سرية في جوف الليل. 3 ـ وفي بؤرة ثَالثة، يأخذنا الباشا سليل سلطة قديمة ولقاح سلطة مقبلة. في زوبعة «النشوء والارتقاء» التي تزف الحاكم إلى تاريخه الشخصي تاريخ القبلية والنفوذ والثروة. تاريخ الأمكنة الهاربة والتحولات التي تحيل كل شيء إلى رماد، ثم تخرج فينقاً جديداً من الرماد نفسه. الباشا شخص واحد، وسلالة متعددة، أفول سطوة غامضة، وانبثاقها من حيث لا نحتسب، أي من تلاقح استيهامات مجنونة تجمع في «سهرة العميان» غناء الشرق وغارات القبيلة، و»استشراق» بنت الجنرال الفرنسي. 4 ـ في بؤرة رابعة، تتحول المدينة باكتشاف غامض إلى تجمع هائل لجماجم تخرج من تحت الأرض، جماجم بلا هياكل مكتملة أو ناقصة تدل على مرور أجساد من هذه الحكاية، جماجم تقول بأعدادها وهوياتها المجهولة تراجيديا بلا إسم هي الأخرى، يتولى مسرحتها خبيران يتحولان أثناء ترقيم الجماجم وترتيبها إلى هاملت وهوراشيو يرتجــــلان مشهداً شكسبيرياً «للسيطرة على الموضــوع»، الجماجم قصة قديمة جداً أو حديثة جداً، نتاج حرب ضروس، أو مذبحة جماعية. الأعمى والعسكري يسهران في خيمة الخبراء، كل منهما يضع في الجماجم المتراكبة «كأكوام الدلاح» بعضاً من أركيولوجيته الأليمة، لا ينتظران شيئاً من التقرير الذي تتلهى به المدينة، كأن خيمة الجماجم «سيرك» جديد حط رِحاله بأبهائها الخاوية… 5 ـ ثم أخيراً قصة العشق الذي يزف للأعمى دعابة قاتلة، ها هي قصة حب بين الأعمى وجارته تورق أخيراً وتسمح بعودة حديقة البوكمازي إلى الرواية، ها هو شيء يانع يبزغ في صحراء المدينة وفي عتمات الدواخل، ثم ها هو الأعمى العاشق يقع على صنوه، على الند والشبيه والقناع والذئب المخاتل الذي يقود «ظله» الأعمى إلى مكان مقفر ويضع يده في يد الجَنَّة السراب.. ها هو الحب الذي كان يمكن أن ينقذ شيئاً يتحول إلى»مقلب»، ثم إلى ما يشبه حادثة سير حمقاء. حول هذه البؤر المتواشجة والمتباعدة تتناسل محكيات صغرى يتخذها الكاتب وسيلة لتجميع ما تناثر من المحكيات الأصل، ووضعها من جديد في سياق الرواية، كأنه لا يريد إضاعة شيء مما حشده لبناء النص، التاريخ والوجوه والمشاهدات وأساطير المدينة. في الختام يشير محمد الأشعري إلى كون الرواية تقفل أبوابها على مشهد عنيف وعابث ودموي بين شخصين أعميَيْن يهرب أحدهما بعشيقة غير مرئية، ويطارد الآخر مغتصباً غير مرئي. كأن هذا النِّزَال الأسطوري بين وحشين هو الخيط الذي تقترحه الرواية لنخيط به بؤر الحكاية بعضها إلى بعض. تقوم الكتابة في رواية المغاربة يضيف الأشعري في البداية على تقاطع نصين. نص المدينة الناطق، الضاج بحكاياته وذاكرته وأمكنته. والحافل بالتاريخ الشخصي (موت الجد، سيرة الأب، السلالة، الأرض، الأشجار، الكتب إلخ) وبالتاريخ العام (كتاب السلطة، كتاب القبيلة، كتاب الحرب، كتاب التراث الديني والثقــــافي إلخ)، ونص المجال الصامت، المنسي. النص الذي لا تقود إليه القراءة المعرفية، بل نوع من «التنقيب عن الآلام» نعثر على ذلك في استحضار كتابات ذات بعد شعري عميق «لبيسوا وميخائيل لوكونين» وغيرهما، ونعثر عليه في الشذرات والنصوص المنفلتة وأخبار الأولياء والصالحين، أو مَا سماه عبد الكريم جويطي بـ»هذيانات مغربية»، التي سنفهم في منعرج من منعرجات الرواية أنها جُمَاع ما كان يدونه العسكري من قراءاته المختلفة، في محاولة منه لإضاءة محنته «بهذيان الآخرين». كما سنفهم عند التأمل أن الرواية قد بنيت على تقابل محكم بين «تشذير» الحكاية، وبين بث شذرات من «هذيانات» مختلفة داخل المتن الحكائي وحوله. هل هو اختيار فني أملته رؤية الكاتب للرواية كعمل قائم أساساً على التشظي؟ (في النص يورد الكاتب مديحاً مستفيضاً للشذرة كأسلوب رباني!) أم أن «المغاربة» ما كانوا ليلتئموا في نص واحد لولا تصيدهم من «الليل البهيم» أو من عمى التاريخ شذرات تجعلهم احتمالاً واحداً من احتمالات شتى.

أضيفت في 12 يونيو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
بينما يدخل العقد الثالث من انخراطه في سلك الكتابة الروائية، يبدو عبد الكريم جويطي، الذي أصدر روايته الأولى» ليل الشمس» ( 1992) وفيّاً ومنسجماً مع تصور واعٍ ومدرّب، عن الحياة والأفراد والعوالم والمشاعر والمُثل التي ينبغي أن تظهر ممثلة ومعتركة، في سرود تحكيها وتشخّصها ضمن بيئة محددة، قد تختصر الوجود والحيوات والأسئلة كما تجري في قلبه وتدور في فلكه، من منظور متعدد، ذي هوية تراجيدية حاملاً دلالة الخسارة والأفول. وهذا أقوى ما ذهبت إليه روايته «كتيبة الخراب» (2007). وهو لا يكاد يحيد عنها، يتغذى منها وتغذيه، في تلاقح مستمر ليكون للكتابة الروائية معنى وضرورة، لا سرداً يتناوب على المواضيع كيفما اتفق. في روايته الجديدة «المغاربة» (المركز الثقافي العربي) تأصيل لهذا الخط بكيفية شمولية واستقصائية أكثر نضجاً، وأوغل استغراقاً في مساءلة المصائر وتتبّع المعضلات التي كوّنت - وشغلت - تاريخ شعب، والأيقونات المميزة له عبر حقب مختلفة، مرسومة ومستكنهة بواسطتين أساسيتين: الحفور التاريخية والأنتروبولوجية والميتولوجية. ترسم مجتمعة البنية الذهنية التي تصنع الأطر الاجتماعية والثقافية والسياسية ويحيا داخلها وفي تركيباتها هذا الخلق (الخصوصي - المغاربة). والواسطة الثانية هي المحكيات الكبرى والصغرى الحاملة لعناصر هذه البنية وتتخلّق بسرد ينعته مؤلفه «رواية»، أي يلحقه بجنس محدد، يُشغِّل داخلها كتابات مختلفة هي الأنواع الصغرى. كل محاولة لتلخيص هذه الرواية مجازفة، لأنها تتشظّىّ في مناحي شتى، تشظياً مقصوداً لا تبعثراً، وهذا أحد أنساق سردها. وكذلك نظراً لتعدد سُرادها ، شكلاً على الأقل، وإلا هم في نهاية المطاف قناع لتلفظ المؤلف، خطابهم أكبر منهم، ومساحات سردهم أوسع من مرامي حكيهم. هم سارد عليم يتوزع على دورين وشخصيتين فاعلتين في العمل من بدايته إلى النهاية يتحركان في مجال واحد. مدينة بني ملال، ويتمددان انطلاقاً منها أفقياً فيتسع المجال وتدخل في نطاقه شخصيات وأحداث تبرز تجليات شخصية المغاربة وتتبأّر هويتهم. أو يتجمع عمودياً متمركزاً على الشخصية، فاعلة وساردة، تعرض حالها إذ تعيش أهوالها متقلبة بين غورها الذاتي، أو متجاورة ومتفاعلة مع جوارها ومحيطها القريب. الشخصية الأولى اليافع والفتى، من سيشِبّ وهو يعاني من آلام في عينيه تتهدد بصره إلى أن يفقده تماماً، وهو يسرد جوانب من طفولته في كنَف جده، ومعاناة هذا الجد الذي سيفقد بستانه بتجاوزات السلطة ومعه يشعر بانهيار عالمه وخراب روحه، فيبدأ تنقلاته بين البحث عن بلسم للحفيد ما سيُشرع باب النص واسعاً لتدخل الطقوس والمراهم الخرافية والتهيؤات الفولكلورية، مبرزة ثقافة شعب، وبين الانغماس في رحلة جوانية تتوهّج فيها أدبيات كرامة الأولياء والصالحين باستدعاء النصوص والرموز البانية لها ولحفور ذاتٍ مكلومة. جدٌّ سيموت، ليخلفه مباشرة في مقام التأسّي وتأكيد المصير التراجيدي حفيده الثاني، العائد إلى أهله ومدينته بساق مبتورة من حرب الصحراء (إحالة على نزاع الصحراء البادئ منذ 1975)، ما يعرضه لآلام قصوى. وها هو بعد العودة أسير معاناة مريرة نتيجة العطب وانعكاساته النفسية، وتمزقه بين حاضر أليم وماضٍ أشدّ إيلاماً فقد فيه زملاءه الجنود، (البوكمازي بخاصة الذي عوّض وحدة الصحراء وقحطها بزرع حديقة مصغرة، ثم مات)، لينصرف أخيراً إلى القراءة وقطف شذرات الكتب وإلى معاقرة الخمر ملاذاً من الخسارة. الشخصية الثالثة بين مجرَيَيْ محكي هاتين الشخصيتين المركزيتين يجري نهر الشخصية الثالثة الدافق والمثير. هنا حيث يراهن جويطي على تعبئة عنوان «المغاربة» بالمعنى والدلالات القصوى، مستثمراً موروث حكي تاريخي وسياسي وعقيدي وسلالي، هو سيرة الاستبداد والهيمنة والتمرد وفروض الولاء، وتمظهرات سلطة الاستعباد والجور بأبشع الصور والأدوات؛ سيرةٌ ممثلة في سرد قصة شخصية تنتمي إلى البيئة مدار الرواية، منطلقاً وخاتمة، واقعية حد الفظاظة. وبمقدار ما تكتسي حلل تخييل زاهية، وبتعبيرية شعرية جامحة، تمثل تاريخ الصولة، وخصوصاً منحنيات الصعود والسقوط، الشروق الساطع والأفول المُذِل، شخصية القايد، فالباشا بوزكري، كما عاش وحكم مدينة بني ملال ومنطقتها، وتتابع أبناؤه وتركته ليصبحوا سادتها ورموزها، متسلسلين وعابرين في مراحل حكم الإقطاع وما قبل الاستعمار وصولاً إلى عهد الاستقلال. هيأت حكاية بوزكري التي تشغل حيزاً كبيراً من المتن إمكان نسج نص مواز بإعادة رسم ما عرفه المغرب في أزمنة ثلاثة، وبثلاث شخصيات من العائلة نفسها: الحاج بوزكري الأب، والحاج عبد السلام، وطه بوزكري، بما يجسد كل واحد من جبروت واستهتار وهلوسة حكم، ممثلين لأيقونة التسلط والفساد، كما طبعت تاريخ المغرب القديم. ويسهب المؤلف في عرض عشرات الأمثلة لأفعالهم وأساليب تنكيلهم بالعباد وارتهانهم للمستعمر الأجنبي، ويرخي العنان ليشمل التاريخ الحديث والمعاصر للمغرب والمغاربة. يرسم له لائحة سوداء وصك اتهام حاد اللهجة، بمثابة هجائية مستقلة مندسة في جلد النص، تبتعد عن خط السرد الذي يفترض أن الشخصيتين المذكورتين مكلفان به: الأخ الذي صار أعمى، وأخوه العسكري المعطوب. فيا لهذا العمى الجارح لمن بلغ سن الشباب، وتحول أُلهية في دار الباشا هو وأقرانه العُمي، عليه أن يقود حكاية الانهيار والتفسخ التي تصل بمجد سليل القايد بوزكري إلى حتفه. وفي الوقت حكاية عشق تُعرضه للخديعة بعدها ليتضاعف عذابه، هو الأعمى، هويةً وصفةً. مرة واحدة يأتي الكاتب على ذكر اسمه (محمد الغافقي)، من يعاشر العميان والمعطوبين، والجماجم التي عثر عليها في المدينة، وصور الوهم والخديعة والبحث عن شفاء مستحيل في مزارات الأولياء والمجاذيب تمثيلاً لطقوس وثنية ومعتقدات شائعة كان السوسيولوجي المغربي بول باسكون قد خصص لها مونوغرافيات دقيقة وفرزها كإحدى الأيقونات المغربية الخالصة. تنتهي» المغاربة» ويبقى السؤال عالقاً على الشفاه: هل هذه الرواية تصلح بطاقة تعريف لهم، أم هي وجه من وجوههم، أم تحرضنا - انتسبنا إليهم أولم ننتسب - لنتعرف أكثر على هذه المجموعة البشرية التي جعلت جويطي يدبج 400 صفحة وهو يعجن الحقيقة بالخيال، والتاريخ بالأهوال، والزمني بالذاتي، والواقعي الصرف بالصوفي والغيبي، والمخيالي في الثقافة الشعبية برصيد الثقافة العالمة؟ سؤال الشكل أسئلة كثيرة يثيرها هذا العمل الجريء وأخطرها في نظري، ما يتصل بالشكل، أي بكيفية استحضار وتشغيل آليات ومعمار الجنس الأدبي المصبوب فيه، هو ما نشير إليه بعجالة في هذه القراءة، بملاحظات عدة، أولها أن هذه الرواية تتوسل التوثيق التاريخي والذاكرة الشعبية. ثانياً، يقلب جويطي بروتوكول قراءة الرواية العصرية. فالفصول غير مفروزة، إنما هي فقرات كبرى يشير الكاتب إلى عناوينها بعبارة «يمكنك أن تسمي هذا الفصل»، يفتتحه بحكاية جديدة في سياق وصف أحوال مغاربته، بكسر أي تعاقب كرونولوجي، وبجلب نصوص وشخصيات موازية. قلنا إن» المغاربة» هي» كشكول» نصوص، حيناً تتآلف، حيناً تتنافر، سرداً ونثراً تُمسي إلى الشعر أقرب، وطوراً تتعالم، والشذرات فيها نص وحدها، تدخل وتخرج إلى محفل الرواية الكبير بلا حسيب ولا رقيب. ويعي الكاتب ورطته هنا فيبرر بقول صُراح: «بالكتابة الشذرية أحفظ لنفسي الحق في أن أكون متناقضاً، وأن أحطم الأنساق التي نسجن أنفسنا بداخلها». فهل يكفي هذا التصريح لإنقاذ العمل من التشتت وتنافر الأجزاء، وهل مخاطبة القارئ بمثل هذه الأقوال يمكن أن تمثل «براديغم» جديداً لميثاق قراءة الرواية؟ يمكن متابع الرواية العربية في المغرب أن يلاحظ كيف أن ثمة نزوعاً لدى بعض كتابها الحاليين، المجتهدين، إلى شعرنة السرد بإفراط، وتضعيفه بالمناصّات، وخصوصا تقصُّدُهم تفكيك نظام الجنس (الأدبي) بوازع التجريب والتجديد، ومثله، متناسين او غير منتبهين أن التفكيك ذاته يعوزه التركيب، أي النظام، وإلا عادت الكتابة إلى مرحلتها الفطرية، ما قبل الأدبية، وعليها أن تستأنف مرة أخرى رحلة شاقة لتصل إلى الأدب - الرواية كشكل مركب. أحسب أن عبد الكريم جويطي يعي هذا جيداً، وكان في حاجة إلى «المغاربة» ليصفي حساباً مع تاريخ جريح، منه ينتقل إلى بناء النص الروائي المنظم والمشتهى. فالمغاربة يتجددون.

أضيفت في 12 يونيو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
يعرّف المُعجم الغني كلمة كابوس بما يستولي على الإنسان فِي نومه ويفقده القدرة على الحركة، ويطلق عليه أيضًا جاثُوم. وفي لسان العرب: الكابوس ما يقع على النائم بالليل، ويقال: هو مقدَمة الصَّرَع. وكبس الرجل أي أدخل رأْسه في ثوبه، وقيل: تقنَّع به ثم تغطَّى بطائفته. يبدأ محمد عبد النبي روايته «في غرفة العنكبوت» باسترجاع كابوس. حادثة تبدأ في لحظة صفاء وتنتهي في عتمة مغلقة. يتذكر هاني محفوظ -الشخصية الرئيسية في الرواية- كابوسه الواقعي جيدًا، ويبدأ سرده مباشرة دون مقدمات: عائدًا مع صديقه عبد العزيز من شقته في شارع القصر العيني وسط القاهرة ليشربا شيئًا قرب ميدان الفلكي، يمد هاني يده ليمسك يد صاحبه، قبل أن تمسكهما بعد لحظات أياد غليظة من الخلف، وخلال خمس دقائق، يجد نفسه مع صديقه وآخرين في بوكس الشرطة. هاني محفوظ مثلي الجنس، شخصية مركبة مستوحاة، كما أحداث الرواية، من حادثة «الكوين بوت» عام 2001، حيث ألقت السلطات المصرية القبض على عشرات الشبان بتهمة «ممارسة الفجور». سُجنوا وشُهّر بهم إعلاميًا وحُكم على الكثير منهم بالسجن. ليست الرواية معنيّة بهذه الحادثة بالذات بقدر ما تشكل منطلقًا لاستكشاف عالم المثلية الجنسية بشكل عام وفي مصر بشكل خاص، إذ أن الاضطهاد الذي يلاحق مثليي الجنس ما زال قائمًا في مصر كما في معظم الدول العربية الأخرى. يذكّرنا غلاف الرواية بمشهد كابوسي آخر؛ قبضٌ عبثيٌ على عشرات الشبان قبل بضعة أعوام في حمام شعبي في القاهرة، يحاول الشبان تغطية رؤوسهم بملابسهم على أمل درء فضيحةٍ لعب فيها الإعلام المستهتر دورًا رئيسًا، قبل أن يحكموا بالبراءة لاحقًا. يُفرغ هاني محفوظ كابوسه على دفتره في غرفة فندق صغيرة لا يؤنس وحدته فيها إلا عنكبوت ينسج أيضًا بيته من حوله. من خلال هذه الكتابات، نقرأ بصوت الراوي الأول قصة هاني كما يتذكرها بعد خروجه من تجربة السجن؛ أخرس لا يقدر على الكلام، يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، ينام طول الوقت وتلحقه الكوابيس. بعد نصيحة من طبيبه النفسي، تصبح الكتابة وسيلته الوحيدة لمحو ما في داخله. ما يزال يعيش كابوسه الطويل الجاثم، نصف نائم ونصف مستيقظ ويحاول إيقاظ نفسه تمامًا من خلال الكتابة. ينتقل عبد النبي في نصّه بين عدّة أزمان؛ بين تذكر الأحداث تارة، وبين تذكر تجربة السجن، وفي أحيانٍ أخرى ينقلنا إلى غرفته الفندقية التي يعتزل هاني فيها الحياة اختياريًا، لنتذكر نقطة الانطلاق الرئيسية في الحبكة؛ إنسان بسيط بخلفية ثقافية متواضعة يحاول استعادة نفسه عبر تذكّر ماضيه. من هذه الكتابات، يرسم لنا الكاتب صورة لعالم هاني محفوظ وتاريخ عائلته بدءًا من سنواته المبكرة كطفل مدلل من الجميع. نتعرف على شخصية جده «ميدا» وتاريخ العائلة المرتبطة بالفن بطرق مختلفة؛ حاول جدّه العمل في المسرح مع نجيب الريحاني قبل أن ينتهي خياطًا، وحاول والده العمل كومبارسًا، وأمه «بدرية» ممثلة تحاول العودة إلى الأضواء. نقرأ بصوت هاني كل شيء، كيف نشأ وكيف بدأت تجاربه الجنسية المثلية الأولى، من التلصص على الحمّامات إلى تعرّفه على «رأفت»، حبيبه الأول، الذي يكبره في العمر، والذي سيكسر قلبه ويتزوج. ونتعرّف على البرنس؛ أبيه الروحي الذي تعرّف عليه في حمام شعبي، وعلى وحدة ومعاناة مثليي الجنس في المجتمع المصري بشكل عام. ما المختلف في هذه الرواية؟ سبق أن تناولتِ الرواية العربية مسألة المثلية الجنسية بطرق اختلفت جودتها الأدبية كما اختلفت طريقتها في تناول الموضوع. بعض هذه الأعمال عانى مشاكل في الأسلوب والبنية، وأحيانًا لم يخلُ الأمر من تنميط وقلة دراية، وفي نصوص أخرى جاءت شخصية المثلي شخصية جانبية، أو خدمة لسياق آخر. أستحضرُ هنا أعمالًا مثل «رائحة القرفة» لسمر يزبك، و«الآخرون» لصبا الحرز، و«عروس عمّان» لفادي زعموت، و«فضاء الجسد» لثريا النافع، و«عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني، و«بلد الولاد» لمصطفى فتحي. لكن على عكس الكثير من الروايات التي تناولت هذا الموضوع، كتب محمد عبد النبي رواية مثليّة متكاملة كأدب مثلي ذكري يروي بتعاطف معاناة وتعقيدات فئة اجتماعية مضطهدة. ربما كانت هذه الرواية العربية الأولى من نوعها بهذا المعنى؛ رواية تبتعد عن الأحكام الأخلاقية المسبقة، وتبتعد عن التنميط المعتاد للشخصيات المثلية، ببنية محكمة وجمل أدبية سلسة. «في غرفة العنكبوت» رواية واقعية مركبة من واقع شخصيات مثلية مختلفة، قاسية دون تكلف في اللغة، تعكس شخصية الراوي التي يرويها بصوته، وتُشرك القارئ بالتعاطف أيضًا دون إسفاف. وهي رواية معتمة. العتمة تلف كل شيء. عتمة الأماكن في البيوت والشوارع والحانات والسجن، وعتمة الشخصيات المثلية في شعورها بالوحدة والخوف والهلع والاختباء والارتباك. لا تطرح الرواية حلولًا، وليست معنية حتى بتقديم استعادة تاريخية لجذور المشكلة الدينية والاجتماعية. الإدانة الرئيسة كانت للحكومة والصحافة الصفراء. لكن النص وهو يدين يخلو من محاولة لفهم المشكلة، ويكتفي بالاحتجاج من خلال جمل تحافظ على نوع من التوازن، فلا تحمّل الضحية قداسة لا تستحقها تجنبًا لمعركة أحكام أخلاقية. يكتب هاني: «من السهل أن يتحوّل الضحية إلى قديس في عين نفسه على الأقل، وهو فخ آخر أوشكت على الوقوع فيه. أمّا في أعين من حولنا، فلم نكن إلا قذارة لا بد من التخلص منها بأية طريقة». يراهن عبد النبي على سلاسة القراءة بعيدًا عن الفذلكة ليضمن سهولة القراءة للقارئ البسيط، فلا مَهرب من عادية اللغة لرواية بصوت راوٍ عادي. ولأجل سلاسة القراءة لم يقم عبد النبي بمحاولات بنيوية جديدة على مستوى السرد. من ناحية أخرى، بقيت الرواية مرتبطة إلى حد كبير بقالب «أدب السجن» العربي الكلاسيكي، إذ تُشكّل تجربة السجن والخروج منه المنطلق الرئيسي لقرار هاني محفوظ كتابة كابوسه المستمر، مع أن الفصول المخصّصة لما جرى داخل المعتقل من تنكيل ومهانة أقل من بقية الفصول التي تتناول حكاية هاني قبل القبض عليه، إلا أن هاني يكتب تحت تأثير تلك التجربة القاسية بلغة تعكس حالته النفسية. يتطلب التجديد في الرواية تجاوز النص للقوالب المعتادة شكلًا وموضوعًا وبنية أيضًا. محمد عبد النبي قصد كتابة عمل روائي سلس متعاطف موجه للجميع، عن موضوع محرّم يعاني شحًا في التمثيل الأدبي الجيد، وقد فعل ذلك تمامًا، وهو أهم ما يستحق عليه الثناء.

أضيفت في 12 يونيو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1