ظلّ المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه طيلة المسار الفكري الحديث له، الذي يقطع مع النهج الراديكالي الثوروي الذي اسسه في كتابه "ثورة في الثورة" والذي شكل انجيلاً ثورياً حينذاك لثوريي العالم الثالث، أقول ظل مفكرنا يشكك بجدوى المثقف: ما جدوى ان يكون المرء مثقفاً؟ هذا ما أكده دوبريه في كتابه "كي لا نستسلم" 1995 الذي حرره مع المفكر السويسري جان زيغلر، وصولاً الى كتابه الصادر حديثاً "المثقف الفرنسي: تتمة ونهاية" 2000 الذي نعى فيه المثقفين الفرنسيين ونتاجهم الثقافي الذي يشهد من وجهة نظر دوبريه على عدم جدواهم. شهد عقد التسعينات من قرننا المنصرم تجاذباً حاداً بين التشكيك بجدوى المثقف وبين الرهان على المثقف المبدئي كما فعل ادوارد سعيد في بيانه الذي يبشر بولادة المثقف المبدئي، وأشير الى كتابه "صور المثقف" 1996. وفي اطار هذا التجاذب بقي ريجيس دوبريه الذي يصفه ادوارد سعيد بالمتعدد البراعات والمبدع، اقول بقي وفياً لأطروحته التي تشكك بجدوى المثقف، وهذا ما دفعه الى تساؤل مواز للتساؤل السابق: متى يخون المثقف وظيفته؟ اذا كانت هذه الاخيرة تتقوَّم بالرغبة في التأثير على النفوس، ومن وجهة نظر دوبريه ان المثقف يخون وظيفته في حالين: إما أن يروَّج اعلامياً او لا يروّج، فإذا روِّج اعلامياً اصبح ممثلاً فاشلاً، أو قوالاً، او مفوه لعنات او واعظاً، وبذلك يخون اخلاقية الذكاء التي تكمن في الحوار والاعتماد على الزمن، الزمن اللازم والضروري لبناء تحليل منطقي للأشياء والكلمات ويخون تعريف المثقف بالذات، واذا لم يروج اعلامياً، فإنه يخون وظيفته كما يرى دوبريه لأنه يتخلى عن الالتزام وممارسة التأثير وخوض السجال، فيحرم نفسه كل حظوة ويصبح اسير صفاء عزلته. هل يعني هذا ان تاريخ المثقف هو تأريخ لمجموع هزائمه وأوهامه؟ لنقل هو تأريخ لخياناته حيث يتأرجح تاريخه بين خيانتين كما يذهب الى ذلك دوبريه! في رأيي ان الهاجس الذي يدفع بدوبريه الى التشكيك بجدوى المثقف هو اعتقاده بأن المثقف كالشعاع الضوئي مضمر بقرينة انحراف، وهي عند المثقف قرينة انحراف سياسية وهذا ما جعل المثقف من باعة الأوهام وشرطة الايديولوجيا وهذا يعني فعلاً ان تاريخ المثقف هو تاريخ خيانته لأفكاره وذلك عندما اصبح أسير أوهامه وأوثـانه معاً. في كتابه الموسوم بـ"نقد العقل السياسي" راح ريجيس دوبريه يؤكد على ذلك الإرث المشترك بين الساحر في المجتمعات القديمة وبين السياسي في المجتمعات المعاصرة، فالسياسي يرث الساحر وسرعان ما يصبح الوجه الآخر له، فالساحر بمقدرته العجيبة على امتلاك الكلام يسيطر على الاشياء ويوجهها، وهكذا العقل السياسي الذي يمتلك المقدرة على تحريك الجماهير والسيطرة عليها، من خلال امتلاكه الكلمة او وهم امتلاكه لها، ويذهب دوبريه الى القول ان سحر القول في السياسة يدعو الى تفكير سحري في الأمر السياسي. من هنا هذا التطابق بين الساحر والسياسي، لنقل بين الساحر والسياسي والمثقف، وخصوصاً المثقف الذي يطمح الى لعب دور سياسي كما هي الحال مع معظم المثقفين الفرنسيين من ورثة درايفوس، ومع معظم مثقفي العالم الثالث الذين خانوا كمثقفين ليصبحوا وعاظاً وقوالين في خدمة السلطة. إن كل ما يخشاه دوبريه، هو ان يصبح المثقف وريثاً للسياسي والساحر معاً، يتلاعب بسلطان الكلمات ثم يصبح اسير ايديولوجيته المتخشبة، ثم حارساً لأوهامها وشرطياً لأفكارها البالية. من هنا نفهم سعيه الى رسم حدود فاصلة بين المثقف والعالم. بين المتفوه باللعنات وبين القائل بالحقيقة وهذا ما جسّده دوبريه في سلوكه الشخصي. يقول دوبريه في كتابه "كي لا نستسلم": "إن المثقف الذي يدلي بدلوه في الشأن العمومي ليس هو الكاتب ولا العالم. وأنا مثــقف غير اني من وجه آخر، كاتب وعالم، ككاتب، أكتفي، في ما يعنيني، بعبارة جميلة، وكعالم، يكفيني ان يتولد لدي انطباع بأنني عزلت حقلاً جديداً للأبحاث. ولكن كمثقف، اشعر بأنني احتاج لأن اترك صدى ما. وهذان شخصان مختلفان. لقد كنت مثقفاً لوقت غير قصير وبدوام كامل. بما في ذلك اوقات انصرافي الى النضال في صفوف حركات التحرير في اميركا اللاتينية. وفي ذلك الوقت لم أكن كاتباً ولا عالماً. اما اليوم فجلَّ ما افعله هو انني احاول ببساطة ان اكون باحثاً" "كي لا نستسلم"، ص79. هدف مشروع ان يقطع المثقف مع قرينة انحرافه السياسية التي تجعله يتصرف كالسياسي بائعاً للأوهام وشرطياً للسير ولحركة التاريخ، وان يجنح للعب دور الباحث والعالم والمفكر. غير ان دوبريه لا ينجح الا في رسم حدود زئبقية بين العالم والمثقف، بين المفكر والمثقف. لأن المفكر بدوره، هذا الساحر الجديد الذي يراد له ان يرث المثقف والسياسي معاً في سعيه الى انتاج الحقيقة، يملك قرينة انحراف ثقافية، تدفعه الى الخروج من قوقعته او جحره الفكري لينطق بالحقيقة ويدلي برأيه في الشأن العمومي، وذلك ايماناً منه بأن الافكار ما زالت تقود العالم وان الايديولوجيا ما زالت تفعل فعلها في عصر الفيديولوجيا عصر المجال التلفازي وان اكتب وان لم تعد تصنع الثورات كما يرى دوبريه فإنها ما زالت تغذي حنيناً الى العدالة والثورة. واذا ما اخذنا بقول امبرتو ايكو ان مجرة غوتنبرغ في توسع، فهذا يعني ايضاً ان عصر المجال التلفازي لم يكتب لنا خاتمة الأمس، بصورة ادق لم يكتب لنا خاتمة الكتاب كما حاول ان يقنعنا دوبريه في كتابه "الميديولوجيا: علم الاعلام العالم"، 1996 وهذا يعني ان الكتب تسهم في تغيير العام وهذا ما يقوله دوبريه في كتابه السالف الذكر: "لقد حصل معي اكثر من مرة، ان التقي شخصاً مجهولاً من عمري، طالباً سابقاً، او مناضلاً يسارياً متطرفاً، في اسطنبول، بانكوك، ريو دوجانيرو وأسمع بأذني: إن كتابك - "ثورة في الثورة" - هو الذي ارسلني الى السجن"، او "اعتقد بأنك لست بريئاً مما حصل لنا هنا" لا بل ان دوبريه نفسه يؤكد ان على العالم والمفكر ان يخرج من جحره عندما يرى المدينة تشتعل، وحين توضع الامور الجوهرية موضع التساؤل لا اعتقد ان دوبريه يقنعنا بأن علينا مغادرة الحقل الثقافي وبالتالي هجران دور المثقف، فنحن نعيش في عالم تزداد وتائر بلقنته يوماً بعد يوم، في عالم تحترق مدنه بالعنصرية والحقد الجنوني، من غروزني الى سراييفو الى ارضنا المحتلة نحترق بنيران التعصب والعنصرية، فهل على المفكر/ العالم ان يركن الى جحره خوفاً من ان يكتوي بنيران هذا العالم، أم أن عليه ان يخرج من جحره ليدلي بدلوه في الشأن العمومي ليقول كلمة حق في وجه عالم جائر؟

أضيفت في 01 أغسطس 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
قصائد الديوان يغلب عليها الطابع الوجداني المفعم بالاسى وهو الطابع المميز للشاعر ولم اجد اصدق تعبيرا عنها من قول الشاعر العراقي الكبير موفق محمد(وانت تقرأ عبدالحكيم الوائلي تجد الخسارات تترى..انها لغة صافية نقية تؤرخ لايامنا التي تتساقط في دهاليز الغياب دون رجعة) يجدر بالذكر ان الديوان مهدى للسيدة فيروز لمناسبة عيد ميلادها الثمانين والتي يقول الشاعر عنها في مقدمة الديوان(الى التي جعلت الحياة ممكنة رغم استحالتها)

أضيفت في 28 يوليو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
في الثانية والعشرين من عمره نشر ألبرتو مورافيا أولى رواياته"زمن اللامبالاة"الصادرة أخيراً عن دار شرقيات للنشر بترجمة سهيمة إبراهيم تحت عنوان"اللامبالون"، وهي الرواية التي اعتبر نقاد أنها حملت البذور الأساسية لمشروع مورافيا الإبداعي. مشروع تضمن روايات: السأم، دولاب الحظ، امرأة من روما، المرأتان، العصيان، حكايات من روما، الفردوس، الاحتقار، مراهقون، أنا وهو، فضلاً عن كتاب"إلى أي قبيلة تنتمي"الذي كتبه بعد رحلة إلى إفريقيا في سبعينات القرن الماضي. ولد مورافيا لأب يهودي وأم كاثوليكية عام 1907 في روما التي لم يغادرها إلا لجولات بسيطة في كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية عام 1967، وبعض مناطق القبائل الإفريقية عام 1972، وهيروشيما - اليابان عام 1982. لم يكمل تعليمه بعدما أصابه السل في صباه وألزمه السرير لأكثر من خمس سنوات، لكنه بدأ مشواره العملي كصحافي في مجلة"900"التي نشر بها أولى قصصه. امتازت أعماله بالرصد الواقعي والقدرة على النفاذ إلى أعماق النفس البشرية عبر التحليل النفسي للشخوص. ترجمت أعماله إلى كثير من اللغات الحية، وتحول معظمها إلى أعمال سينمائية، مما جعل مورافيا واحداً من أبرز الأسماء الأدبية في العالم حتى الآن، على رغم رحيله عام 1990. في هذه الرواية يقدم مورافيا واقعاً لم يحدد له تاريخاً ولا مكاناً معلومين، إذ إنه لم ينشغل، لا بالتاريخ الاجتماعي ولا السياسي لشخوصه، معتبراً أنه يتعامل مع قضية وجودية تتعلق بالنفس البشرية ورغباتها الغريزية وليس بحركة المجتمع ولحظته التاريخية. الرواية كونشرتو طويل عن الفساد الأخلاقي الذي أصاب بلا مبرر الطبقة الراقية من المجتمع الإيطالي، فلم يذكر لنا أسباب هذا التحلل الأخلاقي الذي يجعل بنتاً تقدم طواعية على معاشرة عشيق أمها، وابناً يسعى الى تقديم أخته لأي عابر من الممكن أن يمنحه وظيفة، في حين تسعى صديقة العائلة إلى إغراء الابن كبديل للعشيق الذي سرقته الأم منذ عشر سنوات، أما العشيق نفسه فلا همّ له سوى الحصول على منزل الأسرة بأبخس ثمن، وكأن هذه الطبقة استيقظت لتجد نفسها منزوعة القيم، ولا تعرف غير الكذب والخداع واللامبالاة، والرغبة العارمة في إشباع غرائزها الجنسية ولو تطلب ذلك النزول بمحض إرادتها إلى عمق الهاوية. لعب مورافيا في"اللامبالون"على التحليل النفسي ورصد الصراع الداخلي لشخوص روايته الأم، الابنة كلارا، الابن ميكيلي، العشيق ليون، الصديقة ليزا، ولأنهم جميعاً يتمتعون بالكذب والخداع وقول ما لا يؤمنون به، فقد اضطر لأن يرصد المشهد مرتين، الأولى من خلال الواقع الفعلي حيث الكذب والخداع والتزلف، والثانية من خلال الواقع النفسي حيث الرغبات والمشاعر الحقيقية، مما جعل المساحة الزمنية لأحداث الرواية البالغة 300 صفحة تدور عن ثلاثة أيام في حياة الشخوص، ولأنه لم يكن معنياً بالرصد التاريخي ولا الاجتماعي، فقد انحصرت الأماكن التي دارت خلالها الأحداث، وبدت كما لو أنها خشبة مسرح تتغير ديكوراتها ما بين بيت الأم ومنزل عشيقها وبيت صديقتها، ليزا، مما جعل النص أقرب إلى الحس المسرحي منه إلى السرد الروائي، ويبدو أن غرام مورافيا بالصراع سواء النفسي أو الواقعي هو الذي دفعه لاختيار هذا الشكل الدرامي، فكل الشخوص تريد ولا تريد، وجميعها يؤمن بشيء ويفعل غيره، وما من أحد إلا ويعلم بالكارثة، لكنه يتواطأ عليها أو يسعى للزج بنفسه فيها، فالأم تدرك أن عشيقها زهدها منذ زمن لكنها تسعى للاستحواذ عليه بشتى الطرق، بينما الابنة تعرف أن ليون زوج أمها، وأن الإبقاء على عذريتها يمنحها فرصة للزواج الطبيعي، فإنها تستسلم لإغرائه وتسعى بكل إرادتها للتخلص من هذه العذرية، ولا يختلف الأمر بين الابن وصديقة والدته كثيراً عما بين كلارا وليون، ولا توجد شخصية واحدة يمكن وصفها بالسوية أو المحبة سواء لنفسها أو للآخرين، مما جعل الصراع على الرغبة الجسدية، وليس على الواجب أو الحق، وجعل الشخوص مستمتعين بحالة الاحتقار المتبادل من دون اعتبار أي منهم بالمصير الذي ينتظره. استخدم مورافيا تقنيات المسرح على مدار النص، بدءاً من توالي الصراع والإعلاء من وجوده في كل فقرة، وصولاً إلى المكان ووصفه وتوظيفه كخشبة مسرح، مختصراً إمكانات السرد في قدرته الهائلة كمؤلف على التحليل النفسي لشخوصه ورغباتهم، متجاهلاً الأسباب الاجتماعية لوصولهم إلى هذه الدرجة من انعدام القيم، على رغم أنهم ينتمون إلى الطبقة الاجتماعية التي تمثل قاطرة المجتمع، ويبدو أن غرام مورافيا بالمسرح وتكنيكاته فضلاً عن رغبته في الكشف عن أعماق النفس الإنسانية كان وراء الكثير من المونولوجات التي حفلت بها الرواية، حتى وإن كانت أحداث النص ستخالف كل ما خططت له الشخصية خلال المونولوغ الخاص بها، مما جعل الرواية تبدو وكأنها خالية من الأحداث الكبرى، بل إن الأحداث المهمة - كزواج كلارا من ليون أو مصير بيت العائلة - لم يحسمها مورافيا، مما جعله، كشخوصه، غير مبال بمستقبل الأحداث الأساسية في نصه. لا يمكننا أن نفصل هذا النص المعقد عن تاريخ كتابته، فقد نشر عام 1922، حيث شهدت أوروبا نوعاً من الركود الاقتصادي، فضلاً عن اللايقين الذي اجتاح الجميع إثر الحرب العالمية الأولي، وهي السنوات التي أتت في ما بعد بالفكر النازي في ألمانيا، والفاشستي في إيطاليا، ويمكننا اعتبار الأم معادلاً موضوعياً للسلطة التي لم يشغلها سوى مجدها الشخصي حتى لو أدى ذلك إلى ضياع كل البيت والعائلة، في حين كان عشيقها وصديقتها معادلاً للتحالف السياسي المعروف بالمحور، والذي خسر الحرب وانتهى إلى نوع من التوافق الكاذب الشبيه بعرض ليون الزواج من كلارا، وكان من الممكن اعتبار مورافيا أول من تنبأ بعودة المحور في تحالف جديد ينتهي به إلى خسارة جديدة في حرب عالمية ثانية، لولا أن مورافيا لم يرغب في الانشغال بغير التحليل والصراع النفسي للشخوص، وفسادهم الأخلاقي.

أضيفت في 24 يوليو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
بالرغم من كونه كتاب يوثق ـ إن صدق كاتبه ـ ويحكي لنا كيف كنا وكانت بلادنا وليمة تسابق الجوعى إليها ونهشهوها وتركونا فيها هملا يرعانا اللئام .. بالرغم من هذا تراودني أسئلة تتسابق إلى ذهني : أين كان لطفي هذا مندسا حين جرت كل هذه الأحاديث والمؤامرات بين شخصيات كتابه ؟ من أخبره بكل هذي الأحاديث ؟ ولماذا تفوح منه رائحة تمجيد عمل سارة وشبكتها تلك وإظهار ما تقوم فيه بمظهر البطولة ، حتى كاد أن يقنعني بشرعية البلد لها أو فعل . كيف أصبح مليارديرا كما وصف الكتاب من مهنة الصحافة ؟ لقد أخبرني بأشياء كثيرة لأجلها سأحرص على اقتناء الكتاب الورقي لهذه النسخة الالكترونية ......

أضيفت في 24 يوليو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
الكتاب اكثر من رائع واتمنى من الكاتب ان يكتب اخر بنفس الاسلوب الممتع

أضيفت في 23 يوليو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1