رغم أن الكاتبة أجادت في كثير من المواضع من روايتها في وصف مشاعر شخصياتها وفي أحيان قليلة في وصف التسلسل الزمني....إلا أنها أخفقت في ثير من عناصر الرواية المتعارف عليها كمثل وصف وجوه وملامح الشخصيات حتى لكأنك في تتابع شخوصا مقطوعة الرؤوس لأنك لا تعلم ملامحهم ما يعجزك عن تخيلهم وهو عنصر رئيسي في فن الرواية ليتعايش القارئ مع شخصياته والأمر نفسه في الثياب والأماكن لكن أمر لم يرقني إطلاقا في هذه الرواية هو تأرجح الكاتبة بين زمنين ما يربك القارئ ويجبره على العودة عدة صفحات ليربط بين أحداث وأشخاص كل زمن

أضيفت في 03 سبتمبر 2018 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 68
(التاريخُ هو نفسُهُ، لكن زوايا الرؤيةِ مختلفة). ■1 ■■ فوجئ عثمان بن عفان ووجوه الرجال كلها تتوجه إليه ، وهو الجالسُ بصمتٍ وبهدوء ، والذي لم يأبه كثيراً ، أن عبدالرحمن بن عوف يقودهم إلى مجلس الرجال المتجمعين : كان المجلسُ حاشداً والكلُ يرتقب المشاورات المطولة بين كبار الصحابة في الغرف الخلفية . كانت صيحاتٌ غريبة تصل إلى أذنيه . هذا صوتُ عمار بن ياسر يرتفع : - ليس ثمة أفضل من علي بن أبي طالب . . تعودُ الخلافة إلى أهلها ! فترتفع صيحات ويميز صوت عبدالله بن أبي سلول : - عثمان بن عفان لها ، هو راعي المكارم . . وثمة صرخات تردُ عليه : - أسكت ! أتعلمنا أنت ؟ وعبدالرحمن بن عوف يستدعي علياً ويغيب عن ناظريه وتغيب الأصوات سوى همهمة لا يتبينها ، ثم يسمع صوت عبدالرحمن : - تعال يا عثمان بن عفان ! إذن لم ترسُ على علي . . هي لك يا عثمان . . هي لك بإذن الله ! ويمشي بهدوء وبطء نحو عبدالرحمن الذي يتكلم قائلاً: - أتمضي على سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ؟ - نعم بإذن الله ! يقول عبدالرحمن : - إنني أبايعك خليفةً للمسلمين ! أي حدثٍ هذا ؟ أي قمةٍ يرتقيها الآن ؟ بعد الرسول وأبي بكر وعمر ، هو يرتفع إلى ذروة الإسلام ، وهؤلاء الرجال الكبار ، الذين انغمروا في الغزوات والفتوح ، وخاضوا في برك الدم وجبال العظام البشرية ، وصيحات الأشباح ودخان الحرائق ، يتنحون وهو الرقيق الرفيق ، الذي بالكاد كان يذهب لمعركة ، أو يرتفع فوق الهامات والأجساد ليقول خطبة عصماء ، أو يلتف وراء التلال ومستنقعات الدم ، هو العائش دوماً بين الحرير والخز والأكياس وجوالات القمح ، يــُوضع على الكرسي الرفيع لتحدق فيه الأبصار وتنتظر كلماته الأسماع ! وينظرُ متردداً متوتراً متعرقاً سعيداً بهذه الوجوه التي يحبها والتي قدرته فوق نفسها ، ورفعته إلى المكانة العليا ، وخجلاً منها لأنها فضلته على أنفسها ! يصافحونه واحداً واحداً . هذا هو التاريخ يخطو من القوة والألم إلى الرفق والحب ! كلُ يد لها ملمس خاص ، وتضاريس ، وظلال . . هذه يد سعد بن أبي وقاص ، هذه يد من أطلق أول سهم في حروب المسلمين ، ودافع عن مقام النبوة ، وانطلق يجمعُ الصدقات ، ويجيشُ الجيوشَ ، ويندفع في أرض العراق كعاصفةٍ من الرماح والسيوف ، إنه يضع هذه اليد التي أطاحت بقادة فارس الكبار ، في يده هو ، وهو يبايعه أن يكون زعيماً له وللناس كافة . . وهذه يد علي بن أبي طالب ، هذه اليد القادمة من ساعد كبير القوة ، والتي تمسكُ يدَهُ بتوترٍ شديد ، وكأنها لم ترد أن تضعَ نفسها هنا ، هذه اليدُ التي حملتْ سيوفاً لا أول لها ولا آخر وهي تضربُ المناوئين ، وتفتحُ الدروبَ المغلقة بالحصى والأشواك والحديد ، ألم يكن هو الأجدر منه بهذا المنصب الجليل ؟ ماذا فعل هو من فعالٍ ليتبوأ هذه المكانة العالية بكل ما تتطلبهُ من جسمٍ مدرع ونفسِ صخرةٍ وهمةٍ وثابة وقلبٍ جسور ؟ أهم يتخلون عنها لكي يختبرونه أو هو حلم أم أن السلطة الآن تحتاجُ إلى شيءٍ آخر غامض لا أحد يدرك كنهه والكلُ يريده ؟ ! وهذه يدُ الزبير ، يد امتلأت بالبضائع وأيضاً بالسيوف واغتسلت بالدماء . . يتطلع فيه بكراهية لا تـُخفى ! إن الكلَ يتفوق عليه في هذا المجلس ، الكل وراءهُ سلسلةٌ من الأنوار والأعمال والخصال . . ولكنه أيضاً لا يقل عنهم مكانة وتضحية ، كانت الدعوة تنمو بكلماتهم وسيوفهم ، وبكلماته وأمواله التي تتدفق لتشتري السلاح ، وتجندُ الرجالَ ، وتساعد الأرامل . . كان هو خلفهم يغوصُ بين أكياس القمح والسكر وسلال الفواكه ويعصرُ من لحمه لكي يغذيهم ويشتري سهاماً لهم . وكلما صاح الصائح من يسدد هذا الثمن وله الأجر يندفع هو ، وكلما اشتد الجوع جاءت قوافلهُ محملة بالطعام ، لها أول وليس لها آخر . . لقد كافئه القومُ أخيراً ، عرفوا قدره الكبير وهو منزوٍ بعيدٍ عن تدافعهم على الكرسي العالي ! وأي دوي سيكون لهذه المصافحات الآن وراء هذه الحجرة ، وكيف سيرى أهلهُ إن أصبح الخليفة ، أمير المؤمنين ، وإن الناس تنتظر أفعاله . . وكيف ستزغرد أم عمرو وكيف سينفجر أبناؤه بالفرح ! لم يضع أبوكم حياته سدى ! كان علي بن أبي طالب يغمغمُ موجهاً كلماته لعبدالرحمن بن عوف : - كلما اقتربتْ الخلافة منا أبعدتموها عنا . وأنت لم تحولها عني إلا حتى تقربها لنفسك ، ولكن صبراً جميلاً ! ماذا يقول علي وعن ماذا يتحدث ؟ هل هناك مؤامرة عليه ؟ وهل هم يقصدون إزاحة علي ليضعوه هو ويتعبوه بهذه السلطة ويكيدوا للآخر السامي والرفيع والجليل ؟ ! لا لا أظن ذلك ، ولكنها العواطف الجياشة السريعة التقلب . . إن الوجوه ليست فرحة ، بل هي جامدة كأنها تقوم بعمل مفروغ منه ، وكانت الكلمات تملأ رأسه كثيراً قبل هذه الجلسة ، فسعد يندفع نحوه ويسأله كثيراً ، ويحاول أن يسبر غوره : إذا لم تختر نفسك فمن هو الأقرب إلى ترشيحك ؟ وعبدالرحمن بن عوف لا يتركه وعمرو بن العاص يزوره كل يوم . . ويجد أقرباءه قد داوموا على الالتصاق به أكثر مما فعلوا خلال السنين الأخيرة ، ولا يكاد مروان بن الحكم يفارقهُ ، وهو يهمس في أذنه ( من يستطيع أن يتبوأ مركز الخلافة العظيم غيرك ؟ سماحتك ونبلك واتساع صدرك صفات تتجمع فيك دون غيرك فتجعلك سيرة جديدة في التاريخ ! ) . . ومشت الثلة ، وفتح عبدالله بن عمر الباب وخاطب الحشد المتجمهر من الناس : - اتفق المجتمعون على . . أختيار . . حدثَ صمتٌ رهيب . - على أختيار . . عثمان بن عفان خليفة . . للمسلمين ! اختلطتْ أصواتٌ متضاربة ، وتفجر كلامٌ متقطع ، واندفعتْ صيحات ، وجرى تهليلُ جماعةٍ صغيرة راحت تصخبُ بأصواتها . . وهو يخرجُ للناس ، لهذا الجمع الغفير الذي ظلَّ مُعسكِراً أياماً عدة ، وكانت غمغتهُ يسمعها جيداً ( ليس ثمة أفضل من علي ) ، ( سعد بن أبي وقاص لها ) ، وليس ثمة أحدُ يرفع أسمه سوى بضع أفراد من أسرته ، كأن هذا الجمهور الآن قد فوجئ كثيراً باسم الرجل الذي تم اختياره . وراح عبدالرحمن بن عوف يشرح متى تم اختيار عثمان وكيف أنه وافق على احتذاء سيرة الراحلين ابي بكر وعمر، في حين قال علي أنه سيعملُ برأيه ، وقال عبدالله بن عمر شيئاً لم يسمعه ، ولكن الوجوه الكثيرة التي أمامه كانت مذهولة ، وكأنها تبحثُ عن شخصهِ الضائعِ بين العمالقة ، ولم يكن هناك فرح بل حل صمتٌ عميق ودهشة ضارية ، بل وحزن كبير ارتسم على بعض الوجوه ! أيكونُ يومُ ارتفاعهِ إلى سدةِ الحكم يومَ حزنٍ لنخبة أهل المدينة ؟ أهذا ما يستحقهُ ذو النورين ؟ إذن لم دفعه أولئك الأربعة الكبار إلى الأمام وجعلوهُ يقفزُ على مكانةِ علي ، ثم بدا أنهم أمام الجمع تخلوا عنه ؟ ! وراح الناسُ ينتظرون ما يقول ، وهو حائرٌ ، مندهش من أن عليه أن يرتفع فوق المنبر ويخطب ، منطلقاً بكلمات كبيرة ، لا يعرفُ كيف تتجمعُ في رأسه ، وهو ليس لديه سوى كلمة واحدة ( سأعمل بما يرضي الله ) أو ( لن ترون مني سوى الخير) ، وليس ثمة شيئاً آخر ، وأدرك إنه فوجئ بهذا الاختيار ، وإن المشي على سكة عمر بن الخطاب مسألة صعبة بل مستحيلة ، لكنه وافق على ذلك ، ولكن في قرارةِ نفسه صمم بأنه لن يفعل شيئاً سيئاً ، بل سيريحُ الناسَ أكثر مما يعتقدون ، وأنهم سيجدون أيامه أفراحاً مستمرة وراحة عظيمة، فليتنفسوا الصعداء إذن . . أما هو فليس صاحب خطب وبيان بل صاحب عمل وسيرون ! ■2 ■■ النجومُ تقولُ شيئاً آخر ، والضبابُ الغريبُ يشعُ بأسئلةٍ ، وعليٌ يمضي مع بنيه وصحبه ، تحدقُ فيهم أضواءٌ وتتسلطُ عليهم ظلماتٌ مباغتة . صمتٌ عميقٌ وهم يسيرون معاً ، والحصى يئزُ من تحت نعالهم ، وطرقُ المدينة هي نفسها ، والبيوت بجدرانها ، ولكنها غدتْ غريبة ، لم تعد الوجوه أليفة ، ولا الأصوات ، فأين ذهب الناس ؟ أبناؤه صامتون وأقرباؤه وجماعته يحيطون به ، وهو حزين ، وحين يفتحُ البابَ ويرى عمه العباس ، يقول بصوتٍ أليم : - شيءٌ غريب . . ومذهل ! كانت الأخبار تمشي ببطءٍ شديد ، يحملها الخدمُ والأبناءُ والأصدقاءُ بصعوبة وهم يتوقفون ويتحدثون . قال عمه بصوتٍ خفيض : - مرةً أخرى أُبعدت عن الخلافة ! - لكنها ليست كالسابق . . إنها الآن ضربة قاسية . . شيءٌ لا يصدق يا عماه ! ترنح أبناؤه وجلسوا بصمتٍ ، قال علي : - كأنهم اتفقوا أن يبعدوها عني بكل طريقة . . ولم يجدوا سوى عثمان لكي يختبأوا وراءه ويسلمونهُ أمرَ المسلمين . . فيا للكارثة ! وحدقَ فيه الجميعُ بذهول . إن وجهه المنفعل لم يكن يوماً بهذا الوجع ، وحتى في المآسي الكبيرة التي تغلغلتْ بأنصالها في لحم العائلة لم تغرسْ أوجاعَها بمثلِ هذه الشدة ! خفف الحسنُ من المصاب قائلا : - إنه رجلٌ كهل وما يلبث أن يرحل . . صرخ علي : - هذه هي المشكلة . . رجلٌ كهل طيب ، عاش حياته بعيداً عن عواصف الحكم ، ولم يمشِ في أشداقِ الوحش ، ولم تنغرز فيه الحرابُ ، ولم يتحول جلده إلى صخر صلد . . والسلطة مجموعة من الخناجر والحراب . . وما تلبث الذئاب أن تتدفق من كل حدبٍ وصوبٍ . . وبعدئذٍ سنجدُ جبالاً من الشكوك بيننا ، ويتجول اللصوصُ بين أسرتنا ، ومشاعرنا ، وغرفنا ، وأولادنا . . ! نهض العباس من فوق مقعده وقال بحماس : - هل هي المرة الأولى التي نكتوي فيها بأفعال بني أمية . . ؟ منذ أن اندفع أمية ذلك الرجل الدميم القصير الأعمى في هذه المدينة وراح يتاجر بالأعراض والأشياء ويرتبط بالخدم والغرباء وبنو هاشم على خلاف معه ومع أسرته ومنذ أن نــُفي من مكة إلى الشام وهم أقوياء يتاجرون بكل شيء؛ السلع والأخلاق !. . هل تعتقد أن هذه العداوة بين أهل الفجور والظلم والظلام وبين أهل العدل ستزول ؟ هل تعتقد بأنهم يتركونها لك ؟ ! - لا أظن ذلك ! - إذن أتركوه وقاطعوه . . دعهم يغرقون بسوءِ أعمالهم ! صمت علي مفكراً بتوتر وعمق . قال الحسن بهدوء : - لا بد من تقديم النصيحة له يا عماه ! - أي نصيحة تقدم لهؤلاء القوم الذين امتلأت قلوبـُهم بالعداء للخير . . وقفوا طويلاً ضدنا وحاربوا الإسلام بقوةٍ . . وامتلكوا كلَ شيء ، وتسللوا في كلِ مكانٍ في عهد الشيخين . . وأبعدونا . . وحكموا الأمصارَ وجمعوا الأموالَ كالجبال وها هو معاوية يحكمُ دمشق منذ سنين ينتظر مثل هذه الفرصة الكبيرة . . لن يبقى لكم شيء يا بني هاشم . . منكم الرسالة وعليكم العناء والعذاب . . ! قال الحسين : - لكن يا عماه عثمان بن عفان لم يكن مثل هؤلاء . . لقد كان يتيماً مثل النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم وعذبه عمهُ وقومهُ أشد العذاب فصبر وقاوم . . ثم هاجر إلى الحبشة مع من هاجر وتعذب مع المسلمين الأولين ، وعاد وهو متزوج لأبنة النبي وعاش في المدينة جنباً لجنب معه ، وتفقه في القرآن . . ثم ماتت أبنة النبي فزوجه أختها ، فكيف يمكن أن نساويه مع أولئك القوم القساة الفاسدين . . . ؟ ! رد العباس بقوة : - لا يخرج الإنسان من عشيرته ، وسيظل ملتحماً بها . . لن يكون عثمان سوى أموياً مهما طمعتم في أخلاقه وشمائله ! قال الحسن : - أضيفُ إلى كلام أخي إن الرجلَ كان شديدُ الكرم والعطاء . . فإذا أحتاج جيشُ المسلمين إلى سلاح كان متبرعاً ، وإذا دهمت الناسَ مجاعةٌ أسرع بتوزيع طعام قافلته على الجياع والمحتاجين . . وإذا أستغل تاجرٌ خبيثٌ بئرَ الماء التي تسقي الناس سارع بشرائها وجعل الماءَ مجاناً يشربُ منه الجميع ، وفي كلِ شربةِ ماءٍ يقول الإنسان ليرحمك الله يا عثمان! هل هناك فضائلٌ أكبر من هذه ؟ رد العباس : - وكم كان يلحُ على إعادة عمه الحكم بن العاص من الطائف . . وذهب للنبي وأبي بكر وعمر من أجل إعادة ذلك الرجل الذي أرهق المسلمين بتعذيبه واعتداءاته ! بل وحاول أن يجعل أخاه في الرضاع عبدالله بن أبي السرح الذي افترى وأدعى بأنه يـُوحى إليه كذلك وهو مجرد كاتب وحي . . سعى عثمان بنفسه حتى يُعاد إلى صفوف المسلمين والمبرزين فيهم ! هذا أخوه في الرضاع فكيف أخوته من اللحم والدم ! صمتَ الجميع . كان العباس بجذعه القوي كأنه شجرة قديمة ، تظللُ هذا الحشدَ من بني هاشم ، بالورق والظلال والمعنى . وحين وجدهم صامتين تطلع إلى علي قائلاً : - أقول أنه لا ينفع مع هؤلاء غير القوة والشدة ، فإذا تماديتم في طيبتكم ومددتم يد التعاون قووا أنفسهم وغلبوكم . . وعثمان بقعةٌ سوف يتجمعُ عليها كلُ ذباب بني أمية وغيرهم من الطامعين ، قد لا يكون من جنس الذباب . . لكنه سوف ينثرُ لهم كلَ سكر يستطيعُ أن يمدهم به . . فيتغلبون عليكم ويحكمون للأبد ! ■3 ■■ انفتحت السماءُ بأضوائها ونجومها له . تدفق غناءُ الرعاة وصدحت الطيورُ والشعراء ، ونـــُـثرتْ نقودٌ صغيرة للأطفال فضجوا بالصياح وامتلأت أفواههم بالحلوى ، وأندفعتْ نسوة بدفوفهن وأصواتهن وتحرك الشجرُ والثمر إلى الساحة والأفواه والأرواح ! ليس ثمة مثل عيشك يا عثمان ، تمتد بيوتك وبضائعك وشبكة نقودك إلى التلال والأقمار ، ويرتفعُ جسمك مهيباً جميلاً مضيئاً ، وتغدو الأطاييبُ جزءاً من غذائك وكلماتك ومشاعرك ! لتمتد أياديك البيضاء إلى الرفيعِ والوضيعٍ ، لترفع الغمَ عن أهلك ، وتجعل الكلمات الطيبات تنتقلُ إلى الأمصار وإلى الناسِ الجياعِ للنور والسعادة ، ليعش الجميع في رفاه العيش وكرم الله الذي أسبغه على الناس . . كل الناس ! يتدفقون من كلِ حدبٍ وصوب ، أهلك يطلعون من تحت الرمال ومن بين القصور وعبر الفلوات ، يزحفون ، يطيرون في لحظات وامضات . . هم الذين عذبوك وعزلوك ، وزوجوا أمك لرجلٍ قاس ، لكنها لم ترضخ له ، وظلت تحبك ، وها هم الآن يصفقون لأي نأمةٍ تنطلق عفو الخاطر من شفتيك ، وتنفتحُ صفوفهم حالما تخطو ، ينحنون ويقترحون بأصواتٍ هامسة ، ويدنو مروان بن الحكم ، يهمسُ : - يا أميرَ المؤمنين . . ياه . . ما أورعها وأعظمها من كلمة ! التاجر الذي كانت تخفيه الأكياسُ وطاقاتُ القماش يغدو حاكماً على خريطة تمتدُ من أقصى فارس حتى المغرب ! لينتبه إلى ما يقول هذا القريب العزيز : - يا أمير المؤمنين إن عمك الحكم يرجو أن تسمح لهُ بالمجيء إلى المدينة . . بعد نفي طويل . . وبعد أن صار جزءاً من نسيج المسلمين . . حدق فيه بهدوء ، إن الوجه النضر المشابه لوجهه حين كان شاباً ، يذكره بهذه السحنات الأموية المتقاربة ، حين تكون بهية ، كأن دوراً كثيرة وعشيرة كبيرة تتنفس معه الآن ، كأن صيحاتها في الأفراح ودفء أجسادها في الشتاء ، كله يتفجر الآن أمامه . . والحكم بن العاص كم آلم الناس وعذب ولكنه صار شيخاً في الغربة ، فمن سيضر الآن ؟ ولم ذلك العقاب الذي انتهت أسبابه ؟ وكم تشفع له عند النبي وأبي بكر وعمر ولكنهم رفضوا ، فهل يخالف أمرهم في غيابهم ؟ ! ألن يكون هذا مخالفة صريحة لأوامر جليلة مقدسة ؟ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال تكونُ عودة الحكم بعد موتي . . قال له ذلك والآخرون لم يسمعوه . . فكيف لا ينفذ قوله الآن ؟ راح يفكرُ ، أين هي المخالفة الآن ؟ من هو الحكم بن العاص هذا الذي يـُخشى جانبه في هذا الزمن ؟ وتحلق أبناءُ الحكم بن العاص حوله ، وأقرباءٌ آخرون ، وراحوا يتكلمون كأنهم ينطقون بما في ضميره : - لو ترى الحكم الآن . . لن تعرفه ! - لقد هدهُ المرضُ والشيخوخة . . - لم يعد العقاب ذا معنى الآن ! - ألا ينتهي هذا الجور على بعض أبناء بني أمية ؟ - إنه أطول نفي . . ! هذه هديته الأولى لأهله : - دعوه يرجع ! كبروا وهلهلوا ، وجاء نفرٌ من المحتفين وراح يسأل عن هذه الأصوات الفرحة ، وفوجئ بعضهم بهذا القرار ، وغمغم أحدهم : - ولكن هذا نقضٌ لكلام النبي والشيخين ! وجاء عبدالله بن مسعود بين الرجال الطوال يبحث عن فرجةٍ بينهم وصاح : - ولكنك بهذا تغيرُ ما قالهُ السلفُ بشأنِ هذا الرجل ! صاحت أصواتٌ مستنكرة على عبدالله ، وتحلقوا حول عثمان بقوة . أخذه بهدوء وهو يقول : - سوف أغيرُ أشياءَ عديدة من الأمور السابقة ، فقد جرت أمورٌ جديدة وعم الخير ولا بد أن أقوم بتقويم بعض السياسات التي أرى أنها يجب أن تتعدل الآن . . ليس من المعقول أن أقوم بأسر الصحابة في المدينة والحجاز وأمنعهم عن الحركة والتجارة وعن نشر علمهم بين أهل الأمصار المحتاجين لكلماتهم وفقههم . . ! تطلع فيه عبدالله بدهشة وصاح : - أستفعلها ؟ أتعطينا الحرية حتى بعد أن منعنا عمر رحمه الله ؟ ! - نعم ، لكم مطلق الحرية أن تسيحوا في الأرض وتكسبوا عيشكم وتعلموا الناس اللغة العربية والإسلام في مشارق الأرض ومغاربها . . ولكن لا تتاجروا بدين الله ولا تقولوا إلا الصدق . . فرح عبدالله وقال بحماس : - والله إنك لسمح وجليل ! ■4 ■■ مهماتٌ جسيمة تتفجرُ بكلماتك في كل مكان من الأرض . تنهضُ مبكراً وتصلي ، وتجلسُ في دار الحكم ، فتندفعُ الرسائل والسعاة والخيول في كلِ عروقِ الجسد المثخن بالجراح والألم والحلم ، فينتفضُ جيشٌ عربي مغطى بثلوج أرمينيا ، ويندفعُ في الحقولِ والمدن ، فتتدفقُ الخزائنُ والمعادن في خطوط الفضة التي تصل إلى الناس وإلى هذه الصناديق المليئة ، ويندفع بحارة ونجارون في الإسكندرية واللاذقية يصنعون من الخشب سفناً ، تمخرُ عبابَ البحر فترددُ الأمواجُ كلمات النبي الأمي العربي . . صرخاتٌ من بعيد توجه لها النقودَ والطحينَ والبلح ، ولكن مهمات المدينة لا تهدأ ، وعبيدالله فكرتَ فيه كثيراً ، حين غرز سيفهُ في جسد الهرمزان ، وجفنية وأبنته وفي مارة أبرياء ، ودون أن تكون خليفة ، وحتى وأنت تسمع حكم عمر ، قلت هو حكمٌ قاس رهيب ، لا تستطيع كلمات روحك أن تحوله إلى لفظ على لسانك . . ( ياه ما أشق كلمة القتل . . كيف ينطقونها بهذه البساطة . . وما أعظم ما توصلتُ إليه ، تحملتُ دية القتلى وأطلقتُ سراح عبيدالله فاندفعت الألسنة تهجوني . . ما أشد علي أن أقتل أبناً لعمر ! فليرجفوا ما يرجفون ! ) . طرق أحدهم الباب فانفتح عن مروان بن الحكم ، الذي اندفع مصافحاً ومقبلاً . إن هيئته تجسد الأخبار السيئة بهذا الألم الدفين تحت جلده . يسألهُ : - هل تعتقد أن عبدالله بن أبي سلول يصلح لإمارة . . ؟ تجهمَ وجهه أكثر : - يا أمير المؤمنين إن ثمة زوبعة عليك لأنك أطلقت عبيد الله بن عمر بعد ثلاثة أيام من جريمته والآن تريد أن تعين عبدالله والياً ! - إني لي نظرة في هذه الأمور . . لماذا إذن صرتُ خليفة ألكي أتبع ما فعله غيري ؟ - ولكنك قلتَ يا أمير المؤمنين إنك سوف تتبع ما فعله الشيخان ؟ - نعم . . لقد طلب عمر أن لا أغير الولاة الذين اختارهم للولايات ولن أغيرهم لمدة سنة كما طلب لكن هذه ولاية مصر تشكو عمرو بن العاص وإدارته فيها . . وأنا سوف أجعل عبدالله بن أبي يشاركه في الحكم فيها ! كاد مروان أن يترنح . تطلع فيه كأنه غير مصدق وهتف : - يا ابن عمي العزيز لا تزحزح عمراً بن العاص هذا . . هذا قريبك وصاحب عقل يفتُ الجبالَ . . كما أن الناس سوف تلهجُ أكثر بنقدك بعد أن قمتَ بهذه الأمور الجديدة التي لم يصدقوها واعتبروها بدعاً خطيرة ! فكرَ بتمعنٍ : هذه أمورٌ مهمة ولكنها ليست جسيمة ومع هذا ألقى في كل لحظة الاعتراض . . ماذا لو قمتُ بخطوات كبيرة ؟ يريدون من عثمان أن يكون شيئاً أجوف يردد ما يقوله الآخرون ، كأن هذه السنوات وانت تسيرُ وراء الآخرين حولتك إلى ظل لا ذات فيك ، إنهم لا يريدون الاعتراف بأنك صاحب شخصية مستقلة كبيرة كذلك ! نهض وقال : - لن أتسرع في شأن مصر وشأن عمرو بن العاص . . ولكن في شأن الكوفة لن أتردد ، وسوف أعين سعداً بن أبي وقاص والياً عليها . . - لكن واليها المغيرة بن شعبة موجودٌ هنا . . ! ؟ - تعرف المغيرة والظلال الغريبة التي أحاطت بعلاقته بالهرمزان المقتول . . وما فعل سابقاً في الكوفة من شبهات أخلاقية ! - أنت يا أمير المؤمنين تقرب الحطب من النار . . المغيرة هذا داهية ومشكلة وإذا عاديتهُ فسوف يثيرها عليك ، وكذلك عمرو بن العاص . . ! - لا عمرو بن العاص كما قلت لك سوف يتأخر أمره . . ولكن لنكتفي الآن بإصلاح الكوفة التي لا ينصلح أمرها أبداً لكن ربما عليّ يحدثُ ذلك . . هتف فجأة : - التسامح والصفح يخرق الجبال ! صمت مروان وصدره يغلي وأنفاسه لاهبة ، فتطلع إليه بشفقة : - ماذا بك يا ابن عمي . . هذه سياستي وأنا مسئول عنها ولا أخاف سوى رب العالمين ! - ولكن يا أمير . . المغيرة هذا . . سوف ينشر النار في كل مكان ، وعمرو بن العاص لا تستطيع . . وصمت . . ! - ماذا بك أكمل . . تقول إنه أذكى مني وإنه سوف يحرجني ويقلبُ الناس ضدي ؟ ! ليكن أنا بفعلي للخير سوف أتغلبُ على كل هؤلاء ! جاء عاملٌ وقال أن ثمة جمعاً يريد مقابلة الأمير . . قال مروان : - ها هم قد بدأوا . . ! صاح عثمان : - أدخل الناس ولا تجعلهم يقفون على الباب ! دخل الحشدُ المتوقع المتوتر الأعصاب المتقلب الوجوه ، من الطيب إلى الماكر ، من الساذج إلى الذكي ، من الخير إلى الشرير . . علي بن أبي طالب يتقدمهم فيندفع إليه محيياً ، ويسلم على الآخرين بمودة ، ويدعوهم للجلوس . . يقول علي باستياء : - لقد قلتَ بأنك سوف تعمل بسنة الشيخين وفي أول لحظة تحكم نقضت هذه السنة نقضاً شديداً وأطلقت عبيدالله بن عمر ، وهذا القاتل يتجولُ الآن في المدينة حراً متباهياً بفعلته . . وغمغم الآخرون مؤيدين . هذا عمار بن ياسر لا يقول عليٌ شيئاً حتى بادر إلى ترديده ! قال : - يا أخوتي لقد وجدتُ نفسي في موقف صعب خطير ، فالخليفة السابق قـــُتل بيد ذلك المجرم وربما بتآمر من أولئك الأشخاص ، وعبيدالله أندفع ، وقتل منهم من قتل . . وقطع علينا خطوط معرفة أولئك القتلة . . فلا أظن أن الأمر يقف عند حد أبي لؤلؤة ذاك المجرم . . بل الأمر يتخطاه كثيراً . . فمن هو الهرمزان هذا ؟ هو قائد فارسي أثخن المسلمين بتمرده وخياناته . ! هل يندم عليه أحدٌ ؟ وصاح أحدهم : - ولكنه أسلم . . ! قال بقوة : - وكان ينفثُ مثل الحية . . وكذلك وجدتُ نفسي إن عمر قد قــُتـل أمس فأروح أقتل أبنه اليوم ؟ ! قال علي : - ليس علينا إنه ابن عمر أو ابن غيره . . ونحن أمامنا قضية قتل قام بها إنسانٌ ما ، دون أن يتبين شيئاً من حقائق عن الناس الذين أقتص منهم ، وهو لا يحق له القصاص أصلاً ، وبهذا كله فهو مجرم شرعاً . . ولا يجب أن تتركه مطلق السراح ! صمت عثمان لحظة مفكراً ، وهو يرى الحضور قد تطلعوا إليه بشيء من الريبة ، فقال : - إن الأمور لا تــُؤخذ بمثل هذا يا علي ، فابن عمر هو ابن خليفتنا الراحل المهدور دمه ، على كل تضحيته وبلائه وخدمته للمسلمين ، وهؤلاء حفنة من المتآمرين الحاقدين لا نعرف لهم ذمة ولا أخلاق ، فهل ننتقم من ابن عمر ونسيء لذكراه ؟ وكذلك فإنني اعتبر ولي الأمر وأعطاني الشرعُ إمكانية العفو والدية ، فأعطيت أسرهم تعويضاً كبيراً ، فسويت المسألة تماماً . . الصفح والتسامح أهم من الأنتقام والقصاص ! قال عمار : - هل تريد أن تسوي كل شيء بالمال ؟ أضاف علي : - لهم ذمة وهم متساوون هنا معنا في حقوق الحياة ، فهدر دمهم مثل هدر دمنا ، وأنت لم تنفذ القانون يا أمير المؤمنين بل نفذت أوامر القرابة فنقضتَ العدلَ ! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ■عبدالله خليفة: رواية عثمان بن عفان شهيداً ، دار رياض الريس للكتب والنشر 2008 . ■كاتب من البحرين

أضيفت في 01 سبتمبر 2018 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 71
إنهم يهزون الأرض ! عبدالله خليفة في مجموعته القصصية «إنهم يهزون الأرض !» الصادرة عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع يكتب عن ذاك الفتى الأسمر المحب لقصائد الحرية وللياقات الزرقاء وليالي الحارات القديمة.. يكتب عن العاشق للموسيقى وهو يقهر الحزن والصمت بين جدران الزنازن من أجل الحرية والمساواة. ومن أجل حياة سعيدة ورقي إنساني لم يتوقف عن فك الحروف الموسيقية والرقص في تلك الجزيرة البعيدة. يقول خليفة: في تلك العشش التي نبتت في جوار البحر مع اليابسة، في ذك الخوص المشتعل في القيظ وجد نفسه يخرج من بطن أمه الأرض وهو يرقص! عارياً في المياه يستعيد رحلة العبيد المسلسلين في السفن، يمسك أداته الموسيقية ويعزف في كل الدروب، في يقظة الخلايا، بجسمه القصير، وبوجهه الأسمر وعينيه النفاذتين كأنه فهد يطالع الأشياء والبشر، يغرز حربته في التراب والورق وخرائط الأرواح. وفي حديثه عن إبداعه الخلاق المتدفق يقول في زنزانته في وسط jail كما يردد السجناء يشعل النور في ظلمة الجزيرة، ويكتب في دفاتره التي لا تنتهي، ويحدق في الكتب الاجنبية يستل حروفاً وكلمات، يترجمها، يعربها، يُحضر عالماً من الفرح والأنين والغناء والهمس وانفجارات الموسيقى بين بحر من القتلة واللصوص. كما يحكي خليفة عن ولادة ذاك الفتى الأسمر والعشش وأمواج الطبول والطارات والأقدام العارية والرقص الجماعي الذي يدور حول صارية، حول ثلة تضرب الجلود بقوة لتهز الأرض، تدور حول صارية السفينة التي تاهت في البحار، وعن نساء ورجال يرقصون، يفرحون، يتجمعون، يأتون من كل مخزن غارق تحت الأرض ومن الحفر ومن الموانئ التي سلخت ظهورهم ببضائعها وشمسها، ويطلقون الأرواح المحبوسة فتصير وردة او تصير سكيناً تغوص في صدر ما، او تصير نشوة في كوخ يضج بعدها طفل بصراخ الولادة او تصير لحناً يبتكر المشاعر. وسيتطرد خليفة في سيارة الشركة الطويلة، وامتدادها الثعباني السائر نحو البرية، هذا الثعبان الذي يبلعهم كل يوم، ليقذفهم في الصحراء، يخرجون ذلك الساحر من بطن الأرض ليضعوه في البراميل والأنابيب، كان يعزفُ، العمال الذين تهدهدهم سيارة (سالم الخطر) وتتقلب بهم، وينعسون، يوقظهم مجيد بصراخه وعزفه وضحكاته، كانوا ينتزعون الساحر الأسود الذي لعب في الأعماق، ويحيلونه الى أسماك صغيرة في أيديهم. ويستطرد ايضاً أمه الصامتة الهادئة، تترنم بالفارسية والعربية، صنعت أولاداً انغمروا في العيش الصعب، لا أحد يسمع ما تهمس به، لا تغضب من رفاقه الذين يتدفقون على بيته، يجثمون ليتكلموا كثيراً، هو ينتزع منها تلك الأغاني التي ضاعت في البراري والجبال والسفن الغارقة، وحملها المهاجرون الى أصقاع البحر النائية، يدونها، يحرك موسيقاها الداخلية، ويجلب المعاجم، هذا الفارس العربي العالمي، هذا الأسود القمحي المضيء يدس رأسه الصغير في جبال الكلمات، وسيجارته لا تفارقه، Lucky Strike الامريكية الحمراء، عدوة الإضرابات والصدور، يصنع الشاي الأحمر المميز، ويرى نفسه يصعد، يصير بتهوفن آخر في الشرق، العازفون حوله، وهو يصعد المسرح، الخشبة عالية، وهو يمسك عصا المايسترو ويحرك العالم والبشر بموسيقاه. ويقول عنه في تلك الجزيرة يطلق صرخاته ومعزوفاته الهادرة، يحرك يديه ويخرج المايسترو من بدلة السجن المهترئة، التي فقدت لونها في ما قبل تاريخ الألم، ويتراءى وله حشد من العازفين، واللحن يهدر ويرتخي وينام وينقض على بقع الظلام ويصرخ في الأنام، فيرى السجناء موج البحر يتحرك وتمشي الجبال الصغيرة نحو الحرية، وتهرول ضفاف الحلم القريبة من مصائدهم وجراحهم الى النساء والشوارع والبيوت. قليل من الكوابيس تطارده، الكابوس المستمر جثومه في جوف السمكة الكبيرة العفنة التي تبدو أنها لا تمضي، متكلسة في المياه العميقة، وتفرز عليه أحماضها وصديدها وماء نارها، وهو يزحف في الظلام نحو سيارة الضابط الأجنبي، يصنع قنبلته، لتصعد السيارة في اليوم التالي الى الطابق الثاني من العمارة تنزل الملابس المعلقة والحديد، الشاب الغامض المجنون والغريب العازف، العالم الساحر، لم يظن أحد انه يفعل شيئاً، لكن العيون تسللت الى مخدعه، ينهض في عمق الليل وهو مغسول بالعرق والقيود تطبق على رقبته، ويرى الأمهات اللواتي تعذبن يمسحن ماءه. السنوات تمر وهو الذي كان يجرجر سلاله في الجزيرة تعب منه الحديد وغادره، ولم يرَ أمه وهي تموت في المستشفى نازفة آخر أمعائها، تلك المرأة الكستناء، بائعة الحلوى للأطفال في الحي بعباءتها الجاثمة على البساط، في الشارع المشعة، التي تواصلت معه طوال خمسة وعشرين عاماً تركته أخيراً، رحلت، وهو يصرخ عند الأسلاك الصدئة، والعالم نائم، العالم كله تركه، لكن السجناء جاءوا اليه في عمق الظلام والصمت. يهز الأرض بقدميه، تعب الزمان منه والوحوش التي أكلت من جسمه يئست، وغادرت قوقعته الضاجة، بالأنين والحنين والأصداء المخيفة، والأوراق تعبر الحدود، تسكن في مدينة السين والتماثيل، يظهر المايسترو هناك يتطلع الى ورق أصغر ممزق قادم من جزيرة صغيرة بحجم نملة في الخليج، يحدق فيه بإعجاب ويحرك عصاه ليحرك الأرض ويهز طبقات الصمت. لا شيء يبقى، لا شيء يزول، ومجيد راقد ينزف رئته من التبغ والموسيقى حوله صبية، وزوجه وأصدقاء كثيرون، يحمل جزيرته الشبحية الدامية معه كما يحمل النوتات والدفائر الكثيرة التي كتبها، وما تزال قدماه الشيطانيتان تدقان الأرض بتوتر. فهد المضحكي - البحرين

أضيفت في 01 سبتمبر 2018 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 68
«اغنية الماء والنار» السرد مع الشاعرية.. والقول دون افصاح! عبدالله خليفة في عمله هذا يتحرر من المساحة الضيقة في اللعبة الروائية كتب: أنور ثابت الماء والنار ، هذان الصنوان الازليان، حياة وفناء، سعادة وشقاء.. والانسان بحتمية وجوده، المبني على التناقض، يستعر مرة، ويسكن اخرى.. تستثيره هنيهات.. وتلطمه لحظات، فاذا هو محور الصراع والسباق، واذا هو الخاسر الرابح في آن معا، يسعى اليه وفي اعتقاده انه يختاره بإرادته، فيخيب في اثره، ليجد نفسه في خضم بحر متلاطم يتصارعه، فلا يملك الا حيلة الرضوخ والاستكانة، يلقى بأثقاله حيث القى الآخرون، من بني جنسه، بذواتهم.. لتتواصل الدورة وتلتحم ثانية، فتعيد المخلوقات تركيب وجودها، نقاطا وحروفا خطوطا واطارا.. حتى لتبدو الاشياء تتشابه وتتكرر، لا يميزها سوى لون باهت يشير اليها، والى انها غير تلك التي سبقت... وفي خضم هذا كله يبقى الماء والنار حيث هما من اسس الوجود.. ويبقى للمبدع ان يستشف من تناقضاتهما وتلازمهما مادة للحياة تقوم عليها.. فاذا هما مبعث وجودها، يتجاوران ويتوازيان، حتى عندما يتحولان الى سبب في الاندثار والتلاشي.. وهذا ما يحاوله عبدالله خليفة في روايته «اغنية الماء والنار» الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق... والكاتب اذ يغوص في لجة هذا الصراع، الاجتماعي منه بصورة خاصة، يتحرر من المساحة الضيقة التقليدية التي قد تحد من امساكه بخيوط اللعبة الروائية وتأثيراتها العامة. كما انه عندما يختار مكانا قصيا من الوجود يضاعف من ذاك التحرر، ويهدم جدران المكان، ويلغي حدود الزمن، ويبني مجتمعه المتصارع هذا، ويشكل اشخاصه بكل آمالهم وطموحاتهم... بكل نجاحاتهم وانكساراتهم، فإنما يضع في اعتبارنا ومنذ الوهلة الاولى اننا امام عالم باسره، تلاشت فيه الحواجز والحدود، يرسم الوجود منذ البدء مرورا بصوره المتعاقبة... وقد يستمر الى ما بعد الساعة. ولا غرو في ذلك. فالماء والنار لا ينتهيان كعصب للوجود، ومع زوالهما، لا مجال بعد لذكر الحياة بشتى الوانها او صراعاتها. الفكرة العامة التي تتناولها الرواية، قد لا تكون جديدة، فالكثير من الادباء على اختلاف اهتماماتهم ونتاجاتهم تعرض لها ــ الصراع الاجتماعي الطبقي... صراع الخير والشر... الا ان الميزة التي يمكن التوقف عندها هي الوسيلة التي عبر بها، كل منهم، عن الفكرة، او النهج الذي اختطه ليعبر من خلاله عما تصدى له وتفاعل مع ذاته.. من رؤى وتناقضات.. تدور احداث الرواية في مكان ما من العالم ــ قديمه وحاضره، وقد يكون «كما اسلفنا» مستقبله... اختاره عبدالله خليفة ساحل البحر... والمكان جزء متطرف من "مدينة" ولتكن قرية، البحر فيها محور الحياة ــ العطاء دون مقابل... ومجتمع هذه القرية، على الرغم من قربه للمدينة، ومجاورته لاحد رموزها، فهو قد اقام بينه وبينها بعضا من حاجز نفسي ذاتي، يقيه لفحها وانعكاسات اضوائها... ويحدث ان يتطلع نحوها ــ المدينة في ساعة ضعف مشوبة بالأمل والمنى ... ولكن سرعان ما يرتد عنها كما ترتد الصورة في المرآة، او تتقاذف ابعاد الوادي الصدى. تحكي الرواية جانبا منة حياة شابين في القرية.. تجاورا.. ترافقا.. شبا في بيئة واحدة.. الا ان معطيات الحياة وظاهرها ابعدت بينهما شكلا، وان غرست في نفسيهما قيمها وقسوتها، بل لهفتها على ان تنتشل ذاتها من المستنقع الذي فرض عليها، ومع مرور الزمن الفته حتى اصبح جزءا منها، فاذا خرجت منه او تناءت عنه، فقدت مقومات بقائها وحياتها.. فهي الاسماك... والمستنقع بحرها.. فيه كل ما يؤمن استمرارها، وحمايتها من الصياد المتربص بها، لا عن حاجة ماسة الى الاسماك.. انما عن لهو و«رياضة» محببة، من بين الهوايات، المتعددة التي يمارسها بعيدا عن البحر. راشد... السقاء «وهو لسنين كثيرة يحمل الماء ويغني، ويحكي القصص للأطفال ويشاكس النساء.. ويشعر ان كل شيء سيكون حسنا.. ومنذ ان رأى سيدة البيت الحجري الكبير، الجاثم بعيدا عن الاكواخ، كره كل شيء في حياته... مهنته «القذرة» واباه الذي لم يترك له شيئا، وامه التي ماتت مجنونة، وكوخه الصغير، ولياليه المملة». جابر ... «افضل منه، لقد تعلم، ولديه وظيفة جيدة... انه يستحقها خصوصا انه يحترمه ويزوره كصديق، ويعطيه بعض الكتب، كي تزداد قراءته قوة.. ». سيدة «البيت الحجري» الكبير... «من مكان بعيد، من مكان مقفر وموحش جاءت مع ابيها.. عرف الاب اعمالا عديدة، الى ان استقر في مهنته الاصلية. افتتح مخبزا صغيرا قرب غرفته.. ومنذ ذلك الوقت بدأت الصغيرة، تنمو، وتتألق مفاتنها، ويبرز جمالها.. وظهر الغني صاحب الجاه والنفوذ، ورأى الفتنة الصغيرة.. وبعد هذا، جاءت الشرطة لتلقي القبض على صاحب المخبز... وبعد مضي ايام معدودة، فوجئ الناس، بان الرجل لم يطلق سراحه فحسب..! بل اعطي ارضا كبيرة.. وما شاء.. انها تلك الارض الطيبة... انها هناك، تحمل الاكواخ والاحلام والبشر... » زهرة .. حلم راشد، لكنها لا تطالعه، «انها تسد انفها اذا مر، وتشيح ببصرها عنه.. لم تكن كبقية الفتيات، انها صامتة دوما... وجه صغير جميل، كل ما فيه في مكانه تماما.. » لكل من هذه الشخصيات احلامها وتطلعاتها، الا انها تجتمع في النهاية عند هدف واحد... التغيير... المزيد منه والصعود الى ما لا نهاية... بعضهم حذف من قاموس ايامه الوسيلة، ولم يعبا لها فالهدف هو الوسيلة والمغزى والنهاية... والبعض الآخر اقام من الوسيلة حاجزا بينه وبين تطلعاته وهدفه.. انه الصراع يبدأ من الذات اولا، ليطال من ثم الآخرين... وينتهي في الذات من جديد يدمرها، ويفتتها، ينثرها مع رذاذ الماء لهباً استمد وقوده من الآخرين.. راشد المتطلع دائما الى حياة اخرى، لم يعد يقيم وزناً لكل القيم التي حافظ عليها طويلا... وعندما تخلى عن ذلك «اعطته الوظيفة نفخة كبيرة على اهل الحي... فقد ايقنوا انه رجل فتحت له ابواب الجاه والرفعة.. في هذه اللحظات يود ان يمضي الى الازقة بكبرياء شديدة، فلا يتحدث الى الناس الا ببضع كلمات قليلة.." ولم يكن ليلتفت هنا او هناك.. تستمر احلامه وآماله حيث التصقت نظراته.. على جدران البيت الحجري، وتحول الى شبه تمثال تحركه عن بعد او قرب، لا فرق، انامل سيدة البيت. زهرة، برمت بأحلام جابر، فانقلبت على ذاتها وحبها، وتعلقت بحبال امتدت امامها مصدرها المدينة.. «كنت احبك كطفلة، ثم نسيت..! احببت الهدايا والنقود، ولكنني ما ان عشت مع الرجل حتى تذكرتك.. وفي لحظة ملعونة خفت ان افقد النعيم الذي وصلت اليه... كرهت كل شيء. لم اعرف حلاوة الاكل ولا النوم، زاد تمزقي، اصرخ احيانا: سيطردني هذا الزوج لأنني لا انجب! وذاك الحبيب ينتظرني.. ». جابر، سيدة البيت الحجري.. كل ما يزال سادرا الى هدفه... هو المتمسك بقيمه واحلامه، وكلما سددت صفعة اليه متمثلة بمن حوله، تلقاها.. حتى عندما شدته اليها زهرة.. كان يزداد ارتباطا بمستنقعه، نافخا في حلمه وامله الروح تلو الروح، على الرغم من الحشرجات التي تصم اذنيه بين الحين والآخر. ولما تمكنت من راشد وبه وجهت الصفعة الاخيرة، كانت ماتزال زهرة تعيش في ثنايا ذلك الحلم. ولكن قولها له «اذهب يا جابر في طريقك، لست لك ولست لي فلندفن الاحلام الى وقت تال... «دفع بشيء من الدمع ليتسلل من عينيه ويشكل سحابة على بصره. فسحب الدمع الى الداخل... "ليسدل ستار النسيان على الحكاية ــ ليوقف تشنجات وقفزات عضلات وجهه المتمردة.. ». ومثل الاكواخ بعد ان التهمتها النيران، حاول ان يقف على الارض بثبات... فقد تجسدت له قصة الحب هذه لعبة حقيرة. كالنار التي سرقت الاحياء.. اما قلبه هو فليحترق كما احترقت الاشياء التافهة التي يملكها.. لا. لا. لا يمكن ذلك، والا تساوت كل الاشياء: الحب والكراهية، التضحية والدناءة، الورد والرماد، الماء والنار... لتبلغ النار ذات راشد بعد ان التهمت ما حوله.. «ولكن دعوني للأرض الواسعة المتفحمة. انني لم اعد افرق فيها بين الدم والفحم. انصهرت الاشياء فصارت فراغا. سوف اذهب بعد قليل الى حورية البحر. سأغطس وانزل الى مدينة الماء حيث لا نار، ولا رجال، اشباح يمزقونك دوما. فأين انت يا ملكة البحر..؟ ». الكثير، والكثير يريد ان يقوله عبدالله خليفة، باتساع المسافة التي تفصل الماء والنار... والقليل القليل هو الذي صرح به عندما رأى التصاق هذين النقيضين... الحياة المرة للفقراء... افساد هذا الفقير بإعطائه البقايا... البقايا فقط، والى حين.. وتمنيته بالوعود والاحلام... امنيات لا اكثر... وفي الخط المواجه الموازي صلابة البعض، قسوته وهو يأبى الذل والهزيمة. اراد الكاتب ان يصور الصراع الاجتماعي تصويراً معبراً، ليقول عن حياة البسطاء واحلامهم، وكفاحهم ضد قوى الشر والاستغلال، ليكشف تلك الاساليب التي لا ينضب معينها في داخل هذه القوى... فكانت الرسالة واضحة جلية دون ان تحمل سطورها المباشرة او التقريرية... كما تداخلت الاحداث واشتبكت خيوطها وتلون نسيجها من خلال اعتماد الكاتب على حدثية المشاهد المتوالية، وقد انتظمت في مربعات ودوائر متداخلة، يربط بينها اسلوب امتزجت فيه الشاعرية بالسرد الروائي الجميل السلس... ينقلك من صورة الى اخرى ولا تدري انك قد خلفت وراءك قطعة من الحدث الا عندما تنتقل الى اخرى وماتزال في عنفوان الحدث.. التصاعد البياني المستمر، وعلى الرغم من تداخل خيوطه ومؤشراته، فانه يحث الخطى فتسمع صوت اللهاث جرياً في اعقابه، تنتظر المحطة التالية. الا ان اللهاث يزداد وصوته يتعالى... مع تتابع انغام السرد الروائي، وحتى الموسيقى الهادئة المنبعثة من اللحظات الشاعرية تدفع بالصوت وخطوات التصاعد البياني باستخدام متناه.. ومع استشراف القمة، يبدو كل شيء وكأنه عاد الى السفح في جولة ثانية ومحاولة جديدة نحو تلك القمة.. هو يتنقل بين النفوس البشرية وبين الطبيعة يوائم بينها، يمزجها، فلا تكاد تفصلها عن بعضها او تجد فروقاً بينها «توارت الشمس وراء كتل ضخمة من الغيوم. انتشر نور باهت وهواء بارد ورطب. كانت الغيوم تزحف من جهة الجنوب وتنتشر محتلة السماء بسرعة خاطفة. في الكون صمت قلق، وثمة عيون من البرق تتألق في الاعالي. فوق البحر البعيد قرقع رعد عنيف وجاءت ضجة خافتة ولكن مخيفة». «... احتار الرجال تحت هذه السماء المتجهمة. اتجهوا الى التربة السوداء. بدأت الحركة بطيئة هادئة... ثم تحولت الى ضجة عنيفة... وبدا كأن تلك الغابة من البشر قد تسللت الى كل مكان.. ». هذا التسلسل في رسم صورة ما، دون التعبير المباشر عن الخلفية التي تخفيها، تكشف عنها بانسياب تلقائي يوضحة الحدث... فالتكاتف، وتقديم كل شيء، دون ان يملك الواحد شيئا، انما هو تعبير آخر عن مواصلة الصراع .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــ - عبدالله خليفة: أغنية الماء والنار، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1987 م.

أضيفت في 01 سبتمبر 2018 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 71
ساعة ظهور الأرواح.. وعودة الروح وسط الضباب والرمز بيروت - رويترز، جورج جحا: الذي يجعل كتاب المؤلف البحريني عبدالله خليفة «ساعة ظهور الأرواح» يذكرنا برواية توفيق الحكيم الشهيرة «عودة الروح» لا يقتصر على التشابه في الكلمات ومعانيها المحددة بل يتجاوز ذلك إلى تلك الرسالة الواضحة وهي احياء ما بدا كامنا أو ميتا من روح الجماعة وإعادة الحياة إلى تراث غيبته مصالح كبيرة دخيلة. وهو من ناحية أخرى يصور وسط أجواء تختلط فيها الأحلام بالخرافات ومن خلال خلفية فيها كثير من الرومانسية والمرارة عالما راحلا التهمته مدنية ما بعد اكتشاف النفط مما رسمه بتفصيل كبير عبدالرحمن منيف في "مدن الملح" والسلسلة التي تبعتها مكملة لها. اما اسلوب هذه الرواية فيراوح بين نص شعري متقد أحياناً كثيرة فيه مزيج يمتد من جبران خليل جبران إلى الطاهر بن جلون مثلا.. وأحداث تبحر في جو من الرموز والغموض السريالي الذي يبدو للقارئ في أحيان عديدة أشبه بتشويش تلتبس فيه الأمور وتختلط إلى حدود التناقض.. وبساطة تستعير بعض القصص الشعبي لتبني فوقه صرحا من الكلمات متعدد الطبقات والأجنحة يكاد القارئ يضل فيه طريقه. فمن هذا القصص الشعبي حديث الكاتب عن «الخزنة» المطمورة في الأرض مما يعيد إلى ذهن القارئ حكاية الأب الذي أشرف على الموت فجمع أولاده حوله وباح لهم بسر هو انه قام قبل زمن بدفن كنز في الأرض المحيطة بمنزل العائلة لكنه لم يخبرهم عن المكان بالتحديد بل قال لهم ان عليهم حرث الأرض باستمرار ليعثروا عليه. وفي نهاية الأمر يكتشفون انه بعملهم في الأرض ومحبتهم لها يعثرون على كنز لكنه ليس الكنز الذي خطر على بالهم قبلا. وفي ما يذكر ببعض سمات عودة الروح نجد مجتمعا يعيش حياة بسيطة ومتداخلة ونجد كثيرا من اشخاصه يحب امرأة واحدة وهي "مريم" التي يرسمها الكاتب أحيانا.. دون أن يصل إلى مستوى الاساطير المصرية القديمة التي استلهمها الحكيم.. بما يوحي بأنها تمثل روح هذا المجتمع نفسه التي امتهنت واساء إليها البعض من الداخل والخارج وكيف أصبحت في حاجة إلى من يحبها حباً كبيراً يجعله لا يسأل عن حياته لينقذها من محنتها. وقد صدرت الرواية في 227صفحة من القطع المتوسط عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ولخليفة أعمال روائية وقصصية متعددة صدرت في عدد من البلدان العربية منذ سنة 1975. تبدأ الرواية بوصف هذا العالم الصغير. "الظهيرة رهيبة. أرض السبخ الواسعة تئز بالنار والبخار والمستنقعات المتناثرة تغلي والبحر القريب يتوهج وتنبعث روائح فظيعة من المقصب حيث تذبح الاغنام والثيران والإبل". قدرة خليفة على التصوير الشعري المتقد والمتحرك بكثير من الحدة تلازمه في معظم هذه الرواية.. يكمل الكاتب كلامه في جو من الشعر السريالي والخرافي فيصف عاصفة غريبة حيث كان الصبية يلعبون "لكن السماء كانت قد اثيرت كثيرا فجاءت رقع كبيرة من السحب والضباب البارد وقرقع برق كأنه صارية مشتعلة على وجه البحر فارتعشت الاسماك ميتة وصاحت الغنم في زريبة المقصب بذعر شديد.. ودهش الأولاد وهم يصطدمون بأجسام رهيفة شفافة كانت تدخل جيوبهم وآذانهم وأفواههم وتثير ضجة في خلاياهم ثم راحت هذه الأجساد الرهيفة تستوي وجوهاً ملأى بعيون وابتسامات وأفواه متفجرة باللغة وبأقنعة من ورق الزهر سرعان ما تتمزق لتتشكل". ويصف الكاتب حياة افراد هذه الجماعة المادية الظاهرة وتوازعهم وما يسكن خبايا أنفسهم وكيف تحول مجتمع "العدامة" كما تحولت البحرين من عالم الغوص وصيد اللؤلؤ إلى عالم آخر مختلف. يقول "كان الطفل يولد للأرض والبحر وأثداء النساء تعطي الحليب لغابة الأطفال كلها وثمة الخزنة الكبرى في بيت جده مرجان وجدته سارة.. الموانئ كانت تضع بشرا بلا توقف وسيارات يوسف تحملهم إلى العمارات الجديدة ومدينة بين التلال ظهرت بغتة بطوابقها الشاهقة وفنادقها ومراقصها.. ويأتي زمن غامض وأناس غريبون تتوارى فيه الخزنة ويندر الورق والحكايات وتعود المستنقعات ويبرز سلمان الميسري ولا أحد يعرف كيف امتلك كل أرض العدامة وبساتينها وحقولها ومصائدها". "يقول بعضهم ان سلمان أخذ الرجال الكبار إلى رحلة واسكرهم ثم قطع رؤوسهم ويقول آخرون انه اغراهم بلعب القمار فراح ينتزع أرض العدامة شيئا فشيئا "وحاول الشيخ درويش" ان يبحث عن مكان الخزنة القديم والكوخ الملون فراح يحفر في الأرض ويهيل التراب فجاء حرس واشبعوه ضربا". انقسم مجتمع العدامة إلى فريقين اساسيين احدهما يقوده يوسف الذي صار غنيا مسيطرا وصاحب ثروات وعلاقات مع القادمين عبر البحر وغيرهم والآخر يبرز فيه جوهر ترب يوسف ومنافسه منذ الطفولة. نشأت علاقات بين جوهر و"الرفاق" وأخذوا في الاستعداد لاستعادة زمام أمورهم من طبقة المتحكمين الذين أصبح يوسف سوطهم وسيفهم. وصار الشيخ درويش الذي كان حكيم العدامة وطبيبها ومرشدها الروحي مناضلا ومرشدا للرفاق وأحد قادتهم ورمزا لهم خطبه المحركة كانت قوة دافعة لهم. هنا نتذكر الواقع الثوري بأحواله "المتغيرة" خاصة في عالمنا ويعود إلى الأذهان وصف نجيب محفوظ لهذا التغير في رواية "اللص والكلاب".. فالشيخ درويش كان يخبئ أموال اشتراكات "الرفاق" وسرعان ما عاش في ازدواجية غريبة فهو الثوري والمتدين والمرشد يتحول في فصام رهيب إلى عكس ما كان عليه. صار مالكاً لثروات وحليفا ليوسف في السر.. "يمشي الشيخ درويش في الفندق ببنطلونه وقميصه الملون ونظاراته السوداء ومرحه الجذل". ويتجلى هذا الانفصام عند الشيخ درويش في ظهوره في الفندق وغيره على هذا الشكل حليقا يغرق في مباذله وفي عودته بعد ذلك أي في النهار وبلحية مستعارة إلى دوره القديم إلى ان ينفضح أمره. يقول جوهر المناضل الطيب ان عدنان ابن الشيخ درويش "يمتلك فندقا وأنا محشور في بيت حجري ضيق ممتلئ خانق وسروالي يشمس على حبل". وتعود "الأرواح" القديمة إلى الظهور فيسيطر الندم على الشيخ درويش ويحن إلى ماض تناساه. عند ذلك يصبح أسير الذين فتحوا له أكفهم في البداية فدجنوه واستغلوا اسمه وخطبه. وعندما قرر العودة إلى ماضيه خيروه بين الموت أو الاستمرار معهم فرفض فقضى شهيدا إذ خنقته تلك الأكف التي كانت قد فتحت له. "اطبقت اليدان الثقيلتان على عنقه ودهش كيف انهما اللتان كانتا تقدمان له الحياة".

أضيفت في 01 سبتمبر 2018 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 51