صدر حديثا عن دار الأثر السعودية، رواية "بوكو حرام" للأكاديمي والمترجم عثمان ملاوي الحاصلة على المركز الأول لجائزة أثر للرواية العربية، وتحمل الرواية قصة حقيقية كشف من خلالها كاتبها واقع بنية التفكير في مجتمع معين من سكان القرى في كيفية تعاطيهم مع حركة إسلامية أصولية، وذلك بتفاصيل سردية ذات دلالات مباشرة وإيحائية. "بوكو حرام" رغم أنها التجربة الأولى لكاتبها، إلا أنه استطاع من خلالها يحقق الفوز وينال جائزة الأثر للرواية العربية في طبعتها الأولى، كما استطاعت أن تسيل الكثير من حبر النقاد الذين كتبوا عنها، نظرا لما احتوته من دلالات سيميائية، ذات أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وحتى نفسية. وجاءت هذه الرواية في نسق سردي محبوك بطريقة مشوقة، هذا ما أجمعت عنه معظم الدراسات النقدية التي كتبت عنها، تتقاطع في موضوعها حسب ما صرح به عثمان ملاوي للجزائر الجديدة مع حركة إسلامية شهيرة في نيجيريا وفي بلاد المغرب العربي تسمى "بوكو حرام"، مع حكاية تزوجت أحد رجالات هذه الحركة، ولا تتعرض لفكرة أو مبادئ تنظيم هذه الحركة، بل هي رواية إنسانية تتعرض لجانب سيكولوجي عاطفي في حياة بطلة الرواية حفيظة زوجة عكو (بلخير العكري) عراقية الأصول، التي تتبدل نظرتها لزوجها عندما انتقل من موضع الرجل الخامل إلى المعارض السياسي المشهور، تأتي هذه القصة في شكل فلاش باك لبطلة القصة بداية من مراهقتها وقصة حبها مع عمران التي أثرت على علاقتها مع زوجها بلخير العكري لاحقا، لاسيما والأخير دميم الشكل، ولا يحمل سمات الجمال الشكلي، ولا الأخلاقي، ولكن بعد انتسابه لهذه الحركة الإسلامية، وتم اعتقاله تبدأ حفيظة باكتشاف حبها له بعد انتقاله من حيز الهامش الاجتماعي إلى حيز "البطل" الرمز في المجتمع بفضل الدعاية الإعلامية التي أحاطت به، الذي حاول كل المقربين، الاستفادة منه لكسب المال، فالقرية كلها تحولت بفضل الزوار الأجانب ووسائل الإعلام إلى خلية نشيطة من العمل المتكسب من الضيوف الأجانب، لدرجة أن قيمة الإيجار تجاوزت عشرة أضعاف سعره الحقيقي، أو العمل تحت شعار "بوكو حرام" ووكيلها في القرية، فالكاتب عثمان ملاوي حاول أن يعالج في روايته العديد من القضايا التي بوقتنا الراهن، منها العلاقة الإنسانية التي أصبحت تتشكل وتتحول وفقا للظروف السائدة وليس للقيم الاجتماعية ، وهذا إشارة منه إلى أن المجتمع أصبح منهارا في أخلاقه وقيمه بعدما سيطرت عليه المادة، وهنا أيضا يشير إلى النخبة والفنانين الذين يلهثون وراء مصالحهم الخاصة، بعد أن باعوا ضمائرهم وواجبهم، موضحا إلى إن المشاكل السياسية والاقتصادية العالقة سببها هؤلاء الذي يستفدون من المشاكل التي تصيب المجتمع، وقد أظهر ذلك في قصة "عكو" هو الاسم الذي حاول أن يستفيد منه أبناء قريته وأقربائه، واتضح ذلك من خلال ما قالته زوجته في الأخير:"... لم أعد أشك أنّهم كانوا يستغلّون مجد زوجي، أعرفهم واحدا واحدا، سأكتب ذلك في مذّكراته وسأمسخهم كما يحلو لخيالي، سأبدأ بمسرانة أمّه وأنتهي عند كعوان، في المذكّرات لن أرحم أحدا منهم، أمّا في الواقع سأبتسم لهم وسأضحك معهم بل وقد أبكي من أجلهم، الخيال لم يخلق إلّا للانتقام من البشر"... "نحن لا نملك قرون الجاموس ولا مخالب الأسد كي نصفّي خلافاتنا، الخيال فقط ولا سلاح غيره، المخالب تجرح ولكّنها لا تستطيع أن تهين أو تسخر مثل الخيال".

أضيفت في 04 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 74
صدر حديثًا عن دار أثر للنشر، كتاب بعنوان «المراسلات.. كاواباتا وميشيما»، ونقله إلى اللغة العربية المترجم معن عاقل، وذلك بالتزامن مع معرض الرياض الدولي للكتاب، لعام 2017. وكيو ميشيما، هو الاسم الأدبي للكاتب الياباني كيميتاكي هيراوكا «14 يناير 1925 - 25 نوفمبر 1970»، وهو روائى وشاعر ومسرحى وممثل ومخرج أفلام، رشح "ميشيما" للحصول على جائزة نوبل للآداب ثلاث مرات، وكان اسمه معروفًا على نطاق عالمى، ويعد من أشهر الكتاب اليابانيين فى القرن العشرين، وقد مزجت أعماله الطليعية بين القيم الجمالية الحديثة والتقليدية وحطمت الحواجز الثقافية وكانت الجنسانية والموت والتحول السياسي من أهم محاورها. ومن أكثر ما يذكر به "ميشيما" هو انتحاره بطريقة "السيبوكو" بعد قيادته لمحاولة انقلاب فاشلة لاستعادة سلطات إمبراطور اليابان عرفت بـ"حادثة ميشيما" عام 1988، كما تم تأسيس جائزة ميشيما يوكيو الأدبية تكريمًا له. ومن رسائل "ميشيما" الأخيرة، كما ورد على غلاف الكتاب، نقرأ: "أتفوه بالحماقات بصورة متزايدة، وهو ما يجعلك تبتسم بالتأكيد، إلا أن ما أخشاه ليس الموت، وإنما ما قد يصيب شرف عائلتي بعد موتي، وإن أصابني مكروه في أي وقت، فإنني أظن أن الناس سيستغلون ذلك ليكشروا عن أنيابهم ويلاحقوا أوهى أخطائى، سيان عندي أن يسخروا مني في حياتي، لكن ما يبدو لي غير محتمل هو فكرة أنهم قد يسخرون من أطفالي بعد موتي، إنني واثق أنك الوحيد الذي يمكنه أن يحميهم من ذلك، وأفوضك بهذا الأمر كليًا في المستقبل". ويقول الكاتب "ديان دو مارجري": لم يخف كاوباتا تحفظاته المتعلقة بالانتحار «مهما كانت حالة الاغتراب التي يبلغها المرء، فإن الانتحار ليس شكلاً للتجلي، وحتى لو بدا الإنسان الذي ينتحر جديرًا بالإعجاب، يظل بعيدًا عن بلوغ ملكوت القدس" ولا يمكن إلا أن يصدمنا في العمق ما اختاره المعلم بعد انتحاره ميشيما في 25 تشرين الثاني 1970، حين أقدم على الانتحار سرًا ومنعزلاً بعد نحو عامين، فى شقة صغيرة على شاطئ البحر، قرب كاماكورا، فى 16 نيسان 1972 على هذا النحو رأينا كيف أن أحد الكاتبين، لم يتوان عن مساعدة الشاب على التطور، وكيف أن الآخر لم يتردد عن الكشف عن نفسه أمام من اختاره كمعلم في التفكير، ليتحد كلاهما فى الموت الإرادى إلى الأبد.

أضيفت في 04 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 71
"وضرب الرب القدير سبحانه فأسلمه ليدي امرأة" سفر يهوديت تراءى لي أن أنغمس في أعماق سيڤرين الجريحة، تلك الروح المتعطشة للإهانة والإذلال، الروح التي لم تكن إلا تجسيدًا مرهفا للخط الرفيع مابين الألم واللذة. سيڤرين لم يكن إلا أحد الذين تفردوا بعذاباتهم ونجحوا في الوصول لمبتغاهم -أقصى مراحل اللذة- هكذا كان الشاب العذب الذي يحمل من الوداعة والعاطفة ما يكفي؛ لجعله ينقاد لڤينوس إلهة الحب والجمال، العصية على الولوج، ذات المخالب التي اجتثت روحه. "لأنني سئمت منذ سنوات من الوجود وما يصحبه من خيبات أمل؛ فقد وضعتُ بمحض إرادتي حدًا لحياتي عديمة الجدوى" انخرط سيڤرين مع تلك الإرادة، تلك الشهوة التي سيطرت عليه لإستثارة الألم. كان عليه أن يخطو خطوات واسعة نحو حتفه ليكون عبدًا لذاك التمثال الرخامي البارد، التمثال الذي استحال جسدًا ودمًا. تلك الوثيقة التي وقعها سيڤرين تضمنت استسلامه التام وتنازله عن جميع حقوقه كعشيق، وألا يكون من الآن وصاعدًا إلا عبدًا لهذه السيدة.. وبصفته عبدها الذليل عليه أن يحمل لعنته أن يحمل اسم "غريغور" إلى الأبد، ويمكن لها معاقبته على أية تقصير أو خطأ حسب ما يسترضيه مزاجها؛ أو لمجرد التسلية فقط، ويحق لها قتله متى كان هذا مصدرًا للذة والمتعة. نرى بشكل ملحوظ ارتباطًا وثيقًا ما بين الفرو والقسوة؛ إذ تتضمن الوثيقة أيضا وجوب ارتداء السيدة دوناجوف الفرو حال إساءة معاملتها لعبدها. هنا تتجلى الفيتشيه لدى مازوخ بشكل قوي وذلك من خلال الفرو والسوط في مغامراته الشهوانية. حين ارتعشت يداه قبيل توقيعه قالت له بنبرتها الجسورة "أتخيفك سعادتك إلى هذا الحد؟" إن ڤاندا تحمل من الحب ما يجعلها تسحقه وتهينة وهي تصرخ: " أنت ما أريد.. رجلًا.. شيئًا.. بهيمة" ثم تنهال عليه بالسوط والشتائم. إن الأرملة الغنية ڤاندا تسير على خطى جوديث؛ حيث قطعت تلك الأخيرة رأس هولوفرنس ومنحته شرف الموت على يديها. ڤاندا وسيڤرين لم يكونا إلا تكرارًا لدليلة وشمشمون- هولوفرنس و جوديث، جميعهم ليسوا إلا قالبًا واحدًا من علاقة حب موشومة بالوجع والقلق. سقطت أعمال مازوخ وابتلعه النسيان في أواخر حياته ولم يبقى إلا اسمه دلالة على أشهر الإضطرابات الجنسية. تم ذلك تحديدًا بمباركة كرافت إيبنغ الذي استعار بشكل مجحف حياة مازوخ الشخصية وأعماله مشيرًا لهذا الإنحراف، ويرى فرويد أن المازوخية ليست إلا امتدادًا للسادية ومكملا لها جزءًا لا يتجزأ منها، ويضيف أن السادية ليست إلا شكلًا متطورًا من المازوخية في المقام الأول "السادي ما كان بمقدوره امتلاك فكرة الحصول على لذته من آلام الآخرين لو لم يكن قد عانى في البداية (مازوخيا)". هكذا تم تعمد نسيان مازوخ بشكل فظيع وإهانته مرة أخرى بجعله مكملًا لساد. إنه ليس إلا القدرة على قلب الأفكار والإندفاعات بشكل عكسي، أصبح مازوخ محض شبح مشوه وممسوخ عن ساد، نسخة هزيلة منه. في قراءة جيل دولوز المنصفة لهما أشار إلى الفراق الجوهري بين ساد و مازوخ أي أنهما بإختصار عالمان متغايران لكل منهما أفانينه الخاصة. يرى فرويد أن الرجل في حياته الجنسية تتضمن أفعاله عالما مستقلا من العدوان والميل الشديد للهيمنة وإخضاع الآخر، وأن العدوان ليس إلا ركامًا من الرغبة في الإفتراس ( آكلي لحوم البشر) -هانيبال ليكتر أنموذجا- ويشير أن المازوخية ليست إلى عنصرًا أنثويًا مزجه مازوخ بجوهره. كان تراث ليوبولد فون ساشر مازوخ الروائي بمثابة ثورة استطيقية تقف بجانب النظام الأمومي، وظف فيها بتمعن الميثولوجيا الإغريقية عن طريق ڤينوس رمزًا للخصوبة والتوليد. هكذا أعاد الكاتب النمساوي مازوخ للأنثى سلطتها بشكل ظاهري وكان يضمها دون شعور في مسرحه.. في لعبته الخاصة.. المسرح الكبير الذي تنخرط المرأة المتسلطة فيه. هذه السلطة والقوة في أعمال الكاتب النمساوي مازوخ ليست إلا وجها آخر من الخنوع التام (الضحية تتكلم عبر الجلاد) لم يكن كل ذلك إلا قناعًا، إن مازوخ ينسل داخل المرأة الجلادة.. يربيها ويجبرها على سحقه.. إنه يعجنها بيديه لتكون المخلّص له.. هنا نلاحظ بشكل واضح استحالة إلتقاء المازوخي بالسادية وأنه من المجحف القول بضرورة وجودهما معا. إن المازوخي لا يحتاج إلى امرأة سادية إنه يحتاج أنثى يقنعها وتتحالف معه لتدمره. إن الجلادة ڤاندا في ڤينوس في الفراء ترتدي قناع القسوة.. الرداء الذي حاكه سيڤرين لها لتذوب تمامًا وتفنى في جوهره، وهكذا دائمًا وببساطة شديدة تكون البطلة في روايات مازوخ مدفوعة ومجبرة على الإنزلاق في شهواته والخضوع التام لرغبات عبدها الذليل. يشكل الأدب المرحلة الأولى والأكبر لنفي سوء الفهم لأعمال ساشر مازوخ وساد، و ذلك لن يتم إلا عن طريق التحرر من سلطة الأطباء والأخلاقيين ومحاولة فهم المشروع المتفرد الذي انطلق على يديهما. إن ارتباط روح ساشر مازوخ باللذة والألم ليس إلا تكريمًا وتشريفًا لرهافة ميوله الذوقية، لقد كان الخالق الأول لشكل متفرد من أسمى أشكال الحب. توحد مازوخ مع ذاته وكان أكثر ترفعًا وعلوًا من أن يُنزل الشرور بأحد كان يتلقاها وحده بكل لذة.

أضيفت في 04 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 120
يقولُ الماركيز دوساد «أنا أكتب فقط للقادرين على فهمي، وهؤلاء سيقرأونني بدون خطر». الكاتبُ والصحافي العراقي علي حسين هو من الذين يُطبق عليهم هذا التوصيف، فهو لا يشعر بالخطر من قراءة ومُتابعة الكُتب المتنوعة، إذ لا يتوقف عند صنف واحد من الكتب والمؤلفين، بل يرغبُ في ارتيادِ عوالم مُختلفة، ويجوبُ مع كُتابه المُفضلين في أزمان غابرة، مُستحضراً تلك الظروف التاريخية التي عاشَ فيها المُبدعون. فهناك فرق كبير بين من يقرأُ الكتابَ ويقتنع بما في طياته من الأفكار والنظريات، ومن يتطلع لمعرفة طبيعة الفضاء الذي أبصر فيه الكتابُ النور، وما تركه من تأثيرات على أجيال لاحقة، وما سبب من المشاكل لصاحبه، كما هو شأن كل المفكرين الذين أرادوا من خلال أعمالهم الإبداعية تحطيم الأسوار المحيطة بالعقول. علي حسين من النوع الثاني، حاله كحال الشخص الذي لا يكتفي بُمشاهدة الفيلم، بل يريدُ أن يعرف ماذا كان يدور في الكواليس، زيادة على ذلك فهو قارئ مثالي لا تهمه الأجناس الأدبية، على حد قول البرتو مانغويل، يقرأُ الرواية والمذكرات والرسائل والنقد والحوارات، كما يهتدي من كتاب إلى آخر، وهذا ما يثري التجربة ويُعمق الفهمَ ويُعزز لديه الرغبة لمواصلة القراءة، وهي عملية في تَمددٍ دائم، يقولُ هنري ميللر في كتابه «الكُتب في حياتي» سمعتُ جدي يخبرُ أمي بأنها ستندمُ لأنَّ الأخيرة وضعت كتباً كثيرة بين يدى طفلها، كأن الجد يُدرك أنَّ هذا العالم لا تنتهي اكتشافاته، كما أن الكاتب البريطاني كولن ويلسون، يكشفُ في مذكراته أن زوجته وصفت كتبه بمصيدة الشمس، نظراً لما تراكم لديه من المراجع والمؤلفات في شتى المجالات، كذلك الأمر بالنسبة لعلي حسين، الذي ذكر في إحدى مقالاته أنه استأجر أخيرا شقة لكتبه، لأنَّ مكاناً واحداً لم يعدْ يتسع لما يقتنيه من العناوين، وهذا الشغف بالقراءة والمُتابعة تراه مُتجسداً في كتابه الصادر حديثاً بعنوان «في صُحبة الكتب» 2017 دار أثر المملكة العربية السعودية، حيثُ يقولُ في المقدمة بأنَّه اختار الصحافة مقتنعاً بأنه سيشارك القراء هذا الحُب للكتاب، مثلما يعتقدُ هنري ميللر بأنَّ الكتاب يصنع لك الأصدقاء، هذه الرؤية يقربها علي حسين أيضاً، فالأخير يكشفُ لك بأن الكتب هي محور كل صداقاته، فهو يصنف الكتب التي قرأها إلى مجموعتين، المجموعة الأولى استمتع بقراءتها مثل «الأخوة كارامازوف» لدويستوفسكي و»ليون الإفريقي» لأمين معلوف وثلاثية نجيب محفوظ. تضم هذه القائمة مؤلفات متعددة تتراوح بين الرواية والمذكرات والدراسات النقدية، ناهيك عن كتب فلسفية مثل «رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا «العالم إرادة وتمثلا» وعناوين لمسرحيات ودواوين شعرية، إلى جانب بعض كتب تراثية، في المقابل هناك مجموعة من عناوين أخرى صنفها ضمن الكتب التي حَيرته. معظم ما تجدُه في هذه المجموعة عبارة عن كتب فلسفية مثل «نقد العقل الخالص» لكانط، فضلاً عن نسبية آينشتاين و«رأس المال» لماركس. وهذا يؤكدُ ما ذكرناه آنفاً بأن مؤلف «في صحبة الكُتب» ليس قارئاً أُحادي النوع، إنما تتسع حلقات القراءة لديه بحيثُ تمتد إلى حقول ومجالات معرفية متنوعة. يُفتَتَحُ الكتابُ بفصل يتحدثُ فيه المؤلف عن حياة بيكاسو، ومن ثُمَ يتوقف عند العلاقة القائمة بين صاحب لوحة غرنيكا، وسليفادور دالي، ورؤية الأخير لفن الرسم، إذ يقولُ لبيكاسو «لكي تستطيع أن ترسُمَ يجبُ أن تكون، مجنونا». إلى ذلك يذكر الكاتب المواقف الغريبة لسلفادور دالي وموافقته على وسام الجنرال فرانكو. كما يُشار في هذا السياق إلى الفنان الروسي مارك شاغال، فالأخير رسم رائعة غوغول «النفوس الميتة» فهو أيضاً يُقيم في باريس، دون أن يتخلى عن أحلامه الاشتراكية. وما تجدرُ الإشارة إليه في هذا الفصل، هو المشهد الذي يجمع بين بيكاسو، بريجيت باردو، رئيس وزراء فرنسا، آنذاك، هنري كويويل داخل أحد المطاعم إذ ما أن تدخل الفنانة الشهيرة إلى المطعم حتى يبدي كل من رئيس الوزراء وبيكاسو رغبتهما لانضمام الفنانة الشهيرة إلى طاولتهما، هنا تختار بريجيت باردو طاولة العبقري بيكاسو، مبررة موقفها بأن فرنسا مر عليها الكثير من رؤساء الوزراء، لكن هناك بيكاسو واحد لن يتكرر في تاريخها. ونحنُ بصدد حياة بابلو بيكاسو لا يصحُ تجاهل إشارة صاحب الكتاب إلى الأديب وعالم الآثار المصري كمال الملاخ الذي ينقل من صديقه أنيس منصور بأن الملاخ توفي وفي بيته 60 ألف كتاب، ومع ذلك كان يعتبر نفسه تلميذا في القراءة. وصدر له كتاب عن بيكاسو بعنوان «المليونر الصعلوك». لا يبتعدُ القارئ في الفصل الثاني عن أجواء باريس، ولكن يكون هذه المرة برفقة صاحب «الإنسان المتمرد» ألبير كامو وروايته «الغريب» التي حلّقت بمؤلفها إلى العالمية، بحيثُ كلما ترد كلمة الغريب تتذكر كامو، ربما ما تعرفه كقارئ حول علاقة سارتر وكامو هو وجود خصومة فكرية بين القطبين الوجوديين، وما أحدثه «الإنسان المتمرد» من الشرخ بين الاثنين. غير أن ما يوردهُ المؤلف يلقي ضوءاً على ما يتملك كامو من إعجاب شديد بسارتر عندما يقرأ روايته «الغثيان»، إذ يتجه كامو متأثراً بهذا العمل الروائي نحو مجال جديد، ولا يكتفي بأن يكون ناقداً للروايات، بل يشرع في تأليف الروايات. وعلى الرغم من انقطاع العلاقة بين سارتر وكامو، لكن ذلك لا يمنع صاحب «الدوامة» من أن يرثي غريمه الفكري بأسلوب مؤثر. عندما يموت إثر حادث السير. ويأتي الفصل الثالث المخصص للكاتب الأمريكي وليام فوكنر، حيثُ يتبع الكاتبُ طريقة قريبة من تقنيات تأليف القصة لعرض موضوعه، إذ ترى صورة صاحب «الصخب والعنف» ليس من وجهة نظر المؤلف، بل من زاوية نظر كل من همنغواي وجبرا إبراهيم جبرا وكامو، وما يجعل هذا الفصل أكثر تشويقاً هو الاعتماد على الحوار بين الكاتب ومترجم «الصخب والعنف» جبرا إبراهيم جبرا من جانب، والحوار بين وليام فوكنر وأرنست همنغواي من جانب آخر. بجانب ذلك تدرك ما بذله فوكنر من مجهود كبير لكتابة «الصخب والعنف» إذ أنجز هذا العمل خلال خمس سنوات، وعندما يقرأُ كامو «الصخب والعنف» يُعلقُ قائلاً: أقل ما يُقال عن هذه الرواية إنَّ مؤلفها أمسك بسر الأدب. وينتهي هذا الفصلُ بقراءة فوكنر لخبر انتحار صاحب «الشيخ والبحر» عند ذاك يتذكر اللقاء الأول حين قال له همنغواي «لقد قطعتُ سيدي آلاف الأميال لكي أراك».هكذا ينتظمُ الكتاب مُتَسَلسِلاً في عرض محطات مفصلية في حياة مشاهير الأدب والفكر، ولا يمكنكَ أن تفضلَ فصلاً على آخر، ولا تستغني عن تتبع حياة هؤلاء، إذ أبدع الكاتب في اختيار ما يعتبر محورياً في مسيرتهم، وتجنب الحشو وما لا يفيد القارئ، فهو يذكر في حياة ماركس مواقفه الثورية ونضاله المستميت وتضحياته، وما مر عليه من المآسي. كما ينقلُ لك رأي صاحب «رأس المال» عن دور الشعراء والروائيين على مسار تفكيره، وكان معجباً ببلزاك، مقتنعاً بأن الأعمال الأدبية تكشف دوافع البشر، ومن ثم يتحدث الكاتب عما أضافه ألتوسير إلى الماركسية، إذ يضعُ كارل ماركس إلى جانب بيتهوفن وغويا وأبسن ونيتشة. وفيما يتعلق بجان بول سارتر يسلط الضوء على نبوغه المبكر، حيثُ يسخر من أساتذته قائلاً، أستطيع أن أجادل نيتشه وأعلمه كيف يمكن للإنسان أن يكون حراً، كما يضعك أمام ما يبلغ إليه افتتان سيمون دي بوفوار بسارتر وهي تقول «ما أضيق عالمي الصغير إذا قيس بعالم سارتر الغني»، زد على ذلك هناك كتب غيرت اتجاه القراء فأندريه مالرو قبل أن يطلع على دوستويفسكي، أراد يصبح طياراً، ولكن ما أن يقرأ «المقامر» حتى يخوض في عالم الأدب، كذلك بالنسبة غروم سالنجر، فالأخير اختار أن يكون روائيا اقتداءً ببلزاك، وهذه الحالة تلاحظها لدى مؤلفة «ذهب مع الريح» ماغريت ميتشل، فهي بدورها تستعيد وقائع رواية «غادة الكاميليا» وتتذكر أن أمها سمتها بهذا الاسم تيمناً ببطلتها، لذلك تبدأ بكتابة رواية على غرار عمل دوماس الابن. أما عندما تصل إلى الفصل المخصص لغابرييل غارسيا ماركيز يتضح بأنه غامر بكل شيء من أجل إنجاز روايته الملحمية «مئة عام من العزلة». هنا يشير الكاتب إلى أنه عندما تنشر قصة لماركيز لا يمتلك ثمن الصحيفة التي نشرت فيها مادته، إضافة إلى ذلك يتعرف من خلال ما يذكره المؤلف على تلك الأعمال التي أثارت غضب السلطات مثل «كل شىء هادئ في الميدان الغربي» لأريك ماريا ريماك، فأحرقت هذه الرواية إبان الحكم النازي في ألمانيا، من الأدباء العرب يذكرُ المؤلف عميد الأدب العربي طه حسين، فأستاذه شاكر حسن آل سعيد، يهديه نسخة من كتاب «الأيام» ويعترف الكاتب بأنه بعد انتهائه من قراءته انتابته رغبة في أن يصبح مثله ضريراً. كما يفردُ فصلا لتوفيق الحكيم، حيث تستشف قدراً كبيراً من الإعجاب لدي المؤلف بهذين الأديبين. يرافقك الكاتب في رحلة في عالم مشاهير الأدب والفكر بدءاً ببيكاسو مرورا بشقة دوستويفسكى وحياة غوستاف فلوبير المضطربة واكتشافات فرويد وسبره في اللاشعور، وتصيده للأحلام، متوقفا عند قطعة بسكويت ألهمت بروست بكتابة روايته «البحث عن الزمن المفقود» وما أثاره داروين عندما صدم البشرية بأن أصلها منحدر من القرد. وما يدفع فرجينا وولف إلى الانتحار، انتهاءً بصراع كافكا مع أبيه وقرار ريجيس دوبريه بترك مباهج باريس. لا ينصحك المؤلف بقراءة عناوين محددة ولا تجد لديه وصفات جاهزة، لأن تصبح كاتباً، بل ما يتوصل إليه عقب قراءة هذا الكتاب أن وراء كل عمل أدبي أو فكري عظيم هناك ثمن باهظ، كما أن قرارك بأن تكون قارئاً يعنى ان تكون سارقاً للوقت، مثلما كان برموثيوس سارقاً للنار.

أضيفت في 04 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 53
عود السودانيّ عبد العزيز بركة ساكن في روايته "سماهاني" إلى القرن التاسع عشر ليصوّر منطقة تعدّ من المناطق التي ظلّت بعيدة نسبيّاً عن تطرّق الرواية العربيّة إليها وتناول بعض تفاصيلها التاريخية الهامّة، في منطقة تكاد تكون منسيّة بدورها للعرب، ولا تبدو مثيرة لاهتمامهم في الزمن المعاصر، وهي زنجبار الواقعة في قلب القارة السمراء، والتي يصفها بأندلس إفريقيا الضائعة. يتناول ساكن، المقيم في النمسا منذ سنوات، الوجود العربيّ الذي تمثّل بالوجود العُماني الذي كان احتلالاً لزنجبار، وتسلط السلطان الذي كان يسبغ على نفسه، كغالبية الديكتاتوريين، صفات مقدّسة، ويبتدع لنفسه نسباً مقدّساً يربطه بالنبيّ سليمان، ويزعم الخلود ويتعاطى مع رعيّته على أساس الفرادة والتميّز من منطلق القوّة والسطوة، ولا يكترث لأحوالهم، بل يتمادى في غيّه وإجرامه وينكّل بهم هناك شرّ تنكيل. ديكتاتور بائس يضفي ساكن على هيئة الديكتاتور صبغة كاريكاتيرية، يظهره بمظهر البائس غير القادر على تأدية أبسط واجباته تجاه نفسه، برغم ما يصدّره من رعب وعنف وإجرام تجاه الآخرين، يبقى أسير غرائزه الحيوانية التي تودي به إلى الهلاك، وتوقعه في شرور إجرامه الذي كان يقترفه بشكل متعسّف يعيش من خلاله لذّة القتل والإبادة التي توقع به تالياً في الحفرة نفسها. يرسم ساكن عالماً مرعباً يسوده الفساد والدمار والإجرام، عالم العبوديّة التي كانت مأساة ذاك العصر والعصور السابقة، لما لها من تداعيات كثيرة لا تستدلّ إلى تهدئة أو توقّف، ذلك أنّ الأجيال التي عانت ظلم العبوديّة ظلّت حاملة في وجدانها لعنة الانتقام من أولئك النخّاسين والمحتلين الذي دمّروا تاريخ البلاد وشرّدوا أهلها وأفنوا وأبادوا قبائل عن بكرة أبيها. يتغلغل بركة في أعماق عدد من العبيد الذين طاولتهم جريمة الإخصاء، وكيف أنّهم عانوا مأساتهم ولم يتمكّنوا من التأقلم معها، ولم تفلح محاولات تطويعهم الدائمة وإرضاخهم للإذعان والتكيّف مع وضعهم الجديد، وكيف أنّهم ظلّوا مسكونين بشعور النقصان الذي حفر عميقاً في أرواحهم، وكانوا رهائن البتر الذي لم يطاول أعضاءهم فقط، بل شوّه أرواحهم أيضاً، كما كانوا مضطرين إلى ابتكار أساطير توهمهم أنّهم سيكمولون نقصان أرواحهم في العالم الآخر، وستعود إليهم أعضاءهم المبتورة ولن يكونوا مخصيين حينها، بل سينعمون بحياة طبيعية بعيداً عن ذلّ العبوديّة وقهر الخدمة والخصي. يتربّح السلطان من تجارة الرقيق، يؤسّس محمية العبيد التي قوامها الظلم والإجحاف والتمييز والتقسيم الطبقيّ الشائن، والممارسات القذرة من قبل أولئك النخاسين وطبقة السادة وصائدي البشر ضدّ المواطنين المستعبدين، وتحويل بلادهم الموصوفة بالجنّة إلى جحيم لهم، تكون جنّة للآخرين وجحيم أبنائها، وهنا المفارقة التي يشتغل عليها ساكن، ويحرص على اقتفاء بدايات انبثاق الشعور الوطنيّ لدى المضطهدين المتفرّقين الذين يبقون في غاباتهم بعيداً عن مكر السياسة والتحالفات والقوى الاستعمارية التي تبقيهم أسرى وعبيداً في بلدهم. تأسر قوّات السلطان عدداً من المواطنين وتحوّلهم إلى عبيد، يقوم السلطان بالإشراف على إخصائهم، ويختار منهم مَن يخدمونه في قصره، ومن سيخدمون ابنته الوحيدة في قصرها الذي يتحول إلى قنصلية للإنكليز لاحقاً، يقع الاختيار على كبير قوم وابنه بعد تجريدهم من أعضائهم وبترها بطريقة وحشيّة، ومن ثمّ تطويعهم بالإكراه والتعذيب لمضان صمتهم وخدمتهم وطاعتهم وولائهم. يكون إخصاء الطفل جزئياً، يبقى مسكوناً بشهوة لا تهدأ، لكنّه لا يستدلّ إلى إتمام العملية الجنسيّة، ويقع في فخّ علاقة مع سيّدته الأميرة التي يقع في أسر حبها، وهي في الوقت نفسه تبادله الحب، وتستمتع برفقته وملامساته، وتنفتح عليه، ولاسيما أنه يبقى في خدمتها لسنوات، يتعرّف إلى جسدها بأدقّ تفاصيله، ويساعدها على تحرير طاقاتها وشهواتها، ويبحر معها في لعبة الجنس الذي يبقى منقوصاً لأنّ الإثنين يعانيان من مشكلة بتر أعضائهما الجنسيّة. ابنة السلطان تعيش في قصرها منتشية بحياتها الباذخة، ترضخ لرغبة والدها بالزواج من أحد التجّار المتنفّذين، تكتشف معه لذة الجنس، لكنها تحقد عليه نتيجة مجونه مع النساء، وتسعد بموته في رحلة من رحلاته البحرية، ثمّ تعيد اكتشاف جسدها وشهوتها مع عبدها سندس الذي يتدرّج في تولّعه بها، وملامساته العابثة المدروسة لجسدها رويداً رويداً وصولاً لمرحلة المكاشفة والمصارحة والاعتراف، ثمّ تبادل الحبّ والوعد بالحماية والبقاء معاً إثر غارة عدد من الثوّار على قصرها بالتواطؤ مع سندس، ومسعاهم لحيازة أسلحة تمهّد لهم طريق الثورة والحرّية. إخصاء وغفران يقع السلطان بين براثن الإنكليز الطامعين بالبلاد، وذلك بعد إخصائه بطريقة مثيرة على أيدي عبيده الذين كان ينال منهم، وكان يفترض أنّه أرسلهم إلى السجن للموت فيه، ويجد نفسه راضخاً لقوّة أشدّ بأساً وجبروتاً وطغياناً منه، يبدأ بالاعتراف بفشله في إدارة البلاد وتطويرها من مختلف النواحي، والكارثة التي حلّت على طبقة المصنّفين سادة، ورزوحهم في جهلهم وتخلّفهم، وعدم قدرتهم على مواكبة مستجدّات العصر، والاعتماد المطلق على العبيد في الأعمال والمهمات الحياتية جميعها، لدرجة الفشل التامّ الذي شلّ الجميع حين إعلان القوّات الإنكليزية تحرير العبيد وانتهاء عصر الرقّ والاستعباد بشكل تمثيليّ مهيّئة بذلك لاستعمارها واستغلالها بطريقتها الاستعمارية الحديثة. "المحب ليس لديه وازع"، يتحوّل هذا المثل السواحيليّ إلى تميمة للشخصيّات الهاربة من مصيرها، العالقة في قيود ماضيها، المرغمة على دفع ضريبة أفعال غيرها، ويتحوّل بصيغة من الصيغ إلى "المنتقم ليس لديه وازع"، ذلك أنّ الانتقام يحوّل المسكون به إلى قوّة هادرة للفتك بمَن نكّل بأهله وقتلهم ويتّمهم ودمّر أرضه وحياته. النهاية التراجيديّة التي يختم بها بركة ساكن عمله تخلّف أسى مضاعفاً، ذلك أنّ جثّة الأميرة الملقاة على الشاطئ بعد اغتصابها من قبل أحدهم، وكان يفترض به إنقاذها، لكنّه أذعن لنداء الانتقام الذي يقضّ مضجعه، وكان أن دخل في مناجاة مع نفسه ومعها قبل إقدامه على جريمته بحقّها، ومعرفته بأنّها بريئة من أفعال أبيها الإجراميّة، لكنّه لم يستطع لجم غضبه وتحسّره على أمّه التي اغتصبها والدها السلطان، وأهله الذين قتلهم، بينما ظلّ رضيعاً أنقذته كلبة أرضعته، ولم يفلح في كبت الوحشيّة التي تغوّلت في كيانه ودفعته للتنكيل بها بتلك البشاعة. "سماهاني" وتعني طلب الصفح، الاعتذار، الغفران، العفو، المسامحة في اللغة السواحيليّة، تتشعّب في الرواية معنى وحضوراً وتتوزّع على الشخصيّات، كلّ شخصيّة تشعر بأنّها مدينة باعتذار لأخرى، وفي الوقت نفسه مدينة بالاعتذار لتاريخها ومكانها، وفي عالم يفقد فيه الاعتذار معناه، ولا يستدلّ ضحاياه إلى أيّ طريقة للصفح عن بعضهم بعضاً يكون الانتقام سيّد الحياة نفسها، ورسول القتل والحقد والاستعداء الدائم. يحيل الروائيّ طلب الصفح والعفو إلى القوّات المحتلّة لإفريقيا، يرمز إلى ضرورة أن تتحلّى بالجرأة للاعتراف بجرائمها هناك، وتسعى إلى طلب المغفرة من أبناء تلك البلاد، عسى أن تمهّد لبداية تأريخ جديد مختلف عن ذاك الملعون بكوارثه وخيباته وهزائمه وجرائمه بحقّ الناس هناك. يكتب ساكن بنفَس ملحميّ عن مجتمع سواحيلي تعرّض لكثير من محاولات التشويه والتدمير على أيدي الغزاة، وواقع أنّ كلّ محتلّ حاول الدعوة لدينه ونشره بينهم، وإجبارهم على اعتناقه، ومحاولة إقناعهم أنّه الملاذ الوحيد لهم، فكان المحتلّون البرتغاليّون وبعدهم العُمانيون الذين أخرجوهم من هناك، ثمّ الإنكليز وغيرهم من الأوروبيين الطامعين بثروات تلك البلاد وأبنائها. يشير صاحب "مسيح دارفور" إلى نهاية عصر الرقّ الذي افتتح بنوع جديد من الاسترقاق، وهو استرقاق الاستعمار الحديث المتقنّع بأقنعة الحداثة وحقوق الإنسان وتحرير العبيد، والماضي في سبيله إلى نسف بنية البلاد ونهب ثرواتها، وإعادة تجميع القوى في أيدي قوى تابعة لها تضمن استمراريّة مصالحها ونهبها الدائم. أثناء قراءة "سماهاني" يستعيد القارئ عوالم رواية "قلب الظلام" للإنكليزي جوزيف كونراد (1857 – 1924)، كما يستعيد أجواء رواية "حلم السلتيّ" للبيروفي ماريو بارغاس يوسّا الذي صوّر الفترة نفسها تقريباً ولكن في منطقة إفريقية أخرى، هي الكونغو، واقتفى جانباً من تداعيات صراع القوى الاستعمارية التي تمثّلت بالبلجيكيين وبعض الأوربيين الآخرين هناك، وتعاملهم المجحف مع السكّان الأصليّين واستغلالهم وثرواتهم لخدمتهم ومصالحهم الاستعماريّة، وكان ذلك من خلال حكايته لسيرة الدبلوماسيّ الأيرلنديّ روجر كيسمنت (ولد في 1864 في دبلن - وأعدم العام 1916).

أضيفت في 03 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 55