من الكتب التي أحرص على اقتنائها , لإستكمال دراسة تخصص التأهيل والرعاية الطبية

أضيفت في 04 أغسطس 2015 تاريخ القراءة 31 ديسمبر 1969 الزوار : 24
الرواية مو كاملة لما حملتها تخلص عند صفحة 118 

أضيفت في 03 أغسطس 2015 تاريخ القراءة 31 ديسمبر 1969 الزوار : 49
عرف العالم الأديب الألباني “إسماعيل كاداريه” عام 1963 وتحديدًا عندما خرجت روايته “جنرال الجيش الميت” إلى النور، وأضحت كتاباته هي النافذة الأدبية الوحيدة للعالم على ألبانيا. وهو واحد من أهم الكتاب المعاصرين في العالم وتُرجمت كتبه إلى أكثر من 50 لغة، بحسب كتاب الدكتور “باشكيم كوتشوكو” الأستاذ في جامعة تيرانا: “كاداريه في لغات العالم”؛ حيث يقول إن كتبه تقدر بعدة ملايين نسخة حول العالم، ولا يفوت أسبوع جديد إلا وتصدر نسخة أو ترجمة جديدة لها. _«_ê_ش_د 1 كاداريه ولد عام 1936 في مدينة “جيروكاسترا” جنوب ألبانيا، وهي أيضًا مسقط رأس الديكتاتور الألباني “أنور خوجا” الذي حكم البلاد لأكثر من أربعين عامًا (1944-1985)، وأسس في ألبانيا واحدة من أكثر الأنظمة شمولية وسلطوية. تأثر كاداريه ذو النشأة الإسلامية بتلك المدينة الصغيرة التي صبغت -بتاريخها وإحاطتها بأجواء الصراع الشرس والممتد على أرض البلقان- تناوله لتيمات الحرب والعنف، كما حرص أن يوظف التراث والأسطورة والدجل والفلكلور المرتبط بثقافة البلد في كتاباته كما في روايته “تاريخ من الحجر” الصادرة ترجمتها العربية عام 1989 تحت عنوان “قصة مدينة الحجر” عن دار الآداب – بيروت. يتناول في هذه الرواية قصة المدينة “جيروكاسترا” دون أن يشير إليها قط، مع رغبته في إضفاء عناصر الخيال والرهبة عليها. يصورها في بداية كتابه كمدينة سحرية مائلة على أعقابها، لم تبن سوى بالأحجار القاسية: “حتى إن أحد البيوت يلامس أسس الآخر، وكانت بالتأكيد المكان الوحيد في الدنيا الذي لو انحدر فيه المرء على جانب أحد الشوارع لأوشك أن يُلقي بنفسه على أحد السطوح“. _«_ê_ش_د2 وقبل أن يبادر بتأويلات المدينة العجيبة يدرك القارئ أن القصة محكية بعيون طفل صغير لم يتجاوز الثامنة، ولوهلة أولى تظن أن هذا الطفل هو “كاداريه” نفسه الذي عاش فيها إبان الحرب العالمية الثانية، وهو في تناوله بتلك الطريقة لا يقل خبرة وروعة عن “وليام فوكنر” في روايته “الصخب والعنف” عندما تناول الأخير حكايته على لسان طفل معاق ذهنيًا. _«_ê_ش_د3 وبخلاف الوصف الجائر على الحدث، فإن خيال الطفل يحكي بسحر عن الطبيعة مثلًا؛ فيعطي للماء والسهول والجسور روحًا لتصير أشخاصًا لها إرادة وعقل: “إذا كان النهر يكره الجسر، فإن الطريق كانت تبدي نفس الكره“. يسرد كيف يلعب ويقضي أيامه بين جنبات المدينة الرحبة، يتبادل طوابع البريد مع أقرانه، ويمثلون دور الاستعماريين وهم يتقاسمون البلاد فيما بينهم: “قال لي:  – سوف ترى ما يجري حين تذبح الدول.. – الدول؟! تلك المرسومة على طوابع البريد!“. _«_ê_ش_د4 قليلًا ما تناول “كاداريه” في كتاباته الكثيرة تجاربه الذاتية، فيما عدا رواية “الدمية” التي يتناول فيها علاقته بأمه، فمن ناحية أدبية كانت أعماله تشي باهتمام خاص بألبانيا لأنها كانت تحمل هوية الدولة وسجلها برؤية إبداعية تقرّب للقارىء روح الشعب، بتراثه ويوميّاته وأساطيره وكل ما يمتّ إليه بصلة. _د_______د__ وفي هذه الرواية “قصة مدينة الحجر ” -رغم عدم تصريحه بذلك-، تدرك بنظرة على حياته، أنها أكثر الروايات التي يتحدث فيها عن نفسه؛ فرغم نشأة الطفل لأبوين مسلمين إلا أنه يفتتن بكلام “عيسى” و”جعفر” أكثر الشباب ثقافة في المدينة. ويظهر فيما بعد إيمانهما بالشيوعية، لتبدأ مرحلة أخرى في عقله تبني تلك الأفكار كمخلص من آفات العالم الحديث وخرافات الإرث والماضي وأوهام التدين. _â_د_»_د___è_ç 1 فرغم التطور، يظل الناس يعتقدون أن من يضع نظارة طبية على عينه عمل شائن، ولا يفعل هذا سوى الغرباء أو الجواسيس. ودائمًا ما تكون آراء العجائز متبلدة خاضعة في مواجهة تهور الشبان ورغبتهم في التغيير: ” لم أنت ظالم إذن، أتريد أن ترى العالم على غير ما هو عليه، لم تتمرد إذن؟“. وعندما يقرر الطفل الصغير القراءة فإنه يلجأ إلى هؤلاء الشبان الذين كانوا صوتًا للعقل والحكمة؛ لينصحوه بكتب يدركها، فيسترق السمع إلى أحاديثهما التي لا يفهم منها الكثير، لكنهما بلا شك كانا أكثر المراجع التي اعتمد عليها في تكوينه. فبخلاف لهو أطفال، قريته بالأعمال السحرية التي تغرق مدينتهم من قصاصات الشعر والأظافر واللفائف القماشية التي تخبئها الساحرات لإلحاق المصائب والمرض، وبرغم رعب الكبار من تلك الأعمال، كان الأطفال يقضون جل وقتهم في البحث عن الأشياء السحرية المخبأة في أركان المدينة، وعندما يجدون شيئًا منها يظلون يلهون بها غير آبهين بركض رجال المدينة وراءهم خوفًا من إلحاق اللعنات بحياتهم. حينها تبدو المفارقة المتعمدة بين الأفكار الشابة وأفكار العجائز، وفي شبه مباشرة يشير نحو طريق الخلاص من سيطرة الجهل والتخلف نحو الاشتراكية والمناهج الحديثة. وينشغل الطفل كثيرًا فيما بعد بمراقبة الطائرات التي تحط وتطير من المطار الذي بناه الطليان إبان حكمهم للمدينة، فيتابعهم كأصدقائه ويطلق عليهم أسماء، بل يقلق وينشغل قلبه إذا تأخرت إحداها ولم تعد في ميعادها المحدد. كان عقل الطفل الصغير مشوشًا بتلك الكائنات الجديدة على عالمه ومدينته، فرغم تشاؤم كل المدينة منها، كان يحمل لها حيزًا في قلبه وكأنها طائراته الخاصة: “لقد أصبح لنا طائرتنا – لقد أصبحنا الآن هائلين، سوف نقصف نحن أيضًا المدن الأخرى كما تقصف مدينتنا..“. كانت الحقيقة أن المدينة ترزح تحت قصف الطائرات الإنجليزية كل مساء، ولم يع الطفل أن “طائراته” لابد أن تذهب لقصف مدن مسالمة أخرى كمدينتهم لا يد لها في الحرب كما أوعته أمه، فحولت الحرب أطفال المدينة إلى عاشقين للقتل والخراب، وكثيرًا ما كانت تحوم طائرات هاربة حول المدينة بلا هدف، تهرب من تنفيذ مهمتها ولا تملك أن تعود، فيثور الأطفال ويدفعون البالغين لأن يصوبوا مدفع القرية القديم نحوها كمجرد لعبة للتسلية. الموت المحاصر لهم لا يلبث المؤلف أن يقدمه بكل الصور حتى وإن تخفى بين الأزهار؛ ففي الحادثة التي أشار إليها في محاولة اغتيال ملك إيطاليا “فيكتور عمانويل الثالث” في تيرانا عاصمة ألبانيا، كان الشاب يخفي مسدسه في باقة ورد ترحيبًا بقدوم الملك. والحادثة حقيقية؛ ففي مايو عام 1941 نجح المدعو “فاسيل لاسي” في إيجاد وظيفة في الفندق الذي سينزل فيه ملك إيطاليا، ثم قام بماهجمة السيارة التي كانت تقله، فأطلق عليه أربع طلقات قائلًا: “تحيا ألبانيا.. تسقط الفاشية“، لكنه فشل وتم شنقه ثم اعتباره بعد خروج الاحتلال بطلًا قوميًا. حتى تصوير الكاتب لومضات الأمل كانت خيالية وناتجة عن إحباطات من النوع الذي يدفع الإنسان ليغطي على خيبته؛ ففي ذروة القصف الإنجليزي على المدينة يذهب الطفل مع جدته سويًا والعجائز إلى مخترع المدينة غريب الأطوار بعدما أعلن اختراعه لأول طائرة تعمل بطاقة خفية ولا تحتاج للوقود، ورغم أن طولها لا يزيد عن المترين ولا تتحرك فضلًا عن خامتها الخشبية؛ إلا أن وسط رثاء وسخرية الأطفال منه، كانت المدينة تؤمن بقدرتها على مجابهة الطائرات الحديثة، لكن تمر الأيام ولا تظهر مرة أخرى ولا تتحرك شبرًا. تتبلور فكرة الاستسلام للواقع والتكيف حتى عندما ننظر إلى حياة الكاتب نفسه؛ ففي ظل النظام القمعي الذي استمر عشرات السنين استطاع “كاداريه” أن يتوافق معه إلى أبعد حد؛ ففي سنوات قليلة أصبح الابن المدلل للنظام، كما كانت عضويّته في البرلمان الألباني تشكل مكافأة كبيرة لولائه. ورغم ما حدث عام 1975 حين كتب قصيدة ساخرة ما أدى إلى منع نشر أعماله لثلاث سنوات كاملة، تظل هذه الحادثة بسيطة في تاريخ علاقته بالسلطة؛ حيث ظل “كادرايه” واحدًا من المدافعين الكبار عنها، كما سلطه النظام للهجوم والتشنيع على الكتاب والروائيين المعارضين وتسفيه أعمالهم بحكم مكانته التي صنعتها السلطة آنذاك. كانت وفاة الديكتاتور “أنور خوجا” عام 1985 نقطة تحول كبيرة في حياة المؤلف؛ ففي عام 1990 هرب إلى فرنسا حين كان النظام الشيوعي على وشك السقوط في بلاده واصفًا نفسه بالمنفي من بلاده وقد كفر بالشيوعية وقتها؛ حيث حرص على إصدار بيان يشيد بالديمقراطية واصفًا الديكتاتورية بأنها العدو الأول للإبداع. ورغم اندهاش الجميع ممن اعتبروه كاتب ألبانيا الرسمي والواجهة الشيوعية لها، ادعى كاداريه معارضته للنظام الشيوعي كل تلك السنوات وتجميل الصورة التي ابتدعها لنفسها، وبرر أن كل رواياته السابقة كانت لفضح النظام الشيوعي وقد أسيء تأويلها؛ فقام بدور المتمرّد على النظام السابق في بلاده سواء في تصريحاته أو في مقالاته وكتاباته الجديدة، وحتى تفسيراته لمؤلفاته القديمة وتصريحه برغبته في نجاح المعارضة لتنعم البلاد بحكم ديمقراطي. يقول “إسماعيل كاداريه” إنه كرّس أكثر من حياته لفضح نظام “أنور خوجا” القمعي من خلال أعماله الروائية. ورغم تلونه السياسي، اعترف العالم الأدبي بعطاءات “كاداريه” بمنحه عام 2009 جائزة (أمير أستورياس) الإسبانية المرموقة وتعيينه عضوًا أبديًا في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية منذ عام 1996، وحصل أيضًا على الجائزة العالمية (تشينو دل دوكا) عام 1992، وجائزة (مان بوكر) 2005، وأخيرًا نال (جائزة القدس الدولية)، ويخيب أمل الكاتب الألباني الحالم “بنوبل ” كلما وصل إلى الترشيحات سنة بعد الأخرى ولم ينلها، معتقدًا كما قال إن مسامحة الشعب الألباني لماضيه يبدو شرطًا لنيل الجائزة الأدبية الأعرق.

أضيفت في 03 أغسطس 2015 الزوار : 27
تبدأ “ حماقات بروكلين “  رواية بول أوستر التي صدرت حديثا عن دار المدى وبترجمة المترجم القدير اسامة منزلجي  بجملة خادعة. «كنت أبحث عن مكان هادئ أموت فيه، واقترح أحدهم بروكلين» يقول الراوي الذي لا يجد غير الحياة والخلاص في المدينة.  ناثان غلاس موظف كبير في شركة تأمين نجا لتوه من سرطان الرئة وزواج فاشل. يبحث بعد طلاقه عن معنى جديد لحياته في حياة الآخرين، ويصحح الأخطاء في حياة الأقرباء والغرباء سعياً معهم الى السعادة. وحدها «حماقات بروكلين» بين روايات الكاتب الأميركي تنتهي نهاية سعيدة وإن ملتبسة. يخرج الراوي من المستشفى صباح الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 بعد أن طمأنه الأطباء الى انه لم يصب بنوبة قلبية كما ظنوا سابقاً. «يمشي بسرعة في الصباح البارد (...) سعيداً كأي رجل عاش قبله». بعد ساعتين ستنجرف «رائحة ثلاثة آلاف جثة محروقة نحو بروكلين» لكن الرواية تبقى ملهاة في نظر أوستر لأن الجميع يحسّن حياته فيها. في الرواية شاب يهجس بـ «الام الكاملة الجميلة» التي استمدها الكاتب من شابة كان يراها عندما يوصل ابنته صوفي الى المدرسة. افتتن بها لكنه توقف عن مشاهدتها عندما تغيرت المدرسة بعد خمسة أعوام. التقى بها مجدداً في اليوم الذي جعلها شخصية في الرواية و «كانت جميلة كعهدي بها». تنتقل شخصياته من صدفة لا تصدق الى أخرى، وتبقى الصدفة التي يلازمها الموت موضوعه الوجودي الأكبر. روايته «ليلة الوسيط» تبدأ برجل أعمال يهجر أسرته ليبدأ حياة جديدة بعد أن كاد يقتل بعارضة تقع قربه. يُنتقد للصدفة المصطنعة في أعماله، لكنه يصر على ان «الصدفة تحكم العالم، والعشوائية تلاحقنا كل يوم من حياتنا التي قد تؤخذ منا في أي لحظة بلا سبب». لاحقه اللامتوقع مذ كان في الرابعة عشرة عندما قتل فتى قربه بصاعقة أثناء رحلة الى الغابة ونجا هو. تكرار الصدف جعله يؤمن انها إحدى آليات الواقع، وامتحن نظريته بمسابقة اذاعية طلب فيها من المستمعين كتابة قصة عن أحداث غير عادية في حياتهم، وجمع افضلها في انتولوجيا عنوانها «قصص حقيقية من الحياة الأميركية». كتب أحدهم انه شاهد دولاباً يتدحرج على الطريق كلما ترك وظيفة، ساعي بريد أوصل رسالة الى العنوان الخطأ وأدت الغلطة الى زواج. امرأة أضاعت طقم الصحون الذي توارثته العائلة عندما انتقلت من منزل الى آخر، ووجدته بعد عشر سنين في سوق البرغوت. في «مدينة الزجاج» أولى روايات «ثلاثية نيويورك»، التي تضم أيضاً «أشباح» و «غرفة مغلقة»، يتلقى كوين اتصالين من رجل يطلب التحدث الى «التحري بول اوستر». يقول ان الرقم خطأ ثم يقرر قبول القضية عند الاتصال الثالث. كان أوستر نفسه تلقى اتصالين يطلب المتحدث فيهما وكالة بنكرتون للتحري، وبعد عشرة أعوام على نشر الرواية وتغيير مكان سكنه ورقم هاتفه تلقى اتصالاً من رجل يطلب التحدث الى كوين. تجد شخصياته نفسها في ظروف غير معقولة، ويتهمه النقاد بأنه يمط الحقيقة ليكتب قصة خطط لها، لكنه يصر على ان رواياته واقعية وان المستحيل يحدث كل الوقت. يقول في «مدينة الزجاج» ان «لا شيء حقيقياً إلا الصدفة» ويعيد الكرة الى ملعب النقاد فيتهمهم بأنهم «قرأوا كتباً أكثر من اللازم، أمر أثر في طريقتهم في رؤية الواقع». يروي ان اميركيين التقيا في تايبي، تايوان، واكتشفا ان شقيقتيهما تعيشان في المبنى نفسه في نيويورك. ثقب دولاب في سيارته أربع مرات وفي كل مرة كان معه الصديق نفسه (تدهورت علاقتهما بعد الثقب الرابع). فقد 10 سنتات ووجدها في اليوم نفسه عندما كان يلعب بالكرة في مدرج شيه. «إذا كنت متديناً ترى يد الله في ذلك. إذا كنت صوفياً ترى تناغماً كونياً أسمى. لكنني لا أفكر بهذه الطريقة. ربما كانت هذه هي اللحظة التي تبدأ الحياة فيها بالعمل كأنها فن». ينتقد بعضهم «لعبته شبه الفلسفية» و «كتابته العقلية الزائفة» ويرونه جذاباً ولكن من دون أفكار. لم تتغير مواضيعه، ولا تزال تدور حول طبيعة الحتمية والهوية في المجتمع المدني، وتأثير الأحداث والصدفة على الفرد. يتكرر ظهور رجل تحر وشخصيات تختفي وتغير أسماءها، لكن سلمان رشدي لا يرى ذلك مسيئاً، فالتكرار يحدد شخصية الكاتب ويعلم القارئ كيف يقرأ أعماله. درس أوستر سنة واحدة في جامعة كولومبيا حيث انعزل وقرأ بشراهة وأتته «كل الأفكار لا أعتقد بأن فكرة جديدة خطرت لي منذ كنت في العشرين». وجودي فرنكوفوني وما بعد بعد - حداثي، يهمل المكان الذي يأخذ مكاناً رئيساً في الأدب الأميركي وينطلق من الداخل الى الخارج. ليست وظيفة الكاتب تصوير مجتمعه كما قال إميل زولا بل استكشاف طبيعة الهوية وضغط الماضي على الحاضر والبحث عن التسامي والخلاص. تأثر بكافكا وبيكيت وكامو، وقيل انه يكتب روايات فرنسية باللغة الانكليزية. يأخذ الموضوع والشكل الأميركيين ويطبعهما بحساسية أوروبية وجودية وعبثية. يثير اتهامه بالعقلانية الجافة عجبه: «كل ما أكتبه يتعلق بالحياة والعاطفة ومحاولة فهم الأشياء بصدق». تنقل رواياته أحداث حياته لكن «اختراع العزلة» و «كفاف يومنا» هما الأكثر تسجيلاً لها. بقي والده سام لغزاً الى ان اكتشف بول انه شاهد وهو في السابعة والدته تقتل والده في المطبخ لخيانته لها. لم تسجن جدة الكاتب منعاً ربما لتشرد أطفالها، لكن والده نشأ بلا مشاعر واكتفى بالقليل من الآخرين. عمل مهندساً في مختبر المخترع توماس أديسون في نيوجيرزي في 1929، وطرد بعد يوم واحد «لأنه يهودي» وفق العائلة. بعد خمسين عاماً كان بول يشعر انه يسقط بعد انهيار زواجه من ليديا ديفيس. شاهد رقصاً عصرياً مع أصدقاء، وعندما عاد الى البيت كتب للمرة الأولى في الشهر. «قرأت الكثير وعرفت الكثير وكنت أختنق به». أنهى قصيدة نثرية سماها «مسافات بيضاء» عن صعوبة الكتابة في الثانية صباحاً وبعد خمس ساعات تلقى اتصالاً يقول ان والده توفي وترك له مالاً يمكنه من التفرغ للكتابة. بعد اسبوع بدأ يكتب «اختراع العزلة» عن والده «الرجل الخفي». في أقصى لحظات الوحدة نكتشف اننا لسنا وحدنا (...)  لأننا مسكونون بالذكريات عمن أحببناهم والتجارب التي جمعتنا». يتحدث عن ابنه دانييل الذي سرق ثلاثة آلاف دولار من جثة مروج مخدرات قتل أثناء وجوده في شقته. في «ليلة الوسيط» كاتب لديه ابن مدمن على المخدرات يهاجم زوجة أبيه، وفي رواية زوجة أوستر الثانية سيري هوستفن «ما أحببته» شخصية مستوحاة من دانييل أيضاً. أصيب أوستر بالتهاب الأوردة أثناء رحلة الى كوبنهاغن. قوة الإرادة وحدها جعلته واحداً من أبرز كتّاب أميركا وأغزرهم. لم يكمل دراسته الجامعية، لكنه تعرف الى زملاء انضموا الى منظمة «وذرمن» الإرهابية الهيبية التي عارضت المؤسسة العسكرية – الصناعية. دخل مكتب البريد يوماً وشاهد صور اثني عشر مطلوباً كان يعرف سبعة منهم. عمل منظفاً في ناقلة aنفط وعاش في باريس ثلاثة أعوام في عوز كامل. يشير في «كفاف يومنا» الى «حاجة خانقة طاحنة دائمة الى المال سمّمت روحي وجعلتني في حال ذعر لا تنتهي». في التاسعة والخمسين اليوم، وثراؤه لا يمنع خوفاً آخر يشعر بالامتنان معه من مباهج الحياة الصغيرة. «كل وجبة، كل كأس، كل قبلة، كل شيء جميل يحدث

أضيفت في 03 أغسطس 2015 الزوار : 55
تتمثل واحدة من مصائب الثقافة العربية في جانب منها في تبعيتها للآخر الغربي المتفوق تحديدا وانبهارها العصابي بما يقدمه حدّ العمى الذي يصيب بصرها وبصيرتها. ومصيبتها الأكبر الأخرى هو ما نسمّيه في علم النفس تماهيها مع المعتدي، identification with the aggressor حيث تصبح الضحية ملكية أكثر من الملك نفسه، متماهية مع جلادها، متوسمة أفكاره ومقتفية اثر سلوكياته بما يشبه العمى النفسي، psychological blindness . من ذلك أن النقاد والكتاب والقراء يبدأون، فجأة، بتداول عمل أدبي غربي، مترجم، بحماس فائر غريب، وتحيّز حاد أغرب، إلى حد أنهم يعدّون من يدعو إلى وقفة تأملية عميقة ومراجعة نقدية جذرية للعمل متخلفا ورجعيا ومتحجرا، لا يمتلك المرونة المطلوبة والتطور والإنفتاح الفكري الكافي للتعاطي مع تيار الحداثة وما بعد الحداثة. ولا أعلم أين هي الحداثة العربية لكي أزور بنتها المابعد حداثة. خداع للنفس وتضليل للذات. وهذه مصيبة أخرى حيث يتشدق النقاد والكتاب العرب بمفاهيم ومصطلحات الحداثة وما بعد الحداثة وهي ليست لهم ولا من عرق جبينهم ولا من نتاج مجتمعهم. ما هم إلا كائنات طفيلية تعتاش على فتات موائد الحداثة وما بعد الحداثة الغربيتين. يتخلى عرّاب البنيوية النقدية اللغوية رولاند بارت عن البنيوية ويعدّها غير كافية للتعامل مع النصوص، ليأتي بعده بعشر سنوات ناقد مصري لينفض عنها التراب ويهوّس بها كحل وحيد لمعضلة الحداثة النقدية العربية المهم أن من الأعمال الأدبية التي تداولها النقاد والقراء العرب بحماس عشائري، وكأن المؤلف إبن أختهم هي أعمال الروائي الأمريكي بول أوستر الصورة رقم 1 وفي مقدمتها ثلاثية نيويورك و في بلاد الاشياء الأخيرة . كنت أقول لبعض أصدقائي في بغداد من نقاد وقراء إهدأوا ودعونا نقرأ بهدوء وروية فيأتي الرد يمعوّد عمل عظيم .. وروائي فذّ. طيّب. سأتوقف هنا عند رواية في بلاد الأشياء الأخيرة لأتناول ثلاثية نيويورك في مناسبة أخرى. تدور وقائع رواية في بلاد الأشياء الأخيرة فعليا في بلاد بلا إسم ولا نعرف مكانها سوى أن البطلة آنا بلوم وصلت إليها بعد رحلة في سفينة استغرقت عشرة أيام؛ بلاد تلفظ فيها كل الموجودات إنسانا وأشياء أنفاسها الأخيرة، ويحتضر كل شيء ببطء مرير، وتتهاوى متناثرة إلى اللاشيء واللاجدوى. هذا ما يفتتح به الروائي روايته بصورة مباشرة على لسان بطلته آنا بلوم التي تكتب مخاطبة صديقها السابق في بلادها القديمة فالرواية عبارة عن رسالة طويلة، مستهلة حكايتها بـ الأشياء الأخيرة كتبتْ هذه هي الأشياء الأخيرة. إنها تتوارى الواحد تلو الآخر ولا تعود البتة. في مقدوري إخبارك عن تلك التي شاهدتها، عن تلك التي انعدمت، ولكني أشك في أنه سيكون لدي متسع من الوقت. تجري الأمور الآن بسرعة هائلة، وليس بوسعي مجاراتها. لستُ أتوقع منك أن تفهم. أنت لم تر شيئا من هذا، وحتى لو حاولت فإنك لن تتمكن من تخيّله. هذه هي الأشياء الأخيرة. ترى منزلا في اليوم الأول، وفي اليوم التالي يضمحل.. هناك أناس شديدو الهزال إلى درجة أنهم يتطايرون في الريح. ليس مشهدا غير معهود أن تشاهد أشد الأشخاص نحولا يتجولون أزواجا وثلاث، وأحيانا عائلات بأكملها موثقة معا بحبال لموازنة بعضهم بعضا بمواجهة العصفات، ص 7 و9 . كان الجوع ماحقا حدّ أن بعض الأناس شديدي النحول يضعون كتل تقوية من الصحف لـ ملء أنفسهم. ولدرء فعل الجوع المميت يأكل بعض الاشخاص الجرذان راجع الوصف المقزز والمغثي لطريقة شي والتهام فرديناند زوج إيزابلا التي آوت آنا بلوم في شقتها، ص 64 . القتل والسلب والسرقة ليست مخاطر قد تحصل بل هي مكونات من صلب الواقع اليومي . كان الأمن استثناء. ووسط هذا الواقع المرير والمدمّر، صار تمنّي الموت، والعمل على وقوعه، هدف قسم كبير من سكان هذه البلاد. هناك مثلا عيادات القتل الرحيم حيث العروض المغرية للموت طبّيا مع الترفيه حسب القدرة المالية للشخص .. وهناك نوادي الإغتيال التي ينظم إليها الفرد مقابل رسم معين ويحدد قاتل لمهمة قتله من دون أن يعرفه أو يعلم موعد وطريقة التنفيذ. وهناك العدّاءون الذين يقتلون أنفسهم بالركض .. والقافزون الذين يلقون بأنفسهم من أعلى البنايات .. وهكذا. وأغلب الجثث في الشوارع عارية لأنها تُجرد فورا من ملابسها وأحذيتها وأسنانها الذهبية والفضية وغيرها. ووظيفة الحكومة الرئيسية هي إرسال شاحنات لالتقاط الجثث فقط لقد أصبحنا كلنا وحوشا .. الحياة كما نعهدها انتهت ، ولا أحد قادر على الرغم من ذلك على إدراك ما حلّ محلها .. ومن أجل أن تعيش .. يجب أن تجعل نفسك تموت. ولهذا استسلم كثيرون، لأنهم مهما ناضلوا بشدّة فإنهم يعرفون أنّ الخسارة أمر محتوم. وانطلاقا من هذه النقطة تصبح المقاومة بالتأكيد أمرا لا فائدة منه على الإطلاق، ص 27 . وأهم سؤال سيثور في وجوهنا كمتلقين في مثل هذا الواقع هو ماذا سيحدث حين لا يبقى أي شيء. وإذا كنا سنستمر على قيد الحياة إذ ذاك ، أو لا ، ص 37 . من النتائج التي تترتب على هذا السؤال الصادم هو تجاور اليأس الخالص مع اختراع مذهل إلى أقصى الحدود، كتصاعد قيمة الغائط البشري حيث خُصصت دوريات ليلية لجمعه ليصبح مادة أولية عزيزة لإنتاج الطاقة وبالمناسبة فإن أكثر من احتفى بالغائط البشري واستكشف أعماقه الفلسفية هو كاهن التفكيك الأكبر جاك دريدا كما سنرى في مقالة مقبلة . وليس من حق أي شخص دفْن جثة أي ميت مهما كان قريبا منه لأن الجثث تُستخدم أيضا لتوليد الطاقة وإلى تلك البلاد التي لم يعطها الروائي اسما كما قلنا لتعميم حالة الخراب الشامل، وحيث يتسيّد شبح الموت على كل زاوية من زواياها، ترحل آنا بلوم المدللة والمرفهة والنزقة، للبحث عن شقيقها الصحفي ويليام الذي أرسلته إدارة الصحيفة التي يعمل فيها لوصف الحياة في بلاد الأشياء الأخيرة هذه، ولم يعد منذ تسعة شهور. ولم تعد هي الأخرى حيث سُدّت عليها كل منافذ الرجوع هناك الداخل مفقود والخارج مولود . لم يفلح رئيس التحرير بوغات في ثنيها عن عزمها، ولم تردعها توسّلات أمّها ودموعها. وصلت هذا العالم المفزع وهي لا تحمل سوى صورة لصحفي ثان اسمه صموئيل فار أو سام أرسل وراء ويليام وانقطعت أخباره أيضا. هكذا تنبري هذه الفتاة الحالمة لمهمة البحث في عالم يذيقها الأمرين .. العذاب والقلق المشتعل ومحاولات الإغتصاب والقتل والإجهاض والجراح والجوع والبرد الثلجي المميت. وحتى الصفحة 109 من الرواية ننفعل ونتفاعل بمعاناة البطلة لأنها بلا تخصيص عرقي . هي حالة إنسانية إبداعية بالرغم من أن حكايتها ليست من أولويات انشغالات المتلقي العربي بل الإنسان المقهور عموما في العالم الثالث حتى لو جاءت تحت شعر الواقعية القذرة كما تُصنف أعمال أوستر وغيره من الكتاب الأمريكان. ولكن يأتي فعل الإيديولوجيا المبيّت من قبل بول أوستر في الصفحة 109 حيث تقتحم آنا المرعوبة والمطاردة من قبل الشرطة بعد هروبها من تجمع للشغب متعلق بندرة الطعام باب عمارة حجرية ضخمة، دافعة رجلا حاول منعها مسقطة إياه على الأرض ومتخلصة منه في ممرات العمارة التي ظهر أنها المكتبة الوطنية التي كانت تتآكل أيضا حيث الأعمدة المتصدّعة والساقطة والكتب والأوراق المنثورة في كل مكان بلا اهتمام. ولندعها تنقل لنا المفاجأة التي أعدّها لنا بول اوستر .. كان الباب الثالث مفتوحا. في الداخل كان خمسة أو ستة رجال قاعدين حول طاولة خشبية، يتحدثون عن أمر طارىء، أصوات مفعمة بالحيوية. كانت الغرفة عارية وخالية من النوافذ، وذات طلاء مصفر متقشر على الجدران، ومياه تقطر من السقف. كان كل الرجال ملثمين ومرتدين ثيابا سوداء ومعتمرين قبّعات. وروّعني بشدة اكتشاف وجودهم هناك ، فلهثت لهاثا خفيفا وجعلت أغلق الباب. غير أن أكبرهم سنّا استدار من على الطاولة مبتسما لي بروعة، ابتسامة مليئة بالحنان واللطافة فتردّدت. سألني هل من خدمة نستطيع أن نقدمها لك، كان هناك لكنة ثقيلة في صوته وكانت قد ضاعت منه جميع الثاءات وكان يلفظ حرف الواو بشكل طبعا هذه من سمات اللغة اليهودية، الناقد ، ولكني لم أستطع أن أحدّد إلى أي بلد ينتمي. وعندها نظرتُ في عينيه فاعترتني دفقة من التقدير. وهمستُ ظننتُ أن جميع اليهود قد ماتوا قال وهو يبتسم لي ثانية هناك قلّة منّا ذهبت. وليس من السهل التخلّص منّا، هل تدرين، قلتُ من غير تفكير أنا يهودية أيضا وأُدعى آنا بلوم، ولقد قدمتُ إلى هنا من مكان قصيّ. لقد مضى على وجودي في المدينة سنة إلى الآن. إنّي أبحث عن شقيقي ، أخشى أنكم لا تعرفونه. إنّه يُدعى ويليام . ويليام بلوم . أجابني هازّا رأسه باسف قئلا لا يا عزيزتي، أنا لم ألتقِ شقيقك أبدا. وتطلّع إلى رفاقه حول الطاولة ، وسألهم السؤال عينه. .. وبعد نقاش موجز حول الإيمان بالله وكونه موجودا يستمع لأحاديث البشر المعذبين أم لا وأولوية حاجات المعدة البقاء على الصلوات، تعبّر آنا عن أحاسيسها المنعشة الجديدة التي انبثقت في أعماقها بفعل التواصل مع هذا الحاخام. ثم الموقف الإنقاذي العظيم الذي ستجده على أيدي حاخام آخر بعد أن فقدت كلّ أمل غريبٌ ما حلّ بي في حضور هذا الرجل، ولكن كلّما كنّا نوغل في الحديث كان ما أقوله يشبه أكثر كلام طفل. ربّما ذكّرني بالمفهوم الماضي للأمور الذي وعيته وأنا شابة ، في الماضي في العصور المظلمة حين كنتُ لاأزال أؤمن بما كان يقوله الآباء والمعلمون . ليس بمقدوري تأكيد هذا، ولكني شعرت في الواقع أني واقفة على أرض صلبة معه، وعرفتُ أنني باستطاعتي الوثوق به. وبدون وعي تقريبا ، وجدت نفسي أدسّ يدي داخل معطفي لأنشل صورة صموئيل فار. قلتُ إني أبحث أيضا عن هذا الرجل. إنه يُدعى صموئيل فار، ويخالجني شعور أكيد بأنه يعرف ما الذي حلّ بشقيقي .ناولت الحاخام الصورة ، ولكنه بعد أن تفرّس فيها عدة دقائق، هزّ رأسه سلبا .. وما إن بدأت أشعر بالخيبة حتى تكلّم رجل آخر عند نهاية الطاولة. ص 109، 110 . قد يبدو هذا المشهد بريئا وتلقائيا جاء منسابا ضمن سلسلة أحداث الرواية. فدعونا نفكّكه لكن ليس على الطريقة الحداثية الدريدية التي ستضيّع المعنى من خلال مبادىء لا نهائية الدلالة و مراوغة المدلول للدال وغيرها من الأطروحات الهدّامة. وسأبدأ بالتساؤل عن رأيي أنا في أن هذا المشهد ذا دوافع إيديولوجية مبيّتة ولم تفرضه الضرورات الفنية السردية، فأقول لو استمرت وقائع الرواية من دون أن نعرف أن آنا بلوم يهودية، هل سيحصل أي خلل في سياقها، الجواب كلا. هل كان سياق حوادث الرواية في بلاد الأشياء الأخيرة تفرض كشف أو تحديد هوية عرقية لبطلها، الجواب كلا . ولو أن البطلة كانت مسيحية وليست يهودية، أو حتى بلا ديانة، وهو ما كان المتلقي مقتنعا به طوال 109 صفحات كاملة، هل سيحدث تغيير جذري، الجواب كلا. البطلة الهاربة ولو أن البطلة الهاربة المرعوبة آنا بلوم دخلت بناية المكتبة الوطنية ووجدت نفس المجموعة ولكنها ليست يهودية حاخامية وناقشتها بنفس الطريقة، فهل سيقل حماس القارىء الغربي خصوصا لمحنتها، الجواب كلا. وهناك تساؤلات فنية كثيرة كلها تناقض إقحام هذا المشهد بصيغته اليهودية بهذه الصورة سأقفز عليها وأسأل سؤالا ختاميا وهو لو أننا ألغينا هذا المشهد بأكمله من الرواية وجعلنا آنا بلوم تعثر على من يدلها على صموئيل فار بطريقة أخرى، فهل سينهار بناء الرواية، الجواب كلا. ولكن قد يعترض قارىء ما بالقول لكنك تدعو إلى بديل قد يقترب من المصادفة فأقول له إن الرواية أصلا قائمة بأكملها على المصادفات وأوستر نفسه أشار في حديث صحفي إلى أن جزءا كبيرا من عمله الروائي يقوم على التصادف أو التواقت coincidence والتي يقترب بعضها من مصادفات الأفلام الهندية مثل حادثة إنقاذ آنا المشردة لإيزابيلا التي تكافئها بأن تدعوها للسكن معها في شقتها مع زوجها الرسام المدمن فرديناند الذي سيحاول اغتصاب آنا فتخنقه .. وحادثة العثور على آنا من قبل فريق مشفى ووبرن الجوال بعد أن قذفت بنفسها عبر زجاج نافذة عمارة من عدة طبقات حين استدرجها دوجاردان لشراء فردة الحذاء الثانية , وبعد أن رأت مصادفة جثثا بشرية معلقة يقوم هو وشريكه بذبحها.. وحادثة وضع آنا التي اشتغلت الآن في مشفى ووبرن كممرضة رأسها المرهق بعد شجار مع إحدى المريضات لترفعه وتفتح عينيها لتجد صموئيل فار الذي تزوجته وحملت منه ثم افترقت عنه بعملية الإستدراج واحتراق المكتبة واعتقادها بموته .. فتحت عينيها فوجدته أمامها على الكرسي الذي يجلس عليه مرضى العيادة الخارجية وغيرها الكثير من المصادفات المبررة ما دمنا في ساحة فن روائي يُكتب وفق محددات ثقافة المجتمع الأمريكي وضمن سياق معرفي يجعل النص صالحا للإخراج الهوليودي. وهذا ليس عيبا في مجتمع تختلف ثقافته عن ثقافة مجتمعنا. وسيعترض قارىء آخر بالقول إن المؤلف بول أوستر يهودي ومن حقه أن يوظّف مرجعياته الثقافية بالصورة التي يراها مناسبة. فأقول أحسنت أيها القارىء اللبيب، وهذا ما أريده بالضبط. فهذا النص مسخّر وفق ثقافة الكاتب اليهودية لتحقيق هدف مسبق يوضع الفن السردي في خدمته وهذا هو معنى الهدف الإيديولوجي المبيّت. فالمقصود هو أن تترسخ في أذهان الناس ولا تموت أبدا حكاية اليهودي التائه المعذّب والضائع الذي يعاني الأهوال والكره والمعاداة حتى في بلاد الأشياء الأخيرة، ولكنه المنقذ المقاوم العصي على الفناء كما أشارت آنا في الحوار السابق مع الحاخام حين قالت له إنها تصوّرت أن جميع اليهود قد ماتوا وجوابه لها بأن من الصعب التخلّص منّا. وكذلك ما قاله لها في آخر لقاء بينهما كل واحد من جماعتنا يؤمن أنه ينتمي إلى آخر جيل من هذه الجماعة. إنّا دائما عند النهاية، نقف على الدوام عند شفا اللحظة الأخيرة ، فما الذي يدعونا إذاً إلى توقّع أن تكون الأمور مختلفة الآن، ص 130 . وعندما تعود آنا بلوم لمقابلة الحاخام الرحيم الودود لا تجده ويسخر منها هنري دوجاردان عالم الإثنوغرافيا المتبجح الذي احتل الغرفة بالقول إن الحاخامات ذهبوا إلى الأرض الموعودة بدون أدنى شك، ص 131 والمقصود بها طبعا أرض فلسطين السليبة. إن المواطن المدلل عالميا والذي شرّعت الولايات المتحدة والعالم الغربي بأكمله قوانين غريبة لحمايته هي ضد الديمقراطية وضد حرية الرأي التي ينادون بها زورا وكذبا. المواطن اليهودي هو الآن فوق القانون من ناحية، وهو أشرس وأحقر وأكثر عدوانية من أي مواطن في العالم من خلال دولته عاهرة الشرق الأوسط المدللة إسرائيل . لقد سجن المؤرخ البريطاني الشهير ديفيد إرفنج الذي أرخ للحرب العالمية الثانية عندما شكك في العدد الحقيقي لليهود الذين قتلتهم ألمانيا النازية. نسي الغرب حرية التعبير وطاردوه وانتقدوه وأخيرا سجنوه في النمسا ثلاثة أشهر بانتظار محاكمته على خطاب ألقاه قبل خمس عشرة سنة لاحظ قبل خمس عشرة سنة اعتبرته دول الاتحاد الأوروبي تحريضا ضد اليهود . إرفنج كان يتوقع أن تقف وسائل الإعلام الحرة بجانبه ولكنها لم تكن عند حسن ظنه . فقد هللت لسجنه ولم تتفوه بكلمة واحدة عن حرية التعبير التي تزعم أنها جزء من الحداثة الأوروبية. كل العالم بات يدرك هذا الوضع الإستثنائي المستقر والمرفه والمستبد لليهودي الذي يخالف صورته كإنسان تائه ضائع محاصر ومعذّب. وواجب الروائيين في الغرب هو تعزيز الصورة السابقة وترسيخها والحفاظ على ديمومتها صورة اليهودي التائه لكي يستمر تعاطف المواطن الغربي جمهورا وساسة مع الكيان الصهيوني اللقيط والمعتدي صاحب النابالم وصواريخ اليورانيوم المنضّب وخرق سيادات الدول والإعتداءات الإرهابية وقتل الأطفال 800 طفل في مجزرة مدرسة بحر البقر المصرية وهو نفس العدد من الأطفال الذي أحرقه حلفاؤهم الأمريكان الخنازير في ملجأ العامرية . الآن اليهودي مدلل ومرفّه وفوق القانون ويضرب بيد من فولاذ ويورانيوم وليس تائها ولا ضائعا. ومن الطبيعي أن يكون واجب الروائيين في الغرب من اليهود مثل بول أوستر .. أو من المتعاطفين معهم مثل دان براون برواياته التوراتية والماسونية الشهيرة هو أعادة الصورة القديمة إلى الأذهان والعمل على ديمومتها. إنهم روائيون مباشرون، وسياسيون وآيديولوجيون مستترون. وإليكم صورة هدية الصورة رقم 2 لوقفة أخوية حميمة بين بول أوستر وإسحق رابين المجرم الصهيوني المطلوب لعشرات جرائم الإبادة والحرق والقتل على الهوية والإعتداءات الدولية وسحق حقوق الإنسان وجرائم الإرهاب الدولي .. وبينهما الروائي سلمان رشدي صاحب أكثر الروايات ركاكة من الناحية الفنية آيات شيطانية لم يُقدر لها الإنتشار في الغرب إلا لأنها تشتم الإسلام والرسول محمد فهي مفككة وملفقة فنّيا كما سنرى في مقالة مقبلة. ولا ينسى بول أوستر الشق الثاني من عمله الإيديولوجي وهو مسخ صورة الشرقيين حيث تقول آنا بلوم وهي تصف وجه المتعهّد بوريس ستيبانوفتش الجلدي بأنه يذكّرها بوجه قائد هندي أو بحاكم شرقي، ص 166 ونحن الشرقيين والهنود الحمر متساوون في القهر والصلاحية في ضرب الأمثلة السيئة. ولنخفّف الأمر من الناحية الفنية ونقول أيضا إذا كانت ثقافة المؤلف اليهودي قد انسربت بين ثنايا نصّه من دون أن يدري ، فلماذا يوبخنا البنيويون والتفكيكيون الغربيون حين لا نؤمن بـ موت المؤلف وفصل النص عن منشئه وعن أي مرجعية غير ورقة النص إذا جاز التعبير،، والرواية مكتوبة كما قلت سابقا وفق المحددات المعرفية الأمريكية التي تجعلها سيناريو جاهز لفيلم هوليودي تحديدا. ففيها الفنطازيا الصادمة ، والرعب والخوف الذي يحبس الأنفاس، والعنف الساحق بكل أشكاله، والجنس من اغتصاب وسحاق وعلاقات ملتهبة ، ومجازر لذبح البشر ، ومعارك شوارع ، وحمل جثث ورميها من فوق العمارات مع الخوف من الإنكشاف، وحرائق، وغيرها مما يتطلبه الفيلم الهوليودي الناجح الذي يلائم المزاج الأمريكي. هامش في بلاد الأشياء الأخيرة، بول أوستر، رواية، ترجمة شارل شهوان، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى ــ 1993

أضيفت في 03 أغسطس 2015 الزوار : 51