رواية عبد الرحمن مُنيف "مدن الملح" من أهم الأعمال الروائية، وهي تؤرخ لما مرت به شبه الجزيرة العربية من تحولات إثر اكتشاف النفط. هذه الرواية بات بإمكان القارئ الألماني مطالعتها بعد أن اكتملت ترجمة أجزائها الثلاثة الأولى. "قصدتُ بـ"مدن الملح" المدنَ التي نشأت في برهة من الزمن بشكل غير طبيعي واستثنائي، بمعنى أنها لم تظهر نتيجة تراكم تاريخي طويل أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، وإنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة. هذه الثروة (النفط) أدت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيء حاد": هكذا أوضح الروائي الراحل عبد الرحمن منيف (1933 – 2004) ما يقصده من عنوان خماسيته الشهيرة "مدن الملح". وتصور الرواية الحياة في دولة مُتخيلة يطلق عليها "موران" مع بداية اكتشاف النفط والتحولات المتسارعة التي حلت بمدن تلك الدولة وقراها. وتتناول الرواية في جزئها الأول بعنوان "التيه" الفترة التي تلت اكتشاف البترول في الجزيرة العربية، وكيفية نشوء الدولة، وفي الجزء الثاني "الأخدود" يسرد منيف تاريخ المنطقة فيتحدث عن رجال الأعمال الذين دخلوا في تحالفات مع ساسة "موران" وحكامها، وفي الجزء الثالث "تقاسيم الليل والنهار" يعود منيف إلى جذور العائلة الحاكمة وإلى سنوات الصراع القبلي، ثم يواصل رصد التحولات السياسية في دولته المتُخيلة في الجزئين الرابع "المنبت" والخامس "بادية الظلمات". نجاح كبير لـ"مدن الملح" في ألمانيا حققت "مدن الملح" نجاحاً كبيراً عربياً وعالمياً، غير أنها صنفت كاتبها باعتباره معارضاً للحكم السعودي الذي منع رواياته طويلاً من دخول المملكة إلى أن سمح بها في السنوات الأخيرة حسبما يتردد. وترجمت "مدن الملح" إلى لغات عديدة. وقد صدرت مؤخراً في ألمانيا ترجمة الجزء الثالث "تقاسيم الليل والنهار"، ونهضت بترجمة الأجزاء الثلاثة المترجمة الألمانية لاريسا بندر بالاشتراك مع السورية ماجدة بركات. غير أن الترجمة الألمانية تتوقف بصدور الجزء الثالث - لماذا؟ على هذا السؤال تجيب لاريسا بندر في حوارها مع دويتشه فيله، بأن دار النشر الألمانية فكرت في البداية في ترجمة الجزء الأول فحسب من الخماسية. ولكن بعد نجاح ترجمة "التيه" التي صدرت عام 2004، قررت دار "ديدريشس" مواصلة المشروع، فتُرجم الجزء الثاني ثم الثالث. ولأن الترجمة الانكليزية تتحدث عن "ثلاثية" عبد الرحمن منيف، وليس عن "خماسية"، فقد اعتقدت دار النشر أن الرواية من ثلاثة أجزاء فحسب. وتضيف المترجمة: "ورغم أني تكلمت معهم كثيراً بهذا الشأن فقد قررت الدار التوقف عند الجزء الثالث. وأعتقد أن تسويق الرواية كثلاثية أسهل من تسويق خمسة أجزاء." الاعتبارات التسويقية كانت إذن سبب توقف الترجمة الألمانية مع الجزء الثالث، كما أن ضخامة الرواية والإسهاب في الوصف وترهل السرد أحياناً قد تكون من الأسباب الأخرى التي تقف عائقاً في طريق القارئ الألماني. على كل حال فقد أحدثت ترجمة "التيه" إلى لغة غوته صدى واسعاً، لا سيما أنها جاءت في توقيت مناسب إبان استضافة الثقافة العربية في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004. وتقول لاريسا بندر لـ"دويتشه فيله" إن الجزء الأول "لقي اهتماماً كبيراً جداً جداً" مقارنةً بالروايات العربية المترجمة إلى الألمانية. وتعلل المترجمة ذلك بكون الرواية "تشرح الوضع العربي إثر دخول الأمريكان إلى المنطقة العربية، وكان ذلك شيئاً جديداً بالنسبة إلى القارئ الألماني". "حقول البترول تطرد أشجار النخيل" وأحدثت ترجمة الجزء الثالث من "مدن الملح" صدى نقدياً أيضاً، فكتبت الصحافية السويسرية أنغيلا شادر مقالاً نقدياً بجريدة "نويه تسوريشر تسايتونغ" تقول فيه: "لم يسبق لكاتب قبل عبد الرحمن منيف أن صوّر بهذه الدقة وذلك الغضب المقدس تلك الحالة البائسة التي وجد فيها أنفسهم أولئك المقتلعون من جذورهم الذين رأوا الدخان يتصاعد من حقول البترول العجفاء التي أخذت في الانتشار طاردة أشجار النخيل المثمرة." وترى شادر أن هناك أسباب معروفة جعلت دولاً عربية عديدة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تضع "مدن الملح" على قائمة الأعمال الممنوعة، فالخماسية "تعكس البانوراما التاريخية الشاملة والساخرة والنقدية لدولة النفط التي تدعى "موران"؛ وبسهولة يدرك القارئ أن المقصود بالقائمين على أمور تلك الدولة هم أعضاء العائلة السعودية الحاكمة." وتمتدح الناقدة السويسرية اختيار هذا العمل لتقديمه للقارئ الألماني، غير أنها تفتقد مقدمة تضع القارئ في السياق التاريخي لهذا الجزء. لاريسا بندر توافقها على رأيها، غير أنها تضيف: "الأمر إشكالي. من جهة، هذا عمل أدبي، وليس كتاباً في التاريخ. في الوقت نفسه فإن القارئ الألماني لا يعرف المنطقة العربية وتاريخها، لذلك أعتقد أن وضع مقدمة أو شرح لتلك الفترة التاريخية كان سيسهل على الألمان فهم الكتاب". بخماسيته "مدن الملح" أضحى عبد الرحمن منيف - الذي ولد في عمان بالأردن لأب سعودي وأم عراقية - أحد أهم الروائيين العرب. ومن أعماله المشهورة الأخرى رواية "شرق المتوسط" التي تتناول موضوع التعذيب في السجون العربية. وقد ترجمت لاريسا بندر هذه الرواية أيضاً إلى جانب "سيرة مدينة" التي كتبها عبد الرحمن منيف عن مدينة عَمّان في الأربعينات.

أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 6
يقدم عبد الرحمن منيف، في "عروة الزمان الباهي" ترجمة حياة أو سيرة شخصية لانسان عربي عاش حتى بلغ السادسة والستين من عمره، ولا يقدم لنا شخصية نسجتها مخيلته الروائية كما تعودنا منه. وهذا الانسان العربي الذي ولد في موريتانيا عام 1930ولادته الأولى، ولد مرة ثانية في نيران حرب تحرير المغرب العربي مناضلا وسياسيا وصحفيا، ثم مرة ثالثة حينما اختارته الحركة الوطنية ليمثلها في موقع جديد في باريس للوصول الى عقل الرأي العام الفرنسي على أرض العدو وللارتباط بآلاف المهاجرين من المغرب العربي هناك لدعم حركة الكفاح المسلح. إنه نموذج فذ يمثل جيلا بأكمله ولد بين الحربين العالميتين، وما انطوى عليه ذلك الجيل من أحلام كبيرة ومن أعمال ضخمة ومن تضحيات هائلة. ولكن هذا الوجه للجيل أدى الى وجه آخر. فقد شهد المقاتلين في حروب التحرير يقاتل بعضهم بعضا، والجبهات المتحدة تتمزق، وشهد المنتصرين يتخذون كل ملامح العدو السابق من دكتاتورية وقهر وتسلط، بل شهدهم يكفرون بمبادئهم ويولون وجوههم شطر العدو. فكانت أهداف هذا الجيل أكبر من طاقاته، ورغباته أوسع من ارادته وأصبحت خيباته مأساوية. فهذه سيرة شخصية لرجل مثل مرحلة تاريخية بالغة الأهمية والتأثير، لما حملته من امكانيات واحتمالات، ولما أفضت اليه من هزائم واخفاقات كان لابد أن تؤدي الى مراجعة شاملة لما كان يعد من المسلمات في التفكير والتقييم ومناهج العمل. ويرى عبد الرحمن منيف أن كتابة هذه السيرة الشخصية التي تمس التاريخ لها الحاحها، فالموت أخذ يعصف بأعداد كبيرة من جيل تلك الشخصية، وقد يفوت أوان الادلاء بالشهادات وتدوين التجارب، كما أن العزوف عن قول الحقيقة كالمساهمة في اخفائها أو التواطؤ عليها. والمؤلف في شهادته عن رجل يعرفه ويتتبع أعماله وكتاباته لا يحشد الوقائع والوثائق التفصيلية، بل يكتفي بالملامح العامة لمسيرة هذا الرجل، وبنية هذه الشهادة ترتكز على التوقف في عدد من المحطات الأساسية لحياته، وهذه المحطات ليس بينها وبين حياته الخاصة صلة على الاطلاق فأوقات الميلاد الجديد والتحولات ترتبط بالقضايا العامة ولا ترتبط بمواقف ذاتية. ولن نجد في الشهادة ذكرا لقصة حب أو علاقات نسائية كما جرت عادة الكتابة العربية عن سكنى باريس. إن حياة صاحب السيرة الشخصية الخاصة تتحول الى حياة القضايا التي وهب نفسه لها. وليس شكل السيرة الشخصية الذي أختاره عبد الرحمن منيف الشكل الرومانسي الذي يعيد خلق الملامح الذاتية، وليس شكل التحليل النفسي الذي يقف عند الطفولة وصدماتها وعقدها وعند أنواع الصراع الداخلي، كما أنه لا يستخدم تقنيات السرد الروائي لاستحضار شخصية حية.نحن إزاء فرد يتشكل في الساحة السياسية العمومية، ولن يقدم لنا منيف ما هو خصوصي حميم ينتمي الى الفرد وحده، وكأن الباهي بطل قصتنا لا يمتلك "داخلا" ينبض لتجارب الحياة الوجدانية الخاصة به، فكل دخائله سلط عليها منيف التقييم العمومي، كما أن وعيه يتشكل أمامنا على الملأ في مواجهة تحديات موضوعية ولا ينبثق جزء منه من دائرة حياة خصوصية لصيقة بالباهي وحده. فالصورة الانسانية هنا – كما يقول باختين عند الحديث عن السيرة الشخصية الكلاسيكية – تتسم بخارجية تامة، وهدفها بناء نصب تذكاري حوله هالة مثالية تجمع أهم الخصائص المميزة لرسالة معينة. ويذكرنا هذا الشكل بالمرثية في الشعر العربي طوال تاريخه، فهي لابد أن تجمع عناصر من السيرة الشخصية للفقيد. ونلتقي بالباهي عند منيف في كل محطات حياته المتعاقبة مصورا من وجهة نظر ثابتة محددة، تقدم كل حياته وتفسرها من زاوية لحظة الذروة في النضج السياسي والفكري للباهي. إنها صورة حياة مقدمة داخل خطاب تذكاري رثائي تتجانس فيه كل دوائر الحياة، موجهة الى معاصرين تعنيهم القضايا العامة. وكما هي الحال في السيرة الشخصية الكلاسيكية (عند بلوتارك مثلا) وفي المرثية العربية تكون شخصية الباهي في أوج نضجها هي الأصل الحق لكل مراحل التطور والنمو السابقة واللاحقة. فهو يتعلم من تجاربه ويصطدم بالعوائق ولكن ذلك يدعم صفات موجودة أصلا، وتهضم الدروس ماهية ثابتة لشخصية قد اكتملت من قبل. وليس التركيز في هذه السيرة على تناقضات النمو وأزماته ومأزقه لأن كل المحطات تؤدي الى غاية يمكن استنتاجها. إن شخصية الباهي يتحقق وجودها من خلال الفعل والحركة كما تتكشف في اتجاه معين، وكأن مرور الزمان في المحطات المتعاقبة ليس هو الذي يعطي للشخصية قوامها، بل كأنه مجرد وسيلة لهذا التفتح، ومنذ اللمسات الأولى من ريشة منيف تكون الخطوط المحورية قد تحددت. ويصلح هذا الشكل الكلاسيكي لرسم شخصية الباهي، فهو بدوي من أقصى حدود الوطن، ينتمي الى تقاليد جمعية، وتنمو ملامحه الفردية في أحضان الجماعة ويحمل داخله  معاييرها وقيمها العامة الخارجية وقد ظل يحمل البداية معه طوال سيرته، لقد حفظ الكثير جدا من الشعر الجاهلي، ومن القرآن نصا ومعاني. ولم يكن هناك سبيل   للوصول الى معرفة يقينية بطفولة الباهي في أعماقها، فهو حين يسأل عن روايات تروى عن طفولته، حيث تتداخل الحقائق الكبيرة بالأكاذيب الصغيرة بالفكاهات كان يرد بضحكات صاخبة أقرب الى العربدة، ويقول انه يترك الكثير من أسرار الطفولة ومكانها أو غرابة المرحلة الأولى وقسوة الطبيعة وبدائية العلاقات لتكون مفاجأته الكبيرة حين يكتب رواية ظل يرجيء إكمالها حتى مات، رواية تقول ما كان يعتمل في نفسه وما يجعله يحن ويجن ويبكي في بعض الليالي. لقد كان الباهي يرى أنه ليس مجرد مناضل في الكفاح المسلح أو مجرد صحفي يلاحق الأحداث أو سياسي مملوء بحزن الأمة، بل يرى لنفسه دورا أدبيا يتجاوز الالقاء الأخاذ للشعر الجاهلي _ وخاصة مرثية مالك بن الريب لنفسه التي يحدد فيها جوهر شخصيته بقوله: وقد كنت عطافا إذا الخيل ادبرت                        سريعا لدى الهيجا الى من دعانيا ويتجاوز القصص التي يرويها عن أبي حيان والجاحظ. إلا أن الرواية التي ظلت تهجس في نفسه وكتب أجزاء منها كمحاولة من خلال الكتابة لفرض نظام أو لاكتشاف نظام داخل الحياة كان يريدها جزءا من ذاكرة الصحراء وأطلق عليها وردة الرمال أو وردة الرياح، فالصحراء عنده ليست النبات والحيوان، وقد كتب عنهما كثيرا ليصور غريزة الدفاع عن النوع قبل الفرد وكيفية مواجهة الظروف القاسية _ بل هي بالدرجة الأولى البشر، بتقاليدهم الجماعية وثقافتهم الشفوية، وقيمهم العمومية المشتركة التي يستبطنها الأفراد من بساطة وصراحة وصبر ووفاء. فهناك توافق بين شكل السيرة الشخصية التي اختارها منيف، ومسار حياة الباهي. ويكاد الباهي أن يشبه بعض الشخصيات التي ابتدعها منيف في بعض رواياته. ويكاد جيل الباهي ومرحلته التاريخية يسكنان روايات منيف ابتداء من روايته الأولى "الأشجار واغتيال مرزوق " فمرزوق في الرواية ليس واحدا، مرزوق كل الناس، مرزوق شجرة، مرزوق ينبوع، ومعنى حياته لا يموت. وفي روا يته "الآن هنا" أو" شرق المتوسط مرة أخرى"، نلتقي بشخصية تجمعها بالباهي سمات مشتركة، هي شخصية "عادل الخالدي" الذي ناضل طويلا وتعرض لأهوال التعذيب صامدا صمودا بطوليا، ولكنه يصطدم بما في حركة النضال وتنظيمها من خلل شديد ومن بيروقراطية متحجرة ضيقة الأفق أنانية تحارب كل مخالف، وتظل علوية منعزلة عن الجماهير (ويوازي ذلك اصطدام الباهي بالسلطة والمؤسسات وخيبة أمله في أصنام تحطمت ). إنه مثل الباهي متمسك بالحرية والديموقراطية وضرورة النقد الذي لا يعفي أحدا، رافض للطاعة البلهاء للزعماء والقادة والقواعد التنظيمية التي تشبه الأغلال. ولم يعد يرشد الشخصية الخيالية في الرواية والشخصية الحقيقية في السيرة الشخصية إلا الضمير ولكن طريقة التصوير في الحالين مختلفة أشد الاختلاف، فهي في السيرة تقريرينة تحليلية تقوم بالتفسير على نحو مباشر لتلائم مادة تناولها. ولكن ما تقدم يختزل شخصية الباهي في جوهرها الأساسي، فنضاله لم ينحصر بين المغرب العربي وباريس، بل امتد ليشمل المشرق العربي، من صوت العرب في القاهرة الى بيروت وصحفها ومثقفيها ومقاهيها ومطاعمها، الى صحف دمشق حيث عقد الصلات وأقام العلاقات. وقد أدى تعدد الثقافات والمنظورات الذي أحاط بمساره، والذي تفاعل مع اللب الصلب لثقافته العربية الأصيلة الى رفضه للادعاءات والموضات الثقافية التي تومض ثم تنطفيء والى محاولة مستميتة من جانبه كيلا تقتلعه العواصف والتيارات الكثيرة المتصارعة، ويصور منيف جهد الباهي العملي الفكري لتكثيف حكمة حاول أن يستخلصها من هزائم الثورات العربية واحباطاتها، ومن اخفاق حركات كانت تعد بالكثير ومن مال حركة مايو 1968 في باريس التي شارك فيها وانتهى قادتها بفلسفات على النقيض من المنطلقات بعد سنين. لقد كانت بوصلته الهادية هي ضميره الفردي المتشكل جماعيا من الناحية التاريخية ومن تجارب النضال، وكان خارج المؤسسات والتنظيمات وكل أشكال التراتب، فاكتسب كما يقول منيف صفات الصعلكة بالمعنى التراثي العربي كما كانت في الأصل ممثلة عند شعراء من أمثال عروة بن الورد (وعروة الوارد في عنوان هذه السيرة الشخصية هو اطلاق لاسم الشاعر القديم على الباهي) والشنفرى وسليك بن ملكة، وصعلكة الباهي تمرد على الزيف السائد، ورفض للقيم الاجتماعية الجائرة وليس ما يربط "الصعاليك " هو الاتفاق فيما بينهم، وليس الخضوع لزعيم أو قيادة بل التوافق الاختياري، وكان الباهي أو مختار (عمدة ) باريس الدائم عنصرا فاعلا في الربط بين الصعاليك. وهذه الصعلكة الباريسية عند منيف كيان قائم بذاته، كونتها الصحراء وأضافت اليها الأسفار وتجارب الاحتكاك بوجهات نظر جديدة، والمساحة من الحرية المتاحة التي تمكن من قول أو فعل أشياء لا يمكن أن تمارس في الوطن العربي بقيوده ومحرماته. لم تكن مجرد غرابة في السلوك عند أفراد يريدون أن يبدوا مختلفين،وكان دافعهم المشترك في تحليل منيف الحس التراجيدي باختلال القيم والمقاييس، واتساع الفروق بين القول والفعل،ثم فقدان الثقة في أشكال تنظيم كالهياكل العظمية فاقدة الروح. إن الصعلكة رفض للقوى الظاهرة والخفية التي تملى على الفرد فكره وسلوكه،رفض للانضمام الى الحالة القطيعية، وللتكيف والانسجام مع أوضاع بشعة. وذلك يؤدي الى عدم انقياد وانفصال وعزلة ثم تمرد معلن. ويتغلغل هذا التمرد في الفن والسياسة ولكنه ليس تمردا عدميا أو عبثيا، أو اتخاذ الموقف يعتبر كل فعل سياسي مؤديا حتما الى الاخفاق والضياع. فالموقف السلبي من السائد مبطن كما هي الحال في الصعلكة الشعرية بقيم ايجابية عن الحق والعدل والحرية. فالرواية مثلا عند الباهي ترفض السير في طريق الرواية العربية المكتوبة بالفرنسية، فهي تسلي الفرنسيين ولا تمثل واقعا مكتملا، ويستهدف التمرد قولا خاصا جديدا لكي تكون للرواية العربية خصوصية تقابل الرواية في أمريكا اللاتينية وتحتضن الصعلكة عند الباهي نزعة بدوية بدائية عميقة الجذور، تقوم على الولاء للطبيعة مقابل المواصفات الشكلية وللأشكال البسيطة للتجمع والصحبة،وعلى حب الطبيعة كما هي، والاعتماد على التلقائية والتدفق العفوي بدلا من القواعد المصطنعة، واستمرار فضائل أصيلة متخيلة للحياة الطبيعية،المتحررة من القيود. فمن الأشياء المهمة في كتابات الباهي الانسجام مع النظام الطبيعي. وتقدم لنا السيرة الشخصية للباهي ولزمانه، التدليل على أن الحيرة مهما تكن قوية تدفعنا الى إعادة النظر في الكثير من المسلمات، فليس طريق الخروج من المحنة هو التفجع واللوعة وندب النفس، أو التطرف والمزايدة واليأس، بل أن يحمل الجميع مسؤوليتهم في صدق وبساطة وإخلاص.

أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 5
يعتبر البعد الشطاري واحدا من أهم العناصر البارزة في هذه الرواية الصادرة عن دار شرقيات سنة 1992، إذ أن أغلب شخصياتها شطارية، محتالة وهزلية لا تعير أدنى اهتمام للقيم السائدة.  ومن المعروف أن هذا النوع من الأدب كان قد انتعش في إسبانيا في أواخر القرن 16، وهو أدب يرصد حياة الفئات المهمشة في المجتمع، تلك الفئات التي تعيش على السرقة والتسول والنصب والاحتيال وغيرها. فكلمة «البيكارو» تعني المهمش أو المغامر، وهو نموذج لشخصية خليعة وشيطانية وهزلية، تحيى حياة غير هنية. كما أن الثقافة العربية هي الأخرى عرفت هذا النوع من الأدب من خلال فن المقامات، فبطل المقامة في الغالب شخصية ذكية ومحتالة ومولعة بالارتحال، وهذه هي أهم صفات الشخصية الشطارية. وقد انفتح خيري شلبي على هذا التراث وأضفى على شخصياته هذه الأبعاد الشطارية. إذ أن أغلب شخصيات الوكالة ليس لها شغل قار، بل هي في بحث دائم عن لقمة العيش التي تحصل عليها في الغالب، عن طريق الحيلة أو السرقة أو التسول أو غيرها. فسيد زناتي مثلا لا شغل له إلا إنتاج أفكار تدر على منفذيها أرباحا هامة «وهكذا يطلع النهار على سيد زناتي وهو في مطرحه هذا كملك الملوك في حضنه سنيورة تسقيه شهد المحبة ويروي ظمأها بالحنان والفتوة. فما تكاد الشمس تبعث رسلها إلى فناء الوكالة مارة على سيد زناتي في قعدته هذه من خصاص الشباك المطل على الشارع ؛ حتى يكون جميع نسوانه قد صحون واغتسلن وتزين على سنجة عشرة، تحولن إلى سيدات من أبناء البيوتات الكبيرة، تفوح منهن روائح عطر ثمين من صدروهن ومعاصمهن وأصابعهن وآذانهن. بعدها بقليل يهل الرجال بقية العدة، ما بين بك أوجه من جلالة الملك، أو أفندي من موظفي الحكومة، أو عمدة من علية القوم .. كل واحد من هؤلاء سيتسلم واحدة منهن ليسرح بها على باب الله ؛ لكل ثنائي خط معلوم وهيئة مرسومة بل وحوار محفوظ بل وخريطة للحركة مخطوطة، كل ذلك يبتكره ويخططه سيد زناتي بعبقرية فذة فيما هو جالس يسكر ويلهو ..» (الرواية ص 339). فالسيد زناتي شأنه شأن أي شخصية شطارية يأنف من اتخاذ عمل منتظم لرزقه ويفضل الصعلكة واقتناص فرص الحب والغرام، كما يفضل الارتحال والكسل والعطالة وتحصيل المال بإعمال الحيلة واستعمال العقل وفصاحة اللسان وبلاغة البيان. فهو شاب في مقتبل العمر له أربع نساء يعيش في الوكالة كأمير. يحترمه سكان الوكالة نظرا لذكائه وفطنته. وقد أصبح مرجعا في عالم النصب والاحتيال واغتصاب المال بالحيلة والذكاء. وهو لم يعد يمارس هذه الأمور بنفسه، بل أصبح يلقن زبناءه الحرفة، ويتقاضى أجرا عن كل عملية ناجحة. ومن بين ما يلقنهم محاكاة شخصيات من علية القوم طرأ لها طارئ مباغت في حياتها، ودفعت بها الظروف إلى استجداء المعونة والمساعدة. فبقدر قدرة المحتال على محاكاة هذه الشخصيات التي يمثلها بقدر قدرته على إقناع ضحاياه وإحكام الشرك حولهم. يقول عبد الفتاح كيليطو في هذا الإطار : «إن الخصيصة الرئيسية لمحترف الكدية هي أن يتظاهر بمظهر شخص آخر، ويحاكي خصوصيات لهجية، ويخلق إيهاما، أي أن يتنكر ... إنه بعبارة أخرى حاكية»(1). ومبدأ المحاكاة لدى المكدي أو الشاطر نجده قد تكرر أكثر من مرة في الرواية. فالسارد مثلا، عندما طلب منه أن يتقمص شخصية أصولي مبجل ومحترم تعرض لعملية سرقة بمعية زوجته. نجده قد تماهى مع هذه الشخصية إلى درجة أنه بدأ يذرف الدموع أمام ضحاياه كي لا يترك لهم أدنى شك في هويته. إن ازدواج الهوية هي واحدة من أهم سمات شخصية الشاطر. تجده يدعي العفة والنبل والإخلاص لكنه في نفس الوقت يقوم بما يناقض هذه القيم. وهذه الازدواجية الفارقة في شخصية الشاطر نجدها مثلا عند وداد وسندس وسيد زناتي وزينهم العتريس وغيرها من شخصيات الوكالة. أما السارد فقد ظل بين بين. أي بين عالم الشطار المكديين وبين عالم غير الشطار. لكن عوالم وحيوات وتجارب الشطار استهوته وفتنته لذلك كان يتلصص عليهم، ويعمل كل ما في وسعه كي يتقصى أخبارهم، بل كان يتقرب منهم كي يتعرف عليهم بشكل أكبر، يقول مثلا عن تلصصه على قطيطة : «متعتي الوحيدة الآن هي قطيطة، وكيف تسوي حياتها، كيف تخرج من منزلها صباح كل يوم كالموظفين لتؤدي عملها في مكان ما من المدينة لتعود عقب النهار كسبانة ربحانة ما تشتري به الرغيف وحزمة الفجل وقرص الطعمية» (الرواية، ص. 93). ويقول أيضا عن رغبته القوية في اكتشاف سر وداد الغازية : «... فيستبد بي الشوق لمعرفة ماذا يدور داخل هذه الشقة، لكنها تظهر من جديد في وسط السهرة قرب منتصف الليل، على ضوء فانوس شاحب ...» (الرواية، ص. 186). لقد ظل الشغل الشاغل للسارد هو التعرف أكثر على عوالم سكان الوكالة وظروف عيشهم وطرق تحصيلهم للمال «شعرت برغبة عظيمة في الانغماس فيها حتى النخاع. إن الأسطورة التي كان من المفترض أنها تمنعني عن الوكالة وتكرهني فيها، هي التي تكرهني عليها، تغريني بالدخول فيها، بل إنها لتزرعني فيها زرعا، بكل ما في السحر من قوة، وبكل ما بنفسي من استجابة ورغبة في الرؤية والكشف والممارسة» (الرواية، ص. 16). ولعل عدم اندماج السارد في عالم الوكالة واكتفائه بمجرد شاهد عما يجري داخلها هو الذي لم يؤهله كي يصير شاطرا ومكديا كسكانها، وهذا هو ما يبرر الإبقاء عليه في السجن لوحده في آخر الرواية وإطلاق سراح الآخرين. فحتى عندما شارك في عملية نصب ناجحة من ابتكار بنات أفكار السيد زناتي فهو لم يستطع أن يصير شاطرا محترفا. لأن بلوغ مصاف الشطار والمحترفين كان يتطلب منه الكثير من الاستعداد والتجربة. كان السيد زناتي يقول له باستمرار : «إن شغلنا صعب لا يقدر عليه أي أحد المسألة ليست مسألة تعليم أو مدارس !! إنها توفيق من الله !! أهم شيء في شغلتنا أن الإنسان منا يكون في وجهه القبول ! القبول أساسي في شغلتنا ! طالما في وجهك القبول من الأساس فإن الناس يصدقونك في كل ما تقول وتفعل حتى لو كنت كذابا أفاقا ! وحتى وهم يعرفون أنك تسرح بهم» (الرواية، ص. 341). ويقول أيضا : «شغلتنا شغلة كلام منسق وتمثيل أحلى إن كنت عدم المؤاخذة موهوبا في هاتين الناحيتين فإن مستقبلك معنا عسل وفسطة ! فما هي مواهبك ؟ !» (الرواية، ص. 341). يقول الكاتب عيسى الدودي في تعريفه لمفهوم شخصية الشاطر : «ومن ناحية التعريف فمن أقدم الكلمات التي لها علاقة بهذا الاسم Picaresque، كلمة Pica اللاتينية التي تعني الرمح. ومنها جاء الفعل Pica في الإسبانية الذي يعني وخز، لسع، لدغ، نقر، ثقب، وغيرها من المعاني التي تدل على التصرف العنيف الذي يحدث الألم كما تفعل الأفاعي أو العقارب أو النحل ... عندما تغرز الطرف الذي تخرجه الذي يسمى بالإسبانية «Pico» في من ترغب إيذاءه. وليس غريبا أن تكون تصرفات البكارو Picaro وهو بطل الرواية البيكاريسكية، ضمن هذه المعاني الدالة على الإيذاء وإلحاق الضرر، فهو صعلوك وشخاذ وغشاش ومخادع ويجنح إلى المكر والحيلة والدهاء في سلوكاته وتصرفاته التي تؤذي الآخرين»(2). فإذا ما استعدنا بعض المحكيات المجسدة لفكرة النصب والاحتيال في هذه الرواية، فسوف نجدها تتوافق بشكل كبير مع روح وفلسفة الأدب الشطاري سواء منه القديم أو الحديث، فحكاية سندس مثلا التي استطاعت أن تنفذ إلى أسرة محمد أفندي حسن وأن تداوم على زيارتهم مقنعة جميع أفرادها بأنها عرافة وأن بإمكانها جلب السعد لهم، كما أن بإمكانها إرجاع زوج صفية الذي تركها وتزوج من أخرى. إن القيام بهذا الدور على أحسن وجه دون أن يصدر عنها أدنى خطأ يثير الشكوك حولها هو أمر يتطلب الكثير من الفطنة وسرعة البديهة ورباطة الجأش. وعندما تأكدت سندس بأن أسرة محمد أفندي أصبحت بكاملها طوع بنانها، انتقلت إلى الخطوة الموالية والحاسمة وهي سرقة كل ما تملكه هذه الأسرة من مجوهرات وذهب بعد أن أقنعتهم أن ما يعيشون فيه من مشاكل وهموم هو بسبب النحس الموجود في الذهب. كما أقنعتهم أن بإمكانها إزالة هذا النحس «العمل اسمه مشاهرة الذهب ! شرط العمل السحري أن يتم في حجرة مظلمة ! تقول هذه الغجرية إن في هذا الذهب سرا خطيرا لمن فهم حقيقته ! (...) الولية الغجرية كلفت البنتين بتحضير إبريق من المياه سقط عليه الندى وتضيف هي إليه أشياء من عندها ...» (الرواية، ص. 244). غير أن سندس قبل أن تقدم على هذه الخطوة كانت قد تعرفت جيدا عما يمتلكونه من ذهب واشترت مثله من المجوهرات المزيفة. وهكذا تمكنت من استبدال الذهب الحقيقي بالذهب الزائف. إن النجاح في هذه المهمة يتطلب مهارة كبيرة واستعدادا كثيرا. ولعل من بين ما يتطلبه النجاح في مثل هذه المهام هو فصاحة اللسان وسحر الكلام وكذا قدرتها على محاكاة دور المرأة الصادقة المخلصة والمتألمة لحال هذه الأسرة والراغبة في تقديم مساعدة لأفرادها الذين ظلمتهم الظروف. يقول عبد الفتاح كليطو : «يوجد فارق بين الحاكية والمكدي، الأول يمارس لعبة ولا يخفي مطلقا أنها لعبة يؤديها في تلك اللحظة. ولا يخلط الحاضرون بينه وبين الدور الذي ينجزه، وتكمن أهمية المشهد في شفافية الازدواج. أما الثاني فإنه على العكس من ذلك يختار التخفي الصفيق الذي لا يمكن اختراقه، ويحتاط أن يستشعر أحد أنه غير مندمج كليا في المظهر الذي يتظاهر به»(3). واللافت للنظر في مغامرات الشطار أنهم يخرجون من أية ورطة سالمين إلا فيما ندر من الحالات. فسندس عندما تعقبها أفراد أسرة محمد أفندي وفتشوها لم يجدوا معها أي شيء لأنها تخلصت من الذهب مباشرة بعد خروجها من المنزل، إذ سلمته لرمضان عريجة الذي كان في انتظارها. وحتى عندما أخذوها إلى الشرطة تم إطلاق سراحها في الحين لأنهم لم يجدوا معها أي شيء من شأنه إدانتها. وبناء على هذه النماذج من الشخصيات يمكن اعتبار شخصية الشاطر في الرواية بطلا مضادا للبطل التقليدي. فإذا كان هذا الأخير كما حدده لوكاتش هو بطل إشكالي يحمل قيم أصيلة في مجتمع منحط، فإن الشاطر مخلوق بئيس، شرير، قذر، سكير .. شحاذ ولا ضمير له. إنه نموذج آخر من الشخصيات مختلف عن الشخصيات التقليدية التي تعودنا على مصادفتها في النصوص الروائية. وقد اعتمدت «وكالة عطية» من حيث السرد على ضمير المتكلم شأنها شأن كل النصوص الشطارية حيث يكون البطل هو الراوية الحامل لراية المنبوذين الذين ينتسب إليهم سواء من حيث انتمائه الطبقي أو من حيث مواصفاته أو غيرها. فرغم أن بطل الرواية هو شاب متعلم ومختلف نسبيا عن شخصيات الوكالة، إلا أنه يتوفر على العديد من المواصفات التي تدنيه وتقربه منهم. غير أنه لم يستطع أن يصير واحدا منهم كما سلفت الإشارة إلى ذلك. أما المعجم اللغوي المهيمن على النص في متح من الواقع ومن قواميس الصعاليك والشطار، ومن لغة الشارع بما تطفح به من بذاءة وعهر وسوقية وغيرها. وتزداد هذه اللغة بذاءة بشكل خاص في جلسات الخمر والحشيش والمخدرات، وهي كثيرة جدا في الرواية «رشقته صبيحة بنظرة جانبية تطفح بالأنوثة السافرة الخشنة، الماجنة، في طيبة ممزوجة بشقاوة تاريخية : «مساء الفل يا روح مامتك أنت ياصغنن يا شقي!«. ثم قهقهت كأعتى الحشاشين الرجال مصعرة خدها نحوي منخرطة في القهقهة يتقلص كل شيء في وجهها؛ أمسكت بالمبسم مسكة حريف قراري، راحت تشد الأنفاس على مهل شديد، حتى إذا ما سحبت السحبة الأخيرة فطنت إلى المغزى الجنسي الذي رسمته هي بإيقاع السحب وطقطقة النار وصوت بقللة المياه في النارجيلة» (الرواية، ص. 138). إن لغة الشطار في النص هي لغة تهتكية لا تقيم أدنى اعتبار للمواضعات الاجتماعية أو الأخلاقية المتعارف عليها. وهي لغة تقوم على التلميحات الجنسية البذيئة أحيانا، وعلى التوظيف المتهتك والسوقي للمعجم الديني أحيانا أخرى. إنها لغة لا تعترف بما يسمى بالوقار أو الحياء العام أو غيرها من الأشياء التي تميز مختلف أشكال التواصل الرسمية. أما التيمات المرتبطة بعالم الشطار فإنها لا تخرج عن النصب والاحتيال والجنس والحشيش والدعارة والمغامرات العبثية المجونية وغيرها. إنها تيمات تكشف عن نزعة التمرد اللاواعي على الأعراف والقوانين وغيرها. فحتى كتابة بعض عقود الزواج أو نسخها لا يتم فيها اللجوء إلى الجهات الرسمية المخولة لهذا الأمر، بل إن السارد هو الذي كان يكتب هذه العقود أو يقوم بفسخها. مما يبين أن عالم الشطار له قوانينه وأعرافه وتقاليده الخاصة به والتي لا تعير كبير اهتمام للقوانين والأعراف الرسمية، ومن بين الأمثلة الأخرى الدالة على هذا الشذوذ قبول وديدة فكرة الطلاق من بدر بن السعيد كي تتزوجه ابنتها لأنها تحبه. كما أن السيد زناتي بدوره تنازل عن زوجته جنونة لعشيقها بعد أن تأثر بقصته .. وغيرها من الأحداث والسلوكات التي تبدو غريبة بالمقاييس المتعارف عليها، ولكنها في عالم الشطار والمهمشين والصعاليك تبدو عادية ومألوفة. وتتميز كذلك فئة الشطار بمجموعة من المواصفات؛ فإلى جانب الانتماء الاجتماعي إلى طبقة المهمشين والمنبوذين فإنهم يمارسون نوعا من البطولة خارج القانون، كأنهم في صراع دائم مع الآخر الذي لفظهم وهمشهم اجتماعيا. فيصير نجاح أية عملية احتيال ضد هذا الآخر وكأنه استرداد لحق من حقوقهم وإعادة الاعتبار لذواتهم. كما أن هذه الفئة من المجتمع تحظى بنوع من التعاطف والإعجاب من طرف العامة الذين يلتمسون لهم الأعذار ويشيدون بأفعالهم أحيانا. كما يتميز الشاطر أيضا، بازدواج الشخصية، فهو إلى جانب كونه لئيما ونصابا وكذابا تجده حريصا على مظاهر الإيمان والتقوى كما هو الشأن مثلا بالنسبة لشخصية زينهم العتريس الذي يدعي أنه درويش ومريد لإحدى الزوايا الصوفية، ولكنه لا يتورع عن القيام بكل ما يمكن أن يوفر له لقمة العيش. ونفس الشيء بالنسب للسيد زناتي الذي يداوم على زيارة بعض الأضرحة ملتمسا منها العون والبركة، وهو في نفس الآن من عتاة محترفي النصب والاحتيال. إن خطورة الشاطر تكمن في كونه يمنح ضحيته الوهم بالاعتقاد بصدقه وإخلاصه وورعه. ولكنه في نفس الآن يضمر ويبيت له عكس ذلك. يقول عبد الفتاح كيليطو في هذا الصدد : «ينبغي أن لا نتناسى القرابة بين الحاكية والمكدي والقاص. كل هؤلاء الثلاثة، بوسائل مختلفة، يخلقون شكلا من الإيهام»(4). لقد استطاع خيري شلبي، من خلال المحكي الشطاري الموظف في الرواية، أن يكشف عن تناقضات الواقع، وأن ينفذ إلى عمق أعماقه كي يشخص حيوات ومصائر فئات اجتماعية قلما يتم الالتفات إليها من طرف الرواية العربية. كما أن انفتاحه على عوالم «القراريين»، كما يسميهم، ساعده على الاقتراب من قضايا وموضوعات تمس في الجوهر المحرمات والطابوات المسكوت عنها ؛ إن الانطلاق من سيرة الشطار كأفق للتخييل عمل ينطوي على الكثير من الجرأة لأنها سيرة وجودية أبيقورية قوامها العبث واللذة والتحلل من كل المعايير القيمية المتوافق عليها. إن قضية الشاطر الأساسية هي قضية بحث يومي عن قوته، لذلك تجده ينتزع هذا القوت ويستخلصه بجميع الطرق والأشكال. إنه شخص يعيش على حافة الخطر لكنه يستلذ بهذه الحياة وينتشي أكثر كلما توفق في عملية من عملياته الاحتيالية، إنه جواب آفاق لا يمتلك إلا ذكاءه يسخره في تحصيل رزقه ولو بالغش والكذب والسرقة وغيرها. لقد انفتح خيري شلبي على المكون الشطاري في العديد من رواياته سواء منها «وكالة عطية» أو رواية «الشطار» أو رواية «موال البيات والنوم» وغيرها. الشيء الذي يبين أنه يتوفر على ذاكرة نصية ثرة في هذا المجال. كما يتضح أيضا أن الكاتب اختار طريقا آخر نحو الحداثة الروائية، وهو طريق التراث العربي القديم من خلال أدب الكدية أو من خلال الأدب الشفوي الشعبي. ولعل هذا الاختيار في الكتابة والتخييل يضعنا مباشرة أمام سؤال عريض كان قد شغل المبدعين والنقاد على حد سواء، وهو هل الحداثة تمر عبر التراث أم عبر الغرب ؟ ويبدو من خلال اطلاعنا على العديد من النصوص الروائية العربية أن هذا الإشكال هو واحد من الإشكالات الزائفة لتي شغلت النقد العربي. لأن قيمة وجودة العمل الأدبي لا تضمنها روافده النصية بقدر ما تضمنها موهبة وقدرة الكاتب على إنتاج نص له فرادته وأصالته سواء متح مادته وأساليبه ولغاته من التراث، أم من غير التراث. فرواية مثل «الزيني بركات» مثلا لجمال الغيطاني رواية أصيلة ومتميزة ليس لأنها استلهمت التراث فقط، بل لأن كاتبها استطاع ان يرتقي بها إلى مستوى من البراعة والإدهاش. وهذا لا يعني أن جميع النصوص التي استلهمت التراث جيدة والعكس صحيح. إن جودة نص ما لا تضمنها روافده بالضرورة، بل تضمنها قدرة الكاتب على التخييل والصياغة وبناء الحبكة والقبض على ما يضفي على نصه فرادة وتميزا. وأعتقد أن خيري شلبي توفق في ربح هذا الرهان من خلال انفتاحه على المكون الشطاري الذي تم توظيفه جنبا إلى جنب مع مكونات ومحكيات أخرى أضفت على النص تعددا أسلوبيا ولغويا مائز العلامات. واليوم إذ نودع هذا الأديب الكبير فإن الرواية العربية تفتقد واحدا من أكبر أعلامها ورموزها الذين أثروا هذا الفن بكتابات شيقة وممتعة لم يعرها النقد الأدبي بعد، كل الأهمية والاعتبار. هوامش (1) عبد الفتاح كليطو : المقامات، دار توبقال للنشر، ط. 2، ص. 44. (2) عيسى الدودي : العرب الأسبوعي، عدد السبت 21 مارس 2009. (3) عبد الفتاح كليطو : المقامات، دار توبقال للنشر، 2001، ط. 2، ص. 44 45. (4) عبد الفتاح كليطو : المقامات، م. م، ص. 46.

أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 7
كانت أول تجاربي في القراءة لـ “رضوى عاشور” موفقة جدًا. فحين قرأت “فرج”، اندمجت داخل العالم -الواقع- وضللت طريق الخروج منه، وبقيت الرواية من الأعمال المفضلة لدي على الإطلاق. لا ألبث أن أقابل شخصًا لا أعرفه حتى أسأله: هل تقرأ لرضوى عاشور؟ هل قرأت “فرج”؟ لا؟ إذًا يجب أن تقرأها. ومن وقتها وأنا أتابع كل أعمال “رضوى” الأخرى بِنَهَم. فقد أثّرت في شخصي لدرجة أني اهتممت بالتاريخ أكثر واخترته مجالًا لدراستي الجامعية. فيمكن القول إن “رضوى عاشور” تتبع مذهب التأريخ بالرواية -وهو ذكر أحداث تاريخية في إطار روائي شيق- سواء عن قصد أو دون قصد. وتُظْهِر من خلال أعمالها المختلفة الكفاح المضني الذي بذلته خلال حياتها الشخصية. كما تُسقط شخصيتها وشخصيات من تعرفهم على أبطال أعمالها. تُرَكّز هذه الرواية الحديث عن المعتقلات والقمع في العصور الثلاثة. عبد الناصر والسادات ومبارك. ولكن يمكن القول ‘ن عصر السادات حاز على نصيب الأسد في الرواية. ليس فقط من حيث كَم الصفحات، ولكن من خلال التفاصيل. حيث إن البطلة “ندى عبد القادر” وزملاءها كانوا مشتركين في الثورة الطلابية آنذاك. تبدأ “رضوى عاشور” سردها الروائي بالحديث عن الصغيرة ذات الفستان الأحمر “ندى عبد القادر” المولودة لأم فرنسية وأب مصري معتقل في سجون عبد الناصر. تذهب “ندى” مع أمها لمحطة القطار ليسافرا إلى أسيوط ليزورا والدها المعتقل في سجن المحاريق. فلا تتعرف عليه في الزيارة. وتظل تبكي ظنًا منها أنه هو الذي لم يتعرف عليها لتعود مريضة بالحمى. ندى عبد القادر تلك الفتاة الصغيرة التي يختفي والدها فتخبر أمها بأنها تكذب عليها وأنه ليس مسافرًا كما أخبرتها، بل مات مثل أرنبها الأليف لترد عليها أمها بأنه لم يمت، بل إن هناك رجلًا مثقفًا يقول الأمور يجب أن تسير هكذا، ولكن رأيه مخالف لرأي الضباط فوضعوه في السجن. – يعني إيه سجن؟ – يعني مكان مقفول لا يمكن الخروج منه. – مثل الأسد في حديقة الحيوانات؟ – مثل الأسد في حديقة الحيوانات. ثم تنتقل بنا رضوى في فصلها التالي “أيّ الرجلين أفضل؟”، لتتحدث عن زميلة “ندى” “منى أنيس” والتي كان أبوها أيضًا معتقلًا في سجون عبد الناصر، وكان ابن عبد الناصر زميلها في الفصل الدراسي فطلبت منها “ندى” أن تعرفها عليه حتى تسأله لماذا يسجن أبوه آبائهم؟ فوقفت “منى” في الفصل يومًا لتسأل المدرسة أمام الفصل كله: “من الأفضل أبي أم أبوه؟”، أبي كان مدرسًا جامعيًا في لندن، وعندما اعتدت بريطانيا على مصر احتج وقام بالمظاهرات ثم عاد لمصر ليخدم بلده. فمن الأفضل أبي المدرس الجامعي أم أبوه الضابط؟ لا تجيب المدرسة طبعًا بحجة أن كل التلاميذ بمثابة أبنائها. يخرج والد “ندى” أخيرًا من المعتقل لتبدأ الخلافات بينه وبين زوجته الفرنسية إلى أن يصل الأمر للانفصال. فتعود الزوجة إلى فرنسا وتبقى “ندى” مع والدها -لأنها شعرت أنه بحاجة إليها أكثر من أمها-. في أحد المشاهد الروائية، تذكر الكاتبة أن ندى وأبيها كانا يسهران ليلًا ليقيما مسابقات في الشعر. بأن يلقي أحدهم بيتًا من الشعر ويلقي الآخر بيتًا، ولكن بشرط أن يبدأ البيت الجديد بأول حرف انتهى به البيت الأول: “ولاذ بصخرة من رأس رضوى بأعلى الشعبِ من شعفِ منيفِ“. ليرد الآخر: “فرع نبع يهتز في غصن المجد غزير الندى شديد المحال“. وأرى أن رضوى عاشور أوردت هذين البيتين تحديدًا، لأن الأول يحتوي على اسمها والثاني على اسم ندى. وفي الواقع، فإن هذا النوع من المنافسات كانت تقام بالفعل في منزل رضوى عاشور، بين زوجها الشاعر “مُريد البرغوثي” وابنهما “تميم البرغوثي” وذلك واحد من الإسقاطات الشخصية للكاتبة والتي تحدّثت عنها في بداية المقال. يتزوج الأب مرة أخرى بـ”حمدية” التي تصفها ندى بأنها (كومبارس في أفلام فريد الأطرش -تضع طنًا من مساحيق التجميل- توشك على الرقص عندما يشرع هو في الغناء). تقرأ “ندى” في نَهَم زائد عندما تأتي (الكومبارس) إلى المنزل ليصبح لها أسلوبها الأدبي الخاص. الأمر الذي يدفع أبيها لاقتراح دراسة الأدب بديلًا عن الهندسة، لكن ندى تتمسك بدراسة الهندسة. ويجب أن أتوقف هنا عزيزي القارئ لأوضّح لماذا اختارت رضوى عاشور لبطلتها “ندى” دراسة الهندسة -في باديء الأمر- بدلًا من آداب والتي هي كلية رضوى أصلًا، وأن ترفض نصائح والدها، لسببين: أولهما، أن الحركة الطلابية في ذلك الوقت نبعت من كليات هندسة جامعتي القاهرة وعين شمس ثم انتقلت كالعدوى لباقي الكليات، فيجب أن تبقى الشخصية في بؤرة الحدث. ثانيهما، أن الشخصيات القيادية في الحركة الطلابية كسهام صبري وأروى صالح -اللتين سأتحدث عنهما لاحقًا- كانت في كلية الهندسة، فودت رضوى أن تبقي بطلة روايتها بالقرب منهم. تشترك ندى في مظاهرات الطلبة في السبعينيات (1972-1973) وتتعرف على الشخصيات القيادية التي سبق ذكرها وتتأثر بسهام بالذات. وعندما تبدأ حملات الاعتقالات يسفّرها والدها إلى أمها في فرنسا. فتظل طول العمر تشعر بالذنب لأنها لم تُعتقل معهم. وهنا نعود للكاتبة ولمَاذا لم تترك ندى، تُعتقل مع زملائها؟ الجواب هنا أن رضوى عاشور مرضت بمرض أرقدها في المستشفى وقتها ولم تُعتقل ضمن من اعتُقِلوا، فظلت تشعر بالذنب وتعبر عنه بشكل أو بآخر في أعمالها الكتابية -بالرغم من أن رضوى عاشور كانت وقتها معيدة في الجامعة وليست طالبة-. تفشل ندى في سنتها الأولى في كلية الهندسة فشلًا ذريعًا، فبين مظاهرات الثورة الطلابية واعتقالات الزملاء وسفرها إلى فرنسا، لم يكن أمامها سوى السقوط بالإضافة إلى أن المواد الدراسية في الكلية لم تستهوها بشكل المرجو. فتحوّل أوراقها لكلية الآداب قسم اللغة الفرنسية. اعتُقِلت ندى في السنة التالية، وتتحدث رضوى عن تجربة اعتقالات الفتيات، لم يضربهن أو يعذبهن أحد. وكان أقصى ما يفعلوه معهن، أن تُحجز إحداهن في عنبر الجنائيات كنوع من (التكدير). ثم أسهبت في وصف نوعية الملفات والمحاضر والاستجوابات التي كانت تُعد لهم والتي استمدت معلوماتها عنها من بعض الكتب التي تحدثت عن تلك النوعية من الاستجوابات ككتاب: (سهام صبري: زهرة الحركة الطلابية). حازم الشخصية الرئيسة التالية في الرواية (خيالية)، وإن كنت لا أحبذ هذا الوصف في هذة الرواية تحديدًا. فهنا لا توجد شخصيات خيالية، فكلها شخصيات نُسِجَت خيوطها من شخصيات ومواقف حقيقية، فلا يجوز الادّعاء أنها خيالية. قابلت “ندى” “حازم” أول مرة في الاعتصام الأول الكبير. يبدو عليه أنه أصغر سنًا منها فتوجهت له قائلة: “ندى عبد القادر، إعدادي هندسة القاهرة. قال: حازم كامل، طب القاهرة”. هذه هي الحقيقة التي لم تصدقها “ندى” في أول لقائين. فحازم يكبرها بخمس سنوات وليس في الصف الأول الثانوي كما خدعها في اللقاء الأول، ومسؤول فعلًا عن ثلاثة أولاد وأمهم -إخوته وأمه الذين ترِكوا في مسؤوليته بعد رحيل والده- كما قال ولم يكن يمزح. يُقدّم تلك المسؤولية على أي شيء. يُتهم بالتكاسل في الحركة الوطنية وأنه ينتمي لأهله بشكل مريض، فلا يهتم ولا يتخلى عن مسؤليته أو ينحيها عن قائمة أولوياته. أعطى “حازم” السند لـ”ندى” على مدار سنين، وخصوصًا بعدما رحل والدها وصارت العائل لأسرتها وأخويها حديثي الولادة. “لا نلتقي لسنوات، ثم نعود لنلتقي، فيجد كل منا صاحبه تمامًا كما غادره”. تدور بينهم المشاجرات والخلافات، ثم يعودا كما كانا وكأن شيئًا لم يكن. إلى أن رحل “حازم”، وكانت تلك قاصمة من القواصم التي مرت بندى، وبالتالي مرت بالقارئ. رحل في هدوء فجأة دون مقدمات. لتشعر ندى بالذنب ولا تستطيع أن تتخلص منه: “أشعر بالذنب تجاه أبي وتجاه أمي، ذنب لا علاج له لأنهما رحلا. وأشعر بالذنب كلما مات زميل من زملائي كأنني تركته يتحمل عبئًا لم أشاركه فيه”. أروى صالح تلك المرّة الشخصية حقيقية تمامًا. أحد قيادات الحركة الطلابية في السبعينيات. كتبت شهادتها في كتاب أو كتيب بوصف أدق، وأسمته (المبتسرون). لجأت إليه رضوى عاشور وهي تصف حالة ندى عند قراءته. وصفت “أروى” حلمهم بالحلم المُجهض، حلم الثورة الذي انتهى بنجاح طفيف –انصياع السادات ودخوله حرب 73 ورفض الحل السلمي- وفشل كبير عظيم أَلَمَّ بكل الحالمين -معاهدة السلام وتضييق الخناق على الحركة الطلابية الوطنية حتى ماتت تمامًا-، ليتشتتوا وينشغلوا في أمورهم الشخصية. فمنهم من اكتأب ولم يستطع ممارسة حياته الطبيعية. ومنهم “أروى” التي حاولت الانتحار مرتين مرة بإلقاء نفسها في النيل وأنقذوها ومرة ألقت بنفسها من الدور الثاني عشر وماتت؛ لتترك زملاءها في حالة حطام. فتصف رضوى “حازم” بعد أن سمع خبر انتحارها بأنه كان غاضبًا غضبًا غريبًا أشبه بقوة طاردة في إعصار. وكأن أروى انشطرت أمامه إلى اثنين. قتيلة يبكي في وهن فقدها، وقاتلة يضطرم سخطًا عليها. “بصقت أروى في وجوهنا جميعًا. أسامحها على كل شيء إلا انتحارها”. لم تنتحر أروى بعد فشل الحركة الوطنية مباشرة، بل بعدها بفترة طويلة قرابة الخمسة عشر عامًا. عمة ندى امرأة من صعيد مصر. مثال للمرأة الشرقية. غير متعلمة، ورغم ذلك لديها من البلاغة والحكمة ما يكفي طلاب مصر ويفيض. تزوجت صغيرة جدًا، وأنجبت عشر مرات، عاش منهم خمسة فقط. لديها ما لا يحصى من الأحفاد وأحفاد الأحفاد. لم تجالسها ندى كثيرًا أو تعِش معها، ولكن كانت تسافر لها بين الحين والآخر عندما كانت تدرك أنها لم تعيش مع والدها بالشكل الكافي، وتريد أن تعرف عنه أكثر لتنهال على عمتها بالأسئلة. لتحكي العمة أنها عندما اعتقلوا أخيها أرسلت لجمال عبد الناصر جواب لتسأله كيف يعتقلوا أخيها الذي سافر للخارج ليتلقى العلم ثم عاد به إلى بلده؟ وتسأله بعد أن خرج من معتقل: “ضربوكم يا حبّة عيني؟”، ليجيب: “ضربونا يا أختي بس ما سلمناش”، وإن كان الضرب صفة مهذبة رقيقة لما حدث ويحدث للمعتقلين والذي أرّخت له الكاتبة في الفصول الأولى من الرواية، عندما كانت تقرأ “ندى” عن المعتقلين لتتعرف على والدها وتجربته. تحكي “ندى” لعمتها عن انتحار أروى لتفاجئها العمة بأنها لم تقل الانتحار حرام والروح أمانة ربنا ولا يجوز أن يردها قبل أوانها. بل إنها سألتها عن أروى لها أولاد؟ متزوجة؟ ثم:”وكنتم فين لما انتحرت؟. ماهو يا بنت أخويا لازم تختاروا يا إما طريقتنا: جواز وعيال وأهل وعشيرة. يا إما تدفوا بعض. والصاحب يبقى عزوة صاحبه. ماحدش يقدر يعيش وحده عريان! الله يرحمها!”. لم تزد في الكلام ولكنها وَفَّت. سهام صبري زهرة الحركة الطلابية، هكذا لقبها زملاؤها في الحركة، وهكذا أطلقوا على الكتاب الذي أصدروه عنها، بعدما رأوا أنه سيكون الوداع اللائق بها في حفل تأبينها. تصف رضوى في الصفحة الأول من فصل سهام -لم يكن أول الحديث عن سهام- صورتها في الصفحة الأولى من كتابها، ولن أنقل لكم الوصف وسأكتفي بعرض الصورة. 1186153_10202840613806701_661741197_n (2) بحثت عن هذا الكتاب منذ أن قرأت وصف الكاتبة للصورة ووصفها للشخصية عبر صفحات الرواية لمدة عامين، إلى أن وجدته أخيرًا. طُبع الكتاب على نفقة أهلها في 500 نسخة. عدد من قرأوه قليل، معظمهم من زملائها وأصدقائها. وأرى أنه من الغريب أن لا تأخذ شخصية كـ سهام حقها ولا يعرفها كل الناس. وسهام صبري، هي المقصودة في قصيدة أحمد فؤاد نجم (أنا رحت القلعة) قائلًا: “وقابلت سهام في كلام إنسان منقوش ومأثر في الجدران”.. وفصل (سهام) هو اختصار لما وَرَدَ حرفيًا في الكتاب السابق ذكره. كان أول لقاء لندى بها في مظاهرات الجامعة في كلية هندسة. فوقفت ندى مشدودة ومدهوشة بالشخصية التي أمامها والتي تحتوي على خليط من شجاعة وجسارة ولطف ورقة. تصرخ في مندوب الرئيس “إذا كنت أنت وزير الشباب تعترف بأنك مجرد “بوسطجي” فاذهب وأخبره أننا لن نتحرك من هنا إلا إذا حضر هو بشخصه للإجابة على تساؤلاتنا”، ضحك بعض الواقفين ولكن ما لبث أن جاء الرئيس فعلًا بنفسه. تتخيل ندى فجأة بعد مرور سنوات أنها سَمِعَت صوت سهام لتلتفت ورائها لتجد سيدة بدينة فقط تكبرها بأعوام. لتظل في حيرة لأيام، هي سهام أم لا؟ تظل تسأل عنها المقربين فيقولوا أن أخبارها انقطعت من فترة. تذهب لبيتها ليخبرها البواب أنها لا تجيء منذ فترة طويلة. تتصل بمنزل والدتها ليردوا في أدب: لا تستقبل أحد. عانت سهام من الاكتئاب لمدة عشرين عامًا حاولت الانتحار فيهم أكثر من مرة وفي كل مرة تم إنقاذها. إلى أن زهدت في المحاولة وصارت تدعو الله أن يقبض روحها وينيلها الشهادة: “يارب أنا لا أطلب سوى الشهادة فخذ روحي في صباح غد قبل أن تنفتح عيناي على صباح آخر”، “خلصني يا إلهي لأن آلام قد غرست على آلام على آلام وأبكي كثيرًا جدًا وأنت تعلم”. ماتت سهام في الثالث عشر من مارس عام 2003 الموافق العاشر من محرم 1424 قبل غزو أمريكا للعراق بأيام. صدفة أم قرار لا أحد يعلم. في الكتاب، وصف الكثير من أصدقائها خبر موتها، أنه جاء صادمًا. كأن تصل أحد أصابعك بسلك كهربائي، رغم انقطاع أخبارها عنهم بفترة طويلة جدًا. سهام صبري الشجاعة الجسورة التي تصرخ في الهتاف هي نفسها سهام الرقيقة الخجولة بين زملائها. نابغة في دراستها بجانب نبوغها في النضال الوطني. سافرت للاتحاد السوفييتي لإنجاز رسالة الدكتوراه ثم أخذت قرار بقطعها والعودة إلى مصر. قرار تصفه بأنها ستتخذه لو عادت بها السنوات -ربما لما رأته من فساد ورشوة وظلم في منبع الاشتراكية للعالم فصُدِمَت-. مارلين والدة ندى مارلين الفتاة الفرنسية القروية العاملة على النسخ بالآلة الكاتبة. تزوجت عبد القادر بعد قصة حب وعادت معه إلى مصر لتشعر بالغربة والغرابة. فقد صارت تعامل كمدام سليم وتُدّرس الفرنسية في مدرسة معظم طلابها من الطبقة العليا. لم تتكلم العربية ولم تفهم أبدًا جدة ندى ولا عمتها. تحمّلت اعتقال زوجها وبعد أن خرج تحمّلت تغيّرات شخصيته واختلقت له الأعذار إلى أن وصفها بالعمياء بعد أن رأته يبكي على خطاب التنحي لعبد الناصر. عبد الناصر الذي اعتقله! فصرخت فيه بهستيريا، فنعتها بالعمياء. لم تطلب الطلاق بسبب المسبة بل لأنها أدركت أنها لا تستطيع أن ترى ما يراه. هكذا عادت وحيدة إلى فرنسا وتزوج هو وأنجب في حين أنها لم تستطيع الارتباط بغيره. لم تعود مارلين الفتاة القروية -لأن قريتها صارت قرية سياحية- ولا مارلين المصرية ولا مارلين الباريسية، فظلت تشعر دومًا بالغربة والغرابة، التوأمين نادر ونديم. فبعد أن حاربت ندى والدها حتى لا يجبر حمدية على الإجهاض، أوكلوا لها مهمة تسميتهم. مات والدها فجأة وبدون مقدمات ليترك لها مسؤوليتهم أيضًا. لتضعهم طيلة الثمانية عشر عامًا الأولى في حياتهم على قائمة أولوياتها. يشبهان بعضهما كأي أخوين ولكن ليسا متطابقين. قرر نادر أن يدرس في مجال هندسة الكومبيوتر وربما يفلح في العمل في مايكروسوفت ويسافر للخارج. بينما قرر نديم أن يدرس العمارة. ضحت “ندى” بفكرة الزواج من أجلهما. علاقتها بأمها خَفَتت لسوء أحوالها الاقتصادية وعدم القدرة على السفر إليها. ولأن أمها كانت دومًا ما تتهمهما بأنها السبب في بُعدها عنها. سافر نادر إلى دبي واعُتقل نديم في عصر مبارك في المظاهرات المنددة بالغزو الأمريكي للعراق، اتهمت حمدية ندى بأنها السبب في ذلك. فرج فصل الختام والتي أرادت رضوى أن تجعله فصل المقدمة ولكن ما لبث أن تزحزح شيئًا فشيئًا حتى صار فصل الختام. فرج فرخ حمام أبيض الريش تركه سرب الحمام البري الذي هبط على مُعتَقَل”تزمامارت”. فاعتني به أحد المعتقلين إلى أن صار ذكر حمام، فطار وجلب وليفته وعشش في المعتقل. يرفرف بجناحيه هنا وهناك فترفرف قلوب المعتقلين. هوّن عليهم سنوات الهوان والسجن إلى أن خرج المُعتَقَل الذي سبق واعتنى به لينظر له نظرة أخيرة ويتمتم: شكرًا . فلولاه ربما ما كان نجا. هكذا تنتهي الرواية ولكن لا ينتهي أثرها من النفوس، فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على أول مرة قرأتها فيها لازلت تترك فيّ نفس الأثر من الشجن والأمل: “وحين أقول إنها صديقتي أشعر بقدر من الزهو كأن هذه الصداقة تضيف إلى جسدي الطفل شيئًا من طولها، وتمنحني بعضًا من سلطة معارفها”. هكذا قالت “ندى” عن صديقتها “منى”، وهكذا أقول أنا عن صديقتي ندى، فندى صديقة كل من دخل عالمها فتركت هي في عالمه بصمات لا يسهل محوها. ندى ليست خيالية بالمعنى الكامل كما وضّحت سابقًا ولا معارفها خياليين. فقد أبدعت رضوى عاشور في صنع تلك الرواية ودمج حوارها بين الحاضر والماضي، ولكن بشكل لا يجعلك تتوه وانت تقرأها. فأنا الآن أريد أن اقرأها مرة أخرى وستظل وكأنها المرة الأولى.

أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 13
مشروع رضوى عاشور الروائى يرتكز إلى علاقة المثقف الثورى بالسلطة، وكأن هذه العلاقة فى مجملها هى التى تدفع وتحرك وعى الكاتبة الروائى. هذا المثقف المهموم دوماً بتغيير الواقع الآسن، وهذه السلطة القامعة التى تتشكل عبر متاريس ودساتير قوية وشبه أبدية. لذلك تستدعى هذه العلاقة وعياً خاصاً ومعالجة نوعية. ولأن رضوى عاشور عاصرت عهوداً ثلاثة من تجليات السلطة فى مصر، فهى قادرة على النفاذ إلى أعماق تلك العلاقة ومنحنياتها منذ آخر الخمسينات، لحظة الصدام الشرس بين هذا المثقف وتلك السلطة، حتى مطلع الألفية الثالثة، فى ظل انتشار آليات دفاعية حديثة، أبرزها منظمات حقوق الإنسان الملتبسة، والتى لا يرد لها ذكر فى رواية رضوى عاشور الجديدة "فرج" الصادرة حديثاً عن دار الشروق فى القاهرة. تبدأ رواية "فرج" بمشهد لبطلتها "ندى عبدالقادر"، وهى طفلة تستعد لمصاحبة والدتها الفرنسية لزيارة والدها المعتقل فى جنوب مصر. وبالطبع لابد من أسئلة بريئة توجهها ندى إلى الأم، مثل: هل بابا سيعرفنى؟ تبدو ندى متمردة منذ طفولتها، عبر إصرارها على تثبيت بعض الأفكار التى تراودها، هذا التمرد ظل مصاحباً لها طوال رحلتها فى الرواية، كابنة وتلميذة وطالبة فى الجامعة تحمل علم مصر فى المظاهرات، ثم كحبيبة لا تسلم بكل ما يطرحه حبيبها من أفكار. فى الرواية تستدعى الساردة كثيراً من أفكار وآراء ميشال فوكو، وعلى غلظة هذه الأفكار وجمودها، نجدها - فى السرد - تلين وتتفكك أمام حكايات ومعان عميقة. وهنا تبرز ميزتان: الأولى تتعلق بالمزج بين الدرامى والمعرفى، والثانية بالواقع الصريح والمتخيل المحض. فالواقع الصريح هنا يستدعى أشخاصاً معروفين أو مشهورين وبارزين فى نطاق اليسار المصرى فى حقبة السبعينيات مثل أروى صالح وسهام صبرى ومنى أنيس، ومعها حكاياتها المتعلقة بمعضلة الرواية الأساسية، وهى "صراع المثقف وآليات القمع". وإلى جانب حكايات هذه الشخصيات الواقعية، هناك حكايات تبدو من صنع الخيال وحده. وهكذا يتجادل الواقعى والخيالى على مدى الرواية كلها. تثير الرواية إشكالات تستحق التوقف عندها، أولها يتمثل فى استدعاء الشخصيات الحقيقية التى أخذت أبعاداً شبه أسطورية، ومنها شخصيتا أروى صالح وسهام صبرى، اللتان كان لهما حضور مهيب فى الحركة الوطنية الديموقراطية المصرية عموماً والحركة الطلابية خصوصاً. لكنّ الرواية آثرت أن تقتنص مراحل الإحباط والهزيمة للشخصيتين. وإذا كان العمل الروائى عندما يتعامل مع الواقعى، ينتقى بالطبع، فلا ينبغى له أن يغفل جوانب ناصعة فى هذا الواقعى. وإذا كانت المتابعات الصحفية التى أعقبت رحيل أروى صالح اختصرتها فى كتابها "المبتسرون"، ووجد بعض الناس فيه حجة لوصم الحركة الطلابية المصرية بالتناقضات الحادة، فإن الرواية انجرفت فى هذا التيار، وركزت فى شكل أساسى على المرحلة الانهزامية لأروى. وربما لا يعرف الكثيرون أن أروى صالح انتمت إلى فصيل "حزب العمال الشيوعى المصرى"، وهو أشد الأحزاب راديكالية فى حقبة السبعينيات، ومُثِّلت فى أعلى هيئاته، ووضعت كتابات مهمة تحت اسم حركى هو "صفاء إسماعيل"، وأهمها كتاب آخر ترد فيه على كتاب الراحل محمد سيد أحمد "بعد أن تسكت المدافع"، وتهاجم الرؤية الميكيافيلية التى تبناها. ولأروى كتاب يرد على وثيقة تقدم بها فصيل من الحزب محتجاً على توجهاته فى ذلك الوقت، فضلاً عن مقالات نقدية صدرت فى كتاب بعنوان "سرطان الروح". وتكرر الأمر نفسه بالنسبة إلى سهام صبرى على رغم استدعاء لحظات قليلة مضيئة من مسيرتها النضالية. ويلاحظ أن رواية "فرج" تركز على المشهد الأخير فى حياة سهام صبرى، وهو مشهد مفعم بالشعور بالإحباط.

أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 19