ربما لم يحظَ كتاب عن ثورات الربيع العربي، سواء باللغة العربية أواللغات الأخرى، بالاهتمام الذي حظي به كتاب "تقاطع نيران" للروائية السورية سمر يزبك. والذي تصدر ترجمته الإنجليزية الشهر الجاري بعد أن ترجم أيضا للفرنسية والألمانية والإيطالية.   قد يشكل اجتماع عدة عناصر معا سببا في جذب انتباه القارئ والناشر الغربي إلى كتاب يزبك، كخصوصية الثورة السورية في امتدادها الزمني قياسا بثورات الربيع الأخرى، والقمع العنيف الذي تعرضت له وعدد شهدائها، يضاف إلى ذلك طريقة الكتابة، التي لم تتنازل فيها يزبك عن توجهها الذي يجمع بين اللغة الأدبية القوية وقوة التأثير النفسي من خلال سرد يوميات الانتفاضة السورية.   سمر يزبك، التي غادرت سوريا أثناء الثورة، منذ عام تقريبا لتعيش في باريس تصاحب جولاتها لتوقيع كتبها باللغات الأجنبية، بحضور ملتقيات عدة وإلقاء محاضرات في وسائل الإعلام والمدارس والأكاديميات الغربية، والمؤسسات المدنية والمنظمات الحقوقية، مقدمة شهاداتها الحية عن الثورة. متممة ما لم تقله في كتابها الذي يرصد الأشهر الأربعة الأولى من الثورة فقط. دور المثقف قد لا يحتاج الأمر إلى المحاضرات كما يعتقد الكثيرون، لأن الفضائيات لا تكف عن تقديم صور حية لموت مباشر أحيانا على الهواء، عدا ما تقدمه صفحات التواصل الاجتماعي وما تعرضه التنسيقيات في سوريا عن تفاصيل التظاهرات، والاستشهاد والتخريب والتدمير، وإحصائيات الموت في كل يوم.   ومع ذلك لا يمكن إنكار دور الأدب ومساهمته في توضيح الصورة، ودور المثقف الذي تُعتبر شهادته أكثر تأثيراً بالنسبة لطبقة معينة من الجمهور الغربي، المتلهّف للمعرفة، خاصة أن القنوات الإعلامية قد تكتفي أحياناً بتقديم الصور، دون التعمّق في التحليل الفكري أو النقدي.   إن دور المثقف المنبثق من الأرض السورية، يختلف عن دور الإعلامي، لا بغرض انتظار موقف مباشر منها، بل بقصد تقديم الصورة الفعلية غير المسيسة وغير المؤدلجة، وإن كان من الصعوبة بمكان فصل السياسي عن الثقافي في هذا النوع من النشاطات، المكرسة لشرح تفاصيل الحالة السورية، وتاريخ الاستبداد وطبيعة الأنظمة التي  فاجأت دمويتها العالم. وهنا تماما يكمن دور المثقف المنخرط في الثورة، المندمج مع الثوار.   وفي سياق هذا الدور أصدر مهرجان برلين للأدب بمناسبة اليوم العالمي للكتاب بيانا للمشاركة في قراءة عالمية لمقتطفات من كتاب سمر يزبك عن الثورة السورية، وقد وقع على البيان كتّاب عالميون كبول أوستر ونعوم تشومسكي وخوان غويتسولو ومن الكتاب العرب زكريا تامر وعلاء الأسواني وصموئيل شمعون وغيرهم. انتقادات بالعودة إلى إقامة سمر الأساسية في باريس، رغم جولاتها خارج فرنسا وداخلها، فإنها لم تكتفِ بالكتابة كفعل ثوري وردّ على العنف الحاصل في سوريا، بل قامت بإنشاء منظمة تهتم بالنساء السوريات، "سوريات من أجل التنمية الإنسانية"، مقرها باريس، حيث تتعاون مع عدة أشخاص من داخل سوريا وخارجها، لتوثيق الانتهاكات ضد النساء أثناء الثورة، من اغتصاب وقتل واعتقال، وكذلك تقوم المنظمة على دعم مشاريع اقتصادية صغيرة للنساء داخل سوريا كما أنها تهتم بإبداع الكاتبة السورية أثناء الثورة.   كان لسمر أيضا دور مهم خلال محاضراتها وسط حضور فرنسي وأوروبي كبير، بوصفها شاهدة آتية من أرض الثورة. تحدثت يزبك مطولا عن أثر الثورة على كتابتها، والانتقال الذهني الذي أحدثته الثورة على أسلوبها واهتمامها، كتحولها مثلاً من حالة الانتماء إلى الالتزام، وانتقالها الكبير إثر الثورة، من روائية تتسم نصوصها وقضاياها بشيء من العدمية، إلى كاتبة مؤمنة بأهمية الكتابة ودور الكلمة، في التغيير. في كل ما تقوم به يزبك من نشاطات مكمّلة للكتابة، أي الندوات والمحاضرات واللقاءات مع الجمهور الغربي للحديث عن شهاداتها في الثورة، إضافة لكتاباتها، سواء المقالات أو الروايات أو كتاب الشهادات الأخير، فإنها كما لو تضع نفسها في مرمى النيران، دون أن تملك خيارات أخرى. فهي ما إن بدأت بتسجيل يوميات الثورة، حتى تعرضت لهجمات عديدة وانتقادات من الطرفين، من قِبل النظام، ومن قِبل بعض المعارضين. هل كان من الأفضل لها لو أنها كتبت بصمت، دون لفت أنظار النظام إليها، هو ذاته الذي طرحته في كتابها المذكور، لكن يزبك تبدو راضية عما فعلته، وتؤكد أن الكتابة بهذه العلنية والوضوح هي التي تقدم خدمة أكبر للثورة. وهنا يبدو السؤال المهم الذي يطرح في العالم العربي حاليا، إلى أي حد يدفع الكاتب ثمن كلمته، وثمن مواقفه، وخاصة حين يكون الكاتب امرأة، وإلى أي حد تدفع المرأة من حياتها وأمنها وطمأنينتها ثمن كتابتها المعارضة للنظام السياسي، وللنظام الاجتماعي، ولكل أنظمة الاستبداد؟ هل تدفع المرأة الكاتبة أثماناً مضاعفة؟ وهل هناك أصعب من ثمن أن يكون أحد ما في "تقاطع نيران" موجهة من كل حدب وصوب!

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 25
“تقاطع نيران.. من يوميات الانتفاضة السورية” كتابٌ للروائية السورية، سمر يزبك، صدر قبل شهور في 300 صفحة عن دار الآداب في بيروت. لا تجاوزَ في وصفه، هنا، بأنه نصٌّ استثنائيٌّ في أَهميته، ليس فقط في سرديَّته التي تُدَوِّن فيها يزبك يومياتٍ رهيفةً في الشهور الأَربعة الأولى للانتفاضة في بلادها، بل، أَيضاً، لمنسوب الحرارة العالي في الشحنة الحاضرة فيه، اللاذعةِ بالضرورة، والبالغةِ الرفعةِ في إِنسانيَّتها. لا مطرحَ للسياسة في الكتاب، ولا للثرثرةِ عن الإقليميِّ والدوليِّ والتدخل الأَجنبي، لا شيء غير أَنفاس سمر يزبك وهي تقاوم الخوف، وهي ترى “الدماءَ لا تأتي إِلا بالدماء”، وهي تفكر في بيتِها بأَن تندسَّ “في نوم القتلة” لتسأَلهم أَسئلتها. وكذلك، وهي تشارك في مسيراتٍ ومظاهراتٍ، وهي تهزأُ من عيون المخبرين الذين يُراقبونها، وهي تلحظ قناصاً على هذا البيت وآخر على ذاك البيت، وهي تحاورُ شباناً وشابات في لقاءات سرية، للدفعِ بوتيرة الاحتجاج وغوث الناس، وهي في مركزٍ أَمنيٍّ ويصوِّبُ الضابطُ عليها تهمةَ خيانةِ طائفتها العلوية!. تتعرَّض سمر يزبك لضربٍ وإِهانةٍ في تحقيقاتٍ تافهةٍ معها، وتُفكر في أَثناءِ واحدةٍ منها باستخدام سكينٍ صغيرةٍ تحتفظ بها في صدريتِها. ويستنكرُ أَهلها وناسُ بلدها، جبلة في بانياس، ما تقومُ به وتنشط فيه، ويشعرُ قارئ سطورِها عن استفظاعِ كثيرين منهم مماشاتها، وهي العلوية، “المندسين” و”الإخوان المسلمين”، بقرفٍ مفزعٍ مما راكمه نظام آل الأسد من خرابٍ في الحالةِ السورية، لمّا بنى طبقاتٍ ثقيلةً من التربص والتحسب بين المكونين، السني والعلوي، في المجتمع، وهو الذي ظلَّ يزعمُ أَنه ينشدُ تحقيق الوحدة العربية. لا نقرأُ تنظيراً في “تقاطع نيران” في هذا الشأن، ولا تحليلا، ولا كلاماً إِنشائياً عن سوريا الموحدة وشعبها الواحد، بل كلاماً مستسرلاً ينطقُ به أَصحابُه عما يجوسُ في صدورِهم، وفي أَفهامهم ومداركهم. نقرأُ، أَيضاً، مشاعر ضافيةً بالوطنيةِ المحبّةِ لدى شهودٍ تُوثِّقُ سمر يزبك مروياتِهم، ينتسبون إِلى الطائفةِ العلوية الكريمة. ونقرأُ شهادات آخرين، أَطباءَ وناشطين وصحفيين وشهود عيان، من حمص وحماة ودمشق وبانياس وغيرها، مهمٌ أَن يقرأَها المولعون بفريةِ المؤامرةِ الكبرى على سوريا، وبنكتةِ فبركاتِ الفضائيات المغرضة، ليعرفوا، إِنْ توفَّرَت لديهم النية أَنْ يعرفوا، أَيَّ سفالةٍ ووضاعةٍ عليهما النظام السوري، حين ينشر ميليشياتِه وشبّيحته بين الناس، فيستسهل هؤلاءِ إِطلاقَ الرصاص على الصدور العزلاء. فصولٌ من المأساةِ السورية في شهورها الأولى، وقد قضى، في غضونها بذلك الرصاص، نحو ثلاثة آلاف سوري، بأَوامر من آصف شوكت وداود راجحة وهشام بختيار وحسن توركماني، الذين أَبرق كتابٌ ومثقفون وفنانون أردنيون إِلى بشار الأَسد يعزونه فيهم، ولا أَظن أَنَّ أيا من هؤلاء الزملاء قرأ سمر يزبك وما وثقته، بلغة جذابة ورائقة، من مشاهداتِها ومشاهدات غيرها، ولم يكن قد تشكل جيشٌ حرٌّ ومجلسٌ وطنيٌ معارض، وقبل أَن ينشطَ التآمر العربي والدولي على سوريا الممانعة والمقاومة. لم يقرأْ أَيٌّ من أولئك حديث الضابط السوري للكاتبة عن إِطلاقه النار على جسدِه ليصيرَ في وسعه أَنْ يفرَّ من تنفيذ أَوامر القتل إِياها. تورد سمر تفاصيلَ ومعايناتٍ تُضيء على “انتفاضةِ شعبٍ مقهور يريد التحرر من ذله”، وتكتبُ أَنه “يجب كسر رواية النظام المجرم عن حقيقةِ هذه الثورة”. أَحسبُها أسهمت مساهمةً ثمينة في هذا، وأُشجعُ، هنا، على قراءَة كتابِها.

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 21
هذه الرواية الصدمة تشتغل كثيرا على الشخصية وعوالمها النفسية الداخلية وعلى القلق والتوتر؛ ليس لأنها تتناول موضوع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقط، بل لأن هناك عوامل كثيرة جعلت من شخصية الرواية الدكتور أمين جعفري شخصية متوترة لدرجة أنّ توتّر الشخصية وقلقها أعطى الحدث شكلا تصاعديا في تطور الرواية سرديا، فهذا الطبيب العربي الذي يحمل الجنسية الإسرائلية يعمل جرّاحا في مستشفى بتل أبيب، والذي حاول بكل إصرار أن ينسى ويتناسى أصوله العربية، وينسى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويحاول الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، ويكوّن صداقات معه، ويبني مجده الوظيفي ويصبح طبيبا جرّاحا مشهورا في المستشفى. يتزوج هذا الطبيب العربي/الإسرئيلي من سهام (التي لم تظهر في الرواية سوى إنها ذكرى وأنها ميتة، لم تحضر سهام الزوجة في الرواية حية). حضورها اقتصر على استرجاع الذكريات. وهذه رمزية ذكية من الروائي، وكأنه يقول للعرب أن قضية فلسطين أصبحت شعارات ميتة. shok الصدمة الحقيقية التي يتعرض لها بطل الرواية (أمين جعفري) عندما يتعرض مطعم في تل أبيب إلى تفجير، يخلّف التفجير ضحايا جرحى وقتلى. ويبذل هذا الطبيب كل جهده في إنقاذ الجرحى. التفجير خلّف ضحايا في (تل أبيب)، ومن هنا تبدأ صراعات وصدمات الشخصية؛ الشخصية الحالمة بحياة مسالمة، الغائبة عن الجذور، أو الجانب الآخر من حياتها. هذا التفجير ليس تفجيرا لمكان داخل إسرئيل بل هو تفجير حياة شخصية الرواية؛ فمن جرّاء هذا التفجير ستنتكس حياة الشخصية؛ لأن من قام بالتفجير هي زوجته (سهام) التي عاشت معه خمسة عشرة عاما. سيخسر أمين كل شيء، طموحاته وعمله وأحلامه. بعد التحقيق معه، وهجوم جيرانه عليه، تختل حياة البطل، البطل الذي يتبنى أفكار وأسلوب حياة المجتمع الإسرائيلي. تقف معه زميلته (كيم يهودا)، تحاول أن تحميه وتخفف عنه. يبدأ عندها يعيد التفكير، يبحث عن الأسباب التي دفعت بزوجته إلى تفجير نفسها في مطعم إسرائيلي، ويحاول أن يتذكر أية إشارات إلى هذا العمل «الإرهابي» أو إلى أي تلميحات إلى هذا العمل.  يحاول أن يسترجع لحظات خروجها قبل ثلاثة أيام لمنزل جدتها، لم يجد أي إشارة من وداعها تدل على أنها ذاهبة إلى الموت. فهو يقول أن زوجته لم تكن متشددة، وكانت تحضر معه في سهرات مع أصدقائه الأطباء، فلم يلحظ على سهام أي دلالة على التشدد. وكلما تقدم السرد زاد توتر أمين، وكلما زاد توتره، بدأ يمسك بخيوط اللعبة، فبعد أسابيع تصله رسالة من بيت لحم، من سهام الميتة طبعا في التفجير، الرسالة غامضة جدا، وهي وداعية، وتزيد من توتر وانهيار أمين مرة أخرى. «ما نفع السعادة إذا لم يتقاسمها المرء يا حبيبي أمين؟ كانت أفراحي تخمد كلما كانت أفراحك لا تجاريها. كنت تريد أطفالا. كنت أريد أن أستحقهم. ما من طفل بمأمن تمامًا بدون وطن…. لا تنقم عليّ. سهام». الرسالة بدون تاريخ، وكأن سهام كانت تتعمد أن توصل الرسالة إلى زوجها بدون تاريخ. يقرر أمين الذهاب إلى بيت لحم والبحث عن مصدر الرسالة، والأسباب التي دفعت بزوجته أن تفجر نفسها في مطعم. في الفصول العشرة الأولى من الرواية تتبنى الشخصية النظرة والأفكار «الإسرائيلية» تجاه الفلسطينيين وعلى إنهم إرهابيون ولا يحبون الحياة. طبعا أي عربي تستفزه هذه النظرة، وعندما تنتقل الشخصية من تل أبيب إلى مناطق الفلسطينيين بيت لحم وجنين تبدأ القناعات السابقة تتغير تدريجيا. ويعيش أمين في صراعات أكثر حدة، وخاصة بعدما يلتقي بزعيم أحد التنظيمات الفلسطينية، ويحدث بينهما حوار من أعمق حوارات الرواية. يطرح زعيم التنظيم نظرته في موضوع الصراع مع إسرائيل وحق الفلسطينيين في الحياة. ويطرح كذلك أمين نظرته في الحياة. على أنهم انتزعوا منه أغلى إنسان بحياته (زوجته). زعيم التنظيم يطلق على سهام صفة أنها (شهيدة) ضحت بحياتها من أجل شعبها. أما أمين زوجها فينظر لها على أنها ضحية. في الفصلين الأخيرين من الرواية يحاول الروائي من خلال شخصيته المأزومة نفسيا وحياتيا وفكريا، أن ينقل بعض مشاهد البؤس والعذاب الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي؛ ولكن الخطاب والوصف لم يكونا عنيفين، بالرغم من معرفة الشخصية التي رأت بعض مشاهد هدم البيوت والحواجز. ولكن في بداية الرواية عندما كان أمين في تل أبيب، كان وصف الشخصيات للفلسطينيين بالإرهابيين وأنهم لا يحبون الحياة. استطاع الروائي صنع شخصيته بإتقان وبذكاء، شخصية مأزومة وفاقدة للتوازن، ولكن هذه الشخصية قادت الخيط السردي بإتقان. انتقلت الشخصية بين مكانين وبين شخصيتين وبين فكرتين وعرتين. ولكن الرواية لم تكن منصفة لعذابات الفلسطينيين وبؤسهم التاريخي، فقط صوّرت لنا ما ترآه عين أمين جعفري من صور عابرة من حواجز ودمار في مخيم جنين وبيت لحم. وبالرغم من ذلك حاول الروائي (نوعا ما) أن يوازن في نقل الصورة. أقول نوعا ما؛ لأن أمين لم ينصت جيدا لعذابات الفلسطينيين، كان همه الوحيد هو البحث عن السبب الذي دفع بسهام إلى التفجير. ولكن رحلة البحث والقلق كانت تسبر بشكل رمزي عذابات الفلسطينيين. ربما الروائي يريد أن يصوّر لنا كيف تنظر عين الآخر إلى القضية. نالت الرواية جوائز عديدة في الغرب وقد تم تحويلها إلى فيلم سينمائي في الولايات المتحدة. الرواية تحتاج لتحليل جوانب كثيرة منها الخطاب الروائي، والمكان، والشخصيات الثانوية. حاولت في هذا المقال أن أركز على الشخصية كمحرك أساسي للرواية. هذه الرواية تطرح أسئلة أكثر من طرح قضية، أسئلة حول المقاومة والإرهاب، حول حق الحياة والسلام، هذه رواية شائكة وقلقة مثل بطلها. ———————————————————————– ملاحظات: 1- قام المخرج اللبناني زياد الدويري بتحويل هذه الرواية إلى فيلم. وقد رفضت معظم الدول العربية عرض الفيلم، وبالرغم من أن الفيلم  يعد إنتاجا مشتركا بين مصر وقطر وفرنسا. 2- ترجمت هذه الروايات إلى الكثير من اللغات، من بينها العبرية. 3- ليس هذه الرواية فقط تشكل أزمة سردية، بل حياة الروائي كذلك تعرضت لإشكاليات عديدة، ليس فقط الاسم المستعار (إذ إن اسم الكاتب الحقيقي هو محمد مولسهول) بل حتى انتقاله من الخدمة العسكرية بعد 36 عاما إلى حياة الأدب والثقافة والعيش في باريس، والكتابة بالفرنسية، كلها عوامل جعلت من ياسمينة خضرا روائيا مختلفا. 4- تأتي رواية الصدمة ضمن ثلاثية كرّسها الروائي لطرح مواضيع شائكة في الشرق وهي: «سنونوات كابول» و«الصدمة» و«أشباح الجحيم».

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 24
صدر أخيراً عن دار الساقي كتاب "إيران تستيقظ: مذكرات الثورة والأمل" للكاتبة والناشطة الإيرانية شيرين عبادي، ترجمة حسام عيتاني. تؤكد عبادي أن ما روته في هذا الكتاب حصيلة تذكّر شخصي لعدد كبير من الحالات والأحداث والوقائع التي أثرت في حياتها، وليس مذكرات سياسية. ووفقا لصحيفة "الجريدة" الكويتية ، تؤكد المؤلفة أنها أرادت كتابة مذكراتها، لتتحدث من وجهة نظر امرأة تعرّضت للتهميش من الثورة الإسلامية لكنها ظلت في إيران لتحفر لنفسها دوراً مهنياً وسياسياً في الحكم الديني الناشئ الذي يحظّر ذلك. كذلك أرادت تصوير كيف تتغير إيران، وهو تغيير يحل على الجمهورية الإسلامية بطرق بطيئة وماكرة ويمكن بسهولة عدم ملاحظتها، وتقديم كتاب يصحّح صورة الإسلام النمطية في الغرب، خصوصاً صورة النساء المسلمات بصفتهن كائنات خانعة بائسة. تروي عبادي سيرة حياتها منذ ولادتها في العام 1947 في العاصمة الإيرانية طهران في بيت متواضع، وقصة تعليمها ونجاحاتها المهنية المبكرة في أواسط السبعينات كأفضل قاضية في إيران. كذلك تتحدث عن مثل الثورة الإسلامية العليا وعن خيبة أملها حيال الوجهة التي اتخذتها إيران منذ ذلك الحين في ظل توجيهات رجال الدين المتشدّدين. وتروي أيضاً كيف خُفضت رتبتها إلى موظفة إدارية في المحكمة التي كانت تترأسها ذات يوم، بعدما أعلنت السلطات الدينية أن النساء غير مؤهلات للعمل كقضاة. تتذكر عبادي أيام انتصار الثورة الإسلامية الأولى، حيث كانت الدعوة إلى وضع غطاء الرأس أول تحذير من أن الثورة قد تأكل أخواتها. فبعد أيام قليلة فقط من الانتصار عُيّن رجل يدعى فتح الله بني صدر كمشرف موقت على وزارة العدل، فاختارت مجموعة من الموظفين والقضاة بمن فيهم عبادي، التوجه إلى مكتبه وتهنئته، وبعد تبادل التحيات الحارة والتهاني الوردية، وقعت عينا بني صدر عليها فاعتقدت أنه سيشكرها، أو أنه سيعبّر عن أهمية ما يعنيه التزام قاضية أنثى مثلها بالوقوف إلى جانب الثورة، غير أنه بدلاً من ذلك خاطبها قائلاً: "ألا تعتقدين أنه انطلاقاً من الاحترام لقائدنا المحبوب الإمام الخميني الذي أنعم على إيران بعودته، من الأفضل أن تغطي شعرك؟". وتقول عبادي أنها أحست بالارتعاش، فبعد انتفاضة شعبية عظيمة استبدلت ملكية تعود إلى العصور القديمة بجمهورية حديثة، ها هو المشرف الجديد على العدالة يتحدث عن الشعر. فجاوبته: "لم أضع غطاء الرأس في حياتي قط، وسيكون من النفاق أن أبدأ ذلك الآن". فقال بني صدر "إذاً لا تكوني منافقة وضعيه عن إيمان". وتؤكد المؤلفة أنها كانت طوال الجزء الأكبر من حياتها كراشدة عرضة للهجوم بسبب مقاربة كانت مؤمنة بها وهي أن تفسير الإسلام المتناغم مع المساواة والديمقراطية تعبير أصيل عن الإيمان، وليس الدين هو ما يعيق المرأة، بل الإملاءات الانتقائية التي يقوم بها الذين يتمنّون عزل النساء في العالم. ولهذا السبب كانت عبادي عرضة للتهديدات من أولئك الذين يدينونها في إيران ككافرة لتجرّؤها على القول إن بوسع الإسلام النظر إلى الأمام. تلفت عبادي في مذكراتها إلى أن التعويل كثيراً على الحوار السياسي يبدو إفراطاً في التفاؤل، إذا ما أخذنا في الاعتبار البرزخ الموجود بين توقعات الغرب من إيران وميل النظام الإيراني للتوصّل إلى حلول وسط. وتشير المؤلفة إلى أنه أمام الغرب اليوم خيار هو استخدام الدبلوماسية للضغط على إيران لتغيير سلوكها، من سجل حقوق الإنسان في داخل البلاد إلى طبيعة برنامجها للطاقة النووية. فإبقاء التهديد بتغيير النظام بالقوة العسكرية كخيار مطروح لدى البعض في العالم الغربي يعرّض كل الجهود التي بذلها الإيرانيون المؤيدون للديمقراطية في الأعوام الأخيرة للخطر. وذلك لأن التهديد بالقوة العسكرية يعطي النظام ذريعة لتوجيه الضربات إلى المعارضة الشرعية ولزعزعة المجتمع المدني الوليد الذي يتشكّل ببطء داخل إيران، ويجعل الإيرانيين يتجاوزون استياءهم تجاه النظام ويحتشدون وراء قادتهم غير الشعبيين بسبب النزعة القومية الدفاعية. من هنا تعتقد عبادي بأنه ما من سيناريو أكثر إثارة للقلق وما من تحوّل داخلي أخطر من ذاك الذي يحدثه الغرب من خلال تصوّره لقدرته على جلب الديمقراطية إلى إيران إما عبر الجبروت العسكري وإما عبر إثارة تمرّد عنيف. 

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 5
تستثمر المؤلفة رندة عبد الفتاح براءة الطفولة وعفويتها،في الكشف عن تراجيدية الحياة في تفاصيل يومية صغيرة عادة مايواجهها الانسان الفلسطيني وهو يحمل عذاباً على كتفيه ــ مثل صخرة سيزيف ــ في وطن يتلاشى أمام عينيه.وطنٌ تقطَّعت أوصاله بجدران وحواجز كونكريتية، وأمست عديد مُدنه مُحرَّمٌ عليه أن يدخلها.وأخرى لايستطيع الوصول إليها إلاّ بتصاريح خاصة تصدرها سلطات الاحتلال وفقاً لمشيئتها.      حياة،ليست سوى طفلةٍ لم تتجاوزالثالثةعشرة من عمرها،إرتأت المؤلفةأن تكون الشخصية الرئيسة في هذه الرواية،من خلالها ستحاول أن تُغافل النسيانَ حتى لايختم الذاكرة بالمحو والفقدان الابدي.ومن خلالها أيضا ستواجهُ وجعَ الانتظار الطويل بالأمل.وكأنها أرادت ـــ وعبر انحيازها التام لشخصيةحياة وطفولتها الانثوية المفعمة بحيويةٍ ونشاطٍ يميل إلى عالم الذكورأكثر منه إلى الاناث ــ أن ترمم إنكسارات الأمس،وحطام الدموع، وماتكدَّس من خساراتٍ في وطنٍ هو الفردوس لأبناء مقاومين ومشردين ومهجرين. الرواية كُتِبتْ وفق رؤية واقعية تسجيلية،حرصت المؤلفة فيها على أن تُلملِم مُفرداتٍ ومُنمنماتٍ عادة ماتتناثرُ وتتسربُ في تُتشابكات الحياة الانسانية بشكل وشيج،دون أن ننتبه إليها،ليصل الحال بنا أن نتسائل ونحن نقرأ النص ــ مثلما تتساءل الناقدة باتريشيا واو ــ عن الحد الفاصل بين ماهو متخيل وماهو واقعي،ماهو روائي وماهو حقيقي. حياة :"في النهاية عندما تَفلحُ سِتّي زينب في الرقود على السرير،وتغوص رأسها في الوسادة،فإنها تصيح "يارب"ويأخذ صدرها في اللهاث من الجهد الذي بذلته.وعادة ماتشعربعدما تضرط بالارتياح،ضراطها دائما عالي الصوت ولكنّه قليل الرائحة.جيهان وأنا نُحكم وسائل الدفاع.الرؤوس تحت الوسائد،والضحكات مكتومة،وفي بعض الأحيان نرش مُزيل العَرَق الرخيص على  الوسائد.أمّا طارق فلا يتمالك نفسه:"ستّي زينب،سوف أطلب من الاسرائيليين قناعا للغازات ". التمهيد لهذا الاسلوب الواقعي السلس،الثري بصوره الانسانية،والذي يخلو من التعقيد والزّيف اللغوي،جاء متصدراً الصفحة الاولى،في عتبة الاهداء،:"إلى ستّي جميلة،جدّتي التي توفيت في الرابع والعشرين من ابريل عام 2008 عن ثمانية وتسعين عاما،تمنَّيت أن تعيشي حتى تَري كتابي هذا،وحتى يسمح لك بأن تلمسي تراب وطنك ثانية.عزائي أنك توفيت محاطة بإعزاز أبي والاسرة والاصدقاء.فلترقدي في سلام.وإلى أبي،أتمنى أن ترى في حياتك فلسطين حرّة ". لم تلجأ رندة عبد الفتاح الى تقنيات سردية مُتعددة ومعقّدة لأجل تحقيق التواصل مع المُتلقي،بِقدرِ ما كانت البلاغة الفنية التي استندت إليها قد اعتمدت وسائل سردية تتوخى الايهام بالواقع، واستبعاد التعليقات والاحكام حول الشخصيات،وتغيّرات وجهات النظر داخل العمل.وبنفس الوقت التركيز على إختفاء صوت الكاتب السارد المُنتج للنص،مقابل حضور صوت السارد المُمَسرح(المُشَخَّص)المُدرِك والعارف بالأحداث ــ شخصيةحياة ــ وهذايتوافق  مع قول الناقد واين بوث في كتابه المعنون بلاغة الرواية :"الكاتب يمكن إلى حد ما أن يختار التَّنكر،ولكنه لايمكن أن يختار الاختفاء أبداً". المؤلفة رندة عبد الفتاح عهدت إلى شخصية حياة مسؤولية سرد احداث الرواية التي تقع في فترةزمنية مضغوطة خلال فترة تتجاوز الشهر بأيام معدودة،ومحددة بالعام 2004ولاشك أنها تقصّدت أن تكون الاحداث ضمن هذا الحيّز الزمني،لأجل أن تنضغط وتنفرج التفاصيل اليومية لأناس رغم خساراتهم يعشقون الحياة،في مسار حكايةٍ مرهونةٍ بسلطةِ ومزاجِ قوات الاحتلال،فما كان أمامهم سوى خيار الحياة،أن يعملواويتسامروا ويتزوجوا ويسخروا وبذلك يمكن أن يحافظوا على وجودهم وملامحهم وأثارهم لأن سلطةالاحتلال الاسرائيلي جلّ ماتسعى إليه أن تمحوها هذا إذا لم تشوهها كما تشوّهَ وجهُ الطفلة حياة بشظايا رصاصة أطلقها جندي اسرائيلي أثناء مظاهرة كانت قد انطلقت في شوارع بيت لحم،وصادف أنها كانت عائدة من المدرسة مع صديقتها مايسة التي لم يحالفها الحظ بالنجاة،لتسقط مضرجة بدمِها بعد أن تهشمت جبهتها. شخصيات الرواية إذن تعيش حياة مرهونة بسلطة عسكرية محتلة،حتى أنها صارت بالنسبة لهم بمثابة مَشيئة ٍ قَدَريّة تُعلن عن نفسها ــ وهي تُقنِنُ حياتهم ــ بكل اساليب القهر والاذلال،وليس أقلها سوءاً قرار حظر التجوال.لكنهم يعيشون على أمل كبير بِتَغيُّرِ وتغيِيِرالاحوال نحو طبيعتها الانسانية، ماأن يرفع حظر التجوال لساعات معدودة. حياة :"عمري ثلاث عشرة سنة وأعرف معنى الدَّم.أعرف ماذا يعني أن نفقد الأحبّة.أعرف رائحة الجثة.أعرف شكل الجسم يسوّى تحت دبابة. أعرف سُحُبَ التراب والغبار التي يخلفها بلدوزر مسعور.سوف يتم الانتهاء من الجدار قريبا.وسوف تُهجَّرُ أجزاء كاملة من بيت لحم.سوف تُغلق الاعمال،تُهجّرُ البيوت،تخلو الشوارع،تُقسَّمُ المدارس إلى نصفين.إنني أعيش في سجن مفتوح.ولكنني لن أعيش في يأس.لأن عمري ثلاث عشرة سنة وهذا ماأعرفه ايضا.إنه طالما كانت هناك حياة سوف يكون هناك حب     ". استخدمت المؤلفة تقنية ضميرالمتكلم السارد للأحداث/بصيغة الحاضر، وبشكل منفرد،وكأنها بذلك تسعى الى تعميق الاحساس لدى القارىء بالتواصل القائم مابين الأحداث المتخيلة في مخطوطة الرواية ومايجري على ارض الواقع من أحداث. حياة : "عربة جيب عسكرية تغلق الطريق.عَلمٌ اسرائيلي هائل مرفوع في الهواء بأعلى ساريته.على جانبي الجيب يقف جنود مسلحون برشاشات عوزي وببنادق آلية. يضعون نظارات شمسية سوداء وفي ايديهم أجهزةاللاسلكي المتنقلة. ينتابني إحساس مفاجىء بالحاجة إلى التبول فأضغط ساقا على ساق " . أحداث الرواية تدورعلى أرض فلسطين،حيث يرزح سكانها تحت الاحتلال الاسرائيلي ومايفرضه هذا من تقطيع حادٍ للزمنِ وللمكان، ومايَفرِضُه أيضا من وقائعَ ومصائر.فحظرالتجوال يُمكن أن يُفرَضَ لعدة ساعات أوأيّام وفي أيّة لحظة،ليشكل لعنة قدرية يومية تنزِل ثقيلة على حياة الناس لايمكن تفاديها،ليقبعوا في بيوتهم مرغمين،وبموجب ذلك يتم تأجيل الكثير من أعمالهم،فيصيبهم تذمرشديد وهم محاصرون في بيوتهم،مع أحلامهم وألامهم : "أفكِّرفي مَضار حظر التجوال وفوائده..مِن ناحية،هناك المَلل من البقاء دائما في المنزل،والقيام بالاعمال المنزلية،والتعامل مع مَلل ماما وبابا". الشخصيات الرئيسة في هذا العمل تتشكلُ من عائلة فلسطينة قوامها: الزوج والزوجة،وابنتيهما،جيهان الكبرى التي سيتم زفافهاخلال أيام، حياة(ثلاثة عشر عاما)وطارق(سبعة أعوام)ومحمد(ثلاثة أشهر)والجدة زينب(تجاوزت العقد الثامن من عمرها).تُقتلعُ هذه الاسرة من أرضها التي تملكها في مدينة بيت جالا،وتبلغ مساحتها 75 دونما،ومعها تُقتلع اشجار الزيتون من البستان المحيطة  بالبيت الكبير. حياة : ذكرياتي عن بيت جالا تشبه لحافا مُرقَّعا بالثقوب . تعوَّد والدُ حياة أن يُردِدَ أمامها،بأن شجرة الزيتون جزء من تراثهم وهي شجرة مقدسة،ولهذا ذُكرت في القرآن.حتى أنه يُخطىء اثناء حديثه لها فيستبدل النخلة التي التجأت اليها مريم العذراء ساعة الولادة بشجرة الزيتون، فتُصحِحُ له المعلومة،ومع هذا يشكِكُ  بصحة ماتقوله.  جرافات الجيش الاسرائيلي تهدم البيت وتجرف المزرعة مع بقية بيوت القرية ومزارعها أمام ساكنيها العاجزين عن وقف قرارسلطة الاحتلال رغم مايبذلونه من محاولات في سبيل إعاقة تقدم الجرافات،فتنتقل العائلة مُرغمة إلى مدينة بيت لحم التي تبعد مسافة عشر دقائق عن الارض التي كانت قد توارثت ملكيتها جيلا بعد جيل. حياة : "تغيَّرَ بَابَا.. في بيت جَالا كان صوته وهو يمزح عاليا،وكان عمله في ارضه يُسعدهُ،وكنّا نشعر بهذه السعادة عندما يعود إلى البيت في المساء.أمّا في شقتنا في بيت لحم فكان يجلس في صمت يدخن الارجيلة ويغيّر قنوات الأخبار في التلفزيون.فقدان أرضنا جعله ينفجرإلى داخله،ولم يكن لدينا وسيلة لنرى الدليل على ماحل به من دمار،فقد احتفظ بالرُّكام والحُطام بداخله،إذ لم يعد يتكلم أو يضحك أو يحكي الحكايات كما كان يفعل من قبل". الابنة الكبرى جيهان تستعد لزفافها على أحمد،الشاب الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الاسرائيلية،لأنه من عرب 48،ويسكن مدينة اللّد.وهذا ماسيمنع بالتالي من دخول جيهان واهلها الى هذه المدينة،لذا يقرر الزوجان الشابان أن يسكنا في مدينة رام الله التي تقع في منتصف المسافة الفاصلة مابين بيت لحم ومدينة اللّد بعد أن يتزوجا.حتى تتمكن عائلة جيهان من زيارتهما بين فترة وأخرى وحتى يستطيع الاحتفاظ بوظيفته. الحدث الرئيسي للرواية يتمحور حول القرار الذي تتخذه حياة مع نفسها بالسفر الى مدينة القدس بعد أن تخرج من المدرسة يرافقها صديقها المسيحي سامي من أجل أن تحقق حلم جدتها زينب ــ قبل أن تموت ــ في أن تشمَّ حفنة من تراب قريتها التي كانت تسكنها. ورغم مخاطر الطريق المؤدي الى القدس الذي يبعد أكثر من ساعتين عن بيت لحم،بسبب الحواجز ونقاط التفتيش الاسرائيلة التي تمنع أي فلسطيني لايملك تصريحا في الدخول اليها.إلاّ أنَّ حياة وسامي يخوضان غمار هذه الرحلة دون تردد،فيتمكنا من دخول مدينة القدس بعد أن يخوضا مغامرات ومخاطر يجتازان خلالها حواجز وجدران عازلة تحاشيا لنقاط التفتيش الاسرائيلية.ومع ذلك لايتمكنا من الوصول الى القرية التي كانت تسكنها الجدة زينب بسبب انسداد الطرق المؤدية إليها نتيجة اندلاع تظاهرات ومواجهات بين متظاهرين غاضبين والشرطة الاسرائلية.لذا لاتجد حياة مفراً من أن تملأ علبة حمص فارغة بتراب القدس بعد إشارة تتلقاها من يوسي،سائق تكسي يهودي،التقيا به في القدس واتفقا معه على ايصالهما الى قرية الجدة زينب.وفيما بعد،يوسي هذا سينقذ حياة من الموت،بعد أن تفقد وعيها،وتسقط على الرصيف وسط المتظاهرين بسبب الغازات التي اطلقتها الشرطة الاسرائيلية.تعودُ حياة الى البيت حاملة العلبة الى جدتها، بعد أن توصلت إلى قناعة واضحة،بأنْ:لافرق بين تراب القُدس وتراب القرية.ولتعترف أمام جدتها بأنها قامت بهذه المخاطرة من أجل ان تحضر لها بعض تراب من قريتها.فلم يكن امام الجدة إلاّ أن تشعر بالذنب . الجدة : "غَرَستُ أنا البذرة.لاأزالُ أنا المسؤولة.انني حمقاء،إن رجلي في القبر ولاتزال روحي مُمَزقة،نصفها في قريتي،ونصفها هنا.حتى على الرغم من أن رأسي يخبرني أنني سأموت في هذا المنزل،في هذه البلدة ،لابد أن أعترف لك ياحياة أن قلبي يهمس لي بوعود خائنة،سوف تعودين، إنَّه يخبرني بذلك.إنّ الأمرَ لايُجدي أن نتعلق بأملٍ زائفٍ.ولكن الأمر لايجدي أن نعيش بدونه كذلك..أوه،ها أنذا مرّة أخرى.علي أن أتوقف عن الحديث " . إضافة الى الشخصيات الاساسية فقد حفلت الرواية بعدد من الشخصيات الثانوية،عكست بحضورها،خصوصية الواقع الفلسطيني وحيويته،مثل ديفيد ورفيقته موللي اليهوديين،وهما من مواليد تل ابيب،لكنهما هاجر الى اميركا وحصلا منذ عشرة اعوام على الجنسية الاميركية،وهما الآن في زيارة عمل لانهما يعملان مع جماعةٍ لمراقبة حقوق الانسان،لذا لم يترددا في مساعدة حياة وسامي في الوصول الى القدس بعد أن يلتقيا بهما صدفة في الباص.أيضا شخصية سامي المسيحي،صديق حياة وزميلها في المدرسة،الذي يحلم أن يصبح في يوم ما لاعب كرة قدم شهير،وكان أعتقال والده من قبل سلطات الاحتلال قد أيقظ في داخله روح التمرد على واقع بائس ومهين سلبه ابسط حقوقه الانسانية . حياة : سامي.. أبوك بطل،مُعتقل كل تلك السنوات بدون سبب غير تنظيم الاحتجاجات والاضرابات. سامي : أبي قايض بي من أجل القضية . علاقة الصداقة الوثيقة التي جمعت سامي بحياة،أوالعلاقة التي جمعت عمه جوزيف وزوجته كريستيناــ اللذان تكفلا بتربيته بعد اعتقال والده منذ سبعة اعوام ـ مع عائلة حياة،عكست جانبا مشرقا واصيلا لطبيعة المجتمع الفلسطيني وهو يواجه سلطات الاحتلال بوحدة مكوناته الدينية.وهو أمر واقعٌ وحقيقي،اثبتته مواقف واحداث نضالية خاضها الشعب الفلسطيني ــ مسلمين ومسيحيين ــ دفاعا عن حريته ووجوده ومقدساته،ولايأتي تسويق هذه الصورة في هذا العمل الروائي من باب التزييف لحقائق مناقضة لها تجري على ارض الواقع. 

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 18