اقتبسنا لك


  • ينسج الروائيّ التركيّ سردار أوزكان روايته «الوردة الضائعة» (شركة المطبوعات العربيّة للتوزيع، ترجمة أنطوان باسيل) مقتفياً خطى الروائيّ باولو كويلهو في معظم أعماله وبخاصّة «الخيميائيّ»، والروائيّ إكزوبيري في «الأمير الصغير»، حيث يحاول أوزكان التأكيد على الطاقات الخفيّة التي يملكها الإنسان، والقوى الجوانيّة الكامنة التي تجعله أهمّ ممّا يبدو في الظاهر، حتّى إنّه يبدو كأنّه يحمّلها ما لا تحتمله... «الأحلام هي خميرة الواقع»، هذه هي المقولة الرئيسة التي يركّز عليها الكاتب في روايته، التي تحكي قصّة توأمين، «ماريا وديانا»، فرّقت بينهما ظروف الحياة، ذهبت واحدة «ماريا» مع أبيها، ظلّت الأخرى «ديانا» مع أمّها، من دون أن تعرف كلّ واحدة عن الأخرى شيئاً، أثناء ذلك كانت ماريا دائمة السؤال عن أمّها، تراسلها، تعدها بالسفر إليها، تراسلها بشكل دوريّ، تحدّثها عن تفاصيل حياتها، عن مشاريعها، غير مقتنعة بالأجوبة التي كانت تلقاها وهي تسأل عن أمّها، من قبيل أنّها في العالم الآخر، أو أنّها مع الرب، وكانت تلك الإجابات نفسها تقدَّم لديانا عندما كانت تسأل عن أبيها... ومن هنا تشتعل جذوة البحث في روحيهما، ماريا، تبحث بداية عن وردتها الضائعة، التي ربّما يرمز إلى جوهر الذات التي ينبغي على كلّ امرئ أن يكتشفها في روحه، وهي فكرة تأخذنا الى إكزوبيري، الذي شدّد على وجوب البحث عن الوردة الضائعة، لأنّها تمثّل التجلّي الأمثل للإنسان، فحين تشرع ماريا بالبحث تهمّ بفهم ما يعنيه أن تكون مسؤولة عن الوردة، تغادر لتستردّ وردتها التي أخذها الآخرون منها... في حين أنّ فكرة الارتحال خلف حلم تردنا الى «الخيميائيّ» لباولو كويلهو، حيث يركّز على إثارة الطاقات الكامنة ووجوب استغلالها، كما أنّ أوزكان يتّكئ على كويلهو في فكرة أخرى رئيسة، وهي فكرة الضوء، أو الألق، الذي يظهر في وجه الشخصيّة ويسبي الفنّان الذي ينتظر مثل هذا الإغواء، لتنبثق أفكاره، يتحرّك الإلهام، ينزل عليه الوحي، فيباشر برسم أجمل لوحاته، وهذه الفكرة واردة في رواية «إحدى عشرة دقيقة» التي يكون اسم البطلة أيضاً ماريا، وتكون برازيليّة تنتقل إلى أوروبا، أمّا عند أوزكان فالبطلة هي برازيليّة أيضاً، لكنّها تتوجّه شرقاً إلى إسطنبول الأوروبيّة...  يبتدئ الكاتب بوصف مدينة أفسس، ويختم بها أيضاً، ذلك أنّ أفسس تكون رمزاً يشتمل على المتناقضات، كأنّها تلخّص الإنسان، جسداً وروحاً، أو كأنّها ترمز إلى «ماريا وديانا» التي تكون إحداهما متواضعة والأخرى مغرورة، ماريا تبحث عن الوردة، تدأب لتعلّم لغة الورود، تنتزع الغرور من روحها، في حين أنّ ديانا لا تزال تابعة لأهواء الناس، تحرص على الظهور بالصورة التي يريدها الآخرون أن تظهر بها، لا تعيش نفسها ولنفسها، بل تعيش كما يريدها الآخرون... «أفسس! مدينة الثنائيّة... هي المدينة التي تجسّد الأنا والروح، خلاصة الغرور والتواضع. وهي تجسيد للعبوديّة والانعتاق. أفسس! المدينة التي تتداخل فيها التناقضات، المدينة التي هي إنسانيّة بمقدار إنسانيّة الروح الحيّة». تدور أحداث الجزء الأوّل من الرواية في ريو دي جانيرو في البرازيل، في حين تدور أحداث الجزء الثاني في إسطنبول، في الجزء الأوّل تموت الأمّ التي كانت تعيش على أمل لقاء ابنتها، تستمتع برسائلها التي تحتفظ بها في صندوق مجوهراتها كأنّها مجوهرات نفيسة، توصي ابنتها ديانا بقراءتها بعد وفاتها، لتكتشف أسراراً تخصّها، كما توصيها بأن تكون نفسها، لا غيرها، وذلك بالانعتاق من أسر الآخرين... أثناء ذلك ترتاد ديانا السوق، يقرأ لها شحّاذ عجوز طالعها، ينبئها بتفاصيل دقيقة عن ماضيها ومستقبلها، يشير إلى فنّان يرسم على الرصيف، يخبرها بأنّه سيكون له دور في حياتها، وأنّه سيكون مَن سيلتقي ماريا عندما تزور ريو دي جانيرو... ثمّ في الجزء الثاني تستكمل ديانا رحلة البحث عن شقيقة روحها ماريا، تزور زينب هانم في إسطنبول، تطلب منها تعليمها لغة الورود، تستجيب زينب هانم لطلبها بشروط خاصّة، منها الالتزام المطلق بأوامرها، والتقيّد بالمواعيد، ثمّ تكون التعليمات التي تسعى إلى تجريد النفس من بعض صفاتها السلبيّة، كالغرور أو التعالي... تقترب ديانا من الدرس الأخير، لكنّ زينب هانم تخبرها بأنّها تلقّت برقية من ماريا تخبرها بأنّها في ريو دي جانيرو، فتسارع ديانا بالسفر، لكنّها لا تلتقي بها، بل تتلقّى منها رسالة مرسلة إلى أمّها، تخبرها بأنّها ستذهب إليها إن لم ترها، فتغتمّ ديانا، التي يأتيها الفرج من زينب هانم، ترسل وردة مسمّاة «سقراط»، كأنّها تختصر الحكمة بهذا الاسم، تكون غاية المنى عند ماريا سماع صوت سقراط، ذاك الفيلسوف الذي لم يستطع أن يرفع عينيه عن كلمتين تكشفان عن علّة الكون بأسره، عن سبب وجودنا، حين كان يمرّ أمام معبد أبوللو. الكلمتان هما «اعرف نفسك». تزور ديانا، بعدما تكون قد تعلّمت فنّ محادثة الورود والاستماع إليها، معرضَ الفنّان الذي كان قد رحل فجأة، عندما يراها الفنّان، يندهش، لأنّه يكتشف الضوء على جبهتها، يكتشف الألق... تقرّر ديانا كتابة روايتها الأولى، بناء على رغبة والدتها الملحّة، ولأنّها قررت أن تصبح كاتبة، لا محامية بعدما درست الحقوق، كي لا يقال انّها لاذت بالكتابة بعدما فشلت في الدراسة والحياة. تقرّر أن تبحث عن وردتها الضائعة، كي تتمتّع بأريجها، أن تصبح ذاتها، تعيش كما ينبغي لها أن تعيش، لا كما يريد لها الآخرون. أوزكان الذي درس في الولايات المتّحدة، وأكمل دراسة علم النفس في إسطنبول، أحد الأسماء الجديدة في الرواية التركيّة، وقد ترجمت روايته إلى أكثر من 25 لغة... لكن عند السؤال عن التقنيات والفنّيات التي استخدمها في روايته نجد أنّه استخدم تقنيات روائيّة تقليديّة كاليوميّات والمذكّرات، وهذا ما خلخل إيقاع السرد الذي لم يجد له خطّاً متصاعداً على طول الرواية، وكذلك جاءت استعانته بالروحانيّات محاكاة بادية خلت من تجديد واجب، على عكس عدد من الروائيّين الترك الذين جدّدوا وأبدعوا في ما تناولوه من موضوعات مختلفة منوّعة في رواياتهم، كالروائيّ أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب، والروائيّ ياشار كمال الذي تعدّ رواياته علامات فارقة في الإبداع الروائيّ التركيّ.

    أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 2
    تقاطرت من رواية قلعة النسور التاريخية لصاحبها الكاتب فلاديمير بارتول التي نقلها إلى العربية بتصرف طلعت الأيوبي بأسلوب مشوق، تقاطرت فيها الأحداث، وتشعبت حولها الآراء، وتباينت فيها الوقائع من حقائق ومغالطات معبّرة عن حقبة من الزمن تزاحمت فيها الأحداث، لتسطر مواقف رجال حملوا آراءهم ومعتقداتهم فدافعوا عنها وفرضوها وبقيت راسخة ثابتة ثبات القلعة العاتية. تحكي ممارسات أسطورية كبرى لقائد إسماعيلي حمّل التاريخ الشيء الكثير وألبسه التاريخ بحكاياته المتناقلة عبر الزمن ما هو أكثر، تعيش معها أحداثاً تاريخية سطرها بعناية المقتدر على عنصر العذوبة في الكتابة، لتجد نفسك متعلقاً بأطراف الكلمات منجذباً إلى أحداثها. إنها الديار الإسلامية التي انطلقت من أواخر القرن التاسع الميلادي، وشهدت اضطراباً في أوضاعها السياسية والاجتماعية حتى باتت داراً للفتن والدعوات المختلفة، فالفرق الباطنية من قرامطة وإسماعيلية وسواها يدعون إلى الرضا من أبناء عليّ أو يبشرون الناس بظهور المهدي ليطهر الأرض من الجور والفساد، والخوارج على السلطان يورثون نار الفتن في الأمصار ويستولون عليها عنوة حتى باتت الخواطر على تنظُّر دائم لرسول تبعثه السماء، لينقذ الناس من الظلم والفساد. من بين هذه الحركات تأتي الإسماعيلية في الطليعة من حيث أهميتها وتمايزها بالأساليب التي اعتمدتها في نشر دعوتها ومقارعة الخصوم والهراقطة. نجح المؤلف في رسم شخصية زعيم الإسماعيلية الملقب بـ «شيخ الجبل» بكل أبعادها، فغاص في أعماق نفسه وكشف عن مكنون صدره، وأبرز للقارئ آراءه في الحياة والكون والوجود والخالق والحكم والسياسة والساسة، ومعتقده الديني ونظرته إلى أهل السُنة والسلاجقة.

    أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 6
    بتعمق «غاو شينغجيان»  في الذات الإنسانية، وفي تشابه الأمكنة والأزمنة التي تحكي الروايات المتشابهة للحاضر والمستقبل، لحياة من شأنها أن تتكرر وتتطور، وفي كل مرة نعيد البحث عن الذات في تفاصيل كلاسيكية، واقعية، خيالية أوحتى سريالية، فهو يؤسس الرواية من الأفكار التي تنبعث من قراءات متعددة، يصقلها التاريخ والأسطورة، والأحداث وهي مبنية على تكرار الحدث الزمني، والتشابه غير المرئي بين الفصول، مما يترك للقارىء قدرة على لمس التحولات بين الفصول الشبيهة بالمشاهد المسرحية أواللوحات المختلفة، والمتنوعة بتنوع المدارس في الفن التشكيلي. إلا أنه صب المزيج الروائي في سرديات موضوعية ذات تناقضات حكائية، لكنها محبوكة في عوالم ذاتية منسوجة بحكمة صينية تعكس ملامح الواقع، والزخم المشهدي المرسوم بريشة بلاغية تطرح رؤاها بتوازن انطباعي معاصر يضيء على جمالية الصورة الروائية، وانعكاساتها على المخيلة «هناك حيث تتشابك القمم في كنف الضباب والغيوم». واحد وثمانون فصلا أو واحد وثمانون شيفرة يفكها القارىء تبعا لثقافته، وللتغيرات الفكرية المتفاعلة مع المفارقات التي فرضها مضمونيا، وتجسدت بأسلوب تخيلي لم يخل من معالجات اجتماعية مثقلة بهموم الذات، وبالمخاوف النابعة من مفارقات تعتبر عن “حقيقة السلوك البشري” هي الأبرز كسلوكيات الرجل والمرأة في كل المراحل الروائية التي تدرجنا بها من الحدث وصولا للذروة، والاندفاع الحيوي للتضاد، كالأمل واليأس، والموت، والحياة الإنسانية بشكل عام، وما تحمله من تضاد في المفاهيم عامة “أما الانسان فهو قادر، إذا حبا بنعمة الذكاء طبعا، على اختراع كل شيء، بدءا بالنميمة وصولا إلى طفل الأنبوب، لكنه في الوقت نفسه يبيد كل يوم نوعين أو ثلاثة من الأنواع الحية في هذا العالم. تلك هي الخدعة البشرية.” فهل يلقي “غاو لينغشيان” الضوء على علاقات الإنسان مع ذاته والآخرين؟  هواجس ومخاوف وأفكار تبتعد وتقترب من البداية والنهاية، بحيث كلما أنهيت قراءة فصل بدأت من نهاية أخرى، فالموازين الروائية مرتبطة بالفصول وحكائيتها، وقصصها ومفاهيمها الدلالية المتصارعة مع ذاتها، والمعلقة بخيط روائي غير مرئي متحرك بسلاسة حداثية تستهدف إيجاد محاكاة نفسية بين “هو، وهو، وأنا” وكأن الهو، والأنا معادلة للعبة ضمائر ما هي إلا لعبة جوهرية لحقيقة الحياة، “فالحقيقة لا توجد إلا في التجربة وليس التجربة بالمطلق بل في تجربة كل منا، وحتى لو وجدت في تجربة كل منا فإنها تستحيل حكاية.” يصطدم القارىء بالواقع، كما يصطدم بالسريالية في مشاهد تبهر القارىء، كما أبهرت الروائي نفسه “وبهر إذ رأى الراهبة ذات الرأس الحليق غارقة في الدم، لكن يديها لم تتوقفا عن الحراك لإخراج أحشائها ووضعها في الطست” وبعد هذه الصورة السريالية يتركنا في دهشة نعيد بعدها ترتيب الأحداث، والصورة النابعة من تسلسل التاريخ الطاغي، وما يحمله أيضا من اثارات ” يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة”، فيمارس بذلك “جاو لينغشيان ” لعبة واقعية تطغى على التخييل والتأويلات الأدبية المقرونة بلذة روائية يستهدف من خلالها جعل القارىء هو المسافر الأمثل في رواية تحمل من المشاهد الحياتية ما يجعلها شديدة الوصف، والسرد بشكل فانتازي وميثولوجي أحيانا. تقاطعات أدبية في المفاهيم والمضمون والأسلوب، تولدت من الصور المرسومة والمتداخلة مع المعنى. كما أن حديث الذات هو اتصال وانفصال تجمع بينهما حوارات حسية، تحتشد فيها تكوينات لغوية تحمل صفة هلامية، لشخصيات تبدو مألوفة في سفرها الداخلي والخارجي، وفي تساؤلاتها التي تعتمد على مفردات تشكك في حقيقة الهدف الذي دفعه للبحث عن جبل الروح حيث “ان المفاهيم البشرية الأولى ولدت من الصور ثم امتزجت بالأصوات لتظهر أخيرا اللغة والمعنى” وفي هذا أوجد جذبا ذهنيا ليضعنا فكريا أمام صفاء تام لنستنتج المغزى الموضوعي لجبل الذات أوجبل الروح أوجبل الحياة .” إن الشيء الذي يشدك إلى القصة، هو القصة بحد ذاتها، في صفائها التام. وعي أدبي يفصح عنه ببلاغة دقيقة، وإيجاز جزئي اكتفى من خلاله بمناجاة وسفر روحي، وإلى تحويل تجربته “تختصر مسرات الحياة ونوائبها” وكأنه الغارق في تخيلات يمنحها صفة واقعية، وفاعلية جعلت “العمل والطموح توأمان” لا ينفصلان لأن “الفن مقارنة مع الطبيعة باهت وناقص” والحقيقة الفطرية النابعة من صميم الذات هي الرواية التي تتمتع بالعناصر الأقوى، والمشاعر العميقة، “فالرواية ليست الرسم ، إنها فن الكلام” وهذه بحد ذاتها دعائم بنيوية قدمها “جاو لبنغشيان” ليضعنا ضمن عالمه الروائي الخاص، والتجريب الخيالي لروائي مبدع بالسليقة الفطرية في رواية الأخبار، فهو هنا يمنح القارىء المعايير الأساسية لكتابة الرواية. بما أنه ينفيها فعليا في قوله “الكتابة خارج المعايير الأساسية”، وهذا ما جعله يضع نفسه أمام تأليف ذاتي لفصول بلغت مبلغها من وصف، وسرد، وحركة مرئية تخيلية، وحدث محبوك بسلسلة امتدت من الفصل الأول وحتى النهاية حيث البداية، وهي كتابة رواية يبدأ بها القارىء حين يسترجع مع جاو ذكريات الطفولة من خلال الاستحضار “تسعى دوما إلى استحضار طفولتك، تشعر دائما بالرغبة في استعادة البيت والباحة والشارع، كل الأمكنة التي عشت فيها وأودعت فيها ذكرياتك.” وربما هنا سعى إلى إيجاد  تفسير مقنع  لاسترساله في رحلة البحث عن “جبل الروح” المرتبط بميثولوجيات وأساطير صينية مع التنبه لصعوبة بلوغ الحلم الذي تنشده الفتيات في عمر مبكر، كحلم فارس الأحلام” كوني على يقين أنه في الحياة لا وجود لفارس الأحلام، وإلا فسوف تكون حياتك سلسلة من الخيبات المتتالية، وهنا تيقظ فكري حاد يحاول من خلاله تنبيه المرأة، لشدة تأثير الحكايا والأساطير عليها التي تجعل من فارس الأحلام غاية تحاول كل فتاة الوصول إليها، وحين تصل تصطدم بواقعية الحياة، فالمرأة في رواية “جبل الروح” هي الروح المقيدة التي تنقاد حتى لرغبة مغتصبيها، وكأنه يجعلها الذات التي مرت بمراحل متعددة من الاغتصابات والانتهاكات، وحتى التلوثات الثقافية مع المحافظة على ترك شخوصه غامضة نوعا ما كالراهبة “فاستعمال مقاربات عدة للوصف لا يعفي من رسم بورتريه للشخصيات أنفسهم، حتى لو كنت تعتبر أن هذه الضمائر شخصيات، فإن كتابك لا يحتوي أية شخصية واضحة.” ترتبك المفاهيم الذاتية داخل الروح الروائية في محاولة لإعادة الوعي المتيقظ داخل الأنا، ليولد الهو مع حياة واضحة لا تستجيب لأية غاية مع فارق حسي، وهو التشابه بين الرواية والحياة، والانطلاق في سفر روحي لأنك “تنطلق في سفرك الروحي بالذات تتسكع في أرجاء العالم كله معه، مقتفيا أفكارك، وكلما ابتعدت كلما اقتربت، لدرجة يصبح معها فصلنا كالأمر المحتوم مستحيلا. عليك إذن بالتراجع خطوة وهذه المسافة توجد هو وهو طيف عندما تتركني وتنأى.”فهل يحاول «غاو شينغجيان» البحث عن جوهر الروح؟ أم أن جوهر الحياة استحال رواية فعلية تستند إلى وقائع وشخصيات حقيقية مع ما يتطلبه الأمر من خيال.”

    أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 16
    في نهاية التاريخ الشفوي يوضح «محمد العباس» أن الولادة الجديدة للرواية المحلية «مدينية» بامتياز وعليه فإن النصوص الروائية المتولدة لاتنفصل بحال عن تلك البنية الثقافية الأشمل، وعما تؤمنه لها من فضاء ديمقراطي واختبار حداثي أشبه بالصيرورة الدائمة. ليس من المصادفة أن تنتهي مجموعة من الروايات السعودية بعودة البطل الى «الرياض» أو مغادرتها. لقد جعلها بعض الروائيين عنصراً حكائياً وربما مارسوا شيئاً من الكراهية ضدها. «فالرياض» قيمة مادية على أرض الواقع تفرض سطوتها على الفعل الروائي حيث تتحول الى مدينة ملعونة جاذبة مادياً وطاردة روحياً يصعب الاقتراب منها ـ روائيا ـ دون استدعاء جملة من التداعيات التاريخية والسياسية والاجتماعية والنفسية ودون تحميلها كفضاء مديني وكمختبر شامل للحداثة جريرة الفتك بعفة القرية وشعرية تداعياتها وهذا مافعله احمد الدويحي في ثلاثيته «المكتوب مرة أخرى». ‏ إذاً المدينة كانت ضرورة فنية وموضوعية كفضاء حكائي متخيل وكحاضن حياتي عبر اللغة لامتصاص مركبات الثقافة القبلية والقروية والفئوية والمذهبية واختبار كفاءة الذات على حافة المعنى الأحدث للثقافة بما يعنيه من التعدد والإقرار بالآخر داخل حاضن مديني أوسع يتمثل في العولمة التي تهب صوتاً لكل فرد مهما طالت اقامته في الهامش. وبموجب هذا التحول تم التخفف من غلواء التهويمات الشعرية واستثمار فرصة تاريخية ثمينة لصعود «الفردانية» كما أعلنها «غازي القصيبي» في «شقة الحرية» وماأبداه «عبد الله ثابت» في روايته «الإرهابي 20». ‏ الرواية المحلية تشبه بالضرورة منتجيها لذلك تبدو معظم ضرباتها الأولى سيراً ذاتية مموهة، هي رواية مقنعة وقد بدا الأمر جلياً في جملة من الروايات التي لم تكن سوى لقطات بيوغرافية مستعادة من الذاكرة، فهنالك مسافة بين الحكاية واستعادتها أو بين العيش في واقع ورؤية هذا الواقع، قد يؤدي الى فصل التجربة عن الحقيقة. ‏ وبذلك «الانزياح» عن مكمن الصلة بمفهوم الكتابة يغيب النص الروائي التدميري الذي يفتح الذاكرة و«الأنا» على أقصاها، فالرواية ليست فقط فن الالتفات الى الوراء بل الكيفية التي يلتفت بها الكائن الى وجود ليس هو ماجرى في المنقضي وحسب بل مايمكن للكائن أن يصيره ويقدر على إتيانه كممكن إنساني لتاريخ يكتمل في ظروف معادية وبشكل عميق لتطور الفن عموماً والرواية بشكل خاص.... ‏ ولايمكن لكائن أن يتحدث عن قبيلة بتجرد لكن «أحمد أبو دهمان» في روايته «الحزام» يحاول من خلال لقطة بيوغرافية مشعرنة أن يغلفها بالشعر والغناء فخبرته الحسية هي المرجعية الجمالية والشعر عصب روايته«هنا يولد الأطفال وهم مبللون بالغناء وهؤلاء الذين ندفنهم يتحولون الى أغنيات داخل الأرض». ‏ علي ذلك التفريغ(الروحي/المادي) لفضاء القرية من مقوماتها تكتب سيرة «الأنا» المغتربة بعيداً عن خطابية «الحكي» أو قريباً من كل مايمثل الفردي بما هو بحث عن الحقيقة الجمالية وتجسيد لها وهو الذي فرض السيرة الذاتية، فأبو دهمان يستبطن شعوراً رثائياً عميقاً بأنه بات بعيداً ونائياً بما يكفي للنسيان. ‏ تؤدي «رجاء عالم» في روايتها «ستر» الشكل الإنساني بلطف سردي يقوم على توصيف دوامي للرغبات «كأنما للجسد لغة محبوسة ماأن تأمن للعتم حتى تنبسط وتثرثر وترغي وتزبد» فبمقتضى هذه الكثافة الحسية تتشكل قيمة نصها الروائي داخل جسد لغوي ينبض بالحياة ومن خلال وقائع مادية تتم روحنتها ونقلها الى النص ببذخ ورهافة، لتكثيف الرؤية ودمج مركبات الصوت المختلفة وصولاً الى مايعرف بإيقاع اللحظة فتتحول «ستر» الى خطاب روائي شعري النزعة لايقتصر على المفردات بل يطول الكيفية التي تستقر بها تلك الذات الواقع كحقيقة محسوسة حيث تبدو مادة للحياة ممزوجة ومعروضة في نقلات أو فوضى سردية تسمح للأحاسيس بالانطلاق من مكامنها في فورانات عاطفية. ‏ يبدو أن «محمد حسن علوان» في روايته «سقف الكفاية» جعل امرأته سلبية عاطفياً فهي مجرد تمثال لغوي مصقول بعبارات ميلودرامية اتكأ فيها الكاتب على المفهوم الشعري للرواية بما هي ملحمة ذاتية لتصوير العالم، فقد أراد التعبير عن كل اعتقاداته العاطفية دفعة واحدة ،بكثير من اللغة الى درجة أن الرواية أصيبت بالترهل وفي بعض المفاصل فارق شريطها اللغوي السردي واستحال الى كلام فيمايبدو انصياعاً الى لغة قبلية تتكلمه ولايتكلمها وتعرض عليه شروط التحدث والتفكير من داخلها كفعل لغوي مضاد للغة المفكرة داخل الكاتب. ‏ ينهي «فهد العتيق» روايته«كائن مؤجل» بهذه الجملة «كلنا كائنات مؤجلة» ينهيها بضمير جمعي بعد فاصل طويل من الرثاء الفرداني ولكنه لايفصح عن كنه ذلك الكائن الغني بالمتعلقات العمومية والمفتقر الى «القيم الشخصية»الذي يتبدى من خلال تلقائية الروّي كخلائط مبعثرة بين التاريخ والاجتماعي والشعوري أو هو الذات، كما حاول أن يحل لغز تشظيها بتأكيد على الحنين الى «كائن مؤجل» يعاند فكرة التكيف الاجتماعي بتصعيد براءة الطفل المغادر وعذرية أماكن قديمة لم تمت في داخله وليصادم برومانسية تحرره الفردي منطق التقدم التاريخي كما تقرره معطيات مادية وثقافية جمعية مغايرة لاعتياداته.. إن المسافة بين الروائي وبطله ليست سوى خبرات لغوية سمحت لهما بالإقامة معاً داخل الرواية، وكل الذين غادروا القرية وضاعوا في المدينة حنطهم بين غلافين ككائنات مؤجلة تمارس تيهها في مسرح عبث بحجم الحياة. ‏ في رواية «ميمونة» لـ «محمود تراوري» ينخفض منسوب التخييل وتصفو النبرة الشعرية فيعيد حكاية المقهورين الى تاريخ ،إنه يعود الى ترميم الذاكرة فذلك هو شكل الوعي التاريخي والفني كما جسد به «تراوري» قصة سلالة تراجيدية قاومت بجدوى وجودها الإنساني ضرورات القهر التاريخي حيث تتراجع الوظيفة التخيلية لسطوة الواقع كمرجعية فيما يذوب التاريخ داخل الرواية في صيغة تعادلية أقرب ماتكون الى مفهوم التعالق النصي. ‏ الحماس لـ «الزنوجة» هوسرّ لذة السرد فطابع الرواية الحيوي مرده الى الاحتفاء بالذاكرة الحسية أو شعرية الوصف لزمن يصعب تجاوزه والحلول في زمن آخر حيث يتفنن «تراوري» في استعراض مآثر شعبية ولسانية وفلكلورية كما يحاول إغناء الذاكرة بشاعرية الحديث عن الأعراف والقبائل والجغرافيا والمزاج والعادات بما يعني وضع الذاكرة الشعبية مقابل التاريخ الجائر كوثيقة إنسانية ضد النسيان أي الكتابة من داخل اللحظة وليس عنها أو وصفها من الخارج فذلك هو ميثاق السيرة الواقعي والمتخيل كما أرشفه في «ميمونة». ‏ في روايته «عودة الأيام الأولى » يحاول «ابراهيم الخضير» توظيف المعرفة أو الخبرة النفسية ومن هذا المنطلق تتحتم قراءة الوعي واللاوعي الذي أنتجها ولأنه لا يستطيع التكيف مع النظام القائم يكتفي باستعراض عناوين الخراب دون قدرة على تفكيك مسبباته أو اقتراح علاجات شافية. ‏ ومن جديد يحاول «احمد الدويحي» في روايته«المكتوب مرة أخرى» الاتكاء على الأسطورة كوسيط تعبير من أجل أن يخلق صلة وجدانية بينه كسارد وبين موضوعه والرواية تنفرط منه كلما أراد السيطرة عليها بسبب ترهل السرد وتعدد المسافات والبناء ـ واقعياً وأدبياً ـ تديره قوى يهابها الروائي ولذلك يقف بسرده الأسطوري على مسافة منها هكذا يحيل «الدويحي» روايته الى حائط مبكى تاريخي لكائنات مأزومة بمادية وجودها وضآلة طاقتها الروحية. ‏ في « الغيمة الرصاصية» لـ «علي الدميني» نجد نصاً مليئاً بالخبرات اللغوية واللالغوية يتمدد خارج بناء التركيبة والتقنية وروح الرواية تشير الى كتابتها بعد انقشاع غيمة حرب الخليج الرصاصية من خلال ذاكرة ـ لاشعورية ـ معوقة بسطوة الوعي أو مثقلة باللهاث وراء الحدث. ‏ ورواية «القارورة» ليوسف المحيميد أرادها الكاتب مدفناً لحكايات مجتمع مصاب بالغفلة.. وشخصيات الرواية تتحرك في ظل شروط مفروضة عليها وأدخلها في التوصيف أو التوثيق ونأى بها عن مهمة الكشف عن قانون التطور الاجتماعي ثم تمت اعادة ترتيب الأدوار داخل الحدث وفق معطيات التاريخ وهذا يعود الى أن «القارورة» استمدت مبرراتها الفنية من حقيقة موضوعية أحادية فصارت بنية منغلقة على نفسها يتحدث فيها الروائي بالنيابة عن البطلة لتقودنا الى جذر الحكاية فهي الأخرى لم تتمكن من القبض على خيطها بيديها الناعمتين. ‏ في «بنات الرياض» للكاتبة«رجاء الصانع» تتكئ الرواية على«قيم الحب» لتوسيع المقياس الأخلاقي وإعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة ولو من خلال بطلات عاجزات عن إعلان تحررهن الفردي وهو مايعني انسحاق الفرد تحت ثقل طقس المعتقدات القبلية المغلفة بمظاهر تحررية باذخة لأن عجز المرأة عن الاقتران بمن تحب هزيمة قاسية تنال من كينونتها وتبقي على تعقيدات وضع النساء الاجتماعي واستمرارها في الانخداع فيماتعتقده حباً يمكن بموجبه تغيير الواقع والذهنيات فكل الشخصيات الذكورية ارتكاسية محفوفة بقيم سلبية مصابة بالخرس مقابل فصيل من النساء الجريئات المتوثبات والمبجلات بأنوثة لاتقاوم هي رأسمالهن الرمزي ومشروع خيباتهن على حافة الحب أو في المصحات النفسية. ‏ أما في «الفردوس اليباب» لـ «ليلى الجهني» فهي واقعة ،تبدأ وتنتهي في الفضاء المديني ذاته الأمر الذي يشي بإحساس ناقص أو بانسراب حالة طاغية من عدم امتلاء شخوص الرواية بالمكان. وهي لا تستمد قوتها من براعة التعبيرات وفطنة الكلمات فحسب بل من الطاقة الشعورية العالية المختزنة وراء حساسية جمالية ووعي متقدم باللغة تنبئ عن قدرة الكاتبة الفنية. ‏ وفي «نبع الرمان» لـ «أحمد الشويخات» تكتظ الرواية باستذكارات وصفية ومعلوماتية طويلة يراد بها على مايبدو سد فجوات السرد والتأكيد على الصفات الطبوغرافية لقريته إنها صراع بين الفرد ومحيطه الاجتماعي ونطاقه البيئي، كما يتم ذلك التجابه بمزيج من الخيال والعاطفة والذاتية. ‏ أما رواية «القران المقدس» لـ «طيف الحلاج» فهي نص بنائي كثيف الظلال من الوجهة الأيديولوجية حيث تضغط الحقائق المعرفية والاجتماعية على أدبيته ولاتذوب فيه خصوصاً أنها مروية من خلال سرد موضوعي يتم بموجبه التركيز علي تقديم الفعل الخارجي للشخصية وحركتها في المحيط الاجتماعي فيما يبدو اصراراً على الاقتراب من الواقع الى حد مطابقته عبر ذات نسوية معولمة ترتد الى الوراء لتحاكم المكان والزمان اللذين أنشأاها فهي كتابة بصوت مرتفع لدرجة تحيل الرواية الى مرافعة نسوية ضد تاريخ القهر الذكوري. ‏ «الآخرون» لـ «صبا الحرز» رواية تحاول ان ترفع الستر عن فتاة مأزومة بجسد محقون بالرغبات تعتقده معتقلاً من الوجهة الحسية وتعيش معه وبه علاقات فاسدة لذلك تحاول اختباره على حافة الاخر (الأنثوي) بعد أن تعبت من الإقامة فيه، أو هذا مايفصح عنه لاوعي النص وسوسيولوجية مضامينه أيضاً ..وهكذا صارت الرواية كأنها ضحية لخديعةالصريح والفاضح من معالم اللحظة فقد اهتدت بالفعل لما تنبغي كتابته على وجه التحديد، لكنها لم تعرف ما يجب محوه. ‏

    أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 7
    هكذا تتشكل الرواية من سبعة فصول أطلق عليها المؤلف «ألوية»، لاتصال هذه التسمية بألوية الجهاد البحري الذي يتبوأ موقعا رئيسا في العالم السردي للرواية. وقد جعل هذه الفصول سبعة على عدد السور القرآنية المفتتحة ب»حم»؛ يدل على ذلك افتتاح جميع هذه الفصول بالحاء والميم، سواء في صيغة حرفين مقطعين «حم» أو بصيغة فعل «حمَّ»، وكذا ختمها بالآية الأخيرة أو بجزء من الآية الأخيرة في السورة القرآنية المقابلة لذاك الفصل. هكذا يختم اللواء/الفصل الأول باقتباس من سورة غافر والثاني من سورة فصلت والثالث من سورة الشورى والرابع من سورة الزخرف والخامس من سورة الدخان والسادس من سورة الجاثية والسابع من سورة الأحقاف. كما أن مدار المادة الحكائية يتمحور حول موضوعة الصراع بين الحياة والموت، ذاك الصراع الذي تشير إليه أيضا ثنائية الحاء والميم. إن هذه الهندسة القرآنية تروم بَنْينة مادة حكائية مستمدة من التاريخ، وهو ما يطرح علينا أسئلة أساسية حول الحدود بين التاريخي والإبداعي في هذا العمل الروائي. ولتبيين ذلك يلزمنا التعرف على ألمع معالم العالم السردي الذي تصوغه الرواية. محنة المطرودين تحكي «الحواميم» عن محنة طرد الموريسكيين من إسبانيا وما مورس عليهم من ظلم وبطش بدءا من نقض معاهدة تسليم غرناطة بين أبي عبد الله، آخر ملوك بني الأحمر، وملكي قشتالة والأرغون إيزابيلا وزوجها فرناندو عام 1492م، وما تلا ذلك من قرارات التنصير القسري للمسلمين بعد اليهود، مع ما صاحب ذلك من مصادرة لثروات المسلمين وممتلكاتهم ومنعهم من لغتهم ودينهم وتقاليدهم بالسيف والنار، وما كابده المقاومون لهذا الإكراه من ألوان التنكيل والبطش والتعذيب، وصولا إلى قرارات الطرد النهائي سنة 1609م، حيث تراوح عدد الموريسكيين المطرودين على اختلاف الباحثين بين 250 ألف ومليون موريسكي. وقد عرضت الرواية لتفاصيل هذه المأساة من خلال الرصد السردي لمسار عائلة الشيخ ابن معن، الذي رحَّلَ أسرته إلى المغرب خوفا عليهم من التعذيب والتنكيل، فيما أصر هو على المكوث بغرناطة للمساهمة في مقاومة هذا الظلم والتنفيس عن معاناة الأندلسيين حفظا لوصية جده يعقوب المنصور الموحدي بالعناية بالأندلس اليتيمة وسكانها الأيتام. هكذا راح الشيخ ابن معن يسهم في دعم المسلمين بشتى الطرائق للحفاظ على لغتهم وهويتهم وكيانهم، كما أسهم في تأطير ثورة البُشُرات ضد الهيمنة الظالمة للسلطات القشتالية من خلال النصح والتأطير، وواصل رسالته داخل السجن؛ خصوصا بعد أن دخل السجنَ ووقف على أنواع التعذيب والتفنن الوحشي في التنكيل بالمخالفين للعقيدة الكاثوليكية، أكانوا مسلمين أم بروتستانت. وقد عُرض الشيخ ابن معن على محاكم التفتيش الظالمة على كبر سنه ووهن عوده فجادل المحققين برباطة جأش وعزيمة مؤمن راسخ، فحُكم عليه بالإعدام شنقا في ساحة حي البيازين وأُضرمت النار في جثته بعد التنكيل والتمثيل بها. وقد استأنف المقاومة من بعده، ومن خلال الجهاد البحري انطلاقا من سلا، حفيدُه محمد الذي كان الشيخ قد أنقذه وساعده على الهروب نحو الضفة الجنوبية على متن سفينة قرصانية جهادية. هذا الحفيد سيتبناه ريّس السفينة التي هربته، وسيعلمه العلم وفنون البحر، مما سيؤهله لمواصلة المقاومة عبر الجهاد البحري، وسيكون سببا في إنقاذ الأسيرة «حياة». وهي فتاة من عائلة أندلسية عريقة أخذها صغيرةً أحد قساوسة محاكم التفتيش، وجعلها في أسرة قشتالية تولت احتضانها وتربيتها، ولكن لما علمت بأصولها المسلمة حاولت الهرب ضمن جماعة من الموريسكيين فأسرتهم السفينة القشتالية، التي سيستولي عليها حفيد الشيخ ابن معن، ليحررها ويتزوج بها، ويكون سببا في لقائها بأبويها الأصليين إثر حملة من حملاته لافتكاك المسلمين من بطش وأسر الإسبان. وتتخلل الروايةَ نقاشاتٌ لاهوتية وأدبية حول الإسلام والمسيحية والحركة الإصلاحية اللُّوثَرية وغيرها، كما تغتني بتوصيفات دقيقة لأشكال المقاومة الموريسكية للحفاظ على الشعائر والتقاليد الإسلامية، كما تعرض لألوان وأصناف التعذيب البشعة والفظيعة داخل السجون الإسبانية (التعذيب بالإجاصة اللعينة؛ المخلعة؛ المرفعة؛ النار الموقدة تحت الأقدام المدهونة بدهن الخنزير)..إلخ. كل هذه المعطيات تجعلنا ننأى عن تصنيف الرواية ضمن الرواية التاريخية، رغم اعتماد بعض خصائصها مثل هيمنة السرد بصيغة الفعل الماضي؛ ومراعاة التسلسل الزمني للأحداث، ذلك أن «الحواميم» تُنوع بين السرد بضمير الغائب من لدن سارد براني عالم متحكم بخيوط السرد، وبين السرد بضمير المتكلم، حيث يصبح الراوي مشاركا في الأحداث، وهو ما يخالف السرد التاريخي، فضلا عن الحوارات واللقاءات المتخيلة التي توسع من مساحة الخيال داخل الرواية (مثل محاورات حفيد ابن معن مع الأديب سرفانتس، أو النقاش الديني بين الشيخ ابن معن وأحد أتباع الحركة الإصلاحية الدينية لمارتن لوثر في السجن..)، أضف إلى ذلك السبر العميق لأحوال ومعاناة شخوص الرواية نفسيا وفكريا وجسميا جراء الممارسات الهمجية لآلة التعذيب القشتالية. استضاءة بما سبق، ومن خلال إنعام النظر وإمعان التأمل في تضاعيف الرواية وتضاريسها، نتبين أن هذا العمل السردي ليس أبدا استنساخا للتاريخ ولا محاكاة لوقائع وأحداث وردت في مصادر المعرفة التاريخية ووثائقها. إنه بناء مستقل يتحاور مع تلك المصادر ولا يكررها؛ يبسط ما فيها من معطيات وينسج انطلاقا منها ما ليس هي، إذ يتوالج ويتواشج في هذا النسيج التاريخ بالخيال؛ الكائن بالمحتمل، ويُعاد تسويد المسوَّد بشكل يمنح البياضات التاريخية معنى ودلالة في مسار السرد الروائي. فمن المعلوم اليوم، حتى في علم التاريخ، أن الحدث في ذاتيته حين يمضي فهو يمضي للأبد، ولا يمكن أبدا استذكاره واستحضاره كما هو في كامل وشامل كينونته التاريخية، ومن ثم فإن الخيال يتدخل في إعادة بناء صيرورة الماضي ويضفي عليه معقولية معينة لا يمتلكها بالضرورة، معقولية ما تفتأ تتحول وتتغير حسب تبدل المعطيات وظهور الوثائق وكشوف الحفريات؛ وكذا حسب آليات وخلفيات ومنطلقات وسياقات التأريخ والمؤرخ. إذا كان هذا ديدن السرد التاريخي، فما بالك بالسرد الروائي، الذي يشتغل على تشكيل مادته الحكائية من اللغة والخيال. فهذا الأخير إن كان ينفتح على السرد التاريخي فمن أجل توسيع مساحة الخيال فيه؛ خصوصا من خلال تلك المنافذ والفجوات والكوى والفراغات والبياضات التي تتخلل التأريخ أو على الأقل معقولية صيرورته في لحظة من اللحظات. ضمن هذا الأفق نفهم طبيعة الحدود المتحركة بين التاريخ والخيال في رواية «الحواميم»، وفي سائر أعمال ابن عرفة الروائية المتحاورة مع التاريخ. فثمة جهد جهيد بالوصول بالمعرفة التاريخية في هذا العمل إلى أبعد مداها؛ ثم بعد ذلك إعادة سبك وحبك هذه المادة التاريخية بشكل يجعل المحكي تاريخيا ولا تاريخيا في آن؛ إذ تنتمي أعلامه وأماكنه وأحداثه الكبرى وشخوصه إلى التاريخ، ولكن تفاصيله وتمفصلاته والبعد الإنساني والشعوري والنفسي والعرفاني تنتمي إلى «الخيال الخلاق» كما حددناه آنفا، وبذلك «يتسلطن ويتبختر» الخيال في هذا العالم السردي ل»الحواميم» كخَلق مؤسَّس يقدم حقائق في ذاتها تكتفي بنفسها عن الواقع؛ حقائق ليست بالضرورة تاريخية، بل هي معرفية، وجدانية وثقافية. ذاك ما لخصه ببلاغة دالة روائي خبر الاشتغال السردي على الخيال والتاريخ، يقول أمين معلوف: «الروائي ليس مُلزَما بدقة التاريخ، لكن أعتقد أنه ملزم بعدم الكذب تاريخيا». إنه اشتغال في غاية الدقة يقتضي كفاءات ومهارات خاصة من أجل إنجاز سردي متفرد واستثنائي. فأن تكتب عملا إبداعيا ينطلق ويتحاور مع التاريخ دون أن يكونه أو يذوب فيه، يتواصل معه ويتفاصل في آن، أمر ليس بيسير ولا في متناول أي قلم إذا لم تتجمع لدى صاحبه ميزات ليس أقلَّها ميزتا التمهر في البحث والقدرة على الإبداع. إن عملا أدبيا بهذه المثابة سيكون مُراقَبا بعينِ المؤرخ مثلما هو متلقىً بوصفه أدبا يجري في عروقه خيال دافق له الفجأةُ والغرابة والمكر بالتوقع وبأفق الانتظار خصائصُ وسمات. إن تينك المهارتين تُشعان في أعمال الأستاذ ابن عرفة حيث تتجلى مزايا العمق والجد والجدة والمجادلة العالمة المسنودة بالقرائن والحجج روايةً ودراية في باب البحث التاريخي، فضلا عن عمق في طرح مناقشات دينية وأدبية لها راهنيتها ودلالاتها وإشاراتها في ثنايا الرواية. وهي علامات دالة استثمر فيها الباحث تكوينه العلمي، بل تقمص فيها أيضا دور المؤرخ، علاوة عن مهارته، باعتباره خبيرا ثقافيا له دربة بالمناظرة والسجال. وهي علاماتٌ شكلت، إلى جانب غيرها، سفينةَ نوح هذه التجربة، وهي تروم خوضَ مغامرتها الإبداعية، مغامرةٌ عرفانيةٌ تمتح عرفانيتَها من تفاصيلَ تلتمعُ في رواية «الحواميم» مثلما يسري نُسغها في سائر مُبدَعَات هذا المشروعِ السردي. مغامرة وارتياد لآفاق مجهولة استنارةً بما سبق من رصد عام للنسق الإبداعي العَرفي، وفي ضوء ما أسفر عنه اقترابنا التحليلي الأولي من نموذج «الحواميم»، يمكنُ التأكيد أن المشروع الروائي لعبد الإله بن عرفة مُغامرةٌ إبداعيةٌ بالمعنى النقدي الدقيق لهذا التوصيف؛ بما تعنيه المغامرةُ هنا من ارتياد لعوالم غير مطروقة وآفاق إبداعية مجهولة؛ لها صدمةُ الغرابة ودهشةُ المداهمة وألقُ المباغتة علاماتٍ وهوية. إنها مغامرة إبداعية لكونها تراهن على تجديد بهاء اللغة والتأسيس المعرفي للخيال، واستلهام الوحي القرآني، والحوار مع التراث تاريخا وفقها وأصولا وفلسفة وسردا وشعرا وأسئلة؛ من خلال قراءة أدبية عرفانية تلتفت إلى المتعالي في التاريخي، والروحي في البشري، والإنسي في الصراع، والدال في المنسي، والغريب في المألوف، والحالي في المقالي، والحِكمي في المأساوي، والحقيقي في الخيالي؛ مع المراهنة على ما تراه جودة وجدة في الإبداع؛ في سياق عربي تتدنى فيه نسبةُ القراءة إلى أدنى المراتب، والذي إن ساد فيه الإقبال، المسنودُ بالحملات الإعلامية ومنابر الإثارة، على بعض الأسماء والأعمال فلانسجام جلها مع إغواء الاستهلاك ومخاطبة الغرائز، ولكونها تخاطب القارئ الكسول الذي يجد في مقروئه ما يُهيج به مكبوتاته الغائرة. فيما يندرج المشروعُ العرفي ضمن الرواية العالمة التي تتأسس على الزواج السعيد بين المتعة والمعرفة، بين ألق القراءة وعمق المقروء. إنها أعمالٌ تقوم باشتغال عميق على الذاكرة والذات لنحت السؤال كما رأينا من خلال نموذج «الحواميم»، هذا السؤالُ الذي يُعد جمعاً بصيغة المفرد، والذي يشير إلى أسئلة الوجود والهوية والإيمان والتزكية الباطنية والشهود الحضاري؛ وكذا إلى أسئلة اللغة والكتابة والحقيقة والمجاز والزمن والمعنى كما مر معنا. يكفي تأملُ عناوينِ هذه الرواياتِ لنكتشف أننا إزاءَ أعمالٍ تستدعي القارئ إلى عوالمِها دون أن تستسهل الذهابَ إليه بعناوين لها الإثارةُ المجانيةُ والاجتذابُ التجاري علاماتٍ ومياسم. فأن تتخذَ من الحروفِ المُقطعة القرآنيةِ مُنطلقا رئيسا في استراتيجية العنونة مغامرةٌ بالمعنى البحر للكلمة، لكون هذهِ العناوينِ توهم بإغلاقِ النص أمام ما ألفته العيونُ من عناوين روائية؛ وأن تُحكمَ هذا الإغلاق برسوم تشكيلية «ملغزة» على أغلفة الرواياتِ أمرٌ يدفع إلى مراجعة هذا النزوعِ الخاص في التعامل مع القارئ، ضمن سياق قرائي يتسم بضعف المقروئية كما أشرنا من جهة، وبتسييد السهولة وتمجيد كسل ما بقي من القُراء أمام طغيان ثقافة الاستهلاك والتفاهة المكرسة من لدن الاستعمال الرديء لوسائل الإعلام والتواصل الرقميين، من جهة ثانية. إن المغامرةَ السردية العرفية إذ تلج دائرةَ المخاطرةِ بهذه الملامح، فإنها تلجُ دائرة الإبداع، إذ لا إبداع بلا مخاطرة، ولا تجديدَ بدون إرباكٍ لمألوف التعاطي مع ما يصير، في لحظة من اللحظات التاريخية، معيارا لأدبيةِ الإبداع. ثم إن هذه المغامرةَ ذات الرسوخ في التأصيل ومراجعة مفاهيم الإبداع والكتابة والمُبدِع والمعنى والقارئ... إلخ، تخاطِبُ الأزمنةَ المفتوحةَ ولا ترتهن بتحييز زماني أو مكاني، أو بمعيارية مطلقةٍ في الكتابة والتجنيس. وهذا الانفتاحُ الثاوي في أصالتها، والتأصيلُ المحايثُ لما ترتاده من آفاق ومشارف، هو ما يصنعُ للمشروع العرفي علامتَه المميِّزَة. يظهر ذلك مثلا في هذه القدرة الحذقة على الاستلهام الروحي والإبداعي من الوحي القرآني، كما رأينا مع نموذج «الحواميم»؛ مع قدرة لافتة على استثمار التراث العرفاني خاصة، والمعارفِ الإسلامية بوجه عام، ثم حوك كل ذلك في نسيج إبداعي يفيضُ بالتفاعل الخلاق مع أسئلة الوجود والوجدان والذاكرة والمعرفة والإبداع؛ تلك الأسئلةُ المفرطة في راهنيتها الحضارية والمعرفية، هذا مع إبقاء خيطِ اللذة متوهجا بنفَس الحكي البهيِّ، وبالخوضِ في أغوار الشخصيات التاريخية الإسلامية، وتفجيرِ طاقاتها الرمزية بما يحققُ التواصلَ مع لحظاتها الحميمية الفريدة، ويحولُ التخييلَ الخلاَّقَ، كما تبيناَّ، إلى أداةٍ لشغل البياضاتِ التاريخيةِ في حيوات الأعلامِ المتناولينَ بالتسريد في الأعمالِ الروائية المتوالية (الشيخ محيي الدين بن العربي في «جبل قاف»؛ أبو حسن الششتري في «بلاد صاد»؛ ابن معن في «الحواميم»؛ الغزالي في «طواسين الغزالي»؛ وابن الخطيب في «ابن الخطيب في روضة طه»...)؛ يكفي النظر الوئيد في هذه القدرة الثاوية خلف هذا البناء الإبداعي الباذخ لنقف عند بعض من ملامح تميز هذه التجربة. بهاء الإبداع ولذة القراءة وإلى جانب هذه الأبعاد المُفرِّدة للمغامرة الإبداعية لعبد الإله بن عرفة، سواء باعتماد عناوينَ وأغلفةٍ لها أفقُها الرمزيُّ المغاير، والمخاصِم لكل استسهال أو إثارة استهلاكية، أو الغوصِ في معارف وعلوم وأغوار عرفانية تقتضي قارئا مُؤهَّلا، يَعتبرُ اللذة ثمرةَ جهد في القراءة وفي التجرد من عوائد سبلها التي اكتسبها القارئ من مألوف قراءاته السالفة؛ إلى جانب هذه الأبعادِ ثمة معطى آخرُ يميز هذه المغامرة، إنه الالتزام بدءا من العمل الثاني «بحر نون»، بالتقديم النظري للعمل السردي، الذي سيتحول مع «الحواميم» إلى مقدمة – بيان كما فصلنا آنفا. وهذا الرهان على التقديم ثم التقديم - البيان فيه مخاطرةٌ من ناحيتين؛ تتمثل الأولى في كون هذه التمهيداتُ قد تُعتبر مُكبِّلةً للقراءة، ومن ثم مُقيدةً لحريةِ القارئ، إن لم يُقَلْ إنها تمارس وصايةً على فَهمِه، وتُنذر، بما تتضمنُه من مفاهيمَ ومحاذيرَ، بتبديد قدرتِه على الاكتشاف التي تُمثل بؤرةَ اللذة في القراءة. فيما الوجهُ الثاني لهذه المخاطرة ماثلٌ في كونِ «الخطابِ النقديِّ» يُصبحُ سابقاً على الإبداع، حيث قد يُشعِر القارئ وكأن العملَ الإبداعيَّ كُتبَ بمُوجِّهاتٍ نقدية قسريةٍ، دورُ السردِ أن يُقدمَ وصفاتٍ تطبيقيةً لها. ومعلومٌ أنه متى ما انفضَحتْ آثارُ الصنعةِ في الإبداعِ، فإنها تُفقدُه أصالتَه الجمالية، لأن من بهاءِ الإبداع أن يُخفيَ إوالياتِ صوغِهِ وأدواتِ صنعتِه، ويَخلُقَ ذاك الالتباسَ الأثيرَ بين الإبداعيةِ ومصادِرِها، والتي على التحليلِ النقدي اللاحقِ أن يَجهَد في تفكيك ذاك الالتباس والاقتراب التأويلي من مناجم تلك الإبداعية. فحتَّى الكتاباتُ الإبداعية الميتا روائية التي تتخذُ من تقنياتِ الكتابة مادةً لسردها، وتحاولُ سردَ الروايةِ في حيثيات انكتابها؛ لا ترومُ ذلك إلا من أجلِ ضخِّ ذاك الالتباسِ بين الإبداعية ومصادرها بطاقة أرحب، تجعلُ من الكتابة شأناً غامضا، من تقنياتهِ الإفلاتُ الدائمُ من ترصداتِ التقاط مصادر ومواد وآليات انبناء الكتابة. إنهما وجهان إذن لمخاطرةِ «تقديم» الأعمالِ من لدن مُؤلِّفِهَا، والتي شبَّههَا أحدُهم بمَن يُهدي الهديةَ وقد تركَ عليها علامةَ ثمنِها. ذاكَ ما خاضُه ابن عرفة في رواياته، بدءا من إثبات «التقديم» في رواية «بحر نون»، ثم رواية «بلاد صاد»، بلوغا إلى «المقدمة – البيان» في «الحواميم»، وهو ما يجعلنا نجدد التسآل عن بعض خلفيات إقدام ابن عرفة على التقديم الذاتي لرواياته طلبا لمزيد فهم لمغامرته الإبداعية. يتبدى من خلال مختلفِ التمهيدات (مقدمة كانت أو مقدمةً بيانا) أن ابن عرفة شعر بعد عمله الأول «جبل قاف» أن إبداعَه لا يُتلقى تلقيا نقديا يُلائم طبيعته وخصوصيته، بل يُحشرُ في الهامش لطبيعةِ لغته وعرفانيةِ مصادره وخصوصية أفقه ومسارات المغايرة التي يرتادها. لقد شعر بأن الآلةَ النقدية المألوفة لا تستوعبُ هذه التجربة، سواء بسببِ ارتباطِ جُل أقلامِ هذه الآلةِ بمؤسساتٍ لا تجد في أعمال ابن عرفة ما يستحق التكريس من زاوية فهمها للأدب، وكذا من زاوية الولاءات الأيديولوجية التي يدين لها بعضُها، أو بسببِ ما تحفل به هذه الأعمالُ من نصوصٍ غائبة ومعارفَ ذائبة، تجعل من هذا الأدب توقيعا على طروسٍ منسية، أربكت بداهاتِ القراءةِ السائدةِ، وأقحمتِ القلقَ في مألوف مُسلماتِها. لذا كانت مخاطرةُ هذهِ التمهيداتِ، التي كانت تضطلعُ في ذاتِ الآن بالتأصيل والتنظير وبسطِ بعضِ مفاتيح القراءة، مع إبقاءِ بابِ الاكتشاف مفتوحاً؛ لأنهُ منبعُ لذة القراءة من جهةٍ، ولأن هذا الإبقاءَ، من جهة ثانية، يلائمُ تصورَ هذا المشروعِ للقارئ ولوظيفته الاكتشافية للعمل ولذاته في آن، كما رأينا آنفا. وهو لعمري رهانٌ عسير، أن تكون تلك «التمهيدات» مُوجِّهةً ومُحرِّرَةً في الآن ذاته؛ موجِّهةً لكونها تخشى أن يُضيع القارئُ مَداخِلَ عوالمِ السردِ فلا يتحققُ بالقراءة التحصيلية التي تتيحها قراءة هذه الأعمال وفق مفاهيمها المؤسِّسة؛ ومُحرِّرَةً، لكونِ هذه التمهيداتِ تريدُ من القارئِ أن يتحرر من مألوفِ ما ساد من أشكالِ التلقي، التي لا تستحضرُ بعض المعارفِ في قراءة الإبداع السردي، مثل علمِ أسرار الحروف، ومختلف المعارفِ العرفانية، فضلا عن استحضار التفاعلِ المُبدع مع الذاكرة والتاريخ والتجارب الذوقية العليا التي انتسجت في أسرار العارفين من غرقهم الباطني في بحار الحرف القرآني. تبقى الإشَارةُ هنا إلى أن ما يبدّدُ أيضا المزالقَ التي تُحدق بمثل هذه المخاطرة، هو الجمع الأنيقُ في التجربة العرفانية العرفيةِ بين الكتابةِ بما هي «صنعةٌ»، وبين الانكتاب بما هو «إلهام». فالمبدعُ ، من ناحية، يشيد مشروعَه على وعيٍ كتابي ونقدي واضحِ المعالم ومحدَّد الملامح، لكنه في الآن ذاته يسردُ في ذاتِ التمهيداتِ بعضَ أحوالهِ أثناءَ الكتابة، والتي تجدُ ظلالا لها داخل المتن السردي، مما جعله يذهبُ إلى كونه يصير مكتوبا به في جم من الأوقات الوجدية؛ وأنه يتحولُ إلى قلمٍ في يد الحالِ التي تستغرقُه ويتجوهر بِهَا. هذه الحال التي تكتبُ به، سواء كانَ المكتوبُ مناجاةً وتسبيحا (كما في بعضِ مسارات لغة السرد في «بلاد صاد») أو مشاهدَ غزليةً شبقية (كما في «ابن الخطيب في روضة طه»)؛ ظاهرُها غارقٌ في الحسيةِ غير المُسِفَّةِ من ناحية، وفي ذات الظاهر مفاتيحُ إشاريتها من ناحية ثانية، على غرار التجربة الروحية الكبرى الرافدة لكل مشروع ابن عرفة الروائي، أعني تجربة الشيخ الأكبر، وهنا أشير إلى ديوانه «ترجمان الأشواق» ذي اللغة الغزلية الشبقيةِ، والإشاراتِ العرفانية البعيدةِ، والتي كشفَ عنهَا في شرحه: «ذخائر الأعلاق في شرح ديوان ترجمانِ الأشواق». على أن هذا الجمعَ بين العزم والإلهام؛ بين الكتابة والانكباب، بين الفعل والانفعال - أو قل باستعارة لغة القوم، بين «الكسب» و»الوهب»- هو نفسُه مُستلهَمٌ من التجربة الأكبرية، فالأمرُ يتعلق بفتوحاتٍ في موسوعة ابن العربي «الفتوحات المكية»، وبكتاب ليس للشيخ الأكبر فيه إلا الإذنُ النبوي بالخروج به إلى الناس، أعني كتابَه «فصوصُ الحِكَم» ... إلخ، هذا على ما في هذه الكتابات الأكبرية من عظيمِ الاستيعاب وعميق التفاعلِ مع معارفِ التاريخ والفقه والأصول والحديث والسيرة والحِكمة والفلك والطب والميتافيزيقا وتصوف السالفين...إلخ. إنها بعضُ معالم العرفانية الأكبريةِ التي تميزُ مشروعَ ابن عرفة، وبهذه المثابة تكون المغامرةُ الإبداعية العرفية مغامرةً عرفانية أكبريةً، على مختلفِ المستويات، إما استلهاما أو تحققا أو محاكاة، وهو ما يخطُّ لهذهِ المغامرة أفقَها الخاص الذي يحتاج إلى مزيد جهد للاكتشاف والتحليل.

    أضيفت في 14 مايو 2015 الزوار : 16