رواية «سرير الأسرار» (دار الآداب، ط1، 2008، بيروت، لبنان)، هي باكورة الروائي المغربي البشير الدامون، ومن جملة الروايات التي اتخذت من مدينة تطوان فضاء تنهل من أمكنته العابقة بأريج التاريخ والفتنة. للكتابة عن تطوان أو بوحي منها سحر خاص ولا شك. لعل هذا ما دفع كتابا عديدين من أبناء المدينة إلى جعلها الفضاء الأثير لإبداعهم؛ نذكر من هؤلاء محمد أنقار بروايتيه «المصري» و»باريو مالقة» وأقلعي بروايته «أطياف البيت القديم» وكذلك هشام مشبال وروايته «الطائر الحر» وغيرهم. ومن الأكيد أن «سرير الأسرار» واقعة هي الأخرى في ذاك السحر.  تدور أحداث الرواية في مدينة تطوان، للنص كلف خاص بدروب المدينة وحواريها إلى درجة أن ظهر الغلاف الذي وضعته «دار الآداب» للرواية تضمن عبارة تشدد على هذا البعد المكاني، إنها »تحكي تاريخا اجتماعيا للمدينة والأنوثة«. وعندما نتحدث عن التاريخ نتحدث عن الذاكرة؛ الرواية في جميع الأحوال محاولة من الإنسان لرتق ثقوب الذاكرة الإنسانية وجمع شتاتها وملء الفراغات التي يحدثها النسيان من أجل خلق كل قابل للفهم. سؤال الذاكرة ملح في الكتابة السردية، ورواية البشير الدامون وضعت يدها على هذه الإشكالية الجوهرية. لكن الحديث عن الذاكرة ليس بالبداهة التي يمكن تصورها، يكفي أن نعرف أن »الطريق الأكثر أصالة التي يكون فيها الماضي موجودا لا تتمثل في الذاكرة إنما في النسيان« كما يقول هيدغر (طرق هيدغر، هانز جورج غادامير، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1،2007، طرابلس، ليبيا، ص 105). قد يكون الطريق الأفضل لاستعادة الماضي هو النسيان نفسه، على الأقل لأن النسيان يتيح للإنسان الاتصال مباشرة بموضوعه من دون حقائق زائفة أو أوهام مضللة أو ثقل ثقافي لا يستمد شرعيته من قوله حقيقة ما، بقدر ما يستمدها من إرادة القوة كما يقول نيتشه. في البحث عن الذاكرة والنسيان »أن تنسى، مهمة صعبة الإتقان« (ص 5)، بهذه العبارة تستهل رواية «سرير الأسرار». الباحث عن النسيان فتاة صغيرة على لسانها يجري السارد أحداث النص. صحيح أن النسيان مهمة صعبة الإتقان، لكن الغريب أن الإنسان سمي كذلك لنسيانه، يصبح النسيان فعلا وجوديا بهذا المعنى. هل لأن النسيان يخلص الإنسان من الوهم؟ قد يكون كذلك، خصوصا وأن الوهم في الرواية ليس شيئا آخر سوى تلك الخطيئة التي ورثتها هذه البنت من أبويها اللذين أنجباها في إطار علاقة غير شرعية، لتتلقفها في النهاية «مما زاهية» التي تدير دارا للدعارة في أحد أحياء تطوان. النسيان في الرواية محاولة لمحو الخطيئة وتجاوزها، وإعادة اكتشاف الذات من دون هذا الثقل الثقافي الذي اغتال براءة الطفلة، وجعل الأطفال الآخرين يحجمون عن اللعب معها، »لكنه صعب أن يغتال فيك الفرح وأنت طفلة« (ص7). إن الطفولة مرحلة لم تثقلها الذاكرة بأوجاعها، تكون فيها الحياة قريبة من الفطرة، وقريبة من تجربة العيش الأصيلة التي تمارس فيه الذات وجودها على النحو الذي تريد، هي مرحلة يحضر فيها الفطري الأصيل، لكن سرعان ما يأتي الثقافي الدخيل ليملي شروطه وأحكامه، فيقع التحول الكبير. والتحول الكبير في النص » بدأ يوم نهر ابن جيراننا يوسف أخته سعيدة مانعا عنها اللعب معي. لا تلعبي معها، إنها بنت عاهرة« (ص7). إنه الاكتشاف المهول الذي يدفع الذات إلى معرفة حقيقة وجودها الثقافي المدنس بالخطيئة الموروثة، بعدما كانت تعي فقط حقيقة وجودها الفطري الذي تختصره كلمة الطفولة، وتصفه كلمة البراءة. الانتقال من الفطري إلى الثقافي يعني الانتقال من النسيان إلى الذاكرة، يعني الانتقال من تجربة وجودية أصيلة تنعم باليقين المشرق إلى تجربة وجودية جديدة بدأت تخيم عليها ظلال من الشكوك الملونة بعتمة الليل. النسيان في «سرير الأسرار» وعلى عكس ما يتبادر إلى الذهن، يعني التجلي والكشف، أما الذاكرة فهي الشك والتيه. سؤال الذاكرة والنسيان سؤال روائي بامتياز، لم لا والسرد هو ترميم الغياب الذي يلف مخزون الذاكرة كما يعرفه عبد الرحيم جيران (في النظرية السردية، رواية الحي اللاتيني، مقاربة جديدة، أفريقيا الشرق، 2006، الدار البيضاء). هذا السؤال ليس جديدا على الرواية المغربية، تحضر في هذا السياق كتابات الروائي المغربي محمد برادة، فلها ولع خاص بهذا الموضوع. العودة إلى الذاكرة عند محمد برادة تتحقق بنوع من الحنين والشوق اللذين يخفيان حبا جارفا للماضي ولزمن الطفولة. هناك نوع من الرومانسية في أثناء استعادة الذاكرة عند محمد برادة لأنها تعني عنده فرصة جديدة لفهم ما كان بعد أن ولى وزال. الأمر يختلف في «سرير الأسرار « حيث الذاكرة مملوءة بعناء الخطيئة، واستعادة الطفولة تأتي بإيقاع من الوجع الذي لا تمحوه سوى بعض الصور الشحيحة للحظات فرح مسروقة من أفراح الآخرين، أو لحظات تعيش فيها الذات طفولتها بتجرد مطلق وبانفصال تام عن المجتمع. »وحدها الأشياء التي لا تفتأ تؤلمنا تبقى في الذاكرة« كما يقول نيتشه (جنيالوجيا الأخلاق، فريديريك نيتشه، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، 2006، الدار البيضاء، ص 52). إنها ذاكرة مبتلاة بالعناء أحرى أن تنسى من أن تستعاد وتسترجع. صور لذاكرة معذبة استرجاع الذاكرة يتحقق في النص من خلال استعادة الصور. لذلك جاءت الرواية عبارة عن مقاطع تصويرية هي أقرب ما تكون إلى حكايات يمكن أن تقرأ منفصلة. لكن هناك خيطا رفيعا يربط بين هذه الصور. »صور ضبابية تنتشر مشتتة في ذاكرتي. يقترب مني ذاك الشتات بحدة يلفني« (ص5). وذاك الخيط الرفيع الذي يربط بين صور النص ويجعلها قابلة للتعقل والفهم هي الحبكة السردية التي استطاع السارد من خلالها أن يؤلف بين ذاكرتين معذبتين؛ ذاكرة الأنثى/الطفلة وذاكرة المكان/تطوان. جميع الصور التي رسمتها حكايا النص تحضر فيها هاتان الذاكرتان في تماه تام يعكس تجذر المكان في خلق كل ذاكرة إنسانية، وأن صورة المكان ليست شيئا آخر غير تجليات هذا الأخير في الوعي. الصورة في النهاية هي تجلي الموضوع في الوعي. والصورة، كما تجلت في وعي الطفلة، وكما رسمتها الحكاية في النص، قائمة على الإحساس بوجود شيء ضائع ينبغي البحث عنه في حيز ما. لكن هذا البحث يصطدم بسواد الظلام والعتمة اللذين يغشيان كل شيء. إنها صورة ممزقة بين الإحساس بالألفة داخل المكان بوصفه مربع الطفولة وحافظ أسرارها، والإحساس بالغربة ضمن فضاءاته المثقلة بالجراح والألم والأسئلة المقلقة. »تعود بي ذاكرتي إلى دار طفولتي الكبيرة. يرتسم لي نفق مضيء أتسلل منه إلى تفاصيل وبدايات زهو أنوثتي. يدفعني إلى تذكر صباي. صبا، بقدر ما كان فضاء ممتعا لسعادة طفلة بريئة، قدر ما كان مرتع تساؤلات مثيرة« (ص85). عندما تبحث الأنثى عن صورة المكان في الذاكرة تتبادر إلى الذهن أطياف صورة الطفولة، خليط من حالات الفرح والقلق، يتراءى من بعيد جلال المكان بعبقه وسحره، لكنه مدثر أيضا بالمعاناة التي كابدتها الذات في مواجهة مصيرها، والتي ورثت خطيئة لم ترتكبها، فجعلت طفولتها تصطدم بعادات المكان وتقاليده. لاحظت الذات تناقض صورة المكان في وعي الأنثى وفي وجوده الخاص نفسه، »تداخل أبنيتكم، تشابكها ببعضها، أقواسها المتعددة، دروبها الضيقة، سمك جدرانها، شبابيكها التي لا تطل إلا على الداخل، الأسقف العارية لفناءاتها، والتي تجعل ساكنيها لا يرون إلا السماء...ما هو إلا معمار خططه رجالكم من أجل المرأة، خوفا عليها من أعين المتلصصين ورغبة في الاحتفاظ بها لؤلؤة مصونة، وما ذلك إلا تقدير للمرأة عندكم وصون لكرامتها« ص (137). هكذا قدر للمكان أن يكون، كتب له أن يكون حارس الأنثى وضامن طهارتها، لكن شتان بين الحلم والواقع، المكان في الرواية أصبح بمثابة المتربص الذي ينصب أفخاخه للنيل منها، ولنا في «الدار الكبيرة» مثال على ذلك. بل قد يتحول المكان إلى سجن للأنثى نفسها، »وأي تكريم لامرأة مسجونة؟كأنك تكرم عصفورة بوضعها في قفص من فضة« (ص 137). تعكس الرواية بحذق كبير الصورة المشتركة للطفولة والمكان، والقدَر الذي يؤلف بينها. الأصل في المكان أن يكون ملاذا للحياة، وعونا على نبلها، كذلك الطفولة هي المرحلة الأصيلة في حياة الإنسان حيث يعيش طهر الحياة ونبلها. لكن الطفولة في سرير الأسرار اغتصبتها خطيئة لم تقترفها الذات، وكذلك المكان أفرغ من نبله، وقدر له أن يؤدي وظيفة عكسية لما خلق له. كل من المكان والطفولة تحول إلى نوع من السجن للذات، بعدما كان الجنة المنشودة التي تبحث عنها الذات لإعادة ترميم الذاكرة والتخلص من الذاكرة المعذبة من أجل الوصول في النهاية إلى ذاكرة عادلة بتعبير بول ريكور (الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتعليق وتقديم جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، ط1، 2009، طرابلس، ليبيا)..لكن الحلم ضاع.. عن الذنب و ضياع الغفران بدأت الرواية على إيقاعات الخسارة وانتهت على إيقاعاتها أيضا، وكأن قدر الأنثى أن تحمل عقدة الذنب إلى الأبد. بدأت الرواية بالبحث عن النسيان لعله يساعد في اكتشاف الأنثى ذاتها اكتشافا مباشرا لا وجود فيه لتوسطات الأوهام والحقائق الزائفة، لكنها لم تفلح، لأن الذاكرة أقوى من النسيان بالنسبة إلى الذوات المعذبة. بحثت الأنثى عن ذاكرة عادلة من خلال ترميم صور التماهي بين المكان والطفولة، لتكتشف القدر المشترك بينهما وفجيعتهما بعد أن سقط كلاهما في براثن ذنب لم يقترفه أي منهما. كانت الأنثى تبحث عن بصيص من نور يدفعها إلى تحقيق الغفران والظفر بصفاء النفس وطهرها، وعوض أن تحقق الغفران الذي ينبع من أهمية النسيان وإمكانيته، لا تختتم الرواية إلا بذلك الإحساس الأزلي بالذنب. وهي هنا تعيد الذنب الأول الموغل في القدم الذي تمثله مسؤولية الأنثى/حواء في إغواء الرجل/آدم ودفعه إلى إتيان سلوك كان سببا في الخروج من الجنة. تأتي هذه النهاية عندما تسببت الغيرة التي أصابت قلب «علي» في دخوله معركة خاسرة فقد على إثرها عينه اليسرى وجمال وجهه، ما دفعه إلى ترك حقوله/جنته التي بذل أيامه في سبيل استصلاحها، وهاجر إلى البحر ليصبح حارسا للمنار الذي يهدي السفن إلى بر الأمان. هي نفسها عقدة الذنب السرمدي تظل لصيقة بالمرأة وهذا قدرها. هي كانت تبحث عن النسيان لعلها تسامح من قذفها إلى هذا العالم حاملة خطيئة لم ترتكبها، ابنة غير شرعية لعلاقة انساقت وراء الطبيعي في إلحاحه ولذته متناسية الثقافي الحاكم الناهي بأمره. لقد حملت الذات/الأنثى نفسها مسؤولية ما حدث رغم أن لا ذنب لها في ذلك، وكأن المرأة هي صانعة خطيئتها الخاصة ومسوغة عقدة الذنب التي تحرص على أن تعيد إنتاجها. في النهاية خاطبت الفتاة «عليا» قائلة: »ارفع رأسك عاليا إلى السماء، وجل بتلك العين الوحيدة الباقية حول ما هو مترام أمامك، لتتفتح لك البصيرة فتعانق وجدانك في روق، ولينقشع لي ولك الطريق في ليالي حيّنا البهيمة« (ص 222). عادت الحاجة إلى البحث عن ذاك الشيء الضائع من جديد، بنور البصيرة هذه المرة، وليس بنور الذاكرة أو النسيان، لكن سديم ليالي المكان لم ينقشع بعد...

أضيفت في 13 مايو 2015 الزوار : 7
تتميز رواية «الزلزال» للطاهر وطار من بين كافة أعماله الاخرى ، بالاضافة الى روايته «الزلزال» بقيمة فنية في تجربته الابداعية والموضوعية التي لم تتوقف ، واستمرت في العطاء المثمر حتى اليوم. وهدف الروائي من وراء هذه الرواية حينما أصدرها كما كتب في مقدمة الطبعة الاولى: انني لأقدم نفسي بقدر ما أقدم فني كنتاج لعوامل حضارية مختلفة ، فيما أنا الا واحد من مئة مليون عربي ، لا قيمة كبرى لوجودي كانسان يصارع عقليتين متناقضتين: عقلية القرون الوسطى التعميمية التجريدية ، وعقلية القرن الواحد والعشرين العلمية التكنولوجية ، انما فني هو كما قلت نتاج تفاعل حضاري في منطقة معينة من المناطق العربية التي تعرضت كلها بهذه الدرجة او تلك ، لروح العصر التي تحمل حيناً بذور الحياة وتخلف بذور الموت. والطاهر وطار يريد ان يبرز حالة الجزائر في بداية عهد الاستقلال ، لهذا يشير في مقدمته بعد حين: هذه الرواية «الزلزال» من الجزائر ، واذا كان القارىء العربي عرف الكثير عن الجزائر في العهد الاستعماري ، الجزائر اثناء الكفاح التحريري ، والجزائر جغرافية بكل ألوان الجغرافيا ، فهل يعرف شيئاً عن جزائر الاستقلال..؟ الجزائر التي بدأت بعد قرن ونصف من الصفر.. الشرطي جديد ، والموظف جديد ، والتاجر جديد ، وحتى الموت والحياة ، كلاهما جديد ، في كيان انسلخ من كيان آخر ، وراح يقيم اطراً واسساً شخصية. يستكمل وطار جملة ما هدف اليه في روايته الخاصة هذه ، والتي تابع مشواره لاستكمالها في أعماله التابعة ، بأنه يريد ان يوسع ويعمق الأدب باللغة العربية في الجزائر أدب باللغة العربية ، وان اقتصاره على معرفة (كاتب ياسين) و(مالك حداد) لا يعني تعميقاً في المعرفة ، فهؤلاء عملة صعبة تجعلها أداتها في متناول العالم أجمع ، بل قد يعني تقصيراً ليس في حق زملاء يحاولون الاسهام في اثراء المكتبة العربية ، او حق شعب يجاهد لاستعادة احدى مقومات شخصيته التي استهدفت ولا تزال تستهدف للغزو الاستعماري والامبريالي ، وانما في نفسه بالذات كمثقف لا يكلف نفسه عناء اطالة عنقه ليرى ما هناك ، خلف بعض الاسماء التي وصلته عن طريق الترجمة. بطل الرواية شيخ يدعمه «ابو الأرواح» شخص مسكون بالماضي الذي رحل ، ولم يعد يمت بصلة للحاضر ، يعود الى وطنه الجزائر بعد استقلالها ، ويزور لاول مرة وبعد اعوام متطاولة من الاغتراب ، مدينة قسنطينة في محاولة منه لاستباق قرار الدولة توزيع الاراضي على الفلاحين ، عازماً على تنفيذ خطة تفشل هذا القرار. مسرح الرواية مدينة قسنطينة ، مدينة قائمة على صخرة فوق اخدود عميق يجري فيه الماء ، جعل المؤلف من هذا الأخدود رمزاً لدلالات جمة يسوقها في الرواية ، تتفاعل مع الدلالات في جدلية صيرورية. عميق.. عميق الاخدود ، من قريش حتى ينتهى عند ابراهيم الخليل ، وابراهيم الخليل لا ينتهي الى احد ، ومن العرب من ينتهي الى جرهم او قحطان او عدي ، وهم كلهم في اليمن او في حضرموت او في الحيرة او نجد او في تهامة او في الحجاز ، ينتهون الى مستعربة ، ثم الى عاربة ، ثم الى بائدة ، عميق ، عميق الاخدود ، نحن هنا عرب لا ننتهي الى عرب ، وبربر لا ننتهي الى بربر ، وفينيقيون لا ننتهي الى فينقيين ، وبيزنطيون لا ننتهي الى بيزنطيين ، عميق عميق الاخدود ، وبايعنا ابو بكر في السقيفة ، ثم رحنا نهمس في آذان علي والانصار ، وبايعنا عمر ، نصبنا عثمان ، وقتلنا عثمان ، بايعنا عليا مليون مرة وقتلناه ، مليون مرة نمدح معاوية ونذمه ، نقيم المذاهب ونحطمها ، ننطق من ألسنة وننتهي الى البدعة ، عرب في مصر وفراعنة في مصر ، عرب في الشام والعراق ، وفينيقيون وبابليون وحثيون واكراد ودروز.. تثقل الصخرة لا غير ، تفقدها التوازن. فالصخرة قاعدة قسنطينة ، رمز اليها الطاهر وطار بأنها معادل موضوعي في عمله الفني «الزلزال» للواقع القائم في راهن العالم العربي ، بل هي ايضا وكما اشار المؤلف في موقع آخر: انها الجزائر كلها ، انها افريقيا كلها ، انها آسيا برمتها ، انها كل العالم المتخلف القائم على الفلاحة. والصخرة الاساس هذه.. هشة ، متآكلة ، لولا دعامات الحضارة والمدنية الاوروبية ، يقول الطاهر وطار في مجمل روايته هذه: الغرب عندما سحقنا عسكريا ، راح يبهرنا علميا وتكنولوجيا ، الصخرة المتآكلة ظللنا عشرات القرون نتفرج عليها بخوف كبير واعجاب شديد ، الغرب عندما جاء خربها بالكهوف والانفاق ، وخاطها بالجسور ، تفنن بالاسمنت في باب القنطرة ، وسيدي مسيد وسيدي راشد ، ثم كأنما لم يكفه ذلك لاظهار برعته راح يفتل حبالا من الفولاذ ويبني بالحديد ويعلق في الفضاء ، يا ناس البرج الكبير الذي تنفكون تخافونه وتتعجبون منه.. قهرنا. ولا ينسى الطاهر وطار في افق المفارقة بين واقع الحياة في مدينة قسنطينة وواقع الحضارة والمدنية الاوروبية التي بدأت تنفذ الى الواقع المهزوم ، لا ينسى ان يدفع بطل الرواية «ابو الارواح» الذي نجده يستحضر امكانات الغرب العلمية والتكنولوجية ، وماذا تبقى لاهل قسنطينة ان يفعلوه: ونحن ماذا نفعل ، الصخرة المتهاوية ، نكدس الزيت والسكر والصابون والقهوة والدقيق ، ونلد ونلد ، ونبيع ما لا يباع ، ونشتري ما لا يشترى ، نسرق بعضنا في الليل ، ونبيع لبعضنا في الصباح ، نلعب الدومينو ، ونصلي ونؤذن ونبني المساجد ، نغني ونطبل ونزمر. ان مدينة قسنطينة الآيلة للسقوط ، يعثت في حياتها الجديدة بفضل الحضارة الاوروبية: الطاهر وطار منذ بداية الرواية يجعل «ابو الارواح» يرسم لنا طبوغرافية المدينة ، بأنها ذات جسور سبعة: باب القنطرة ، سيدي مسيد ، سيدي راشد ، مجاز الغنم ، جسر المصعد ، جسر الشياطين ، وجسر الهواء ، هذه الجسور جميعا خاط بها الغرب الصخرة المتآكلة ، الغرب رمز التقدم العلمي والتكنولوجي ، وعندما يبدأ «ابو الارواح» في تفقد جسور قسنطينة السبعة جسرا ، جسرا ، بعد ان عاد الى مدينته هذه اثر غيبة طويلة سعيا للعثور على اقرباء يوزع عليهم اراضيه ليحبط مخطط الدولة في توزيع الاراضي على الفلاحين ، يكتشف ما يذهله ويفاجئه ، تغيرت المدينة ومن يقطنها ، وتغير كل اقربائه بما يتلاءم مع تطور الحياة الجديدة للمدينة ، وللجزائر عموما ، فيحس ان مشاعره نهب اتجاهين: اتجاه الاستقلال والعروبة والحياة الجديدة لبلاده ، والاخر هو الاعم لديه والذي ينتصر في وجدانه.. تمنى عودة الاستعمار واليهود والحياة الماضية التي يحن اليها بعمق.بدأ الصراع يتفاقم في دخيلة أبي الارواح ، منذ بدء رحلته عبر قسنطينة ، فيتضاعف احساسه بأن مشاعره نهب خواطر لا اول لها ولا آخر ، وجميعها وجد أنها تقوده الى أن يتوقع في كل لحظة حدوث زلزال كبير.اول مرة شعر ابو الارواح بالزلزال حينما أحس بأن اللون الداكن يغشي اعماقه ، حينما اصطدم اول مرة بتغير المدينة ، عندما بلغ المسجد تناهى الى سمعه صوت الشيخ يتلو خطبة الجمعة ، ولاحظ ان الشيخ بدل ان يركز في خطبته على التقوى ، استغرق في شرح الزلزال وعظمته ، وذهول المرضعة عما أرضعت يوم حلوله ، ووضع كل ذات حمل حملها ، وظهور الناس كأنهم سكارى وما هم بسكارى ، وقال ابو الارواح لنفسه: الذهول والهلع ، وامتلاء النفس باللون الداكن ، تلكم هي الحالة التي وصف بها تعالى قيام الساعة ، وهي حالة شاء تعالى ان يخص بها الزلزال الذي استعاره سبحانه للتعبير عن قيام الساعة.استبد بأبي الارواح هذا الاحساس ، فلا نزال نطالع عبر امتداد الرواية تعمقه وتعاظم غوره مع كل خطوة يخطوها في انحاء قسنطينة ، وحيال كل مشهد يصعق ذاكرته المبتة عن التحول الذي تم ، فلا يفتأ من ثم يدعو بالزلزلة: لها يا سيدي راشد لها ، حركها بهم وبكفرهم وفجورهم.غير انه بمدى وعمق وهول هذا الاحساس عند أبي الارواح ، مدى عمق وهول الاحباط لديه في امكانية تصديه لقوة واندفاع التطور الذي يعم الحياة الجديدة في الجزائر ، فمن جسر الى جسر ، عبر مسيرته التفقدية لمظاهر الحياة القديمة التي كان يعهدها ، ويتوق لبقائها ، تصفعه مظاهر التغير والتطور الطوفاني في الطبيعة والعمران والانسان ذاته ، هو ينكر ذلك انكارا قطعيا ، ويثير غيظه ان العوام ، برأيه.. اولئك الفلاحين والعمال والطبعة الوسطى والدنيا عموما ، لا يسرون بالنعمة التي وضعت بين ايديهم ، حيث يراهم يملؤون المدارس والمساكن والاراضي والوظائف التي كانت فيما مضى حكرا على كبار القوم وعليتهم ، وانما يجدهم يخوضون في نقد التشريعات والقوانين والممارسات ، ويلحون على تطوير وتعميم وتعميق هذه الاتجاهات اكثر واكثر.لم يكن ابو الارواح عديم الاحساس في دخيلته ، ففي ذات نفسه كان يكبت الحقيقة ويكابر ، فانه يشعر باحساس صاف وجلي بأنه يسير ضد اتجاه التاريخ ، وعكس مجرى الواقع والحقيقة ، في اعماق ذاته ، كان ابو الارواح يخفي الحقيقة الساطعة بأن نبوءته بالزلزلة وهم لا اساس لها من الصحة ، لكنه يظل سادرات في مكابرته واتجاهه الوهمي ، وموغلا في السراب ، بحيث نلاحظ انه بمقدار عمق احاسيسه التي تحفر أخدودا يفصله عن الواقع ، والحياة الجياشة بالامل ، وبمقدار عمق الاحباطات التي تتجمع وتتزايد ، يكون مقدار ترسب الوهم طي وجدانه ، وسيطرته على نوازعه ودوافعه ، بات واضحا اخيرا ان ابو الارواح اخذ يهذي ، وبات معزولا في وحدة مطبقة ، تقوقع في اسرها على نفسه ، التي اخذ الجميع يناصبونه العداء.يتشبث رغم كل ذلك ابو الارواح بالوهم حتى النهاية ، حتى النفس الاخير من حياته ، وفي لهيب فصامه النفسي الذي يكابد منه الامرين يهتف: لن اجزع منهم ، انا اقوى منهم جميعا.يقع الزلزال في شخص ابو الارواح بالذات ، الحكومة والاطفال الذين ما برح يعبر عن احتقاره لهم ، هم الذين لحقوا به وانقذوه ، قبل ان يلقي بنفسه من فوق جسر التهلكة.الاطفال رمز المستقبل لجزائر الغد ، والشرطة التي ساهمت في عدم هلاكه بالطريقة الانتحارية اياها ، رمز حكومة الجزائر المستقلة.قضى ابو الارواح دون ان يخلف ذرية ، فلقد كان عقيما انقطع تواصله في سلسلة الاصلاب.رواية الزلزال عبارة عن قصة في بنائها المعماري فنيا ، ورواية في عدد السطور والمفاصل الادراكية ، ويقول الكاتب الجزائري عبدالرزاق عيد: انه من نافلة القول الاشارة الى ان الفارق بين القصة والرواية ، لا يعتمد على عدد الصفحات ، وانما على كثافة المفاصل والنواظم التي يتمحور على خطوطها الذهبية العمل الروائي.

أضيفت في 13 مايو 2015 الزوار : 8
الحصول على ــ غرام سوان ــ سنة 1982 قراءة لا تملُّ وحبّ ينمو في الخاطر، الدهشة التي تولدها القراءة أو يدفع بها الحب إلى تأمل عالم سوان المترامي الأطراف كنزهات في غاية السرد على حد تعبير أمبرتو إيكو الإيطالي اللوذي الذي يشير علينا بتأمل أشجار الغابة العملاقة، مارسيل بروست يغري قرّاءهُ بمتابعة كل صغيرة وكبيرة تخصهُ أو تخص تلك الحياة العجيبة التي اختارها لنفسه لكي يبلغ غايته أو غابته التي يريد تشكيلها، لذا، فهو دهشة المتعجب وفتنة المتلقي . وها هي السيدة فردوران تلملم أطراف الجماعة/ العشيرة الصغيرة، وهي تردد بحضرة الزوج وأمام حشد الزائرين بعد التعرف على سوان وإعلان الحب تجاهه، حب المرأة المتمكنة من عالمها الذي شيدته من ثراء الزوج، ثراؤها هي أيضاً، وهي لا تكف عن القول : ((لا يجوز السماح لأحد بمعرفة عزف موسيقى فاغنر مثلما يعرف هذا الشاب بالذات)) .. لن يجرؤ أحد من الجماعة المحتشدة في صالتها الخاصة باللقاءات المسائية الناعمة أبدا على الاعتراض، لا أحد يعترض على ما تقترحه السيدة فردوران، لقد دخل الشاب كواحد من الجماعة الصغيرة إلى عالم كان يخطط إلى دخوله من دون منغصات أو اعتراضات من أحد .. والسيدة فردوران شأن أوديت؛ نظرة مستديمة لمعرفة كنه حيرة دكتور كوتار في مجتمع أقل ما يقال عنه؛إنه مخملي، مارسيل بروست ينتزع بمهارة فائقة السر من لجته، لكي يرينا ما هو مخبوء في العمق، ليس الحب وحده، إنما الجسد الذي يتلظى بحرارتهِ وتوقه للمداعبة والمتعة، يكون جسداً مهيأً وصالحاً للظى الهوى الذي يجيده سوان، كأفضل فارس أو فنان يتجلى العزف بين أصابعه الماهرة على آلة البيانو أو على الوتريات المرهفة، هو ذا سوان بعينيه الخضراوين يقف ناعس الطرف أمام طلبات الفاتنة أوديت يرافقها إلى بيت الجماعة الصغيرة، حيث هذا الخليط العجيب من السادة المدعوين إلى بيت السيدة فردوان .. إنهم بلقائهم الفجائي يشكلون المجتمع الأنيق على حد تعبير مارسيل بروست نفسه، إنه يكتب في ظلال الفتيات الأنيقات أو غرام سوان ليتشكل لديه استعادة للزمن الضائع بين أحراش الماضي الكثيف المشتبك مع بعضه ولا يمكن أن يصبح جاهزاً لسرده إلا من خلال التداعي الحر، وعلى القراء أن يتبصروا أمرهم وهم يتوغلون في غابة بروست السردية المتداخلة في صورها ومشاهدها الخلاقة التي (بسبب أسلوبه الأخاذ) تأسر الداخلين فيها، تلك غابة سوان وغرامه ،حيث الكل يتأمل لمعان الجسد وتوهجه بعد المساء، حيث كل شيء يدور في القلعة/المنزل، والدخول إلى منزل السيدة فردوران لا يوحي بالدعارة كما يخامر الشك قارئ الرواية، بل يدرك تماماً أنّ ثمة ولعاً خاصاً في المساءات عادة، يحيط بالسيدة لاقتناص المواهب التي تجيد العزف على آلة البيانو أو قول الشعر الجميل الذي يترك في النفوس المرهفة صدى عذباً، تلك هي إحدى علامات وإشارات غرام سوان الذي يحفل باللغة السردية اللينة والناعمة تارة وأخرى لا تعطي نفسها بسهولة ويسر ومعرفة ،لأن السارد (الروائي) مؤلف غرام سوان ظل يصنع شخوصه من النار والماء معاً، والاكتشاف يقود إلى اكتشاف جديد مماثل له بالجمال الساحر، حين يتمعن سوان بوجه أوديت ذات النظرة العميقة وشلال شعرها يطوق عنقها العاري، كذلك الذراعان هما صورة موحية لقلب سوان في انغماسه المفاجئ، وفي حدود مدار عالم سوان الدراماتيكي تبدو السماء سمحاء معه ،وهي تطوقه من كل الجهات في بحثه الدؤوب عن أوديت التي غابت لبعض الوقت، ليدرك أخيراً بمحض المصادفة كم هو أبله ومجنون بها، بعينيها بجمالها باسترسال نهر شعرها الموحي له بكل شيء جميل بما امتلكته روحه من فيض محبة قرر الانغماس حتى شحمة الأذن في تهيئة طاقته الجنونية في البحث عنها بدءاً بجادة (بريفو) : (ليس لأنه كان يعتقد بأنه سيعثر عليها، ولكن لأنه لو تخلى عن هذهِ الفكرة فإن هذا الشيء سيكون موجعاً)) وهو لا يطيل النظر في ما يتعلق بالآخرين ،بل بكل ما يشغله؛ ألا تكون أوديت بعيده عنه، سوان ليس لديه الوقت الكافي لكي يقرر ما إذا من الممكن تأجيل لحظة واحدة من لحظات صبابته مع أوديت . بروست نفسه هو الذي شبه الوعي بسجادة مشعوذ ننقلها معنا وتفصلنا دائماً عن الأرض بالذات، على حد تعبير أحد دارسيه ــ جان فرانسوا ماركيه، في كتابه مرايا الهوية، ولقد أصبح في الأخير لزاماً عليه ــ بروست ــ أن يمزج الأدب بالفلسفة ،وهو الذي قد حرم من قبلة والدته المسائية، لا بد أن تكون ثمة أحداث أو أفعال دالة على تشكل عالم المؤلفين الماهرين، أحداث يستقي منها نهر عالمه الذي غالباً ما يتسم بالإحباط والحزن على شيء مفقود في الزمن الضائع. ***** نزهات في غابة السرد ــ امبرتو ايكو ــ ترجمة/ سعيد بنكراد ــ المركز الثقافي العربي. ما موضوع بين قوسين مجتزأ من رواية مارسيل بروست غرام سوان ــ ترجمة روبير غانم ــ عويدات/

أضيفت في 13 مايو 2015 الزوار : 22
لا شك أن الرواية المغاربية، لها طعمها الخاص ومميزاتها التي تفردت بها في عروض الرواية العربية، وقد افلحت هذه الرواية في جذب انتباه القارىء وخاصة الباحث عن الجديد في الأسلوب الروائي أو الصيغة الروائية، بعدما اعتاد على الرواية الكلاسيكية التي تخبىء موضوعها في التورية الممالقة. وقد برز العديد من الكتاب المغاربيين من خلال تمكنهم من إدخال الموضوع السياسي القاسي في مسرح الحكاية، من أمثال الطاهر وطار وأحلام موستغانمي وغيرهم من الجزائر، وكذلك الطاهر بن جلّون وغيره من المغرب.ولأننا في إدارة تحرير مجلة "دليل الكتاب" لا ندخل في جدلية النقد ومناقشة الأعمال الأدبية والمواقف الفكرية إلتزاما بخط المجلة الذي هو العرض والتعريف، لكننا نشير بالنصيحة لمن يرغب ـ في يعض الأحيان ـ لمراجعة بعض المواقع لمعرفة المزيد عن حياة الكاتب بخاصة وانتماءاته ومذاهبه الفكرية ومواقفه الخاصة، كي لا نكون في موقف ضد موقف آخر، برغم أننا لنا موقفنا من بعض الكتّاب، لكن مقتضيات المهنة تحجب عنا الخوض هنا لأن شعارنا هو أن نكون وسطاء بين الناشر والقارىء مع إفساحنا المجال أمام أي كاتب أو ناقد أن يدلي برأيه على صفحات مجلتنا وفي موقعنا الالكتروني بكل حرية وأمانة دون أن يكون هذا الموقف ملزماً لنا. ماذا عساه يكون ذاك الرحيل؟ رواية "أن ترحل" للكاتب المغربي الطاهر بن جلّون في ترجمتها العربية المتقنة الصادرة لدى "المركز الثقافي العربي" (ترجمة بسام حجار)، تعيد نبش خفايا هذا السؤال البائس المؤرّق الذي لا يجد عنه جواباً خارجه: مواصلة الرحيل. هي رواية عن إدمان الهرب إذاً، عن داء هو دواء نفسه، عن إنصات الشخصيات إلى "أصوات البلاد البعيدة التي تتردد في أعماقها" وتعلو أكثر فأكثر حتى الفراغ التام، حتى قعر الهاوية. هذا الهرب المكلف يصفه الكاتب على لسان أحد أبطاله بالآتي: "الرحيل، الرحيل! الرحيل كيفما اتفق، وبأي ثمن حتى لو كان الغرق، الطفو على سطح الماء ببطن منتفخ ووجه يأكله الملح وعينين مجوّفتين...". هل يخبرنا بن جلّون أن قدر الشخصيات في روايته هو الرحيل الدائم، وأن دوافعها العميقة ليست فقط سوء الأحوال المعيشية؟ هل عازل وكنزة ومليكة وسهام وناظم هم مهاجرون منذ الولادة؟ هذا على الأقل ما يمكن استنتاجه من المقاطع الأخيرة للرواية التي تحاول إقامة جسر مع تاريخٍ قديم، حيث يرد الآتي: "إنه الرجل الذي كنته أنا، والذي كانه والدك، والذي سيكونه ابنك... نحن مدعوون جميعاً للرحيل عن ديارنا، نحن جميعاً نسمع نداء البحر". في العودة إلى اسم البطل، منح بن جلون شخصيته الرئيسية اسماً رمزياً هو عزّ العرب، الذي يتم اختصاره بـ عازل. ينطوي هذا الاسم على كثير من السخرية المريرة، على غرار ما تنطوي عليه أسماء أخرى من معانٍ مثل اسم فلوبير للمهاجر الأفريقي، أو لو مرفييو للطبيب الفرنسي. في هذا الإطار، ثمة فوبيا أسماء في الرواية: ملامح تمتزج في دوّامة وجودية حتى لا يمكن تمييزها طالما أن القصة هي نفسها دائماً. يصل هذا التمازج الى ذروته في الفصل الأخير، حيث يختلط الواقعي بالمتخيّل، الأدب بالحياة، في رحلة العودة الكبرى، فيتجاور دون كيشوت وفلوبير مع كنزة وموحا وأسماء كثيرة أخرى يجمع بينها الحنين إلى ما لم يكن موجوداً يوماً. لعل ما حاول بن جلون فعله في هذه الرواية هو إكمال القصة أو وصل الضفتين. فشبّان طنجة المهووسون بفكرة اجتياز الكيلومترات القليلة للوصول إلى "الجنة" الإسبانية، حتى لو دفعوا حياتهم ثمناً لذلك، لا يريدون أن يعرفوا ما الذي قد يحدث بعد بلوغهم الجهة المقابلة، فيصمّون آذانهم عن حكايات كُثرٍ من الخائبين أو المنخرطين في تنظيمات إسلامية متشددة بسبب العوز. الكاتب الذي ينجح في رسم عالم طنجة المغلق، العنيف، المجنون، المحكوم بالتكرار ثم التكرار، ينجح أيضاً في رسم عالم آخر لا يقلّ تذبذباً وضياعاً على الضفة الأخرى. فعازل الذي وافق على أن يكون عشيقاً لميكال الثري، يكتشف فداحة الثمن – بيع روحه - الذي دفعه بعد وصوله إلى إسبانيا، فيصرخ في لحظة صفاء: "أنا عاهرة، هذا حقيقة ما أنا عليه، أو بالأحرى ما أعتقد أني أصبحت عليه"، قبل أن يبدأ رحلة الانحدار السريعة التي تقوده إلى حتفه في النهاية. على النقيض من شخصية عازل، تبرز شخصية أخته كنزة التي تبدو عملانية وقادرة على التكيّف مع كل الأحوال. لكن حتى كنزة الديناميكية، لا تنجو من مصير سلبي يتمثّل في وقوعها فريسة حب مخادع. ونلاحظ أن الكاتب حمّل هذه الشخصية المؤنثة، من بين كل شخصيات الرواية، مشعل مواصلة المسيرة. ولا يخلو ذلك من تنبؤ ما، يأتي على لسان ميكال الذي يقول في زلّة "مدروسة" إن الأمل معقود على النساء العربيات، وهذا ما يجعلنا نظن أن فقد عازل لأثمن ما لديه (ذكورته) لم يأتِ عن عبث إذاً. في أي حال، كنزة ليست الشخصية الأنثوية الوحيدة في الرواية، والسقوط ليس قدر الذكور فقط، فهناك سهام "الحالة الاجتماعية" بحسب تعريف عازل المخفّف للعاهرات، ومليكة الفتاة الفقيرة التي تخاف أن تموت قبل أن تحقق حلمها بمغادرة البلاد: أن ترحل قبل أن ترحل. مليكة هذه تتصالح مع موتها أخيراً وتشعر بالسلام، بعد أن تكون ذعرت من رائحته، "رائحة صيف مكسوّة برطوبة الشتاء، رائحة لها لون، ضرب من الأصفر الباهت المائل إلى الرمدة، رائحة تثقل على الأجساد". رغم الملاحظات التي يمكن سوقها حول بعض التطويل أو النهاية غير المحكمة، يظلّ موضوع هذه الرواية رافعة هائلة أجاد بن جلون استعمالها: حكاية هؤلاء "الزاراب"، المهاجرين العرب "أصحاب الأكتاف المبللة" كما يصفهم الإسبان، المنبعثون من البحر كطاعون. حكاية لا تنتهي فصولها طالما استمرت حوريات البحر في إرسال ندائهن القاتل إلى شواطئ طنجة. بن جلون الذي دعا منذ فترة مع مجموعة من الكتاب الفرنكوفونيين إلى عدم إطلاق صفة "فرنكوفوني" على الأدب المكتوب بالفرنسية، يعود هنا إلى طرح أسئلة كثيرة شائكة: الفقر، البطالة، أزمة الهوية، مفهوم الانتماء، الصدمة الثقافية للمهاجرين ...إلخ. وإذا كان المثل الفرنسي يقول: "أن ترحل يعني أن تموت قليلاً"، فإن شخصيات هذه الرواية ترحل... فتموت كثيراً.

أضيفت في 13 مايو 2015 الزوار : 22
"كيف تحوَّل الثوارُ من موقع الثورة إلى موقع المقهى؟ كيف تقاعدوا؟" على هذا السؤال المفصلي يبني العراقي علي بدر روايته الأخيرة الصادرة بعنوان جميل وموحٍ هو الركض وراء الذئاب
  • . تشكِّل هذه الرواية محاولةً راديكاليةً لنسف الفكر "الثوري" الذي استبدَّ في منتصف القرن الفائت بأجيال كاملة تركتْ كلَّ شيء وسارت خلف الحلم بتغيير العالم، قبل أن تنتهي بها الحالُ في المقاهي تجترُّ مصطلحاتٍ بائدة. يروي بدر الخيبة والمرارة والتهشُّم الداخلي، فاضحًا جيلاً كاملاً من الثوار والثوريين، محطِّمًا ليس فقط أسطورة الثوار العراقيين الذين ينطلق بطلُه بحثًا عنهم في أفريقيا، بل "الأسطورة الثورية" كاملةً بيوتوپياتها المخذولة. كالذئب ينقضُّ على شخصياته، يعرِّيهم من أوهامهم، وهمًا وهمًا، ومن دون أن يترك لهم حتى فرصة الدفاع عن أنفسهم، يفرغ فيهم علي بدر رصاصاتِه القاتلةَ على شكل تهكُّم ماكر ولئيم. ينجح علي بدر في صفحات الرواية الـ169 في تقديم صورة عن تناقضات العالم الراهن وفراغه اليوتوپي، حيث صار [...] أتباع غيڤارا وهوشي مِنِه وتروتسكي، في ما مضى، هم أتباع ليو شتراوس ومايكل ليدن ووليم كريستول اليوم، وحيث [...] المحافظون الجُدُد هم ثوار العصر الجديد بعدما تقاعد الثوارُ وجلسوا في المقاهي، بتعبير بطله. لوهلة، قد يشعر القارئ أنه بإزاء كاتبٍ عجول، يبني روايته على پورتريهات وخطوط سردية عريضة، ثم "يدلق" في هذا الوعاء أفكاره وآراءه بتنويعاتها المختلفة: أفكار يعرف كيف يقوم بتعليبها وتقديمها على شكل استعارات بليغة تهمِّش أحيانًا تعقيدات الحقيقة لصالح ابتكارية في الصورة تمنع التنويع من أن يكون اجتراريًّا. إلا أن ما ينقذ الرواية من أن تتحول إلى مرافعة طويلة، ذات نبرة خطابية مرهقة، هو هذا المكر الذي نستطيع أن نشتمَّه من بين السطور التي تواري، خلف الخيبة حينًا والغنائية الكاذبة حينًا آخر، تهكُّمًا سامًّا ولؤمًا هدامًا يجعلان إمكان ترميم الدمار الذي يُحدِثانه عملاً متعذرًا. قد يبدو النص مثل ثور هائج يحطِّم كلَّ ما في طريقه تحطيمًا أعمى. لكنْ، شيئًا فشيئًا، يتبيَّن أن هذا الهيجان نفسه مخطَّط له، يدرك وجهته جيدًا، ويعرف كيف يتحول إلى ما يشبه نشيدًا هجائيًّا طويلاً يتقنَّع بغنائية ماكرة: الثورة هي الشعور بالتحليق الكامل. الشعور بالأخوَّة العالمية والتصالح مع الأشجار والحيوانات. الثورة هي العلم الأحمر وهو يرتفع عاليًا على منازل القشِّ في القارة السوداء. ربما تسكر طويلاً وأنت تغازل أفريقية في عتمة الحانات، لكنك عظيم حتى لو لم تملك فلسًا واحدًا. العظمة في النساء اللواتي يجادلن حول فائض القيمة. في السود الذين يصنعون الحقيقة ويكشفون الكذبة اللعينة في التاريخ. من خلال بطله العراقي الذي يعيش في أمريكا منذ 25 عامًا، متسترًا باسم مستعار هو جورج پاركر، يقدِّم الكاتب نموذج الشخصية الفصامية المعاصرة، المتأرجحة بين ماضٍ يساري وحاضر يحكمه المحافظون الجدد. فلنسمعه يعرِّف بنفسه: أنا رجل قديم، قادم من الشرق الأوسط، أعيش هنا في نيويورك، متزوج من امرأة أمريكية، وأخونها مع مهاجرة پولونية، ولديَّ أولاد أمريكيون طيبون، لا يعرفون شيئًا عن الشرق الأوسط ومشاكله. كنتُ مؤمنًا باليسار، وبالحركات الثورية، ومتعاطفًا مع القضية الفلسطينية ومع الاستقلال، وأعمل في شركة أمريكية يملكها مردوخ، أكبر كارتل صحافي هنا في الغرب. أنا يساري من الداخل، ولكني مؤمن بالديموقراطية وبحقوق الإنسان مثل أكثر الغربيين، يميني في الوكالة ومنفتح مع عائلتي جدًّا. لم أكن يومًا ضدَّ الحداثة أو معاديًا للغرب، كنتُ أقول في نفسي: لم يكن ليو شتراوس على خطأ قط، لم يكن مخطئًا حين قال إن الديموقراطية يمكن تعميمها على العالم كلِّه بالقوة. لا تعكس هذه الازدواجية، التي نستشفُّها من كلام البطل ومن أسلوب عيشه، نفاقًا خبيثًا، بقدر ما هي مآلٌ تراجيدي نتيجة محاولة التوفيق بين التناقضات التي ينبني عليها واقعُه. فهو، من ناحية، لا ينفك يحاول تأكيد انتمائه الأمريكي، مستخدمًا "نحن" كلما أراد الحديث عن الأمريكيين ومكررًا عنوان منزله في "الدرب السادس جنوب هيوستن" مثل لازمة مضنية، كما لو ليرسِّخ، على الأقل لفظيًّا، هذا الانتماء المستعار على غرار اسمه. من ناحية ثانية، نراه غير قادر على التوفيق تمامًا بين متطلبات العائلة الأمريكية المعاصرة وجذوره "الشرق أوسطية". سريعًا ما سنتبيَّن هشاشة وضعه وانتماءاته، لتتشكَّل صورتان على طرفَي نقيض لعالمَين وفكرَين وثقافتين و"موقعين" يتحقق بينهما فصامُه ويتأكَّد. هو فصام سيظل البطل قادرًا على "إدارته"، إذا جاز التعبير، في الحدِّ الأدنى، إلى الوقت الذي سترسله فيه وكالةُ الأخبار التي يعمل فيها إلى أديس أبابا لكتابة تقرير عن الثوار العراقيين الذين غادروا بغداد في السبعينيات للالتحاق بالثورة العالمية ضد المصالح الغربية والشركات الكبرى: جبر سالم، الصحافي الثوري المتأثر بريجيس دوبريه، أحمد سعيد، الثوري العقائدي، وميسون عبد الله، رفيقته وحبيبته ذات المسيرة النضالية ذائعة الصيت. ثلاثة أشخاص، أو شخصيات بالأحرى، استقرتْ بهم الحالُ منذ ثلاثين عامًا في أديس أبابا بعد وصول منغستو إلى السلطة. في بحثه عن هذه الأيقونات الثورية الثلاث، سيجد البطل كلَّ أفريقيا ما بعد الثورة: خليط متفجِّر من الفقر والفساد والأحقاد الإثنية وبقايا حداثة غربية، فيما العملاق الغربي مستمر في امتصاص دمائها السوداء. سيلتقي ثوارًا متقاعدين، كلُّ شيء فيهم يفضح "الطريقة التي يتعفَّن فيها الثوري بعد سقوط الثورة"، ومثقفين تحولت الثورةُ معهم إلى اجترارات لفظية وكليشيهات متعفنة ومصطلحات بائدة. "أين الثورة؟"، سيظل يتساءل طوال رحلته، كأنه يتحدث عن كائن من لحم ودم. لكنه لن يجد لا ثورة ولا ثوارًا ولا مَن يثورون، بل قارةٌ غارقةٌ في ظلام لا مخرج منه، باتت اليوم [...] مثل امرأة سوداء تحمل شوالاً ضخمًا مكتظًّا بأحذية من الپلاستيك الرخيص، على مقربة منها شحاذ يحتضر. لهؤلاء الذين عصفتْ بهم ذات يوم أفكارُ "الثورة الأممية"، يحقق الكاتب حلمهم بأن يكونوا أبطالاً، لكن من على المنقلَب الآخر للبطولة: يجعل منهم أبطالاً مضادين، عبثيين، مهزومين، واهمين، مجموعة من "السكارى والقوَّادين والعاهرات" وأشباه المثقفين الذين ينتمون إلى لامكان ويقبعون خارج الزمن يجترُّون خيباتهم. لا يكتفي بهذا المَسخ الذي يمارسه عليهم، بل تصل به الحالُ إلى حدِّ نفيهم وإلغائهم. وقد يكون عدم تمكُّن بطل الرواية من العثور على أحمد سعيد وميسون عبد الله رمزًا لهذا الوجود السرابي، وكأن بدر لا يريد أن يمنَّ عليهم حتى بحضور مورفولوجي. وإذا حضروا، على غرار جبر سالم، تبيَّن أنهم مسكونون بالخذلان والمرارة وقد اكتشفوا أنهم خُدِعوا، أنهم وقعوا ضحايا انسحارهم بصور سينمائية وشعرية لثوار ينكشون شعورهم ويلبسون الملابس الكاكية ويقرؤون الكتب الحمراء ويحلمون  [...] بالثورة الدائمة، بالفوضى والإرباك الذي يمكننا أن نصنعه للإمپريالية والكولونيالية والبورجوازية والإقطاع. أو كانوا على صورة جمال وحيد، الشيوعي السابق الذي خرج من سجون صدام حسين في الثمانينيات بعدما وشى برفاقه لأنه لم يحتمل التعذيب، ليصير اليوم صائد ذئاب في أديس أبابا: "هربت من الذئاب، وها أنا أطارد الذباب"، يقول عن نفسه، بينما يحاول مداراة فوضاه وحطامه الداخليين خلف مظهر لامع، تعكسه النظافةُ والترتيبُ والتقشفُ في منزله، وادعاؤه العمل مع منظمة أوروبية لمطاردة العصابات التي تلاحق الحيوانات من أجل جلودها. إلا أن إمعان الكاتب في تهشيم شخصياته يبلغ لحظاته القصوى في المشهد المتخيَّل الذي يضمِّنه البطلُ تقريرَه عن لقائه الذي لم يحصل مع أحمد سعيد وميسون عبد الله. وهو مشهد تراجيدي من فرط كاريكاتوريته، يأتي لينسف الأسطورة بكاملها. أما بطله، فيتركه في الصفحات الأخيرة يحكي ويحكي ويحكي، مفرغًا الخيبة والإرباك اللذين عاد بهما من رحلته الأفريقية، بحيث يمَّحي وجودُ صديقته الپولونية تمامًا أمامه، لولا بعض العبارات المعترضة التي تنقذ كلامه من شبهة المونولوغ. يتركه ينقض كلَّ شيء، الثورة وما بعد الثورة وما بعدهما معًا، اليساريين والرأسماليين والمحافظين والمتدينين... فلا يبقى في النهاية إلا نوع من الفوضوية الكلامية، يظل يحاول ترتيب معطياتها المتناقضة، قبل أن ترسو على مشهد صورة سياحية وفولكلورية لا تخلو من بُعد داعر: صورة فوتوغرافية عاد بها من أفريقيا، تُظهِرُه واقفًا ومبتسمًا وحوله عشرون امرأة وطفلاً من مشوَّهي الحرب الأهلية، قرَّرت زوجتُه تأطيرها وتعليقها على جدار منزلهما الأمريكي!

  • أضيفت في 13 مايو 2015 الزوار : 12