الفكرة الاولى للجسر الذي يربط البوسنة والشرق ،في رواية (جسر على نهر درينا )للروائي ايفو اندريتش ولدت حين التمعت في خيال صبي العاشرة ، الذي كانه الوزير محمد باشا، ذات صباح في تشرين الثاني عام 1516 ، يوم انتزعه عنوة من ابويه الجنود الترك ، مع من انتزعوا من اطفال البلاد الذين تتراوح اعمارهم بين العاشرة والخامسة عشرة ، اذ وضع الاطفال الاسرى داخل سلال صغيرة من الاغصان المضفورة ، حملتهم قافلة خيول ، فعلى جانبي كل فرس سلة وضع فيها طفل ، مع صرة فيها شيء من الطعام ، وقرص آخر حلوى حملوها من بيوتهم ! (ومن هذه السلال المتأرجحة ، كنت ترى الوجوه الغضة المذعورة ، الباكية ، وجوه هؤلاء الاطفال الذين سيقوا عنوة ، وقد اخرجوا انوفهم من السلال ، ومدوا ابصارهم ، باحثين بلهفة ، وبضراعة عن وجوه امهاتهم وآبائهم ، متوسلين لاعادتهم اليهم) وسط حشد الآباء والأمهات والاقرباء الذين ساروا على مبعدة وراء آخر الافراس، متعثرين ،لاهثين يشيعون ويلقون آخر نظراتهم الى الصبيان الذين اخذوا الى غير رجعة وكتب عليهم ان يعيشوا في عالم اجنبي وان يعتنقوا دنيا آخر ، فينسوا دينهم وبلدهم ، واصلهم (ليقضوا حياتهم في كتائب الامبراطورية العثمانية المترامية الاطراف) ورغم ان الوزير قد تخطى الستين من عمره ، الا ان صورة ذلك اليوم البعيد ما انفكت محفورة في ذاكرته ، كالجرح العميق ، تاركة داء في جسمه ، فهو يرى الى الآن من مكانه في السلة ، النسوة كلما اقتربن من قافلة الاطفال اكثر مما ينبغي ، نهرهن فرسان الأغا ، وفرقوهن بالسياط ، وهم يندفعون نحوهن صارخين ، فيما تحاول كل واحدة منهن ان ترى لآخر مرة ، بعينيها الدامعتين راس ابنها المخطوف ، مطلاً من السلة ، وهن يبكين ، ورددت صرخاتهن اسماء ابنائهن دون توقف ، الا ان بعضهن توقفن شيئاً فشيئاً ، وقد اعياهن المسير الطويل فوق الأرض الوعرة ، وادركهن اليأس ، وطردتهن السياط ، وعندما دنت قافلة الخيل والفرسان من ضفة نهر (درينا) الصخرية الوعرة ، بانتظار المركب العتيق ، مركب (ياماك) النخر البطيء ، وعبر ساعات الانتظار الطويلة ، اخذت اجساد الاطفال ترتعد من البرد والخوف والجوع ، فوق الضفة العارية ، وروعهم اصطخاب مياه النهر الثائرة ، الهابطة بسيول عارمة من الجبل ، وسط ولولات الأمهات ، الثاكلات ، وبكائهن المرير ، وضجة سنابك الخيل وصراخ الجنود ، ولما عبر جميعهم الى الضفة الأخرى ، جلسن الأمهات على الشاطىء في هدوء ، حيث فرغ المكان من الفرسان الترك وسياطهم ، واخذن يسترسلن في البكاء ، وقد جمدهن البرد ، ليرين مرة اخرى على الشاطىء الصخري الآخر ، قافلة الخيول والجنود ، التي غدت تستطيل وتغيب رويدا رويدا ، لتختفي بأبنائهن الى الابد ، ويتذكر الوزير محمد باشا ، لكم عذبته ساعات الانتظار الطويلة وساوره الخوف وسط الرياح المعولة ، الشديدة البرد ، وزمجرة المياه المتلاطمة ، ولم تبارح خياله قط صورة (ياماك) الرجل الشاذ صاحب المركب ، ومازال صدى عويل النساء وصراخ رجال الدرك يترجعن في راسه ، ولقد تركت تلك المشاهد منذ العاشرة من عمره على جسده داء ، هو اخدود اسود يشق صدره شقين ، من حين لآخر خلال ثانية او ثانيتين ويعذبه عذابا شديدا ، اذ ارتبط هذا . الالم في ذاكرته بصورة ذلك المكان ، ورافقه الداء منذ ذلك اليوم ، ولم يتركه بعد ذلك ابدا ، حتى كبر واصبح ضابط بلاط كبير ، ثم وزيرا وشخصية مهمة في الامبراطورية ، وما برح الداء يعتريه لثوان ، حتى تنقضي الشفرة ويهدأ الألم . . وفي ذات يوم دار بخلده وخطر له انه لو اقام جسرا عظيماً فوق الضفتين الصخريتين ، لما يحمله المكان من شقاء للناس عند عبورهم نهر (درينا) ، ربما شفى من دائه الذي لازمه طوال حياته ، ومنذ تلك للحظة قرر الوزير الأكبر (محمد باشا) بناء الجسر الكبير عام 1571 حتى انقضت خمسة اعوام متواصلة من العمل ، جلبت فيها الآلآت الضخمة والأجهزة ، وبكرات البناء ، ورجال الدرك ، والمهندسون ، وسيق جميع سكان (فيشجراد) ، وزجوا بالأعمال الشاقة التي كابدوها الليل والنهار ، اذ لاقى فيها الرجال شتى ضروب العسف والانهاك ، والعناء ، على يد (عابد اغا) المشرف على بناء الجسر ، الذي اشتهر بشراسته وقسوته ، وما اختفت ابد برغم مرور الأعوام من اذهان الفلاحين والعمال قصة (اديسوف) المحزنة ، حتى تناقلها الابناء من بعدهم ، ذلك الرجل الذي جاهر في عصيانه وتمرده عن العمل ، وما فتىء يدور على الفلاحين المسخرين ، محرضا اياهم ، وجعل يعمل ما بوسعه على فل عزائمهم والتغرير بهم بترك العمل والفرار الى قراهم وحقولهم المهجورة ، بل راح يتخفى في الظلام متسللاً لتخريب منصات الجسر ، وتعطيل الاعمال ، حتى كشف امره لينتهي نهاية مروعة بأمر (عابد اغا) اذ امسك به ليضع فيه الخازوق ، مخترقاً كل جسده ، كما السيخ في الخراف ، وعذب بطريقة رهيبة تقشعر لها الابدان ، برع في وصفها المؤلف ، ثم علق فوق كتفي نهر (درينا) وبدأت تمر فوقه الاف الاقدام كل يوم ، حتى تغيرت خارطة (فيشجراد) ، اتسعت وامتدت ،واختلط فيها الوافدون ، وبات الجسر المحجة ، والمركز والمكان الاثير في نفوسهم ، يحومون حوله ، ويلتقون عنده ويجدون فيه راحتهم ، كأنه المزار يبثونه لواعجهم وآمالهم ،واحزانهم ، وافراحهم ، ولا يمكن ان يتخيلوا وجودهم دونه ، وهم ينسجون فوق سمائه عشرات القصص والحكايات والأساطير ، ونشأت فوقه اجيال جديدة ، نحت منحى الآباء ليكتسب الجسر المكانة نفسها في نفوسهم ، وما انفك المسنون يتذكرون (بيرو سولا) المعلم الايطالي المنحني الوديع الذي كان يعبر الجسر كل يوم الى منزله القريب ، والمغنون الذين كانوا يجلسون في ظلاله ، وبنت (عابد اغا) الفاتنة التي اكرهت على الزواج فألقت بنفسها من فوق الجسر ، ولا يفارق خيالهم شبح (قرة جورج) المتمرد فوق الجبل ، التي عبرت قذائف مدفعه الجسر ، ودكت المدينة ، يتذكرون الوزير (محمد باشا) والمهندس (طوسون) افندي الصامت ، و(عابد اغا) و(علي خجا) الرجل الورع التقي الذي عاصر تقلبات الأحداث . وشهد التغيرات والحروب ،وظل يرعبه تغير الناس وخروجهم عن تعاليم الدين ، الا ان جسر (درينا) بقى شامخاً ، لم تنل منه عشرات الاعوام ، وتقلبات الطبيعة ، وتغيرات البشر ،ولا الفيضانات التي اجتاحت المدينة واغرقتها ، ولا احتلال الجيوش النمسوية للبوسنة سنة 1878 ، ، ولكن ها هي الحرب تندلع فجأة بين النمسا والصرب اثر مقتل الأرشيدوق (فرانتسفرديناند) عام 1914 ، وسرعان ما الغم الجسر بالمتفجرات ، وباتت مدفعية الميدان ترسل قذائفها من اعالي الجبال في دوي متصل من الجانبين ، ونسف الجسر اخيرا بقذيفة ، وتهاوى فوق الموج المتوثب الصاخب ، وسقط معه (علي خجا) الذي عاش بقربه ورافقه طوال حياته   •· (رواية جسر على نهر درينا) نال بها المؤلف البوسني (ايفواندرتيش) جائزة نوبل عام 1961 ايفواندريتش ولد عام 1892 وظهرت له اعمال روائية عدة منها (اخبار مدينة ترافينك) و (الآنسة) وثلاث مجاميع من القصص فضلاً عن دواوين شعر ، اكثر مؤلفات ايفواندرتيش تدور موضوعاتها على البوسنة ، تروي تاريخها ابان الاحتلال التركي . اما روايته (جسر على نهر درينا) فأنها تعد قمة اثاره . .

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 42
في "جسر على نهر درينا" يبلغ طموح الروائي اليوغوسلافي "ايفو أندريتش"* إلى أبعد من التوثيق التاريخي لما يحيط بالجسر من أحاديث وحكايا، إذ نحس أن الروائي يحتفي باليومي والمتداول والعميق ليبلور صورة عالم متشعب، مسترسل، مثله مثل النهر الذي يجري في حين أن الجسر يظل شاهدا وتابتا وأبديا. وأكثر ما يميز الرواية هو مجاراتها لوعي الناس وأحاسيسهم وهو ما يؤكده الناشر: " ما أعمق نفاذ ايفو أندريش إلى النفس الإنسانية وما أقوى براعته في رسم الوجوه النفسية.." وإن يكن عالم الرواية الشاسع بتعدد الشخصيات والنزعات والثقافات (تركي، صربي، نمساوي/..مسلم، مسيحي، يهودي..*) إن يكن عالما عصيا على الإمساك فإن إفو أندريش يملك تلك الحنكة التي تجعله يوسع أفق الرواية لتكون وثيقة فنية أدبية وتاريخية وفلسفية وو.. لكن ما شد انتباهي أكثر هو ذلك الرصد المميز لطبيعة الوعي وأسس الفكر المسيطر على أهواء الناس، مما يجعلني أتساءل كيف تسنى لإفو أندريش أن يصور حركة الوعي والفكر ويتابعه في غير ما تكلف أو تحيز أو مغالاة أو ادعاء. حين فكر الوزير محمد باشا في بناء الجسر لم يكن يدري أنه يواجه بهذه الفكرة وعيا سلبيا مترسخا يعادي كل جديد، ولا يجيد إلا بناء الأساطير التيئيسية التي تعمل عملها في فكر الأجيال المتعاقبة، وحين تتعامل السلطة التركية مع هذا التيار، لا تواجهه على أساس أنه فكر سائد بل يعتبر "عابد أغا" المكلف بالإشراف على بناء الجسر أن الأمر محض تمر%DLdx فردي، لذلك فهو لا يتورع عن إنزال عقاب لا يخطر على بال بفلاح صغير " لقد أدخل الخازوق في الرجل كما يدخل السيخ في الخروف، لا فرق بين الأمرين إلا أن الخازوق لم يخرج من الفم، بل من الظهر، كما أنه لم يصب الأمعاء ولا القلب ولا الرئتين بكبير أذى.." ( ص60) هكذا فإن منظر الفلاح المخوزق أثر على الناس ليجدوا مبررات جديدة لأسطرة التاريخ. في مقطع آخر من الرواية، وفي حقبة أخرى يحتدم الصراع بين عثمان قرة مانيلا ومفتي بليفيا من جهة فهما يدعوان الناس إلى مقاومة مميتة من أجل الحياة بكرامة أو الموت بكرامة، وبين علي خجا المحبط المتشائم، وفي غمرة هذا الجو المشحون فكريا تسقط فيشينجراد بسبب وعي الناس الانتظاري. تصور الرواية الناس والأشياء وهي تكتسي معاني جديدة، ونتتبع ببط التغيرات، بناء الفنادق، الحانات، وضع فوانيس على الطريق، مد خط للسكة الحديدية، مد أنابيب المياه إلى المنازل، ظهور بورديل بالمدينة، وأمام هذه التبدلات تبدو كل مقاومة خرقاء " إن علي خجا واحد من القلائل الذين لم يقبلوا شيئا من الأشياء الجديدة، ومن التبدلات التي جاء بها الأجانب، لا في ملبسه، ولا في آرائه، ولا في اللغة.." ( ص257) تسير حركة السرد بشكل حثيث لتجعلك تعترف أن ايفو أندريش يختزن الحياة بمعناها الرحب في ثقب إبرة، وهو حين يتحسر على حياة الكابيا القديمة فإنك ملزم أن تشاركه ذلك الحنين، لأنك قد عشت تلك الحياة. ولعل أجمل ما صوره إفو أندريش هو تلك الأحاديث بين الشباب على جسر نهر درينا: "- أنت تضع العربة أمام الأبقار..يستحيل قيام أي تشكيل سياسي باق متين في أي مكان من الأمكنة وفي أي ظرف من الظروف، فلا بد أولا من تحرير الطبقات المستغلة، أي أكثرية الشعب حتى يمكن خلق الشروط الواقعية لقيام دولة مستقلة.." ( ص299) ثم ما يلبت صوت آخر أن يقول: " إن قواعد العالم وأسس الحياة والعلاقات بين البشر معينة لقرون وقرون، هذا لا يعني أنها لا تتغير، لكنها إذا قيست بمدة حياة إنسانية بدت أبدية. إن النسبة بين طولها وطول حياة إنسانية كالنسبة بين سطح النهر المضطرب المتحرك السريع وقاعه الراكن الوطيد الذي يتبدل تبديلا بطيئا لا يدرك.." ( ص309) إن كل ما تعج به الرواية هو الحياة الإنسانية وإن التغيرات هي نبض الرواية، لكن من يتحكم في هذه التغيرات؟ طبعا الروائي ينفي ويترك باختيار فيتش هذا الشاب التركي المسلم يهمس إلى نفسه: " الرغبة في التغيرات المفاجئة والتفكير في تحقيقها بالقوة يظهران بين الناس في كثير من الأحيان ظهور المرض" فهو يعتبر أن " رغبة البشر كالريح تثير الغبار من مكان إلى مكان، وقد تحجب الأفق تماما في بعض الأحيان، لكنها تهدأ في آخر الأمر وتزول مخلفة وراءها الصورة القديمة الأبدية للعالم" ( ص310) في مقطع آخر من الرواية يجري نقاش فكري محتدم بين شابين مثقفين هما "ستيكوفيتش" و" جلاستشاتين" يكشف النقاش الخطوط العريضة لفكري طلابي ساد حينها: " التقدم التكنيكي والسلام النسبي في العالم قد أوجدا نوعا من الهدوء المؤقت، أوجدا جوا خاصا مصطنعا غير واقعي يتاح فيه لطبقة من الناس، هي طبقة أولئك الذين يسمون بالمثقفين، أن تنصرف بحرية إلى اللعب بالأفكار، لعب المتعطلين اللاهين.." ( ص314) عند هذه الحدود يضعنا الروائي أمام نتيجة مخيبة وهي أن ما يشهده الطلبة الشباب من تنوير ما هو في حقيقة الأمر إلا لعب بالأفكار وأنه لا صلة حقيقية بين الفكر والواقع، وهو ما يؤكده جلاستشاتين مخاطبا ستيكوفيتش: " الواقع أن العجلات التي تدور في رؤوسكم ليس لها أي صلة بحياة الجمهور ولا الحياة العامة"( ص314) هكذا تنجح الرواية في تحليل واقع فكري، فهي تحاول أن تستوعب ما أمكن الحياة اليومية وتصور لنا أيضا كيف ينظر إلى هذه الحياة. وهو الأمر الذي نبهت إليه لوتيكا العجوز اليهودية صاحبة الفندق حين فكرت بعمق: " كأن الجيل الجديد يهتم بنظرته إلى الحياة أكثر من اهتمامه بالحياة نفسها" ( ص325) يـــــــعيش - الشخصية الورقية (الجيل الأول)-----------------------------------------◄ الحياة. يعيش ينظر - الشخصية الورقية(الجيل الثاني) ----------------◄الحياة -----------◄ إلى الحياة. يعيش وينظر - القارئ -----------------------------------------------◄ إلى الحياة. حين نطالع رواية " جسر على نهر درينا" يبدو لنا السرد في أكثره نسبيا، وتلك احترافية من طرف السارد حتى يظهر الآفاق الشاسعة للسرد موازاة مع آفاق الواقع اللامتناهية، ولذلك فلكل شخصية موقف. أحمد أغا شيتا ظل راسخا على موقفه من الجسر فهو لا يصدق أنه بالامكان أن تأتي فكرة الجسر بالخير على المدينة فنجده يصر قائلا" انتظروا لسوف ترون ماذا يبقى من الجسر حين يجيء الفيضان.." ( ص79) لرجال الدين أيضا مواقف، فقد كان الاحتلال النمساوي امتحانا عسيرا لهم فأبان القس نيقولا والملا ابراهيم والحاخام اليهودي عن وعي الادعان والرضوخ لأي ريح قوية. العجوز لوتيكا انتهى بها المطاف لأن تقول بنبرة حزينة : " جاء الزمن الأخير، الزمان الذي ليس فيه نظام ولا قانون..." ( ص326) عادة ما يكون أقصى طموح الرواية هو تصوير شخصية لغز أو الاحتفاء بقضية مهمة، لكن طموح رواية الجسر كان أبعد من ذلك، إذ هي رواية تسبر أعماق الحياة الإنسانية خلال مسيرة قرنين، لذلك فهي لا تقتصر على تصوير عالم ما بنظرة أحادية، بل تنظر إلى الكون بعيون لا حصر لها. إن رواية الجسر رواية تتعدد فيها العوالم والشخصيات والرؤى.. فتبرز غنى لا مثيل له. وتجعلنا نفكر مليا في الإمكانات التي يختزنها جنس الرواية لتطويق كل شيء. · رواية " جسر على نهر درينا" ايفو أندريش –ترجمة الدكتور سامي الدروبي- دار الوحدة- الطبعة الثالثة 1981 · إيفو أندريش: ولد بمدينة ترافنيك بالبوسنة سنة 1892، ينتمي إلى أسرة كاثوليكية يعمل أفرادها في الحرف والتجارة، توفي أبوه فجأة ، ولما يتجاوز الثانية من عمره، فلجأت أمه التي ترملت في الحادية والعشرين إلى أهل لها بمدينة فيشيجراد، وفيها قضى إيفو طفولته واختلف إلى المدرسة الالبتدائية ثم أتم تعليمه الثانوي بسراييفو حيث قضى شبابه وتابع ايفو دراسته الجامعية في جامعات زغرب وفيينا وكراكوفيا حيث تخصص في التاريخ واللغات السلافية . اعتقلته السلطات النمساوية عام 1914 لانتمائه إلى منظمات الشباب القومية الثورية، بعد السجن فرضت عليه الإقامة الجبرية إلى حين صدور عفو عام عنه سنة 1917 فتابع دراسته ليحصل على درجة الدكتوراة من جامعة جراتش. بعد ذلك سينتس إيفو أندريش للسلك الديبلوماسي ليتاح له أن يقضي مدد طويلة وقصيرة في عواصم ومدن أوروبية مختلفة.ومن عام 1993 إلى 1941 سيعين وزيرا ليوغوسلافيا في برلين، ولم تصرف الديبلوماسية ايفو عن الأدب إذ نشر بدءا من عام 1918 يومياته ونشر نثرا غنائيا بعنوان "قلق" وقصص "طريق عالية دييرزبليز" و"أقاصيص جديدة" حتى عرف بكونه قصاص. ومن أبرز أعماله الروائية " أخبار ترافنيك" و"الآنسة". أما رواية " جسر على نهر درينا" فقد استحق عليها جائزة نوبل سنة 1961. 

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 43
صدرت حديثاً عن «دار الجمل» (بيروت) رواية «فُوّة يا دم!» للكاتب العراقي سمير نقاش... والعنوان استعارة صيغت على شكل نداء من نداءات الباعة، فالفوّة نبات أحمر السيقان، يُستعمل في الصباغة، أما الدم فسلعة يُنادى عليها في الأسواق تشبيهاً بهذه النبتة الحمراء للترغيب فيها! تدور أحداث رواية سمير نقاش، في العاصمة العراقية بغداد أواخر ثلاثينات القرن العشرين، حول ثلاثة رجال من عامة الشعب البسطاء، يجابه كل منهم ذات صباح يوم أحد مشهود تجربة غيبية رهيبة مروعة، فيأتي الثلاثة إلى دكان شاي خليف ليستفتوا أخاه سَفاني، الثائر المتمرد على أخطاء الكون، عرّافهم الأكبر وكاهنهم الأعظم، في ما عانوه وشاهدوه، لكنهم عوضاً عن أن يلتقوا بسفاني (بطل الرواية)، تطالعهم كف دموية مبصومة على طاولة الدكان، فيتوقف بهم الزمن عند يوم الأحد ذاك. من العنوان مروراً بالنص، يتبين أن معرفة الروائي عميقة بتأريخ العامية العراقية بمختلف مشاربها، ما يجعل القارئ أمام معجم لمفردات بغدادية تحتاج شرحاً وتمعناً (ربما تضجر القارئ). يُذكر أن رواية نقاش «نزولة وخيط الشيطان» بمثابة رائعة أدبية وقاموس شامل للعامية العراقية، وفيها قسّم المؤلف الصفحة الى نصفين، الأول لنص الرواية والثاني لشرح الألفاظ العامية العراقية... نقاش هو اليهودي (العربي) الذي أجبرته السياسات القبلية على الهجرة الى إسرائيل والعيش في المنافي بين الهند وإيران وبريطانيا وإسرائيل، وبحسب كثر من محبي كتاباته تدل اللغة في رواياته على زمن عراقي ضاع في غفلة كأنه يرثي بغداد المدينة التي أمضى فيها طفولته، وهو الذي سطّر العامية «الإسلامية واليهودية» في رواياته هذه بعناية وحب ودعمها بالشروح اللازمة لمن لا يفهم لهجاته، وهو أيضاً اهتمّ بتراث العراق، خصوصاً في رسالته للدكتوراه التي كانت بعنوان «الجن وكافة القوى الغيبية في معتقدات يهود بغداد»، وقدّم حكايات الطفولة البغدادية في جريدة «المؤتمر» بخمس حلقات ومقال عن الزلابية والسمبوسك، وأخرى عن حلوة العيد وأغنية العرس والأسطورة وبحث عن أبي نواس وحبه لجنان، وأخرى عن الحكاية الشعبية وقصة أطفال وقصة هزلية ومقال عن الدراسة التقليدية في العراق، وأخرى عن ممارسات سحرية بغدادية. وفي هذا المجال يقول نقاش: «هل يمكن لأحد أن يخرج من جلده؟ أنا كإنسان، عراقي أصيل بكل جوارحي، أحمل تاريخاً شديد القدم من العراقية، تكويني كله عراقي، لغتي، عاداتي، الطعام الذي أحبه، الموسيقى التي أفضلها، الأناس الذين أرتاح إليهم، ذلك كله عراقي بحت. أما ككاتب فأعتقد أن على كل كاتب أن يطمح إلى الشمولية الإنسانية والعالمية». نقاش اليهودي الذي أصر على تدوين أفكاره بالعربية، يعتبر «اللغة هي أقوى أدوات الكتابة»، ويضيف: «ليس بمقدوري استحضار الكلمات مثلما أستحضرها من لغتي العربية، ولهذا أنا وصلت الى ما لم يكن بمقدورهم الوصول إليه». وهو يرى أن ما يكتبه من مفردات هو لغة البغداديين العباسية، وأن اليهود ظلوا يتداولونها حتى في مهاجرهم ومنافيهم. وُلد نقاش في بغداد عام 1938 وعاش طفولته الأولى في حي البتاوين بين القصر الأبيض وساحة النصر. وهو ينتمي إلى أسرة بغدادية يهودية، تنحدر بنسبها إلى بداية العصر العباسي. يقول نقاش إن مهنة جده الصائغ وإتقانه النقش الفني، هما اللذان أعطيا العائلة اسمها الجديد. ويفتخر بأن جده هو الذي نقش منائر جامع الكاظمين السبع. بدأ نقاش تعليمه في مدرسة تابعة للطائفة اليهودية في بغداد، وانتقل منها إلى مدرسة مدنية يملكها أستاذ لبناني. عام 1941، وقعت اضطرابات «الفرهود» ضد اليهود العراقيين، وكانت بداية سلسلة من الحوادث تواطأ فيها جهل العامة مع تصميم الوكالة اليهودية على تهجير اليهود العراقيين بأي ثمن إلى إسرائيل. وفي عام 1950 قررت الحكومة العراقية إسقاط الجنسية العراقية عمن يرغب منهم وتسهيل سفره إلى إسرائيل. فغادرت عائلة نقاش مضطرة إلى إسرائيل في عام 1951 وسمير لم يتجاوز الثالثة عشرة من العمر. ومنذ وصولها إلى إسرائيل واستقبالها في مخيمات اللاجئين، حاول والد سمير بشتى الوسائل مغادرة الدولة العبرية من دون جدوى. يقول سمير نقاش: «قرار مغادرة إسرائيل ليس فجائياً، ولا علاقة له بالسياسة ولا بالأدب. إنه قرار قديم منذ وطئت أقدامنا أرض إسرائيل، قررت العائلة مغادرتها. وبذل والدي مجهوداً جباراً مع مجموعة من مثقفي العراق للخروج، بيد أن إسرائيل أحبطت كل هذه المحاولات، ولم يصمد والدي أمام هذه الصدمة، فمات مبكراً عام 1953 إثر نزيف في الدماغ». بعد عام من ذلك، حاول سمير مع ابن عم له مغادرة إسرائيل على الأقدام إلى لبنان، لكن السلطات اللبنانية اعتقلته وأودع السجن ستة أشهر وأعيد بعدها إلى إسرائيل التي اعتقلته بدورها خمسة أشهر وعذّبته بتهمة الجاسوسية. في بريطانيا، أقام نقاش لمدة أربع سنوات وعمل في إحدى صحف المعارضة العراقية. ومع انتقال هذه الصحيفة مع كثير من كتابها إلى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، ضاقت السبل في وجهه وصعبت عليه تكاليف المعيشة والعلاج في بريطانيا فعاد إلى إسرائيل مضطراً وموقتاً، لكنه مات بعد أقل من شهرين من وصوله إلى بلدة بتاح تكفا أو «بيت التقوى» كما كان يصر أن يسميها بإسمها الأصلي. من قصصه - «أنا وهؤلاء والفصام» - قصص عراقية 1978. - «نزولة وخيط الشيطان» - رواية عراقية 1986. - «قوة يادم» - قصة عراقية 1957. - «الرجس» - رواية 1978. - «عورة الملائكة» - رواية عن «دار الجمل» في ألمانيا 1991. - «شلومو الكردي وأنا والزمن» – روايته الأخيرة صادرة عن «دار الجمل» عام 2004.

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 19
كتاب آخر عن القراءة لقارئ حقيقي هو البرتو مانغويل، تعرفنا عليه ـ في العربية ـ في كتابه السابق «تاريخ القراءة»، ويواصل فيه وصف علاقة العشق التي تربطه بالكتاب، خلال رحلة بين الكتب الأثيرة، نطالع فيها «تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة»، وهذا هو العنوان الفرعي الذي يحمله الكتاب. كتب قرأها حين كان يافعا، فقرر اعادة قراءتها خلال عام واحد، اثنتا عشرة رواية من الروايات المفضلة، واحدة في كل شهر. لم تكن كل هذه الكتب من الأعمال الأدبية الهامة، لكنه اختارها لأنها منحته ، في قراءاته الأولى، متعة فريدة وارتبطت بتجربته الشخصية، وأغلبها من الأعمال الكلاسيكية، من تلك الكتب التي عادة ما تسمع الناس يقولون انهم يعيدون قراءتها، ولا تسمعهم يقولون انهم يقرأونها، حسب تعبير كالفينو. يبدأ مانغويل «يوميات القراءة» في شهر حزيران عام 2002، في طريقه الى مسقط رأسه بوينس ايرس، مع مواطنه الروائي الأرجنتيني ادولفو بيوي كاسارس وينهيها في ايار من السنة التالية مع ماشادو دي اسيس. ومثل ريلكه ـ الذي يتحدث عنه كقارئ في «تاريخ القراءة» ـ فإنه يرى النص «كمكان اسقاطي لمشاعرنا الشخصية وكلعبة لظلال انفسنا»، فهو حين يسجل انطباعاته الشخصية على الكتب التي يعيد قراءتها فإنه يرى فيها «انعكاسا للفوضى السوداوية» التي تسود عالمنا، كما في الانهيار الاقتصادي في الأرجنتين عام 2001 والحرب في العراق عام 2003 . وهو اذ يسافر الى مدن مختلفة خلال العام، فإنه يدون افكاره عن القراءة وعن المكان الذي يقرأ فيه ساعيا لإيجاد رابط لقراءاته هذه مع الحياة اليومية، حيث شاء لكتابه ان يكون، كما يورد في المقدمة، هجينا من المذكرات الشخصية والكتاب العادي. يقودنا مانغويل في «يوميات القراءة» في رحلة اكتشاف الى المدن التي يسافر اليها حاملا معه كتابه الأثيرين: كبلنغ وغوته وسرفانتس وبوتزاتي ، راويا الذكريات التي تستدعيها كتبهم ، وعلاقته مع الكتب التي تضمها مكتبته، الذي يسكنه دائما هاجس العودة اليها والى بيته في فرنسا خلال تطوافه. نتعرف على شخصياته الأدبية الأثيرة، وعلى روايات الخيال العلمي والروايات البوليسية التي بدأ بها قراءاته في الطفولة. في هذا الكتاب يتحدث مانغويل عن الحنين لتلك القراءة العذرية، أو كما يدعوها «القراءة الساذجة»، الحنين لقراءاتنا الأولى، حيث كنا نجهل ما سنقرأ لاحقا، لهذا فهو لا يروي لنا حبكة الروايات التي يقرأها، كي لا يفسدعلينا «متعة الجهل». وهنا فصل من الكتاب: هناك كتب نتصفحها بمتعة ناسين الصفحة التي قرأناها ما أن ننتقل الى الصفحة التالية. اخرى نقرأها بخشوع دون ان نجرؤ على الموافقة او الاعتراض على محتواها. وأخرى لا تعطي سوى معلومات ولا تقبل التعليق. وهناك كتب نحبها بحنان ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب. القراءة عبارة عن محادثة. مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما من اذهانهم، لأن القراء يتورطون ايضاً بحوار مشابه يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة. في الغالب لا يدون القارئ ردود افعاله، لكن احياناً تنتاب قارئ ما رغبة بإمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص. هذا التعليق، هذه الهوامش، هذه الكتابة الظل التي ترافق احياناً كتبنا الاثيرة توسع من النص وتنقله الى زمن آخر، تجعل من القراءة تجربة مختلفة وتضفي واقعية على الاوهام التي يخبرنا بها الكتاب ويريدنا (نحن قراءه) ان نعيشها. قبل سنتين مضت، وبعد بلوغي الثالثة والخمسين قررت ان اعيد قراءة بعض من كتبي القديمة المفضلة. وقد دهشت مرة اخرى، حيث الاحظ كيف تبدو هذه العوالم المتراكمة والمعقدة من الماضي انعكاساً للفوضى السوداوية التي يحياها عالمنا الحاضر. قد يلقي مقطع في رواية فجأة الضوء على مقالة في صحيفة يومية، ومشهد معين يمكن له ان يستعيد حادثة شبه منسية، وكلمات قليلة يمكن لها ان تحث على تأملات طويلة. لهذا قررت ان اسجل مثل هذه الملاحظات. خطر لي حينها بأن اعيد قراءة كتاب واحد في كل شهر، ربما بعد سنة اكون قد اكملت شيئاً هو هجين من المذكرات الشخصية والكتاب العادي: مؤلف يشتمل على ملاحظات وتأملات وأدب رحلات، وصور وصفية لأصدقاء ولأحداث عامة وشخصية مستلهمة كلها من قراءاتي. لقد وضعت قائمة بالكتب التي اخترتها. بدا لي من المهم، ومن اجل التوازن، ان يكون هناك قليلاً من التنوع من كل شيء (وبما اني قارئ انتقائي، لأن هذا الامر لم يكن صعباً). القراءة هي فعل مريح، منعزل، هادئ وحسّي. سابقاً تقاسمت الكتابة بعض هذه الميزات، لكنها في الوقت الحاضر اكتسبت شيئاً من صفات المهنة القديمة للبائع المتجول او ممثل الفرجة، فالكتّاب يدعون من أمكنة بعيدة لتمضية ليلة عابرة، وبدلاً من ان يبيعوا مجلدات دائرة المعارف فإنهم يطرون على فضائل كتبهم الخاصة. بدافع هذه الواجبات بالأساس، وجدتني اسافر الى مدن مختلفة، لكني كنت دائماً مسكوناً برغبة العودة الى منزلي في القرية الفرنسية الصغيرة حيث هناك كتبي وعملي. يفترض علماء الطبيعة بأن الكون قبل نشوئه كان في حالة طاقة كامنة، حيث الزمان والمكان لا وجود لهما ـ "«في ضباب الامكانية»، كما يحلو لمعلق ما ان يدعوها ـ الى ان حدث الانفجار العظيم. هذا الوجود الكامن لا يجب ان يفاجئ القارئ، الذي يكون كل كتاب بالنسبة اليه كائناً في حالة من الغموض حتى تبادر اليد الى فتحه والعين الى مطالعته وتوقظ الحياة في الكلمات. الصفحات القادمة هي محاولتي لتسجيل مثل هذه الايقاظات. 2002ـ حزيران ـ السبت لم يمض على اقامتنا في فرنسا سوى اكثر من عام بقليل. والان علي ان اسافر الى بوينس ايرس لزيارة عائلتي هناك. ليس بي رغبة للذهاب، اريد ان اتمتع بفصل الصيف في القرية وفي حديقتي وفي البيت الذي يظل بارداً في موسم الحر بفضل جدرانه السميكة القديمة. اريد ان انضد كتبي في رفوفها التي بنيناها حديثاً. ارغب ان اجلس في غرفتي كي اعمل. في الطائرة تناولت نسخة من كتاب ادولفو بيوي كاسارس «اكتشاف موريل»، حكاية رجل ينزل في جزيرة يكتشف انها مسكونة بالاشباح. كتاب قرأته للمرة الاولى منذ ثلاثين او خمسة وثلاثين عاما. هذه هي زيارتي الاولى لبوينس ايرس منذ أزمة كانون الاول عام 2001، حينما تم فك عملة البيزو عن الدولار، الامر الذي ادى الى انهيار الاقتصاد وافلاس آلاف الناس. في وسط المدينة لا يبدو للعيان ما يشير الى الكارثة سوى في حشود الكارتونيروس ـ رجال ونساء واطفال يملأون الشوارع، قبل هبوط الليل، هاربين من الجوع في جمع القمامة من ارصفة الشوارع ـ. ربما اغلب الازمات الاقتصادية لا تكون دائماً واضحة للعيان اذ ليس هناك من مشاهد تثير الشفقة تساعدنا على ان نرى الخراب. معظم المحلات مغلقة، ويبدو الناس منهكين، والاسعار تجاوزت الحدود، لكن على العموم تأخذ الحياة مسارها فالمطاعم ممتلئة، ولا تزال المحلات تكدس في مخازنها البضائع المستوردة الغالية. مع هذا سمعت مصادفة امرأة تشكو قائلة: «لا استطيع العثور على اسيتو بالساميكو في اي مكان»، والمدينة تبقى صاخبة الى ما بعد منتصف الليل. لا يمكنني ان ارى بعين سائح، في مدينة كانت في يوم مدينتي، تكاثر احياء الصفيح ولا المستشفيات التي تفتقر الى التجهيزات الطبية، ولا الافلاس، ولا الطبقة الوسطى وهي تنضم الى جموع الفقراء الواقفين بالدور للحصول على حساء الدجاج. اراد اخي ان يشتري لي تسجيلاً جديداً لترنيمة باخ. وقفنا عند خمس آلات لصرف النقود قبل ان نعثر على واحدة منّت علينا ببضع ورقات. سألته ماذا سيحدث لو لم تكن هناك من آلة قادرة على الصرف، اجابني بأن هناك دائماً واحدة لديها ثقة سحرية بالناس. تبدأ «اكتشاف موريل» بعبارة، اصبحت الآن مشهورة في الادب الارجنتيني: «اليوم، وعلى هذه الجزيرة، حدثت معجزة». يبدو ان المعجزات في الارجنتين اصبحت ظاهرة يومية. راوي بيوي كاسارس: «هذه ليست هلوسات او اوهاماً: أناس حقيقيون فحسب، على الاقل حقيقيون مثلي انا»،حسب بيكاسو، لأن كل شيء كان معجزة، وهذه كانت معجزة لم يتمكن المرء من حلها في حمامه.

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 21
لفت انتباهي صديق مثقف ، أثق بملاحظاته الى كتاب ، البرتو مانغويل " يوميات القراءة " وهي تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة ، ترجمة الأستاذ عباس المفرجي ، وهذا واحد من الكتب التي حرصت على التباطؤ بقراءتها ، لأني أريد فضاء اكبر من المتعة والدهشة ، فوجدت نفسي في فخر يوم أعود إليه حتى انتهيت منه ، وكنت سعيداً ولم اشعر بشيء من الخسران لأني حصلت على كتاب أخر له من القاهرة " تاريخ القراءة " من بغداد " المكتبة في الليل ". " يوميات القراءة " خبرة في التلقي والتقاط ما هو جوهري في القراءات التي لا يتركها مانغويل بعد أحدى يومياته ، بل تظل كامنة ، تختفي ، وبعد أيام يعود إليها ، لان يومية جديدة تنمو على الرغم من قصرها وتستحضر بعضاً من تلك اليومية . وأكثر ما هو في يوميات مانغويل علاقته الحقيقية والعميقية مع غوته وسرفانتس وكافكا ، كان لهم حضور ساحر ، مثير للدهشة والانبهار وكانت هذه الأسماء متمركزة لا تغادر نهائياً ، بل يستدعيها لحظة ما يكون الاستدعاء ضرورياً وملهمها له كي يكتب جملة مركزة ، ومشحونة بالتوتر . توصل مبدع مثل مانغويل لمفهوم خاص  به عن القراءة ، حيث تعامل معها بوصفها محادثة ، تماماً مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه بمكان ما في أذهانهم ، فان القراء يتورطون أيضا بحوار مشابه . هذه العلاقة الحوارية المتبادلة بين مانغويل والكتب التي قرأها أول مرة او ثاني مرة ولاحق ملاحظاته عليها ، هي التي حفزته على تدوين يومياته القصيرة ، المركزة للغاية . لكني تيقنت بان مانغويل في " يوميات القراءة " اقترح نمطاً فريداً من العلاقة الثقافية مع الكتاب وشخوصه ومع مبدعه ودائماً ما كشف يومياته غير المذيلة بتواريخها ، مكتفياً بأيامها فقط ـ بأنه طرف حيوي في أنتاج مفهوم شخصي عن الكتاب الذي يقرأ أو عديد من المفاهيم التي لا يتركها سائبة ، او مكتفياً بإشارة لها ، بل يعاود استحضارها ، ويضيف إليها جوهرة أخرى من كتاب او قصة او رواية كلاسيكية ، هذه السياحات خارجة عن النسق الزمني ، حتى يوفر لنفسه حرية ويطوف وسط فضاءات واسعة ويغور في أعماق التاريخي ، ليضع نصاً قصيراً مجاوراً يكمل النص المختار من مصدر ثقافي معاصر . وكأن مانغويل معني بوحدة الفكر الإنساني والجهد الإبداعي والتناغم الموجود وبين المراحل والفترات التاريخية الطويلة . وما يثير الدهشة في هذا النمط من اليوميات هو الذاكرة اليقظة التي يتمتع بها هذا المبدع الكبير ، كذلك أنا أثق بان يومياته لم تكن آنية / ولحظية ، بل هي قصدية ، بمعنى خاضعة للاختيار والتسجيل ، وربما ضمن تصنيفات خاصة به ، لان مشروعه الخاص بالقراءة والمكون من أربعة كتب ، أخرها فنون القراءة ، هي نوع من علاقة فريدة بين ذاكرته وحساسيته في التقاط جوهريات ما يريد الوصول إليه كي يضيفه الى فضاء ما ، هو وحده يعرفه ، ومن اجل إيضاح هذه الملاحظة الفنية ، ذات العلاقة ببنائية اليومية ، استطيع الإشارة الى مانغويل معني بالعراق وبحضارة وادي الرافدين وتنوع مراحله التاريخية ، يستدعيها عندما يجد ضرورة ذات قيمة عالية ، لذا دائماً ما التقط ما يفيده من ذاكرته الخاصة بالعراق القديم ، واعني بذاكرته ما هو مدون عنه / العراق . لذا على سبيل المثال وردت أشارات متنوعة من خزانة العراق ، موزعة بين أهم ملحمة في تاريخه وبين العديد من الوقائع السياسية والدكتاتوريات في العالم ، حيث للعراق مكان متسع بينها . وهذه الخزنة العراقية تستحق مني مقالاً بعد ما انتهي من هذا النمط الإبداعي الحاضن لكثير من الملاحظات والالتقاطات عن العراق  . واعتقد بان هذا النوع من العلاقة الثقافية المغايرة / والمختلفة عن المألوف لنا منذ عشرات السنين متآتية من كونها ـ القراءة ـ فعل مريح ، منعزل ، هادي وحسّي . وقبل ان يدخل في جمال يومياته وعمقها ومتشاكل بعضها مع العديد منها ، ( لكنه تشاكل خاطف ، وتداخل شعري فيه من السحرية الأخاذة ) قال رأياً في غاية البلاغة والفصاحة والقدرة على الانفتاح على ما هو غير متوقع ، وكثيراً ما تتوفر القراءة على مثل هذا وسأستعير أخر ما قاله في مقدمة " يوميات القراءة " التي تبدّت لي بأنها اختصار فريد من نوعه ، وتركيز لأبتداء لحظات غير معاشه منحها روحه وكيانه ، كي تصطف متجاورة مع السطور القليلة التي كتبها ليومياته التي هي اقصر ما عرفت في هذا المجال وأرجو أن لا يستغرب القارئ من ملاحظاته المثيرة للدهشة عندما أشار للعالم الهيولي ، حيث لا زمان ولا مكان وعلاقة ذلك بتحقق ملحمة الخلق والتكوين ومن حقي ان افترض التكوين السومري ، لأنه أول هذه الملاحم في عتبات التاريخ الإنساني . هذا التحول والانفجار هو الكاشف عن أسرار النشوء الجديد الذي لا يختلف عن تكونات نشوء جديدة خلقتها القراءة . قال مانغويل : حدث الانفجار العظيم . هذا الوجود الكامن يجب أن لا يفاجئ القارئ ، الذي يكون كل كتاب بالنسبة إليه كائناً في حالة من الغموض حتى تبادر اليد الى فتحه والعين الى مطالعته وتوقظ الحياة في الكلمات . الصفحات القادمة هي محاولتي لتسجيل مثل هذه الايقاظات ص7 لاعترافات مبدع كبير ، وليس رجل لاهوت مثل القديس او غسطين ، وليس صعباً أدراك ايقاظات محاولاته في الكشف والالتقاط . وما يؤكد كلامي الذي ذكرته قبلاً ، عن الجهد في القراءة او أعادتها مرة أخرى وتدوين الايقاظات الصاعدة لحظة القراءة والإمساك بها في نظام خاضع لترتيب دقيق لها في سجل معين ، أنها قصدية مانغويل في الإعلان عن مهاراته وقد يوحي عنوان كتابه هذا بيومية الكتابة . لكن هذا أمر مستحيل بالنسبة لما نغويل الذي يكتفي بيومين او ثلاثة أيام في الأسبوع لتسجيل يومياته ، أنها ابداعته غير المختلفة تماماً عن تحققات إبداعات أخرى . ولأنه كما ذكرت مبدع من نوع خاص جعل من بعض يومياته حكايات ، طافحة بالمتعة والتسلية والتغذية بالثقافة والمعرفة ويحاول دائماً أشراك قارئ يومياته بالمجوهرات التي يلتقطها من يوميات غيره من الأدباء الكبار وكأنه يقصد ما يفعل بشكل جيد ، يريد نوعاً من التحادث معنا ، نحن الذين لا يعرف شيئاً عنا ، وهذا ما المح له في بداية يومياته ، عندما اعتبر القراءة نوعاً من المحادثة ، ولم يكتف بذلك بل ذهب لإيضاح تخيلاته عن المكتبة التي يربد ويحلم بها وقال في كتابة " مكتبة في الليل " : الشكل الذي اخترته ينشط عاداتي في القراءة ص 115 . لم يتجاهل البرتو مانغويل الزمن وحركته المستمرة وهو يعيش متعات الحياة العديدة ، وأكثرها القراءة . ويعلن عن نوع من الحزن والإحباط ، لأنه يرى ما هو محبب إليه يبتعد عنه يوماً بعد أخر " أرى التغيرات القاسية ، وكلما تقدمت في العمر ، كلما صارت التغيرات أسرع : أصدقاء فقدوا ، مناظر طبيعية تغدو ركاماً . أريد لأصدقائي ان يكونوا هنا دائماً ، اريد للمكان الذي أحب أن يبقى كما هو / ص 135. دائماً ما يظل مانغويل محتفظاً بما اندهش من قراءته . فتبقى كامنة ، ملتمعة ، تومئ بين فترة وأخرى ، بحيث تشكل هذه اليوميات عدداً من الحكايات ، تنمو بهدوء وتكبر متسعة وتحوز ما يجعل منها سردية حية / يقظة ، قابلة للاتساع وتكاد يوميات قراءة مانغويل ان تكون مجموعة من وحدات قليلة ، ظلت حاضرة ، متشجرة . وهنا مهارة هذا المبدع في صياغة مشتركات ، هو وحدة يعرف كيف يستحضر مكملات لها ، حتى تبقى سردية ماهرة . 

أضيفت في 18 يونيو 2015 الزوار : 24