بعد قراءة هذه الرواية أنتابني شعور غريب، لقد اعتدت جو الغموض والمغامرة. بعد الإنتهاء من قراءة الرواية شعرت وكأن هناك ما انتزعني من هذا العالم الذي ألفت وحشته وشعرت أنني فعلا لا أريد الرحيل عنه. هذه أول مرّة أقرأ رواية هكذا. فعلا يحبس الأنفاس ولتحميل الكتاب أيضا إليكم الرابط التالي https://www.slideshare.net/HidieAli/ss-78731672

أضيفت في 04 سبتمبر 2017 الزوار : 1
من آن لآخر أعود لكتب سبق أن قرأتها، ذلك أن بعض الكتب لا تمر عليك بشكل عابر، وإنما تحجز لها مقعدا في صدارة الذاكرة. وها أنا أعود إلى "العاشق" لمارغريت دوراس، تلك الرواية التي تنتمى كاتبتها إلى ما يسمى "الرواية الجديدة" التي فازت بجائزة غونكور الأدبية عام 1984. ومن سمات الرواية الجديدة كما جاء في كتاب "نحو رواية جديدة" الذي ترجمه مصطفي إبراهيم أنها رفضت فكرة الشخصية والحكاية والإلتزام، وأن التفسيرات ستكون غائبة ومفترضة في مواجهة البطل، وأن على اللغة الأدبية أن تتغير، وأنه ليس هناك أي عمل من الأعمال الأدبية المعاصرة يتفق والقواعد النقدية الثابتة، وإنه يلزم لتفهم وتناول الرواية الجديدة، ناقد له مفرداته اللغوية الخاصة التي تتناسب ولغة ومفاهيم هذا اللون من الرواية. أما مارغريت دوراس، فهي كاتبة من طراز فريد، تنوعت كتاباتها بين الأدبية والسينمائية والمسرحية طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا يكفي ليجعل من رواية "العاشق" رواية ممتعة برغم قصرها "90 صفحة تسبقها مقدمة بعشرين صفحة للمترجم محمود قاسم" ونحن هنا نتناول الرواية بطبعتها الثانية الصادرة عام 2005 عن وكالة الصحافة العربية بالقاهرة. تبدأ دوراس روايتها بضمير المتكلم عن امرأة عجوز تعيش تجربة ذاتية، وتقص علينا التجربة كما لو أنها سيرة ذاتية. بل إن بعض النقاد يعد رواية "العاشق" سيرة ذاتية لكاتبتها، فهذا بيير بييارفي يكتب في مجلة لوبوان: إن مارغريت دوراس لم تحدثنا أبدا في رواياتها السابقة عن نفسها، ولا عن شيء منها، وإنها اختارت أن تفعل ذلك وهي في سن السبعين. وفي المجلة نفسها يقول جان بيير آميت: إن مارغريت دوراس لا تصنع الكتب، ولكنها تعيش في الكتاب مثلما يعيش الإنسان داخل شعائر دينه.. كل فقرة من الرواية تحمل شحنة من التجربة. العجوز التي تبدأ بسرد حكايتها تنقلنا بعد أسطر قليلة إلى زمن آخر، لمجرد أنها التقت رجلا في قاعة عامة، قال لها إن جميع الناس كانوا يرونها جميلة حينما كانت صغيرة، أما هو فيراها الآن، وهي عجوز، أكثر جمالاً مما كانت عليه وهي شابة. أعادها ذلك الكلام إلى طفولتها ومراهقتها الأولي.. ثم شعورها بالشيخوخة.. فراحت تفتح دفتر أيامها لتطلع القارئ على أشياء مرت في حياتها سريعا، وأشياء أدمنتها وترسخت في ذاكرتها.. ترى متى يشعر الإنسان أن الشيخوخة بدأت تدب في جسده وذاكرته؟ الجواب الطبيعى على هذا السؤال هو: بعد أن يقطع الإنسان مسافة طويلة من العمر.. ولكنه ليس جوابا قطعيا. ذلك أن البعض يشعر بالشيخوخة وهو في مقتبل العمر، وبطلة مارغريت دوراس من هذا "البعض" فقد شعرت بالشيخوخة وهي في الثامنة عشرة من العمر. اختصرت مرحلة الشباب على نحو مفاجئ وقبيح. راحت تحرث في الوجه وفي الروح، وتجعل النظرة أكثر حزناً. بين السيرة الذاتية وأحداث الرواية خيط رفيع لا يراه القارئ بسهولة نظراً لدقته؛ فتجارب البطلة في كثير من الصفحات هي تجارب الكاتب ذاتها. وعلينا أن نتعامل على هذا الأساس حتى آخر سطر كما ورد في بعض الكتابات النقدية. وكما جاء أيضا في مقدمة المترجم. ولا بأس أن نوحد في كلامنا بين البطلة ودوراس التي تقول عن أمها أنها امرأة جادة تدفع أولادها بكل قوة إلى متابعة دراستهم، وتعمل دون كلل من أجل توفير الأجواء، لذلك الهدف. ولكنها في نهاية الأمر لن تفلح كما سنرى في صفحات الرواية. يرحل الابن الأكبر إلى باريس للدراسة لكنه يخيب أمل الأم فتعمل جاهدة على منع البنت والابن الأصغر من السفر. إنها أم كما تصفها الكاتبة أشد بأساً من البأس. يستأثر الابن الأكبر بحبها وعواطفها فتشعر البنت بالضغينة تجاهه، بل تتمنى لو تقتله: تنتابنى الرغبة في أن أقتل أخي.. كم وددت لو أقتله، وأشعر أكثر من مرة أن لى الحق في قتله.. إن أمي احبته بشدة وبشكل يسيئ إلينا. ولذلك، ولأسباب أخرى قررت البنت الرحيل. وضعت حلمها على راحة يدها وسترحل. إنها تريد أن تمتهن الكتابة: أخبرت أمي بهذا، إنني أريد أن أكتب. في المرة الأولى لم ترد، ثم سألتني: ماذا ستكتبين؟ أجبت: أكتب روايات. قالت بجدية: بعد أن تحصلي على شهادة الرياضيات ستكتبين ما تشائين فهذا أمر لا يهمني. إنها ضد الكتابة، وكأن الكتابة ليست بمهنة، بل حالة من المزاح. يتنقل الزمن بين يدي الكاتبة بحرية.. من الشيخوخة إلى الطفولة. ومنها إلى مرحلة الشباب الأولى. رجوعاً إلى الشيخوخة. مرورا بفترات أخرى تخرج من الذاكرة. نمشى مع البنت ذات الخمسة عشر ربيعاً. ثم فجأة نجدها أما لها ابن في الواحدة والعشرين من العمر. تتحدث إلى صورة ابنها ولا تكاد تصدق أنه بهذه النحافة. وان أمها في الصورة. هي ذاتها التي سترت قبعة وردية ذات حواف مسطحة، وشريطا أسود عريضا. إنها تظهر مع أطفالها الصغار من دون أن تبتسم، ومثلها يختلط الزمن، تختلط الأمكنة فتنقلنا الكاتبة من هنا إلى هناك. ومن هناك إلينا. مرة في باريس وأخرى في سايغون. مكان يأتى من الثلاثينيات ليحط في الثمانينيات بذات الصورة التي كان عليها. وقد يرتبك القارئ من هذه الانتقالات عبر الأزمنة والأمكنة، لكنه حين يكون على دراية بأسلوب هذه الكاتبة، ستمنحه تلك الدراية قدرة الإمساك بكل الخيوط. إن البوح للنفس، أو من النفس إلى الآخر ليس أمراً سهلاً.. الدخول إلى غاية النفس المتشابكة والنظر إلى عمق تلك الغابة، ومن ثم الكتابة عنها يحتاج إلى فرادة امتاز بها الكثير من الكتاب، فيما تاه الكثيرون في مسالكها، ومارغريت دوراس من تلك النوعية التي سبرت غور نفسها وتحدثت عن أحاسيس تراود كل امرأة، ومنها مسألة الجمال التي تعد مشكلة تؤرق الكثير من النساء. لكن الجمال ليس مجرد شكل عند مارغريت دوراس وإنما هو مقدار التأثير الذي تحدثه في الآخرين: أستطيع أن اخدع نفسي، واعتقد إننى جميلة مثل كل النساء الجميلات اللائى يجذبن الأنظار، فهم ينظرون بالفعل إلى. لكنني أعرف أن هذه المسألة لا تتعلق بالجمال، وإنما بشيء آخر، فكرة مثلا، فكل ما أريد أن أظهر به أراهن عليه، وأن أكون جميلة أمر مطلوب، لذا سأكون جميلة. وما يمكن أن أغدوه ويصدقونه، يصدقون بأننى فاتنة. وبمجرد أن أصدق هذا فسوف أحدث تأثيرى لمن يراني. والجمال يتعلق بأشياء أخرى كالملابس مثلاً، والماكياج أيضا حيث تولى النساء أهمية كبيرة لكل ذلك. ففي مكاتب البورصة، في سايجون هناك نساء فاتنات لهن بشرات ناصعات، لا يعملن شيئا سوى الاحتفاظ بأنفسهن جميلات، يحافظن على أنفسهن من أجل العشاق والإجازات في أوروبا، خزاناتهن مليئة بالفساتين ولايعرفن ماذا بها. أما مارغريت دوراس فقد عاشت لفترة طويلة تصنع ملابسها من ملابس أمها القديمة وتعتمر قبعة رجالية. كل تلك التفاصيل تستدعيها مارغريت من الذاكرة ومن الصور الفوتوغرافية التي تحكى مناسبة كل صورة والفقر الذي عاشته أسرتها وكيف كان الأطفال ينامون في سرير واحد. تعود العجوز بعد كل ذكرى وحكاية إلى تلك العبارة التي كانت تقف عليها وتنظر إلى النهر ذات صباح مبكر، عندما نزل رجل من سيارته الليموزين واقترب منها لتبدأ منذ ذلك اليوم قصة "العاشق". العاشق رجل ثرى من الأقلية البيضاء ذات الأصل الصيني. التقاها على العبّارة واقترح عليها أن يوصلها للمدرسة ثم يعيدها إلى البنسيون. هكذا بدأت العلاقة. فتاة فقيرة ورجل يكبرها باثنى عشر عاما. ركبت السيارة وصارت تركبها كل يوم. صارت لها معه مشاوير أخرى. يذهبان معاً ويتناولان الطعام في الأحياء الراقية. وظلت تلك العلاقة بعيدة عن معرفة الأم والأخوة. فالاختلافات بين أسرتها وأسرته واضحة في المركز الاجتماعي. اعترف لها بحبه عندما أخذها إلى غرفة في أحد الأحياء الحديثة. وحين قال لها إنه يحبها لم ترد عليه. ثم بعد حين طلبت منه أن يتصرف معها كما يتصرف مع النساء الآخريات. ومن الغريب إنها ستنسى ملامحه بعد سنوات ولا تذكر سوى اسمه وتلك الحجرة التي كانا يلتقيان بها. في تلك الفترة، عندما اكتشفت الحب معه صارحته بأسرار عائلتها: إنني لم أر أبدا أشجار عيد الميلاد، وإن أمي امرأة وحيدة.. مطاردة، تعيش المأساة التي عاشتها بكل أبعادها وكأنها تتكلم في صحراء جرداء. وإنها ظلت طيلة عمرها تبحث عن غذاء وعن شخص تحكى له ما حدث لها. وفي تلك المصارحة اكتشفت أنه لا يمتلك القدرة أن يحبها ضد رغبة أبيه.. وتحدث - بناء على رغبتها - عن ثراء أبيه. وتبقى الهوة بينهما متسعة برغم حبه لها، وبرغم أنه دعا عائلتها إلى أرقى المطاعم ليقرب وجهات النظر بينهما.. إلا أن الأخوة والأم لا يعيرونه الاهتمام اللائق ولا يوجهون له كلمة شكر.. بل لا يصغون إليه كما يفترض حين يحدثهم.. ومما زاد الطين بلة أن الأم تشعر بأن ابنتها تسير في طريق الانزلاق فتضربها بشدة وتهددها بالطرد، أما الحبيب فيراوده الشعور بالفزع من أن تقابل رجلاً آخر.. وبرغم ذلك تستمر علاقتهما.. هي من جانبها لم تحب فيه سوى الرغبة بالخروج عن طوق العائلة. تفاصيل كثيرة تتذكرها العجوز وتسردها علينا قبل أن تواصل البنت حياتها المهنية بعيدا عن سطوة الأم التي ماتت بعد موت ابنها الكبير. ومات الأخ الثاني. ولم تعد كاتبتنا تسمع أصواتهم ولا تشم روائحهم. ولذلك فهي تكتب عنهم بسهولة، فقد مر زمن طويل على موتهم، وأصبحت البنت كاتبة معروفة وغزيرة الإنتاج. تكتب عنهم بصيغة الغائب لأنهم غابوا عن الحياة. وحينما تستحضرهم وتستخرج من ذاكرتها تفاصيل حياتهم الصغيرة تستخدم ضمير المتكلم وتتحدث بالفعل المضارع. لقد مرت سنوات طوال. ولكن ماذا عن ذلك العاشق؟ وبعد سنوات من الحرب، ومن الزيجات، والأطفال، والطلاقات، والكتب، جاء إلى باريس مع زوجته.. وخابرها بالهاتف: ها أنذا.. عرفته من صوته. قال: أريد أن أسمع صوتك. بدا جريئاً، ولكنه ما يزال خائفاً كسابق عهده. ارتعد صوته فجأة. ووسط هذه الارتجافات، سمعت نبرته الصينية. يعرف إنها بدأت بتأليف الكتب. ويختتم كلامه معها بالقول إنه ما يزال يحبها وإنه لا يمكنه أن يكف عن حبها، وسوف يحبها حتى آخر حياته. من الأمور الغريبة أن مارغريت دوراس أعادت كتابة هذه الرواية في عام 1991م بصياغة مختلفة تماما، وإن احتفظت بنفس الحدوتة والوقائع، في رواية تحمل اسم "عاشق شمال الصين" ولكنها لم تنجح بنفس الدرجة، لأن الدفقة الأولى أكثر دفئاً وسخونة، كما يؤكد المترجم في مقدمته الطويلة.

أضيفت في 03 سبتمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
الكتاب مقسم إلى قسمين، الأول عن عزلة سام أوستر والد الكاتب، والثاني عن عزلة بول أوستر نفسه، وشتان بين العزلتين. القسم الأول خواطر كتبها بول أوستر عن والده بعد وفاته، يحاول خلالها فهم شخصيته التي استعصت عليهم في حياته. يعرض خلال ذلك سببا قديما يرجو إليه العزلة المريبة والهروب إلى داخل نفسه، رغم أن هذا هو الحدث الرئيسي في الترويج لقراءة الكتاب إلا أن الجزء الذي استطرد فيه في تفاصيله كان مملا بعض الشيء، ربما لتوقعي كشفه للأمر بطرق أكثر ارتباطا بما تركه والده، مذكرات شخصية وسط ألبومات الصور مثلا، لا تلك الصدفة التي لا أنفي غرابتها وقوتها. يظهر جليا أن الكتابة تمت على مرات متفرقة، يمكن للقارئ بسهولة معرفة كل المواضع التي ترك فيها الكتابة والتي عاد إليها من جديد، وأرى أن الجزء الأول كان يمكن أن يكون أكثر تنظيما، وإن كانت عفوية الأفكار وتبعثرها هو ما جعلها تمس أعماقنا، فرغم كل شيء سيظل موضوع الفقد وما تركه الموتى لنا وما قد يواجهونه بمجرد رحيلهم مثيرا للفضول والعواطف. تنظيم أفكار الجزء الثاني جيد جدا؛ كل مرة جلس فيها للكتابة جعلها فصلا منفصلا مهما بلغ قصره وأتبعه بتعقيب أدبي منسق ومقنع وأغناها باقتباسات تؤيد وجهة نظره عن الذاكرة وطباعها. الترجمة اﻷدبية من أحمد العلي سلسة وجميلة، جيدة جدا، لولا بعض الزلات الكيبوردية التي كان يمكن تداركها بتدقيق المراجعة ﻷصبحت ممتازة. - صادفني الكتاب على صفحات الجودريدز من يومين فقرأت نسخة إلكترونية منه، ولن أدخر جهدا ﻷحصل على نسخته الورقية. أحد رفاقي المفضلين، مسني بشكل شخصي.

أضيفت في 03 سبتمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
لطالما كانت قصص العالم الآخر تثير خيالنا فكانت رواية حوجن من أجمل الروايات التي تداعب هذا الخيال

أضيفت في 03 سبتمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
تشكل الهويات المتصارعة في بحر الهوية الوطنية العراقية المفترضة ميدان اشتغال العراقي ضياء جبيلي (البصرة 1977) في روايته الجديدة "أسد البصرة" التي يستهلها بمشهد يحمل نوعا من العبث والسخرية والأسى في الوقت نفسه. يتوجه بطل روايته بطريقة افتراضية متخيلة إلى الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا ليحكي له حكايته التي يعتقد أنها ستكون مادة خام له يمكن أن يخلق منها بأسلوبه وفنه رواية مميزة. وبطل الرواية (الصادرة عن دار الجمل 2016) هو نتاج زواج أبيه اليهودي وأمه الأرمنية في البصرة في خمسينيات القرن الماضي، ويختار له جبيلي ثلاثة أسماء في الوقت نفسه "موشي، خاجيك، أمل". يبقي أسير أزمات نفسية تعصف به، وضحية تربية بائسة لثلاث نساء (العمة اليهودية هيلا، الخالة الأرمنية ميساك، الأم بالتبني المسلمة حنان) اللواتي يخضن صراعا خفيا من أجل إظهار شخصيته بالصورة التي تراها كل منهن أنسب له ولانتمائه. " كأن مؤلف "لعنة ماركيز" يعكس من خلال بطل روايته صورة بلد تمزقه الانتماءات الطائفية والمذهبية، وتسوده مشاعر ذم الآخر والنظر إليه بعين العداء " عنف المجتمع يصور جبيلي كيف أن تذكية نيران التعصب تأتي على حساب تنمية الشعور الوطني والإنساني، وعلى حساب التسامح المفترض ولا سيما أن بطله يكون نتاج زواج مدني لم يرض عنه أحد، وبقي سجين مجتمع يمارس أبناؤه عنفا فظيعا اتجاه بعضهم واتجاه الآخرين. وكانت كل واحدة من المسؤولات عنه تحاول -بذريعة انتشاله من مستنقع الأخريات- تعبئته وبث ضغائنها فيه، وتكريسها لديه ليغدو صورة لها، ويتحول فيما بعد إلى كتلة من النقائض والتناقضات. كأن مؤلف "لعنة ماركيز" يعكس من خلال بطل روايته صورة بلد تمزقه الانتماءات الطائفية والمذهبية، وتسوده مشاعر ذم الآخر والنظر إليه بعين العداء. وهو يلتقط بعضا من تأثيرات الحروب المتعاقبة على الأجيال الجديدة التي تعيش معاركها الخاصة وسط المعركة الكبرى الدائرة، وتخوضها في ساحة أخرى، وتعاني تداعياتها الخطيرة عليها. تحتل هوية الوطن الجريح، وتغييب المواطن المنتمي لبلده لصالح هوياته المتقاتلة فيما بينها، الصدارة، ولا يفلح بطل الرواية في إلغاء أي جانب من شخصيته وهوياته، لذلك تراه حائرا ضائعا بين ما يفترض أن يكون وما هو كائن. يتماهى مع الجماد أحيانا في اللامبالات، ومع الحيوانات في غرائزها، يصدّر العنف إلى أقرب المقربين منه، ومنهم أخته بالتبني "نسرين" التي تكون إحدى ضحاياه، في رحلة تيهه وضياعه بين أفكاره وأزماته وواقعه وحروبه. تجري أحداث الرواية في فترة زمنية تمتد من خمسينيات القرن الماضي إلى ما بعد الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق عندما يتغلغل بشكل سري عناصر الوكالة اليهودية للهجرة من جانب، وبعض مؤسسات الهجرة المسيحية السرية من جانب آخر، في العراق وتحديدا في البصرة. تكون مهمتهم انتشال ما تبقى من كبار السن من اليهود العراقيين، أومن يرغب في الهجرة من الأرمن البصريين لترحيلهم إلى إسرائيل أو إلى أرمينيا. " يؤكد صاحب "بوغيز العجيب" أنه حاول في عمله الجديد أن يبتعد عن الحس العاطفي "النوستاليجي" والبكائيات على أطلال الأوطان الضائعة، التي تعد سمة لمعظم الروايات التي اشتغلت بمسألة الهوية " إثبات الذات ويؤكد الروائي ضياء جبيلي أنه يعالج في روايته مفهوم العودة وما تنطوي عليه هذه التسمية من تشعبات ومفارقات. ووسط كل ما يجري من أحداث، دائما ما يبرز من بين السطور أحد أكثر الأسئلة جدلا في هذا الصدد وهو: هل ما يُشاع من أنه عودة هو كذلك حقا؟ أم أنه هجرة، تهجير، ترحيل، هروب، طرد، أو خلاص؟ إلخ. ويصف جبيلي في تصريح للجزيرة نت "أسد البصرة" بأنها رواية "الهوية الهجينة"، أو على الأقل هذا ما سعى إليه من خلال الشخصية الرئيسة التي تتحرك وفق ميولها الثقافية بعيدا عن الأسباب المتعلقة بالأرض والجذور. ويشير إلى أنها ربما تكون هي رواية العراق الذي يأكل أبناءه، وتؤرخ لصراع أديان وقوميات مصغر في بقعة محددة من الأرض من أجل إثبات الذات عن طريق التعبئة. ويؤكد صاحب "بوغيز العجيب" أنه حاول في عمله الجديد أن يبتعد عن الحس العاطفي "النوستاليجي" والبكائيات على أطلال الأوطان الضائعة، التي تعد سمة لمعظم الروايات التي اشتغلت بمسألة الهوية. ويؤكد أن الشخصية الرئيسة لديه تنمو وسط تجاذبات اهتمت بالدين وبالقومية في حين أهملت الجانب الذي طالما كان مدعاة للتشبث بالأرض.

أضيفت في 01 سبتمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1