صدرت أخيراً رواية «الطريق إلى إيدا» للكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيجليا، عن سلسلة الجوائز التي تنشرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة عبدالسلام باشا. للوهلة الأولى، تبدو لنا الرواية سيرة ذاتية لمؤلفها الذي يتطابق اسمه الثاني مع اسم السارد «إيمليو رنزي»؛ خصوصاً عندما نعرف أن ريكاردو بيجليا نفسه قد أمضى خمسة عشر عاماً في التدريس في جامعات مختلفة في الولايات المتحدة وأنه لم ينف أن في روايته ملامح من سيرته الذاتية وخبرته في التدريس والحياة في الولايات المتحدة. في الفصول الأولى من الرواية نتلمس إطاراً بوليسياً، يسعى «إيمليو» إلى التحقق من مقتل زميلته «إيدا بروان» ولكنه في أثناء رحلته المضنية نحو كشف غموض تلك الجريمة، ينتقل فجأة بالرواية من شكل الرواية البوليسية أو رواية السيرة الذاتية إلى خلق روابط بين روايات جوزيف كونراد، وعالم الرياضيات الذي اعتزل العالم على مدار عشرين عاماً ليقرر شن حرب شعواء على النظام الرأسمالي ممثلاً في الولايات المتحدة نفسها. من هنا نجد الكاتب وقد تماهى مع الشخصية الروائية وسط شخصيات علمية مرموقة ومعروفة لدينا، والتي تخصص كل منها في كاتب كلاسيكي كبير، فنجد مثلاً كيروجا مع تولستوي، وهيدسون مع ميلفيل، وهو يهدف من ذلك إلى إقامة وشائج بين النصوص الإبداعية وقارئيها والمتخصصين في تحليلها والكتابة عنها لتقديمها في النهاية للمتلقي. في الرواية يواصل المؤلف هوايته في صنع تناص نقدي وأدبي، بين الكثير من النصوص والقامات الأدبية الكبيرة والتيارات الفكرية والسياسية التي غيَّرت مسار البشرية خلال القرنين الماضيين. ولذا فمن الممكن أن نرى هذه الرواية عملاً أدبياً ذا شأن، يتجاوز الكثير من الأجناس الروائية، طارحاً في الوقت نفسه نوعاً جديداً ومختلفاً من الكتابة الجذَّابة والمشوقة التي تسلط الضوء على التشابكات غير المرئية بين ثقافات وأفكار ونظم سياسية وفكرية متباينة عبر النصوص الأدبية والفلسفية لكتّاب عديدين، كأنها تضع العالم الأدبي والفكري في ثقافات وأزمنة مختلفة تحت جهاز لأشعة أكس، أو تحت إضاءة فوق بنفسجية، يكون من شأنها فضح غير المرئي، رغم حضوره المحسوس، وهو ما يجعل المتلقي متأكداً من أنه يوجد جانب مهم آخر في الرواية ألا وهو اللغة التي نراها تعبر في شكل كبير عما يرمي إليه المؤلف. ويتبع بيجليا في معظم أعماله السردية تقليداً أرجنتينياً عريقاً وهو أن الرواية البوليسية هي رواية البحث والتقصي والغموض، بعد أن تأثر الأدب الأرجنتيني بالآداب المكتوبة باللغة الإنكليزية في شكل ملموس. من هذا المنطلق، فإن كل شخصيات الرواية تقريباً هي شخصيات مزدوجة، سواء في هويتها، أو مهنتها، أو أفعالها أو في مسلكها في الحياة، لذا نرى السارد يقول في الفصل الأول: «في ذلك الوقت كانت لي أكثر من حياة، الحب، الكحوليات، السياسة، الكلاب، الجولات الليلية، كنت أكتب سيناريوات لا يتم تصويرها، وأترجم روايات بوليسية كثيرة تبدو دائماً الرواية نفسها». هذا التشرذم في الشخصية الروائية يمتد إلى القط؛ الحيوان الوحيد الذي يظهر في صفحات قليلة من الرواية وله حياتان مزدوجتان، وإن لم تكونا متوازيتين، فهو قط متمرد، تلفظه القطة الأم، تاركة إياه فوق شجرة، لكنه يقبل بحياة منزلية هادئة، غير أنه لا يحتملها طويلاً، إنه هنا مثله مثل البشر، يفر إلى العالم الحر والمفتوح، إنه فقط يبحث عن الخبرة والتجربة، والمغامرة، فيما تعيش الشخصيات البشرية ازدواجها وخيالاتها بالتوازي. وفي أحيان كثيرة تتحرك الشخصية بين عالمين، سواء سراً، في الليل تحت ستار العتمة، أو في أفكارها ورغباتها المعلَنة والمكبوتة. وهذا ما يسمح لنا أن نصف هذه الرواية بأنها رواية تحليل نفسي، وهو ما اعترف به الكاتب نفسه في طيات روايته. ووفق المترجم، فإنه «في الطريق إلى إيدا»، يوجد ما يمكن أن نطلق عليه الأدب التوثيقي، أو الأدب الوثائقي، فالقاتل الذي يظهر في الرواية هو شخصية حقيقية، لها التاريخ الشخصي نفسه تقريباً، والوقائع حدثت في الفترة الزمنية نفسها، لكن الاستفاضة أكثر من هذا في تفاصيل الشخصية ربما يُفقد النص بريقه وحيويته وزخمه. إننا هنا أمام رواية عصيَّة على التصنيف، وربما على الفهم أيضاً، لأننا نجد بها من الأدب البوليسي غموض جريمة القتل والبحث المضني عن القاتل، كما نجد بها في الوقت ذاته لمحات خادعة من أدب السيرة الذاتية، فالبطل الذي ظهر بالاسم نفسه في روايات بيجليا السابقة، المدعو «إيميلو رينزي»، يعاود الظهور هنا، ولإضفاء نوع من التماهي المصطنع، بين المؤلف والشخصية الروائية سنجد أن اسم الكاتب بالكامل هو ريكاردو إيمليو بيجليا رينزي، ولهذا فلنا هنا أن نتساءل: ماذا يوجد في أدب بيجليا من سيرة ذاتية؟ نعتقد بأنه يوجد شيء أكثر من الاسم بالطبع، ربما بعض المعلومات والملامح الحقيقية، مثل السفر إلى الولايات المتحدة، ورؤية بشر ومناخ مختلفين، التدريس في الجامعات المختلفة،وكذلك امتهان الكتابة والنقد الأدبي. «الطريق إلى إيدا» رواية تستحق القراءة لما فيها من فن روائي وحبكة سردية متقنة ومثيرة، حيث نجد الحياة في صيغة الغائب، وهو ما عبّر عنه الكاتب بقوله: «إنني الآن أتوه في الدوَّامات الحقيرة للذكريات الشخصية، أفضل شيء أن أستحم وأجلس للعمل، قلت، وانتبهت إلى أنني أتكلم بصوت عال، ولم أكن أتحدث بمفردي فقط، لكنني كنت أتكلم ناظراً إلى نفسي في مرآة الحمام، مجرد مهرج عار، لم ينم جيداً».

أضيفت في 12 ديسمبر 2017 تاريخ القراءة 31 ديسمبر 1969 الزوار : 16
عندما صدرت رواية فرنسوا وييرغانس"ثلاثة أيام عند أمي"قبل اشهر انقسم النقاد الفرنسيون حولها، مدحها بعضهم وانتقدها بعضهم. وحين فازت الرواية هذه بجائزة غونكور، وهي من أهم الجوائز الادبية في فرنسا، فوجئت الاوساط الادبية، فهي كانت تنتظر فوز رواية"احتمال جزيرة"للكاتب ميشال وليبك خصوصاً بعد الرواج الكبير الذي عرفته، في فرنسا وأوروبا. هنا قراءتان في الرواية الفائزة وظاهرتها، المابعد حداثية. < قد تنتمي رواية"ثلاثة أيام عند أمي"الى الادب المابعد - حداثي ليس لكونها تشك في العمل الروائي نفسه فقط وانما لأنها تشك في شخصية الروائي فرنسوا وييرغانس الذي ينقلب في الرواية الى ثلاث شخصيات تؤدي درو الروائي نفسه، وكأنها ثلاثة قرائن له تتولى فعل السرد عوضاً عنه. هل هي حال"التشظي"تدفع الروائي الى ان يتعدد معبراً عن مرض"الانفصام"الذي يصيب الانسان في المجتمع المعاصر؟ أم انها مجرد لعبة روائية يمسك الكاتب الحقيقي خيوطها بذكاء ولكن ليؤديها كما لو كانت لعبة عبثية؟ انها رواية الشك اذاً، بل رواية تنقسم الى اكثر من رواية لئلا تنتهي، هي التي بدأت من غير ان تبدأ مثلما تبدأ الروايات عادة. فالراوي الذي سماه الكاتب الحقيقي فرنسوا وييرغراف سيختلق بدوره راوياً يسميه فرنسوا غرافينبرغ وهذا بدوره ايضاً سيسمي بطل روايته التي يؤلفها فرنسوا وييرشتاين... ثلاثة رواة يختلقهم الكاتب الحقيقي ليروي عنهم حيناً وليجعلهم يروون حيناً آخر، كأبطال - او اشباه ابطال - هم صورة مستنسخة عنه، هو الذي يعاني ازمة في الكتابة ولا يتوصل الى انهاء الرواية التي ينتظرها القراء - وأمه كذلك - والتي سيكون عنوانها:"ثلاثة أيام عند أمي". رواية طريفة جداً، يتعمد صاحبها، الكاتب الفائز في جعلها اقرب الى اللارواية، مع انه خلال كتابتها، استطاع ان يكتب سيرته ولكن من خلال الراوي الاول الذي لن يتمكن الا من انهاء ثلاثة فصول من الرواية المنتظرة، وهذه الفصول لا علاقة لها بحياة الام، أمّ الراوي نفسه. ففي الصفحة 161 يفاجأ القارئ بأن غلافاً داخلياً يحتل الصفحة معلناً بداية رواية تحمل العنوان نفسه:"ثلاثة أيام عند أمي"، واسم الراوي الاول فرنسوا وييرغراف وليس اسم الكاتب الحقيقي. وهنا تبدأ رواية اخرى ذات ثلاثة فصول يسرد الراوي الاول فيها حكاية راوٍ ثانٍ يدعى فرنسوا غرافينبرغ يعيش مغامرة عاطفية في مدينة غرونوبل ويسعى الى كتابة رواية يدعى الراوي فيها فرنسوا وييرشتاين. متاهة روائية قد تصيب الرواية القارئ بحال من الدوار، فالبنية الدائرية التي تتوالد عبرها المرويات والشخصيات تبدو أشبه بالمتاهة. فالكاتب يروي عن راوٍ يروي عن راوٍ يروي بدوره عن راوٍ... حتى ليسأل القارئ نفسه: أين هي الرواية، بل أين الاحداث، خصوصاً عندما تختلط حياة الرواة بعضها ببعض؟ الا ان الحال المتاهية هنا لا تشبه"متاهة"الكاتب الان روب غرييه احد رواد"الرواية الجديدة"في فرنسا، مقدار ما تقترب من عالم الكاتب الارجنتيني بورخيس المتاهيّ ولكن من دون عمق، أو من لعبة الكاتب الايطالي إلريتالو كالفينو وسواهما. الحال المتاهية هنا هي اشبه باللعبة السردية المسلية في احيان والمضجرة في احيان اخرى، خصوصاً عندما تتكرر بعض العناصر والمرويات. فاسم الرواية التي يزمع الراوي الاول على كتابتها ولا يتمكن، يتردد مرات كثيرة. حتى الأم بدورها تحرّض ابنها الراوي الاول على انهائها وتحثه على العمل وتسأله مرة عن لياليه وكيف يقضيها. في مطلع الرواية يعلن الراوي الاول:"انا فرنسوا وييرغراف"ثم يفيد القارئ بأن زوجته تدعى دلفين وان لهما ابنتين: زوي وغيليند وانهما كلاهما في قرابة الستين من العمر، وانه انجز افلاماً واصدر عشر روايات. وهاتان الفتاتان ستكونان ابنتين ايضاً للراوي الثاني، مما يدل على تداخل شخصية الراوي الاول في الشخصية المتوهمة. الراوي الاول شخص مثقف جداً، قارئ وهاوي سينما وموسيقى. ويكفي سرد اسماء الادباء والفنانين الذين يرد ذكرهم في الراوية حتى ترتسم صورة عن ثقافته، ومن تلك الاسماء: السنيمائي الايطالي فلليني، بيتهوفن، فيفالدي، شكسبير يشبّه الراوي نفسه ببطل مسرحية"العاصفة"الذي يدعى بروسبيرو والذي يفضل مكتبته على كل شيء، فرويد، سكوت فيتزغرالد، القديس بولس، كيركغارد، فلوبير، ستندال، افلاطون، بودلير، كاواباتا، وودي ألن وسواهم.. ويُعلم الراوي القارئ بأنه تسلم مالاً من الناشرين ليؤلف كتباً لم يكتب سوى بداياتها. ويقول:"لم أعد ارغب في الكتابة". لكنه لا يلبث ان يعدد الكتب التي عليه ان يؤلفها وهي كثيرة: كتاب عن الرقص يتحدث فيه عن سقراط، كتاب عن الفيلسوفين هوسرل وديكارت، قصة حب، كتاب عن بيتهوفن، كتاب عن البراكين يسميه فولكانو، كتاب عن الكراسي، كتاب عن الاروسية وكتاب عنوانه:"مضاجعات". وخلال الرواية التي لم تكتمل يتحدث كثيراً عن حياته الشخصية، عن امرأته، عن مغامراته العاطفية، عن اسفاره وطبعاً عن أمه، من دون ان تفوته الذكريات وهي غير قليلة، وأولاها ذكرى الاب الذي توفي في 5 شباط فبراير 1974 وكان ليلة وفاته يحاول انهاء مقال. ويتذكر جنازة أبيه وكيف فتح قنينة"شامبانيا"بعد الجنازة. وعندما أقام عند أمه ذات مرة لم يحتمل ان تكون صورة والده فوق سريره وكأنه يراقبه خلال النوم، فنزع الصورة. أما أمه فلم يكن يزورها الا نادراً، وتقول له مرة على الهاتف:"في الختام لم أرك كثيراً في حياتي". وعندما تقع الام في الحب بعد مضي بضع سنوات على ترملها لا يتأثر الراوي - الابن ولا شقيقاته الخمس بل هم يفرحون. العشيق يدعى فردريك وهو أصغر من الأم ماري - إيما ومتزوج وزوجته مريضة. هاجس الكتابة مضت خمس سنوات أو اكثر على الراوي ولم يصدر أي كتاب. هذه المشكلة هي مشكلة الكاتب نفسه الذي غاب عن ساحة النشر الفرنسي نحو سبع سنوات. وعدم القدرة على الكتابة هو بمثابة الموت المجازي للكاتب. هكذا ينقل الراوي عن المحللة النفسية الشهيرة فرنسواز دولتو قولها:"ان الناس يكتبون لأنهم يمرضون اذا لم يكتبوا". وتقول له أمه بدورها:"يجب ان تنشر، الناس سيظنون انك ميت". هذا الخوف من الموت المجازي سيتحول هاجساً لدى الراوي، وسيتمثل في اصراره على انجاز روايته"ثلاثة ايام مع أمي". وذات ليلة يعيش حالاً كابوسية كأن يقول:"حدث لي أمر مقلق الليلة الفائتة. كان لديّ شعور بأن ثمة مَن يخنقني. وقعت في الفراغ وأنا ادرك جيداً انني لم أقع". وعلاوة على هذا الكابوس كان الراوي يحس دوماً انه شخص مكتئب وحزين، وكان يعيش دوماً احوالاً من الأرق، على رغم مغامراته الجنسية. وكان يلجأ الى كتب الطب ليدرك امراض شخصياته وربما امراضه الشخصية ويقول في هذا الصدد:"انني روائي وأهتم بصحة شخصياتي". واذا كان يعترف لنفسه بأن ثمة"مشاكل"لم ينهها مع أبيه فهو يشعر بأنه على تنافس معه، تنافس أدبي طبعاً. فالأب كتب عن الأم كزوجة، أما الابن الراوي فسيكتب عن الأم كأمرأة مسنة، وهذا ما لم يكتبه الاب لأنه توفي. ويصر الراوي على التمييز بين أمه الحقيقية والأم المتوهمة في الرواية انتصاراً لأمه نفسها على خلاف أبيه ويقول:"انني احتاج الى ان اخلق شخصية امرأة مسنة، شخصية أمّ متوهمة تكون أمّ الراوي ولا تكون أمي". هكذا يشرع في البحث عن كتب حول المرأة المسنة وظروفها. يعترف الراوي الاول بأنها ليست المرة الاولى التي يختار فيها نموذج"الكاتب"راوياً وأن الكتّاب في رواياته هم مكتئبون عادة ويعيشون أزمة مع انفسهم ومع المال والجنس والعائلة... انها اذاً الازمات التي يحياها الراوي قبل شخصياته. وهكذا يصبح الراوي الثاني شخصية مثل سائر الشخصيات، سواء عندما يتحدث عنه الراوي الأول أم حين يتحدث هو الراوي الثاني عن الآخرين. والراوي - القرين ليس الا نسخة"مستنسخة"عن الراوي الاول وعن الكاتب ايضاً، فهو"سيغلق على نفسه ليكتب ثم يتلهى بأمور اخرى"فلا يكتب بل يتنزه ويصطاد النسوة ويسافر. ولا تحصى المدن التي يسافر اليها حاملاً معه اوراقه ومشروعه الروائي فيينا، مدريد، ليشبونة، لندن، البندقية، برلين، طوكيو، طنجة، مونتريال، داكار.... ومثلما هو يسافر يدفع بشخصياته الى السفر وكذلك أمه قبل مرحلة الشيخوخة، لكن السفر في نظره هو"من أجل السفر"كما يقول، مضيفاً:"السفر محرّض". تختلط وقائع الحياة اليومية والتفاصيل بالذكريات القريبة والبعيدة ويبدو الكاتب بارعاً في الانتقال من زمن الى آخر، ومن بيئة الى اخرى. وتحضر الطفولة مثلما تحضر سنوات اليفاع والدراسة وسنوات الشباب، ناهيك بالحياة العاطفية والفتيات أو النسوة اللواتي ملأنها. لكن الراوي هو على قناعة بأن الحياة الحقيقة هي تلك التي يخترعها خلال الكتابة. ويسأل نفسه مرة:"اذا متّ قريباً فماذا تكون حياتي قدمت لي؟"ولا يحاول ان يجيب، فهو اصلاً غير معنيّ بأن يجد أجوبة عن الاسئلة الوجودية والقدرية التي تملأ رأسه. فها هو يقول:"ان نعيش حتى الدقيقة الاخيرة من غير ان نعلم في أي ساعة سنموت، هي الهدية الاجمل التي تقدمها لنا الآلهة...". هل هو شخص قدري؟ أم تراه شخصاً ابيقورياً يبحث عن المتعة التي يتحرر بها من قضية الوجود؟ شخص ساخر، يهزأ من نفسه مقدار ما يهزأ من العالم والحياة. وكما تمت الاشارة سابقاً، يُفاجأ القارئ بكتاب جديد حملت الصفحة 161 غلافه وعنوانه هو عنوان الكتاب نفسه:"ثلاثة ايام عند أمي"، لكن المؤلف هو فرنسوا وييرغراف، والكتاب هو من ثلاثة فصول، وعندما تنتهي هذه الفصول"الدخيلة"يحل الفصل السابع من الرواية نفسها وكأن الفصول هذه لا علاقة لها بها. على ان الراوي في هذه الفصول يتحدث عن كاتب آخر سرعان ما يتحول راوياً واسمه فرانسوا غرافينبرغ يغادر باريس الى مدينة غرونوبل الفرنسية ليقدم معرض صديقه الرسام التركي لطفي اوزكوك. والراوي هذا يكتب بدوره رواية، وعمره من عمر الراوي الاول، وزوجته تدعى دافني. وهو سيخونها ويصادق جولييت المسؤولة عن صالة العرض. والده ناقد سينمائي وابنتاه تحملان اسمَيْ ابنتَيْ الراوي الاول. انه القرين بامتياز. وهو بدوره سيختار اسم فرنسوا وييرشتاين اسماً للراوي الذي سيتولى فعل السرد في الكتاب الذي يؤلفه. يعتمد الكاتب فرنسوا وييرغانس لعبة"المرايا"موزعاً شخصية الكاتب - الراوي على اكثر من شخص او قرين، وجاعلاً من هؤلاء الرواة مرايا له، لشخصه وحياته، ولسيرته التي تشتتت وتبعثرت ما بين الحكايات والمرويات. انه الكاتب في مرآة نفسه المنشطرة، والمتشظية والمتعددة، لكن الصورة - التي هي صورته - لا تكتمل الا من خلال جمع الكسور او الاجزاء. ولئن كان هاجس الراوي الاول كتابة رواية عن أمه، رواية يعجز عن انهائه، فهو سيدرك جيداً ما قالت له أمه في الختام:"لم اعطك نهاية لكتابك، ولكنني اعطيتك سقطة". وكانت الام سقطت في حديقتها ومكثت ليلتين منطرحة فوق العشب غير قادرة على الحراك. وعندما اكتشف ابنها الراوي وبناتها الامر اسرعوا اليها ونقلوها الى المستشفى. وكان على الام التي انهت الثمانين ان تهلوس خلال فترة العلاج مستعيدة حكايات غريبة من ماضيها. وفي ختام الرواية يقول الراوي، بعدما أيقن ان الرواية انتهت:"قضيت اخيراً هذه الايام الثلاثة، عند أمي، عندها ولكن من دونها". الا ان القارئ يشعر بأن الرواية لم تنته لأنها لم تكن اصلاً عن الأم وحدها ولا عن سيرة الراوي وحده ولا عن حياة العائلة... بل ان القارئ يشعر أنها رواية غير قابلة لأن تنتهي لأنها رواية لم تبدأ أصلاً.

أضيفت في 12 ديسمبر 2017 تاريخ القراءة 31 ديسمبر 1969 الزوار : 2
في روايته «أيامنا الحلوة» الحائزة جائزة الأطلس الكبير في الأدب الفرانكفوني، يحتفي الروائي المغربي موحا صواك بعبدالحليم حافظ متسائلاً كيف يمكن لأحد أن يقاوم صوته، كما يحتفي بالفنون عموماً، وبالرقص والموسيقى بخاصة: «ليس ثمة من شعب من غير رقص أو موسيقى. العالم يظل مشدوهاً من التأثر أمام الموسيقى. الشعب الحزين يرقص، والشعب الثائر يرقص، والشعب الفرِح يرقص...». غير أنه بجانب هذا الاحتفاء نجده يندّد بما يحدث للمرأة العربية من قهر وقمع وتعذيب وحرمان كامل من كل حقوقها: «وأنا أقرأ هذا أحسستُ أن إنقاذ الفتيات من وأد أيام الجاهلية، لم يمنع رميهن في وأد أشد من الموت، هو الوأد باللامبالاة والجهل والاستعباد الجنسي، وفقدان كل كرامة إنسانية». كذلك يرفض صواك قمع الكُتّاب والصحافيين، مع كثرة المحاذير التي لم يعد أحد معها يجسر على كتابة أي شيء، مثلما ينتقد ما يفعله الأقوياء في هذا العالم بالضعفاء: «حيث الكائنات البشرية لم تعد كذلك، لأن الأقوى يسحق الأضعف». في «أيامنا الحلوة» الصادرة عن سلسلة الجوائز- الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة عن الفرنسية أنجزها فريد الزاهي؛ هناك ثلاثة أبطال: الراوي ويعمل صحافياً في جريدة يومية ليس لها توجّه ثوري. مُنى التي يلتقيها في محطة القطار وتجلس إلى جانبه، وهي إحدى المهتمات بالفنون وعلى رأسها الرقص، الذي اكتشفت أنه هو التعبير الأول للإنسان قبل الكلمات، وقد جاءتها أكثر من فرصة للعمل كواحدة من نجمات الرقص في باريس وبروكسيل، لكنها آثرت أن تظل في بلدها المغرب ولا تدري لماذا. وفضيلة التي تهيم عشقاً في عبدالحليم حافظ لدرجة أنها ابتهجت كثيراً يوم أهدتها جارتها كُتيّباً يحوي كلمات أغانيه وصورة له، حتى صار الكتيب طالعها الفلكي وكتاب صلواتها. هنا يجد القارئ نفسه أمام ثلاث شخصيات مقموعة: الراوي يقع القمع عليه من الجريدة التي يعمل بها حاذفة من مقالاته كل ما قد يسبب لها أية مشكلات مع كبار القوم من وجهة نظرها، ومنى التي تحب الرقص يقمعها مجتمع يرى فيه رذيلة ومعصية كبرى، لا يليق بأنثى أن تقترفها في مجتمع شرقي، وفضيلة التي تقمعها أسرتها التي زوّجتها لمن لا تحبه، ويقمعها زوجها وأسرته حتى صارت حياتها أشد وطأة من جحيم الآخرة، ووصل بها الأمر إلى أن ترى التسول أكرم لها من العودة إلى حظيرة زوجها الجزار، ومن المكوث في بيت أبيها. لقد تعرضت فضيلة للتنكيل بها وضربها في بيت أبيها من قبل وبعد اكتشاف أمر ذهابها إلى السينما لمشاهدة أفلام عبدالحليم حافظ، وبعد ذلك تزوجت لكنها استبدلت سجناً بآخر، فقد انتقلت من سجن أبويها إلى سجن عائلة زوجها، فالجلادون لم يكونوا أقل قسوة من الآخرين. هذا الجو العام من القمع جعلنا أمام راوٍ ساخط على أوضاعه، وقد بات لا ينتظر شيئاً من أي مخلوق. الرواية التي تبدأ بمشهد تحْدث تفاصيله على محطة قطار الدار البيضاء، ثم الانتقال بعده إلى الراوي داخل القطار وهو يعيد قراءة مدوناته التي رفضت هيئة التحرير أن تنشرها في مقاله خشية إثارة الأوساط المعادية لتغيير وضعية المرأة المغربية بخاصة، والمرأة عموماً، وتنتهي بمشهد لسيارات الإسعاف وهي تحمل الجرحى والموتى نحو المستشفيات، إثر انفجار قنبلة يدوية الصنع في مقهى، ترى أن الذكور يعتبرون المرأة شراً لا بد منه، وفيها ينتقد الكاتب المجتمعات التي ينتشر فيها الكذب والفساد ويصبحان من القيم الأخلاقية الوحيدة للنجاح في الحياة. ثمة لوم في الرواية على السلفيين نتيجة تحجر فكرهم ورفضهم القاطع للفن الذي يعتبرونه من التفاهات التي لا مكان لها في مجتمعاتنا الورعة. تأخذنا «أيامنا الحلوة»، التي يحيل عنوانها إلى عنوان أحد أفلام عبدالحليم حافظ، نحو بلاد فيها كل ما ينتمي إلى الروح والقلب لا محل له من الوجود أمام سياسة البطن: على الإنسان أن يأكل وليس عليه فعل شيء غير ذلك، عليه أن يصون الآلة الجسدية كي ينتج ما يحتاجه في التناسل. ثمة شيء آخر يريد موحا صواك أن يقوله وهو أن الأنانية قد تحكمت في البشر إلى حد بعيد، حتى صار كل واحد منا يفكر أولاً في رغيفه قبل رغيف الآخرين. أما على هامش الرواية فثمة ذكر لحرب الرمال التي اندلعت بين المغرب والجزائر عام 1963 وساندت الجزائر فيها مصر وكوبا، ما أثر على العلاقة بين مصر والمغرب وترتب عليه منع أغاني عبدالحليم وأفلامه لبعض الوقت في المغرب، بعد أن كان يحظى بشعبية جارفة وعلاقة حميمة مع الملك الحسن. أيضاً تُعري وضع الثقافة في الوطن العربي وعدم الاهتمام بها وفقْر قطاعاتها كاشفة واقعها المزري. الرواية تطرح كذلك سؤالاً مهماً وهو هل على الإنسان أن يتحدى الظروف التي تكبّل حياته وتجعله أسيراً لليأس والإحباط، أم عليه أن يحافظ على توازنه مستمراً في الحياة، وألا يستسلم لهذا، وأن يقاوم، مهما حدث، ليحقق حلمه الأبدي؟ هنا أيضاً يضع صواك يدنا على القوة المطلقة التي ما زال يبحث عنها الإنسان وهي التي تدفعه إلى الرغبة في الخلود بذريته، وبعمله وفنه، باحثاً عن إكسير الحياة الشهير. إنها الغواية، ذلك الوهم الذي تخلقه الروح لتفادي الجسد. كما يريد أن يقول لنا إن الاضطهاد الذي عاشه الناس سابقاً كالرقابة اليوم، وكلاهما يحرك الأجساد حتى تطرد الألم والشر من مسامها وتتحرر من الخطايا: «لقد كان القدماء أشد ذكاءً منا، لأنهم كانوا يعرفون أن الجسد كان الرابط بين السماء والأرض». «أيامنا الحلوة» نعرف منها عن فنانين يعيشون الفشل قبل أن يعترف الجمهور بهم، تتركنا بعد انتهائنا من قراءتها ونحن في حالة حزن شديد على واقع عربي لا يدري أحد متى سيتخلص مما هو فيه من تخلف ورجعية، وأفكار لا أثر لها سوى تدمير الأرض بما فيها ومَن عليها، متحسراً على ماضٍ بعيد كانت فيه الحرية والفن يحتلان الصدارة، بينما الآن أزاحتهما أشياء أخرى غريبة على المجتمعات العربية: «فضيلة رفضت كل شيء من أجل الفن، فيما تركت ابنتها كل شيء من أجل الدين». باختصار يريد صواك أن يقول إن أيامنا الحلوة لن تعود مرة أخرى إلا إذا عدنا نهتم بالفنون ونضعها في مكانة تليق بها، فهي سلاحنا ضد العنف والتطرف الذي يفرضه المتأسلمون على كل أرض تعادي الفن وتغوص في مستنقع الرجعية والتخلف.

أضيفت في 12 ديسمبر 2017 تاريخ القراءة 31 ديسمبر 1969 الزوار : 5
استكمالاً لثلاثيته البديعة «أسلافنا»، كتب الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو رواية «فارس بلا وجود» التي صدرت ترجمتها العربية أيضاً عن سلسلة «الجوائز» في الهيئة المصرية العامة للكتاب، للمترجمة أماني فوزي حبشي. يواصل كالفينو هنا تأمل فكرة الفردية من جهة، والبحث، تالياً، عن نموذج الإنسان الكامل، مقدماً نقداً غير مباشر للمجتمع الغربي الحديث، من خلال افتراض شخصية عسكرية في العصور الوسطى، واحد من فرسان جيش الملك الفرنسي شارلمان، يتسم بالقوة والمعرفة والدقة، وبالمهارات الحربية المتميزة، وحتى بأدق تفاصيل كل ما يتعلق برعاية خيول المحاربين، وتوفير مؤونة الطعام للمطبخ العسكري. إنه، أجيلولفو، أو باختصار: الرجل الكامل في معسكر القتال الغربي في مواجهة المعسكر التركي، لكنه في الوقت نفسه كينونة ترتبط بالترسانة المسلحة التي تغطيه من قمة الرأس إلى القدمين، فإذا فتحت تلك النافذة التي تعد جزءاً من خوذات الفرسان الواقية فلن تجد أحداً. لا شيء سوى الفراغ. فهذا فارس لا وجود له، كما يعلن هو بنفسه لشارلمان قائد الجيوش، حينما جاء إلى الملك صوته المعدني من خلف خوذة الرأس وحين فتحها وجدها خالية. وإن كان وجوده في الواقع ماثلاً وراسخاً وأصيلاً. فوجوده يتحقق كما أعلن أيضاً بنفسه بقوة الإرادة وبالإيمان بالقضية المقدسة. وهنا يمكن أن نتأمل وجوده كشخص يمتلك الوعي ولكنه ليس موجوداً، مقابل العشرات أو المئات ممن يمتلكون وجوداً فارغاً، لأنهم بلا وعي، والنموذج الذي يمثلهم في النص هو حامل الترس جوردولو، الذي عيَّنه شارلمان ليصحب الفارس أجيلولفو. ويمكن أن نفهم مستوى وعي جوردولو، الغريب الأطوار، من فقرة دالة إذ يصفه الراوي قائلاً: «كان يضع رأسه داخل الطبق الموضوع على الأرض كأنه يرغب في أن يضع نفسه في داخله. ذهب البستاني الطيب ليهزه من كتفه وهو يقول: متى ستفهم أنك أنت الذي يجب أن يأكل الحساء وليس الحساء هو الذي يجب أن يأكلك؟ ألا تتذكر؟ يجب أن ترفعه إلى فمك بالملعقة». ما يلفت في هذا النص، مثلما في الروايتين السابقتين، «الفيسكونت المشطور»، و «البارون ساكن الأشجار»، هو الطابع الحداثي جداً في تجربة كالفينو السردية على رغم أن النص كُتب في نهاية الخمسينات. فهو يفاجئ القارئ أولاً بالراوي الذي ستكتشف بعد وهلة من القراءة أنها راهبة تعيش في دير قريب من الأحداث، لكنها بعيدة أيضاً عن تلك الحياة التي تصفها بدقة لأنها مكلفة بكتابتها، ولننتظر النهاية حتى نرى مفاجأة أخرى تخص هذه الراهبة الراوية. ثم طبعاً التقاطاته الماهرة لتفاصيل الحرب التي يراها القارئ رؤية العين مع تفاصيل لا تخطر للمرء على بال، من بينها دور المترجمين بين الأتراك والأوروبيين في الحرب، وكيف يركض المترجمون بين المتحاربين، جيئة وذهاباً، بين حوافر الخيول، ووسط قعقعة السلاح، والغبار، ليساعدوا المقاتلين في فهم والتأكد مما إذا ما كان خصومهم يهينونهم بالكلام أم لا. بالإضافة إلى تفاصيل خاصة بملابس الفرسان في الحرب وقوة الطعنات والقوة المبذولة في عملية الكر والفر والالتحام المباشر بين خصمين. ثم هناك أيضاً تفاصيل الطعام، والوقت الذي يمضيه المحاربون بعد انتهاء القتال، والنماذج الغريبة التي يلتقطها من الحياة لتقدم الوجه العبثي للإنسان. بالأحرى للأفراد في ذلك العصر حيث يمضي البشر حياتهم من دون الإرادة الحرة واليقين في القضية المقدسة التي يرى الفارس بلا وجود أنها الأشياء التي تخلق الوعي أو الوجود الحقيقي. والحب طبعاً. إذ تظهر المرأة نموذجاً مدهشاً للمقاتلة التي تتوسط المحاربين فلا تقل عنهم بأساً، وبسبب مهاراتها وجمالها أيضاً، فإنها لا تلقي بالاً للفرسان، ومع ذلك تقع أخيراً في غرام فارس لا وجود له، فهل سيكون بإمكانه أن يقدم لها الحب؟ وهذا ما ينجح فيه كالفينو مرة أخرى، وهو يقدم التفاصيل المقنعة التي نرى من خلالها أيضاً منظوراً آخر للشخصيات. لكن هذا يأتي كله في إطار اهتمام كالفينو بالمعمار الروائي، المعمار الذي يشيد به أفكاراً فلسفية ووجودية ويكسو بها نماذجه الروائية لحماً ودماً، لتنتقل من مجال الخيال والمشاعر إلى الواقع. وهو معمار يهتم أساساً بالبحث عن الإنسان المعاصر وأسباب تمزقه وعدم اكتماله. ولهذا أيضاً ربما يشوب البناء المعماري للرواية عدم الاكتمال المعادل لأحوال النماذج التي يعبر عنها، ومنها الإنسان المنقسم، كما في «الفيسكونت المشطور»، أو ذلك الذي يعيش حياة تشبه الحياة ولا تشبهها في «البارون ساكن الأشجار»، أو ذلك الإنسان الكامل، الفارس المثالي، الذي لا يفتقد إلا أن يكون له وجود حقيقي. مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الكتب الثلاثة كتبت في خمسينات القرن الماضي، واختتمت بهذا النص الذي انتهى منه كالفينو عام 1959 ونشرت كثلاثية عام 1960، وتابع بعدها مشروعه الذي لاحت صوره التجريبية في أكثر من عمل مثل «مدن لا مرئية»، «وحواديت إيطالية». ومن المدهش تأخر صدور ترجمة مثل هذه الثلاثية إلى اللغة العربية إلى هذا الحد، مع التأكيد طبعاً أن صدورها في النهاية يحسب للمترجمة أماني حبشي وللهيئة العامة للكتاب، فأن تصدر متأخرة خير من ألا تصدر أبداً.

أضيفت في 11 ديسمبر 2017 تاريخ القراءة 31 ديسمبر 1969 الزوار : 2
تعتبر «نيكي مارانجو» (1948 - 2013) من أهم الشخصيات الفنية والأدبية في قبرص، فهي روائية وشاعرة وفنانة تشكيلية، مارست كل هذه الأشكال الفنية والأدبية، بنفس القوة والمهارة والموهبة، وتتسم كتاباتها سواء في الشعر أو الرواية بالانشغال الدائم بالرحلة، بشكل شخصي مبتكر، حيث ترسي دائماً انفتاح الإنسان، ورغبته في اكتشاف المجهول دائماً، من وجهة نظر كوزموبوليتينية وبطريقة فنية معاصرة. وتمثل رواية «يزول» للكاتبة مارانجو، والتي ترجمها إلى العربية د. خالد رؤوف، وصدرت عن سلسلة الجوائز بالهيئة المصرية العامة للكتاب، شكلاً مركباً لتوثيق رحلاتها الشخصية المختلفة عبر حياتها، ليس هذا فقط، وهو أمر كانت الكاتبة تفعله كثيراً في أعمالها، لكنها هنا تلعب على الزمن بحرفية عالية، فاليوم والأمس يتبادلان الأماكن على مدار الرواية، التي هي أيضاً رحلة عبر الزمن، وهذا لا يعني أن الكاتبة تقدم لنا ما يسمى بأدب الرحلات، لكنها توظف عناصر أدب الرحلة، في كتاباتها، فبالإضافة إلى معارف الكاتبة وثقافتها العريضة، كان الترحال يمثل عنصراً أساسياً في فكرها وفلسفتها. أيضاً هناك الحاجة للهروب والبحث ورغبة الإنسان في الترحال، المغروسة دائماً في اللاوعي، رغبة المغادرة التي تلحقها دائماً الرغبة في العودة والحنين، إغواء المجهول والاشتياق إليه، كل هذه المفردات تميز كتابة نيكي مارانجو، وتوظفها في هذه الرواية بشكل بديع، فهي تتلاعب هنا بكل تلك العناصر، بحرفية عالية فتأتي متجددة في سرد الأحداث، ليس هذا فقط، بل إنها تضيف بشكل مختلف إلى هذا النوع من الكتابة الأهم، من هذا الأساس الواقعي، لتلك الرحلات، والذي يلتقي مع الخيال في القصة. عنوان الرواية «يزول»، وهو هكذا بالعربية كما أرادته الكاتبة، وكما يقول المترجم: «لن يكون درباً من المبالغة إذا قلنا إن هذا العنوان يعتبر تأكيداً على الطابع الكوزموبوليتاني والتعدد الثقافي الذي هو لدى الكاتبة بالأساس، ويعتبر إحدى سمات الكتابة عندها». يحمل فهرس الرواية أسماء مدن وأماكن، فالمكان هو البطل الحقيقي، ثم يأتي الإنسان أو شخوص الرواية، فيما بعد، كحامل لذاكرة تلك المدن، تحدد قدر ساكنيها، فالذاكرة الجمعية هي التي تحمل بداخلها خبرات وذكريات كل منا، ويأتي السرد في بعض المواضع في هذا العمل على لسان الكاتبة، وهذا ما ترسمه لنا على مستوى إنساني فريد، فهذا العمل هو آخر أعمالها حيث توفيت على أرض مصر في حادث سير أليم.

أضيفت في 11 ديسمبر 2017 تاريخ القراءة 31 ديسمبر 1969 الزوار : 2