صدر حديثا هذا العام ديوان شعر بعنوان «رغبة»، عن «نادي تبوك الأدبي» للشاعر حاتم الجديبا. ولنتجاوز هنا عبر هذه الاطلالة السريعة على الديوان مسماه المقتضب، وما تقتضيه تفسيراته من دلالات متعددة على معان كثيرة، قد لا تكون «الرغبة» وحدها - بحد ذاتها - هي المحور الوحيد الذي تدور في فلكه جميع أفكاره وأبرز سماته اللغوية والفنية. ولعل أبرز ما تتسم به التجربة الشعرية لدى حاتم الجديبا - سواء كان من خلال ديوانه هذا أو ديوانه السابق الموسوم بـ«حظي اشتكى حظي» الصادر عام 2013م - هو انه من أولئك الشعراء الشباب السعوديين الذين كانوا ولا يزالون يسعون لتطوير القصيدة العربية المعاصرة - شكلا ومضمونا - ويحاولون اكتشاف صور جديدة للتعبير، تجمع فيما بين الأصالة وروح المعاصرة. ولذلك جاءت لغته الشعرية مخاضا جميلا لبدايات تشكل النص الجديد بلغة بسيطة في تراكيبها ومفرداتها، وشفافة في دلالاتها، مما جعلها تتخذ مسارا متزنا في موقعه بالنسبة للمتلقي، يكمن سر اتزانه أو توازنه في كونه منتجا ابداعيا، تحتل لغته منزلة (وسطية) بين (المباشرة) المنافية للغموض الشعري الجميل، وبين (الرمزية) الفجة الموغلة في تفاصيلها الى حد كبير، والتي قد تحيل «النص الأدبي» في كثير من الحالات الى ما يشبه الطلاسم والمعميات المبهمة والأخيلة المعقدة الممجوجة، المؤدية في نهاية المطاف الى انصراف القارئ أو السامع عنها؛ لعدم تأثره بها أو فهمه واستساغته لها!! وأعتقد أن هناك الكثير ممن يوافقونني على «ماهية» الشعر، ومدى تأثيره فينا، بناء على التعريف المأثور للشاعر العربي القديم والذي كنا ولا نزال نتناقله على ألسنتنا حين قال ذات مرة، معرفا الشعر ببساطة: اذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس جديرا أن يقال له شعرُ. كما أعتقد أيضا أن شاعرا كـ (حاتم الجديبا) قد حافظ على ايجاد مسافة مناسبة ومعتبرة بينه وبين المتلقي، من خلال ديوانه هذا، بحيث لم يكن قريبا منه فيسهل، ولا بعيدا عنه فيمتنع تناوله! وهذا واضح لنا من خلال كثير من القصائد التي ضمها الديوان، وكمثال على ذلك قوله من قصيدة «خيبة»: لماذا سوف يوقظهُ النهارُ ويمسح وجه خيبته الجدارُ؟ لماذا حين تحتشدُ المزايا على فوضاه يجهضها انحدارُ؟. الديوان: ص39. ومن قصيدة أخرى بعنوان «خوف» يقول في مطلعها: للخوف في مضماره جلجلهْ يدمي صهيل العقل بالبلبلهْ يجس أطوال السكوت الذي ينوءُ بالتكشيرة المسدلهْ. الديوان: ص 29.

أضيفت في 09 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 132
قصة رائعة ومؤثرة بحق، تستجدي دموع العين للانهمار حزناً على واقع مر لا نعرف ما إذا كان سيتسنى لنا يوماً الخروج من أتونه أم ستدركنا لفحات ناره التي قد أحرقت كل ما هو جميل في هذا الوطن البائس.. آه كم من مآس تحدث تحت سقف هذا الوطن . قصة الرواية كانت جيدة ولكنني قيمتها بنجمتين فقط لأنها قصة يتسع لها ما لا يزيد عن مائة وخمسين صفحة على الأكثر .. ولكن كاتبنا أحب أن يضيف لهذا العدد مائتين أخريين؛ ولكن من الحشو الصافي النقي الذي لا تشوبه شائبة. فأصبحت الرواية "خاوية" أو تكاد، إلا من الحشو والتفاصيل السخيفة التي لا تهم القصة ولا الأحداث ولا القارئ على حد سواء. وإنما كانت للتطويل فقط ولزيادة عدد الصفحات - وهذا هو الحال مع كل روايات العتوم - حتى تماشي الرواية "الموضة" بأن تكون طويلة فتجذب أنظار القراء ، فيحول قصة رائعة إلى رواية ضعيفة مملة بفعله هذا كل مرة . الراوي المتمرس يجعل التفاصيل في روايته متعلقة بالقصة وتابعة لها. فالتفاصيل إما أن تكون مساعدة للقارئ على فهم الشخصية، أو أن تكون موثرة على مستقبل الأحداث في القصة أو أن تكون تفاصيل شخصية عامة تسهم في تحويل تفكير القارئ إلى الإعجاب بشخصية ما أو كرهها . وما عدا هذه الثلاث فتكون تفاصيل صغيرة تجري في سياق القصة ، لا القصة تجري في سياق التفاصيل السخيفة.. العتوم هو كاتب متمرس ولديه المخيلة والأسلوب وسلاسة الكلمات وإيقاعها وتأثيرها، ودائماً ما يختار قصصه من صميم الواقع المؤلم، ولذلك أستمر بالقراءة له كل مرة. ولكنه مصر دائماً على تشويه الجمال الذي يكتبه بحشر الحشو المبالغ بطوله، ولذلك أيضاً لم يزد تقييمي لرواياته يوماً عن النجوم الثلاث. صفحات الرواية كانت تحليلاً للطقس ودرجات الحرارة ، وجغرافية المكان وتضاريسه ، ودروساً في الجيولوجيا وطبقات الأرض وأنواع الصخور، وعرضاً مفصلاً لتاريخ الاشياء التي كانت تستعملها الشخصيات وأنواع أقمشة الملابس التي ترتديها وتشكيلة الألوان ، عدا عن الفلسفة والروحانيات والسياسة والاقتصاد. فعلاً كانت رواية متكاملة تتناول جوانب الحياة كلها!! وبالطبع نرى بين حين وآخر أحداثاً للقصة مترامية هنا وهناك في غابة التفاصيل . وجدت فيها نوعاً من التسييس، واختلاقاً لأحداث لم تقع ولم أدر لوضعها سبباً، بالاضافة لبعض "التعالي" المبطن والملموس في سياق الأحداث والحوارات . ولكنني خرجت من هذه الرواية بفهم أكبر عن مرض التوحد وشخصية طفل التوحد وكان هذا من أكثر ما أعجبني في الرواية . قصة جيدة أعجبتني وُضعت في إطار روائي سيء كرهته ، فكانت النجمتان كتقييم للقصة دون الرواية. لكن مع كل هذا الذي ذكرت، فأنا على ثقة بأنني سأقرأ مجدداً من روايات العتوم.

أضيفت في 08 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 نوفمبر 2017 الزوار : 73
حبلُ الضجر يلتف حول عنقه، وربما كان الضجر أحد أسبابه في تطريز عباءة العزلة والتدثر بها. إنه الراوي في رواية خليل صويلح «اختبار الندم» (دار نوفل -هاشيت انطوان 2017) الذي أضناه وحش الضجر، وغربة الضجر، وضجر الوقت أمام الحواجز في دمشق الحرب. وهذا الراوي لا يحمل اسماً، شأنه في روايات خليل صويلح. ولكن ليس لهذا فقط، ولا لأنه غالباً ما يروي بضمير المتكلم فقط، يجعل الرواية تنادي السيرة، لتكون سيرة روائية أو رواية سيرية، وليس سيرة ذاتية، وذلك بفعل التخييل فيها، وبفعل اللغة الشعرية غالباً، أيضاً، وهو التخييل المجبول بالحرب السورية التي سبق للكاتب أن خصّها بروايته «جنة البرابرة»، لكنه هذه المرة يجيء بآلية مختلفة لتكون الذات هي الحاكمة للنص، والمحكومة بامتياز بسنوات الجحيم التي بدأت بمن هز أغصان الشجرة، فتناثرت الثمار من حولها، ثم أتى آخرون، وسحقوا بأحذيتهم الثقيلة تلك الثمار، ثم أحرقوا الشجرة. تلك هي السيرة السورية المتفجرة منذ عام 2011. إنها الجحيم الذي لا يقل وطأة عن جحيم المعري، بل هي سينوغرافيا مسرحية باذخة لحشود تائهة بين برزخي الجنة والنار، بل هي تمرد وفوضى، فناء وعدم، زلزال أو لعنة إلهية. وعبر ذلك جرب الراوي كل أنواع الصبر، لكنه لا يعلم كيف احتمل تدابير هذه (الوليمة المتنقلة) من القتل والمذابح والمقابر الجماعية والمجاعات وعنف الأرواح، ما قذف بأفكار الرجل بعيداً، فما عاد وارداً أن يكتب رواية الغراميات المرحة وسط الجحيم اليومي. هذا الراوي الذي يكتب الرواية، سيأخذ على أسمهان مشعل أنها توحد بينه وبين بطل رواية له. لذلك يحسن أن ندع خليل صويلح خارج النص – إلى متى؟- وأن نتابع هذا الذي يحدد حاجتنا إلى معجم جمالي يفسر كيفية الجمع بين ثقل بلطة حادة من مخلفات القرون الوسطى، وتقنية القنابل الذكية في صفحة واحدة. اللغة الميتة بالطبع، لن يعدم هذا الراوي، بل الكاتب نفسه، معارضاً لوذعياً يصم هذه اللغة (الزلزال، المعجم الجمالي) بالالتفاف على الثورة، وبمهادنة النظام. لكن رواية «اختبار الندم» تمضي مخلفةً جثة اللغة الميتة، لغة المحطات الإذاعية المحلية، واللغة الهجينة المحمولة على فحولة راسخة في المرويات الشعبية، ولغة خطباء الجبة الكرنفالية. وتحدد «اختيار الندم» حاجتنا إلى نفض الغبار عن اللغة أولاً، كي ندرك المعنى الحقيقي والعميق للزلزال. تجمع صفحات التواصل الاجتماعي بين الراوي وبين الشاعرة أسمهان مشعل، المقيمة في قريتها إثر طلاقها الذي توّج سبع سنوات من العشق، فالزواج. وقد أخفق الراوي معها أول مرة تحت وطأة صورة الشابة الإيزيدية بهار مراد التي اغتصبها ثلاثون تكفيرياً في يوم واحد. وسيفزع هوس أسمهان العاطفي الراوي الذي كان يحسب أنه بصدد نزوة معها، كعلاج موقت للضجر والاكتئاب والخذلان. وستجمع صفحات التواصل الراوي أيضاً بنارنج عبد الحميد المشاركة في ورشة لكتابة السيناريو يديرها الراوي. وستروي نارنج له قصة مشاركتها في التظاهرات السلمية، فاعتقالها نتيجة إيقاع صديقها حسام بها – والآن هو لاجئ سياسي في ألمانيا – فاغتصابها في المعتقل، وقضم الجاني لنصف أذنها، وحملها منه، فإجهاضها، حتى صارت مثل عربة إسعاف متأخرة تجر خلفها عشرات الجثث قبل أن تودعها ثلاجة الموتى. وتشتبك مع قصة نارنج قصص فرعية، منها ما تكتبه في يومياتها عن المعتقلات اللواتي عرفتهن، ومنها قصة فتاة حي الشعلان التي ظلت ميتة أياماً في بيتها، حتى نهشها كلباها، وقصة يارا بغدادي التي شنقت نفسها في حيّ دمّر بسبب الوحدة. ولذلك وسواه ينعت الراوي دمشق بالمدينة المتوحشة «أهذه مدينة أم غابة وحوش؟» لا يلتفت فيها أحد إلى عزلة آخر. ومن الشوارع، إلى دوائر الدولة، إلى عسكر الحواجز، إلى وجوه سائقي التكسي، إلى حراس البوابات الإلكترونية في الفنادق، إلى وشم العضلات المنفوخة للص سابق يزهو بثياب عسكرية ملطخة بالشعارات الوطنية، إلى... إنها «متاهة اللامعنى»، حيث تخلتط صور الموتى بصور مغنّي الملاهي، وحيث البيرسينغ للشابات، وثقافة البورنوغرافيا كنوع من الاحتجاج والتمرد، وفي فضاء المقهى تدخن المحجبات الأراكيل، ويرابط المحامي الوسيط بين محكمة الإرهاب وذوي متهم ما، ومن خلف الستار يشارك في هذه «العملية» قضاة ورجال دين وزعماء عشائر ورجال أمن... وفي الشوارع تطلق سيارات الشبيحة ليلاً أغاني مقتبسة من لطمياتٍ ومراثٍ قديمة تستعيد روح الحسين. وإزاء هذا الانفجار بالصور الفاجعة، تترك الرواية للسخرية مطرحاً، كأن تجعل بودريار يلعب النرد مع ابن تيمية تحت شجرة مشمش في غوطة دمشق، أو أن تدع كمال علوان يوقّع للرواية بمشروع كتابه الخلّبي عن تقويض إسمنت الدولة، ويحدّث أنه ما إن يذهب ماركسي إلى المرحاض لتفريغ مثانته من فائض القيمة، حتى يجلجل ابن تيمية... والحال كذلك، يقول الراوي: «أنا خردة»، ويرى كل ما يحدث له وحوله نوعاً من الهلاك البطيء، وسيركاً عبثياً، فيه «المسلخ البشري» واختزال الضحية إلى بطاقة هوية يستلمها الأهل، بينما تلف الضحية ببطانية قذرة إلى الحاوية ليلاً، وتسحب البطانية لاستعمالها ثانية. وفي السيرك شاحنات وأسطح مكشوفة، حيث الأقفاص تحشر مئات المخطوفين لدى الكتائب المسلحة دروعاً لحماية دوما أو حرستا في سوار دمشق من قصف الطائرات. وقد عادت الرواية إلى هذا الشطر من السيرك في منتهاها، حيث تفتح شخصية الترجمان الروسي السرد إلى شاحنة تجوب شوارع حرستا بقفص معدني ضخم، يُزَجّ فيه دوستويفسكي، حيث ينتظره تولستوي وبوشكين وتشيخوف وماياكوفسكي وإيتماتوف، ومعهم آنا كارنينا، على رغم أنه ليس في حرستا قطارات كي تنتحر آنا فوق السكة. ظاهرة التعفيش من إحدى ضواحي دمشق – لا يسميها الراوي – جرى تهجير الترجمان الروسي الذي بات ملازماً لمكتبات الأرصفة، حيث استشرت ظاهرة التعفيش، وامتدت إلى الكتب. ومثل هذه الشخصية، تتقد الشخصيات الثانوية في الرواية مثل سميح عطا، الأرشيف الحي لمسرح أبي خليل القباني، وحارسه الذي صار المسرح مقامه بعد التهجير، ويلعب في فيلم قصير تعده نارنج والورشة، دور آخر حكواتي في دمشق (رشيد الحلاق) مات قهراً إثر حرق جماعة تكفيرية – لا يسميها الراوي كما لن يسمي أخواتها – لكتبه القديمة. من النادر أن تلفح النفجة شخصية الراوي، وهو ما يتبدى في العرض الثقافي مثله في العلاقة مع المرأة. ففي الرواية معرض للكتب (أفول الأصنام لنيتشه، سد هارتا لهيسه، الجنس والفزع لباسكال كيتار، اللاطمأنينة لفرناندو بيسوا... وهذا الكتاب الذي ينازع خليل صويلح تطويب خيري الذهبي له: مسامرات الأموات للوقيانوس السيسماطي). وفي الرواية معرض للأفلام، ابتداءً بالفيلم الذي يلوح لعنوان الرواية: الندم للمخرج الجورجي تنجيز أبولادزه، مع التوكيد على رسالة الفيلم: دفن الماضي يعني الصفح عمن دمروا حيوات الآخرين، وهو ما لا ترضى به من تنبش جثة رئيس البلدية إثر كل دفن. وتبدو نارنج إزاء من اغتصبها وقضم نصف أذنها كتلك المرأة، بينما يريد لها الراوي شفاءً من الماضي، وهذه الحالة تخاطب ما هي فيه سوريا منذ استشرى فيها عنف الجميع. صورة شعاعية مع المرأة يسيطر الراوي على نفجته، كما يتبدى بصدد محاولاته مع المصورة جمانة سلوم، صديقة صديقته أسمهان، إذ يفترض أنه لم يخطر لها أن تقيم علاقة معه، وإنما هي أوهامه «كطراز شائع من أمراض الذكورة». وهنا ينبق تبرير أية علاقة شهوانية كطوق نجاة من تبعات حرب قذرة. ولا يكتمل هذا الشطر من سيرة الراوي بثلاث نساء من حاضر الحرب، فيعود إلى أمسها القريب وهنادي عاصي الفنانة التشكيلية التي وقّعت على بيان للمثقفين ضد عسف السلطة حيال الحراك السلمي، فتخفت خوفاً، ثم هاجرت، وزلزلها الزلزال فتحولت الكائنات الأليفة في لوحاتها إلى وحوش مفترسة. غير أن هذا الشطر من سيرة الراوي ينتهي به إلى فاجعة هجرة نارنج إلى ألمانيا، ثم انقطاع أخبارها. فبسفرها ما عادت الأخريات يعنينه، وبسفرها يحاول اختبار الندم بعدسة أخرى – عنوان الرواية – ويجرب جحيماً آخر، مخلفاً جمانة التي يرى أنها تكتب بالصورة تاريخاً مضاداً للحرب، وهذا بحسبانه أقصى ما ينبغي عمله في أزمنة الجحيم للشفاء من مرض الكراهية. يشبّه الراوي سوريا الحرب بصورة شعاعية لرئتي مدخن مزمن، لم يعد فيها مكان للأوكسجين. وتشبّه نارنج سوريا الحرب بالمصحّة، بينما كانت تفكر بفيلم عن بلدة الممرضة ريم صابوني، حيث ذبح ملثمون مسلحون ثمانمئة ضحية. وما ذلك ، كما يحدد الراوي، إلا الفايروس الذي يتسلل إلى أرواحنا، ويفتك بخلايانا، والمصنوع من زرنيخ البغضاء وماء الضغينة وحليب الكراهية. على رغم أن الرواية تتبأر في دمشق، فهي ترمح إلى بلدة الكاتب الشدادة في أقصى الشرق السوري الذي سيطرت عليه جماعة إسلامية متشددة، لا تسميها الرواية أيضاً، وما هي إلا داعش. وكذلك ترمح الرواية إلى اللاذقية، حيث تحولت سينما أوغاريت إلى معتقل، مما رأى فيه الراوي بذرة فيلم للورشة التي يديرها. وتمضي الرواية أبعد مع التهجير واللجوء فتبلغ كيب تاون وانتحار الشابة الكاتبة نايا مروان، أو وفاة المخرج رياض شيافي باريس، ووفاة الفنان محمد وهيبي، اللذين يرثيهما صديقهما الراوي: فلنقلْ أخيراً: خليل صويلح، ولندعْ الراوي ينبش مشروع رواية كان قد أوقفه منذ سنتين، حذراً من الانزلاق إلى مناطق خطرة (ما هي؟) وارتباكاً بين استخدام ضمير المخاطب أو ضمير المتكلم، وهما ما استخدمتهما «اختبار الندم» وإن تكن الغلبة للثاني، انسجاماً مع ما يراه الراوي – مثل كثيرين – من أن كل رواية هي في شكل ما سيرة مجتزأة، وربما سيرة مشتهاة، لكنها ليست النسخة الأصلية.

أضيفت في 06 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 76
لحن الشتاء وآفاق ربيع مفعم بالشجن فريدة النقاش* حالة كابوسية للعالم تتكرر في اعمال القصاصين العرب من المحيط الى الخليج وتكتسب في كل بلد سمة خصوصية. في لبنان حيث عالم "حنان الشيخ" الذي تغزوه الحرب بشكل كابوس، وفي سوريا حيث لا نجد بطلا في قصص زكريا تامر الا قتيلا يحمل جثة نفسه وفي مصر حيث كائنات "براد الشاي المغلي" لمحمد حافظ رجب تدخل في حالات تحول غير بشرية. وحيث تتشوه صورة العالم وتنقلب راسا على عقب في اعمال الجيل الجديد من القصاصين ويتأسس الكابوس في الواقع لا في الحلم ويتخذ صورة الاحتجاج البارد على التحول الوحشي في شكل الحياة. اما الكابوس في قصص عبدالله خليفة فهو بوليسي الملامح مختزل الى مفردات شاسعة تدخل في سياق القصة ببراعة، وتصبح جزءا من نسيجها الحي، تضيء جنبات الحياة الصاخبة وتتبدى جزءا اصيلا من الصراع الضاري في كل تفصيلاتها.. الصراع الذي لا يهدأ ابدا. من مجموعته "لحن الشتاء" سوف نلاحظ ان اختياره لعناوين قصصه التي تحمل هذه الاسماء "الغرباء" "الكلاب" "اغتيال" الملاذ" الصدى" "الوحل" لحن الشتاء" "القبر الكبير".. هو اخيار واع للغاية يحمل في ذاته رأيا وخلاصة.. في مواجهته مجموعة اخرى من الاسماء تحمل بدورها رأيا وخلاصة "حامل البرق" "نجمة الخليج" "السندباد" "الطائر".. ولم تكن عناوين هذه القصص لتستوقفنا طويلا لولا ان صميم بنائها يقوم على ذلك التركيز التلغرافي الذي يكاد يحملها الى ساحة التجريد، ويفتح الباب واسعا للمقاربة بينها وبين قصص محمد المخزنجي ومصطفى حجاب ومحسن يونس في مصر حيث التشابه بين القصر والتكثيف البالغ للقصة من جهة، والغنى الداخلي الذي ينبثق من تركيب الجملة واختيار الكلمات ومركزية الواقعة من جهة اخرى. قصة "الغرباء" تقع في ثلاث صفحات وتسقط من معمارها الاف التفاصيل ليحتشد موعوعها كله في تلك الواقعة المركزية وهي اغتصاب الغرباء لبيت الرجل وتواطؤ بعض اهله في تثبيت هذا الاغتصاب ومن قهر صاحب البيت وجره الى السجن، ويتم ذلك كله في مشهد كابوس يحيلنا مباشرة الى الواقع "الاغتصاب" في اوطاننا والى تواطؤ بعض ابناء جلدتنا في تمهيد الارض له دون ان يسوق الكاتب هذا المعنى من موعظة او اشارة مباشرة للواقع او تعليق منه.. ولكنه يسوق تعبيرا يبدو بريئا وعرضيا للغاية حين يقول: "بعد لحظات كان عدة اطفال صغار يتدافعون الى منزلي، اقصد المنزل". يحمل هذا التصميم والتعريف للمنزل المعنى الابعد والاعمق من الاغتصاب الاني ومن الحدوته، ويستكمل هذا المعنى بعده وعقبه حين يتواصل المقطع قائلا:" وقفوا امامي بدت الدهشة على وجوههم. كأنهم يشاهدون هنديا احمر". يستدعي مشهد الهندي الاحمر في صلته الوثيقة "بتعميم" "المنزل" وتعريفه كل اشكال الاستئصال التي عرفها التاريخ وعمليات الابادة التي تعرض لها البشر من قبل وما زالوا يتعرضون لها. وذلك دون ان يستخدم الكاتب مفردات محددة تحمل هذه المعاني او تدل عليها ويستكمل هذا المشهد المعنى الاكثر شمولا لفكرة الاغتصاب التي تدل عليها الواقعة.. اذ يتجاوز حدود الوطن ليحظى بعالميته دون ان يقدم خطبة سياسية.. حيث يقف صاحب الدار رمزا بريئا لكل المضطهدين والمهانين والذين اغتصبت ارضهم. يتسع عالم عبدالله خليفة لمحنة الطليعة التي تنطح رأسها في صخر الوعي الزائف وغيبة الجماهير وبؤسها والحصار المضروب حولها. كانت باريس رائعة، عرض عليه العمل فيها، لكنه رفض وشرح لهم عن ارضه الصغيرة. ضحكوا عليه لانهم لم يروها عندما بحثوا عنها طويلا، وعندما حدثهم عن قراها واطفالها ونسائها تحولت الضحكات الى وجوم حزن عميقين. هكذا يقول الفتى العائد الذي اختار بؤس شعبه بديلا لالق العاصمة العالمية وافاقها التي لا تحد.. ليقف رغم كل شيء مع هؤلاء الذين "يغطون في سبات عميق" في هذه القصةـ"هكذا تكلم عبدالمولى"ـ نتبين طبيعة القوى الرجعية التي تسوق الناس الى الوراء ورنة الاسى العميق والشجن الخالص وفقدان الصبر الرومانتيكي لدى هؤلاء الذين يسعون لكي يفتحوا للناس باب التقدم الطويل.. يقول الصديق لصديقه القادم من باريس بعد ان اصطدم المرة تلو المرة بجدار الزيف والصمت "انهم لا يرفضوننا ولكن هناك اصحاب مصلحة يدفعونهم لرفضنا. خلفان وعبدالمولى يدفعان لذلك. هل تحسب تغيير الواقع نزهة خلوية..؟". ورغم ان مهنة المثق الطليعي الذي عرف الحضارة الاوربية وتملك جوهرها وعاد مع ذلك الى وطنه المتخلف تأتي هنا في سياق جديد. يتسق مع الحساسية المعاصرة عامة التى تحمل طابع الحدة والتمايز الشديد في الخطوط والمواقف فانها تعيد الى الاذهان على التوحيدة طبيب "قنديل ام هاشم" ليحيى حقي الذي عاد بدوره من اوربا واسئلة بطل "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، وومضات خاطفة من تجربة بطل " الحي اللاتيني" لسهيل ادريس، رغم ان عودة حسين بطل هذه القصة الى وطنه هي عودة حاسمة لا رجعة فيها فاننا نشعر كأنه قدم مختصرا لاجابة واحدة حاسمة مركزة.. "كان امامهما منعطف، قالالاخر: ــ الى اللقاء. ــ لا تيأس يا صديقي. ثم يدور حوار داخلي بين الصديق ونفسه على النحو التالي: "ها هم الاصدقاء في بداية الطريق ييأسون. سوف يستمر عملنا عشرات السنين. سنسير في درب الالام غارقين في برك الدم والوحل. كيف سيظلون معنا؟". فجأة غاصت الدنيا في عينيه وسقط على الارض. تبين بعض الرجال. انطلقوا ينهشونه. احس بلحية عبدالمولى الخشنة. ثم بأسنانه الحادة تقطع لحمه في لذة ونشوة. قال في حزن واسى: ــ كونوا مع الفقراء أيها الفقراء". ويا لها من مهمة. ورغم القضايا الجوهرية التي تثيرها هذه القصة فان بعض مقاطعها تسقط في الانشائية والمباشرة وان كنا سوف نجد لها تبريرا قويا في طبيعة المكان الذي تدور فيه الواقعة المركزية في القرية وهو النادي الذي يريد "حسين" العائد من باريس ان يحوله الى منارة للوعي.. ويستغله الرجعيون لحماية المصالح القائمة. لا يقدم خليفة في قصص المقاومة التي يشبعها انسانية وعذوبة ـ لا يقدم سوى انتصارات معنوية ينسج عناصرها بدأب. في قصة "الصدى" يقوم النائب العام باصدار حكم بالسجن لعشر سنوات على طالب صغير ضبط البوليس لديه الة كتابة واسم البطل الصغير "مهدي" وحين يسأله هل تريد ان تقول شيئا. يقول: "ــ حضرة القاضي . انا اعترف بملكية هذه الالة، وقد كتبت هذه الاوراق حتى يعرف الناس كيف يعيشون ويعملوا لتغيير حياتهم نحو الاحسن، الشعب ينبغي ان يعيش بارتياح، يأكل اللقمة الهنيئة، ويربي الاطفال الممتلئين صحة وعافية، وينام والاحلام الحلوة تداعب اجفانه. انا لا اخشى هذه السنوات العشر فامامي الحياة طويلة، واستطيع ان اتعلم في السجن واغدوا رجلا كالصخرة". واينما اتجه النائب العام يجد ان كلمات الفتى الذي ساقه الى السجن قد شاعت كالريح رغم ان الجلسة كانت سرية..ووجد تعاطفا شاملا مع الفتى الصغير واعجابا بجرأته. "حلم بالفتى الصغير يكسر الاحجار على شاطىء جزيرة صغيرة بعيدة. عندما اقترب منه شاهد الصخور تتفتت بين يديه. وقف الفتى فجأة وراح يصرخ بشدة وعنف، ومضى يقذف الاحجار عليه فاصابه واحد في رأسه. صحى مذعورا وجد الدماء تبلل قميصه وسريره وزوجته وجدران الغرفة..". انه انتصار الفتى السجين.. الذي سيظل سجينا لعشر سنوات من شبابه. تقدم مجموعة "لحن الشتاء" كاتبها ليشغل مكانا مرموقا ومتميزا بين كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي واجدني مدينة له باعتذار انني لم اعرفه الا حين زرت الخليج. وحين يتأمل المرء هذه المسألة سوف يجد ان مهمة اضافية تقع على عاتق المثقف العربي اذ عليه ان يسعى بنفسه الى بلدان وطنه حتى يعرفها على نحو صحيح ما دامت القيود على تبادل المطبوعات صارمة كصرامة البوليس والقوانين المقيدة للحريات التي تمتد على الساحة من المحيط الى الخليج. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * رئيس تحرير مجلة ادب ونقد المصرية

أضيفت في 06 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 67
أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة التشاؤمية كمعيار أخلاقي إنّ السحر الذي يتمتع به ستيفان زفايغ والعمق الذي تفوّق به على كثيرين غيره من الكُتّاب المشهورين عالمياً، قد أباح نفسه في روحي منذ أول قراءة له "لاعب الشطرنج"، ورغم قصر العمل وفكرته التي قد تُعتبر بأنها أحد ضروب الواقعية المضطربة بشخوصها، من خلال غرابة الأحاسيس التي تنفذ في صفحاتها، رغم واقعية كل شيء بها، إلا أنها تركت صورة في مخيلتي، بأن قراءة هذا الرجل تتفوق في حدتها وأخلاقيتها ورعبها ما تتمتع به قراءات كافكا ودوستوفسكي ودانتي وبروخ. لقد تركت في داخلي إعجاباً قلّ مثيله أثناء قراءة كتاب ما. وشعرت أن قراءة زفايغ يجب أن تترافق لمستوى من التحضير النفسي قبل الغرق في صفحاته كي يستطيع القارئ النفاذ إلى المخيلة الأكثر رعباً في معناها الأخلاقي. عندما بدأت بهذه الرواية "أربع وعشرين ساعة في حياة امرأة" أُصبت بلعنة البطء في تتبع كل كلمة والتلذذ النادر في التفاصيل وفي الرؤى الأخلاقية لشخوصه، وهي من الأشياء القليلة الحدوث في قراءة رواية ما، وعندما أنهيتها أدركت بأن انتحار زفايغ عام 1942 في البرازيل هو أمر طبيعي لرجل مثله، عانى دائماً من مستوى أخلاقي رفيع في هذا العالم، محاولاً التعبير بكل قوة عن أزمته الوجودية دون جدوى. خلال مئة صفحة حاول زفايغ معالجة مسألتين فيهما من التنبّه والعمق ما جعلني أعود للوراء في روايتين قبله ناقتشا المسألة من منظور آخر واُعتبرتا حتى اليوم مرجعاً للتفسير النفسي والأخلاقي، لكن زفايغ رمى بأوراقه المائة ليعيد تشكيل العالم، وليهدم منظومة مُشرّعة، دون أن يلتفت أحد إليها حتى وقتنا الحاضر. إنها تماماً تشبه نظرية الفن لأرسطو التي بقيت مُتبعة في العالم لعشرات القرون، لكن عصر التنوير أزاح اللثام عن تلك النظرية العتيقة ليبدأ عصر عالمي جديد في الفهم. بمثل ذلك الشكل زرع زفايغ في قلبي رؤية مختلفة عن معالجتين قديمتين، وهما ما سنناقشهما هنا، "النظرة الأخلاقية من منظور تشاؤمي". الأولى هي معنى سقوط الإرادة الأخلاقية والاندفاع الإنساني كصورة قدمها يوماً فلوبير في مدام بوفاري، والثانية هي الهوس المميت والنهاية البشرية التابعة لها كما قدمها دوستوفسكي في المقامر. وبرغم أن كلتا الروايتين مستقلتان بالمعنى التطوري للحدث الدرامي في كل منهما، لكن زفايغ استطاع مزج الفكرتين في عمل واحد وقصير، وهذا بحد ذاته يدلل على عبقرية فطرية في التعامل مع الأدب. في سقوط الإرادة الأخلاقية: منذ قرن ونصف تقريباً ظهرت مدام بوفاري للنور، وتربّعت مباشرة على العرش الأخلاقي لتاريخ الأدب، وبقيت للوقت الحالي من أهم العناصر التي يتم الاستشهاد بها بمعنى الانحطاط للسلوك البشري، رغم إشكاليتها المطروحة (لدى البعض) بأنها تصوير للصراع بين الواقع والرغبة. فإيما بوفاري ذهبت إلى أقصى حد في محاولة اكتشافها لمعنى الذات، فهي المتنقلة بين إحساسها بالغفران الذي تلقته من الكنيسة وبين قراءاتها الكلاسيكية التي زرعت في مخيلتها رؤى للعاطفة، لكن بعد زواجها اكتشفت تقليدية الحياة ومللها واعتيادية الحب والجنس. ذلك الاكتشاف الذي دعاها للتمرد على النموذج الأخلاقي المتعارف عليه، فتنقلت بين عشاقها وزوجها لينتهي بها المطاف منتحرة. إن تجربة إيما بوفاري هي تجربة اكتشاف محض وبحث عن المعنى الشخصي للوجود، وهذا ما عرضه زفايغ مع شخصية بطلته الإنكليزية السيدة "س" بمستوى إحساسها لفكرة الانحطاط التي كانت تسير إليها مع إدراكها لسوء الأمر، مع فارق أن السيدة "س" كانت تجربتها آنية، ناتجة عن مجموعة من التناقضات اللحظية بين فعل الخير والانزلاق إلى العهر (المرفوض اجتماعياً). إنّ خط الحياة لدى إيما، يشبه خطاً أفقياً يتصاعد ليصل إلى ذروته، إنه نمط التطور الكلاسيكي للواقع، فمن الطبيعي بعد كل تلك التجارب ستؤدي بوفاري غايتها للوصول إلى ذلك المستوى من النهاية المتجلي بالانتحار، لكن خط حياة السيدة "س" يشبه المنحني الذي يكون في الأعلى ليهبط للأسفل ثم يرتفع ويكمل حياته كمعنى أخلاقي رفيع في الوجود دون أن يعلمه أحد. وبرغم أن إيما أكثر تحرراً بالمعنى العقلي، رغم لا عقلانية السلوك، وأكثر قدرة على التفكير والموازنة والاختيار كإرادة حرة، لكنها سقطت في النهاية كتعبير عن الرفض الذاتي لسلوك الحياة الذي أرادته ولم ترده بنفس الوقت، لكن السيدة "س" كانت تجربتها الآنية بمثابة اندفاع عاطفي غير عقلاني، ورغم سقوط إرادتها لحظياً لكن احتفظت بالسر الذي أبقاها كمنتصر في عملية الصراع الأخلاقي وأمام مجتمعها. إنّ المميز في شخصية السيدة "س" هو بالضبط تلك اللاعقلانية في التعامل مع تجربتها، الذي من المفترض كسلوك طبيعي أن تصبح الإرادة الحرة فيها مستباحة، نتيجة اللاعقلانية والعاطفة الاندفاعية، وبالتالي السقوط المشابه لبوفاري .. لكن ما الذي جرى وأنقذ فعلياً السيدة الإنكليزية من المصير البوفاري !! قد تبدو للوهلة الأولى أن التجربة الوحيدة في الأربع وعشرين ساعة لم تكن تكفي السيدة "س" لذلك السقوط، فإيما اتخذت خط حياة طويل بينما "س" لم تستغرق يوماً. ذلك الفارق الزمني قد يبدو سبباً منطقياً لدى البعض، لكن المسألة ليست بهذه السطحية، فالزمن لا يقارن بالمعنى العاطفي. يعرض زفايغ المعالجة الأخلاقية للسيدة الإنكليزية في حديثها عندما تقول: - ووسط هذه الغرفة القذرة وأثاثها البالي، في نزل الزنا هذا، الكريه والمتسخ، غمرني فجأة شعور رائع بمعجزة وتطهّر، كذلك الذي أشعر به داخل كنيسة. وقد وُلدت فيّ من اللحظة الأكثر رهبة في حياتي، لحظةٌ ثانية أكثر قوة وإدهاشاً. كانت تلك اللحظة للسيدة، لحظة إدراك داخلي بالعهر، لكن فيها شيء من إنقاذ الإنسان من الموت، إنها خليط بين الرأفة والحب الغامر، وقد رسمه زفايغ باحتراف قلّ مثله. إن كانت بوفاري قد اختبرت التجربة بمعناها البحثي عن الذات وانتهت بانتحارها نتيجة طغيان الفكرة على الجسد والواقع، وسيطرة رغبة تملّك كل شيء على قبول ما لديها، فالسيدة "س" اختبرت التجربة بصيغة الإنسان الواقعي (رغم عاطفيته المنطلقة) الذي قد يرضخ لمتطلبات الرأفة الشخصية والتي تتحول إلى عشق، وذلك ما أدى بها في النهاية للاستمرار بحياتها والاحتفاظ بالسر لأربعين عاماً لاحقة. ما حكم السيدة الإنكليزية هو الاندفاع العفوي لرفض فكرة الموت الذي شاهدته في بطل العمل (الذي سنناقشه في القسم الثاني)، فكل ما فعلته كان بدافع الإنقاذ، لكن بالنتيجة أدى بها إلى عشق أفقدها رونق الشرف الأنثوي (بحسب منظورها). هنا تتجلى اللحظة التشاؤمية لدى زفايغ بمعناها الأخلاقي، فعدم سقوط السيدة "س" في المصير البوفاري هو بسبب الحامل الذي رسمه زفايغ (المقامر). إنّ مستوى انحطاط شخصية البطل، وهبوطه إلى القاع رفع من الشأن الأخلاقي للسيدة. نشاهد التصوير البوفاري كرغبة عندما تقول: - لو تشبّث بي ذلك الرجل حينها، لو طلب مني اللحاق به، لذهبت معه إلى أقاصي العالم، ولطّخت شرفي وشرف أولادي، ولهربت معه غير عابئة بأقاويل الناس ولا بضميري ... لضحيت من أجل هذا الرجل بمالي، واسمي، وبثروتي، وبشرفي .. ولتسوّلت من أجله، ولعلي ما تورعت عن قبول أي دناءة في العالم يجرني إليها. ولكنت لفظت جميع ما يُسمّى في المجتمع عفة واحتشاماً، لو تقدّم نحوي فحسب، وقال كلمة واحدة، لو تقدم خطوة واحدة، لو حاول أن يحضنني، لكنت في تلك اللحظة ضائعة ومرتبطة به إلى الأبد. تلك العاطفة المهدورة والتي كادت أن تقوم بعمل الانحطاط لولا تشاؤم البطل المطلق بعد خسارته في المقامرة ورغبته بالموت، كانت تلك العاطفة قد تجلت بأشنع صورة تشاؤمية يمكن لتاريخ الأدب رسمها، لو أنّ البطل قال كلمة واحدة وبقي مقامراً، لكانت السيدة الإنكليزية قد أصبحت مقامرة مثله نتيجة عاطفيتها، لكن عدم قوله والتطور الدرامي للأحداث الذي من خلاله توقف عن لعب القمار لوقت قصير قبل أن يعود والصراع بينهما بعد الوعد الذي قطعه على نفسه في الكنيسة، هو من أنقذ السيدة من ذلك المصير البوفاري قطعاً، والذي سيؤدي بها إلى الموت عاجلاً أم آجلاً. بهذا المعنى تجلت الإرادة الحرة وسقوطها بشكل عكسي أدى للاستمرار، وهو ما خلق لدى زفايغ رؤية جديدة حول معنى الانحطاط وكيفية تحويله إلى عنصر أخلاقي مجتمعياً، رغم إحساسها لأربعين عاماً بالذل الشخصي. إن انسياق السيدة وراء العاطفة قدمها كنموذج أخلاقي لكن بانحطاط داخلي لم يظهر، لأنها لم تمتلك تجربة البحث المستمر على طول خط الحياة عن الذات كما فعلت إيما بوفاري. وهنا يتجلى المعنى الحرفي لفكرة زفايغ، أنّ الصورة الأخلاقية مجتمعياً لن تُصاب بزلل، وستبقى محافظة على فكرة الإرادة الحرّة (توهماً) ما دامت خاضعة لمنطق عدم البحث عن المعرفة والذات. في الهوس المميت والنهاية البشرية: لم يعرف العالم الأدبي صورة أكثر قوة وتعبيراً عن المقامر وتجليه في الحياة إلا من خلال البطل "ألكسي إيفانوفتش" التي قدمها فيدور دوستوفسكي في رواية المقامر. فتلك الصورة التي رسمها فيدور أوضحت بشكل جلي معنى الهوس البشري بأمر ما. المعرفة بالسلوك السلبي للمقامرة، والرغبة بالخلاص منها، والخسارة الدائمة، والعودة إليها. كل ذلك يتجلى في عمل المفامر، لكن الميزة الأساسية له والتي افترضها فيدور كانت في ختام العمل عندما يطلق "ألكسي إيفانوفتش" عبارته الأكثر شهرة في تاريخ الأدب: - غداً .. غداً سينتهي كل شيء. بذلك الشكل الساخر أغلق دوستوفسكي عمله تاركاً بطله ألكسي يقوم بآخر مقامرة له قبل عودته إلى بلاده. لكن تلك السخرية الضمنية في العبارة توضّح تماماً، لا شيء سينتهي، فهوس المقامرة مثل أي هوس آخر، والوعد الذي قطعه على نفسه بأن غداً سينتهي كل شيء، ليس أكثر من كلام مقامر. بذات الشكل يقوم زفايغ برسم ملامح بطله المقامر الذي يخسر مقامرته في بداية العمل، ويصفها زفايغ أيضاً بطريقة أكثر من رائعة باختلاجات اليدين وبالمشاعر التي ترتاد البطل وإحساسه بالهزيمة اتجاه الكون لا اتجاه ذاته فقط. كل تلك التوصيفات يركّبها زفايغ ليطرح الإشكالية برغبة بطله بالانتحار. إنّ ألكسي إيفانوفتش يشعر بالسوء لخسارته وقطعه لوعوده، لكن بطل زفايغ يشعر برغبة الموت، مع توافر الهوس لكليهما، لكن ألكسي في صورته الانحطاطية مندفع للحياة وباحث عن أي وسيلة لجلب الأموال من أجل إعادة المقامرة، بينما بطل زفايغ أكثر طفولية، إنه مهووس دون البحث عن مورد الهوس، دون السعي، إن خسارته هي بمثابة موته. يعرض زفايغ مع قصة السيدة "س"، قصة بطله المقامر الذي تحاول السيدة إنقاذه من الموت وتقع في حبه، ويشعر البطل بأن ملاكاً أُنقذه، وهو ما يُسيء شعورياً للسيدة "س" بأن نظرة الرجل الذي أحبته هي نظرة لملاك وليست لأنثى. لكن هل كان بطل زفايغ يهتم بكل تلك التفاصيل الأنثوية باعتباره مقامراً مهووساً !! بالتأكيد لا. بعد الوعد الذي قطعه وسفره المفترض والأموال التي أعطته إياها السيدة للسفر، تعلو مشاعر الحب في قلبها فتلحقه إلى المحطة حيث القطار انطلق، فتعود خائبة وتسير في كل الأماكن التي ارتاداها سوياً بما فيها أول تعارف بينهما، صالة القمار. هناك تشاهده جالساً يقامر. لقد أخذ أموالها ولم يسافر. تتجلى تلك اللحظة المهووسة بنزوع الإنسان إلى كل شيء إدماني. تحاول إيقافه عندما يدفعها صارخاً بها أن تدعه وشأنه وهو يرمي في وجهها أوراقها المالية التي أعطته إياها قبل يوم، واصفاً إياها بالعهر بعد أن أمضيا ليلة في نزل حقير. كان ذلك المشهد هو المنقذ للمصير البوفاري للسيدة "س" وسقوط البطل في القاع. هنا يمشي زفايغ بذات الإيقاع النفسي مع رؤية دوستوفسكي حول هوس المقامرة، لكن بعد ذلك يجري شيء ما يشق الصورة الافتراضية للمقامر التي صنعها فيدور باعتبارها الصورة الأكثر كلاسيكية حول طبيعة المقامرة. يخبرنا زفايغ في نهاية العمل وبعد رحيل السيدة "س" بسنوات، أن البطل قد انتحر في صالة قمار قبل عشر سنوات، في تلك اللحظة لا تشعر بأي مشاعر اتجاه ذلك الذي عشقته يوماً، بل على العكس تشعر بالراحة أنها لم يعد بإمكانها لقاءه مرة أخرى. إنّ انتحار بطل زفايغ هو الصورة الأكثر تطرفاً في معنى الهوس، فدوستوفسكي قدّم فكرة الهوس البشري باعتباره الصيغة الوحيدة لتكوين هدف يمكن للإنسان الاستمرار في الحياة من خلالهن لكن زفايغ كسر تلك الصورة النمطية بانتحار بطله .. هل يمكن لمهووس بشيء ما، يشعر بأنه إله أثناء قيامه بهوسه، أن يُنهي ذلك الهوس لمجرد هزيمة !. بالطبع صورة زفايغ متطرفة قليلاً بمنحاها العقلي ومغايرة كلياً لصورة فيدور التي أرادها تكاملاً هوسياً للإنسان، لكن صورة زفايغ أكثر راديكالية وتجذراً بالمعنى التاريخي للأخلاق، إنها بالضبط الرؤية التشاؤمية التي ستتجلى بأكبر صورة لمعنى العدم البشري. كان بإمكان بطل زفايغ أن يقول كلمة واحدة للسيدة "س" ويحصل عليها، وهي بدورها ستكون مستعدة للسقوط معه في أشنع صورة أخلاقية ممكنة، وكان بإمكانه أن يحصل على الأموال من خلالها ويبقى مقامراً. لكنه لم يكن يريد سوى هوسه المميت، وهنا تتعارض فكرة البطل المقامر بين فيدور وزفايغ .. فألكسي إيفانوفتش مقامر ساخر ومندفع للحياة وللمقامرة ومستعد لفعل أي شيء، أن يسرق أو يتحايل أو ربما يقتل في سبيل مال للمقامرة، إنها بالنسبة إليه فعل متعة وشعور بالانتصار، لكن بالنسبة لبطل زفايغ إحساس عميق بالوجود وأهمية الذات مع الكبرياء الخالص لمعنى الإنسان، وهذا هو دافعه الحتمي للانتحار، رغم انحطاطه في السلوك الذي مارسه مع من وهبت له قلبها. من خلال هذه البنية نستطيع فهم الصورة التي أرادها زفايغ ببطليه "السيدة س والمقامر" إنها محاولة تقديم صورة الإنسان المثالي بكل أخطاءه وكبرياءه. الصورة الأكثر تشاؤمية للمعنى الأخلاقي لإنسان أوروبا والعالم. أعتقد أنّ هذا العمل "أربع وعشرين ساعة في حياة امرأة" غيّر بنية كاملة في المعاني للصور المتعارف عليها في نظرتنا الأدبية والحياتية، وزفايغ أحد القلائل الذي أمتلك مشروعاً فلسفياً فردانياً ومغايراً عن أدب النصف الأول من القرن العشرين.

أضيفت في 06 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 14 أكتوبر 2017 الزوار : 77