( أمي ماتت اليوم ، وربما كان ذلك بالأمس ، لست أدري ! فقد تلقيت برقية من دار المسنين تقول : " ماتت الأم ، الدفن غدا ، تحيات طيبة " وهذا  يعني شيئا فربما كان ذلك بالأمس. )  هكذا تُفتتح الرواية على لسان بطلها الذي لا تحرّك فيه وفاة أمه كثير ضجة ، بل إنه يفكر في ترتيب أموره واستعارة ربطة عنق سوداء من جاره الذي مات عمّه قبل أسبوع ،والتفكير  في التقديم على إجازة سيضج منها المدير ! هاهو  يسير في إجراءات الدفن محاولا أن يستجمع شيئا من الانفعال فلا يأتيه شيء ؛ مما يثير الشكوك حوله ، إن  هذا التبلّد سيؤخذ عليه  في نهاية الرواية دليلا على إدانته بجريمة قتل هو منها في خلط ... ربما لا يدري ! هذه الـ ( ربما ، لا أدري ) ستحلّ على مدار الرواية وكأنها ثيمة الشخصية المحورية ، حتى  أننا قد ننسى أحيانا اسم البطل ولكن لن يغيب عن ذهننا أن أولى كلماته دوما هي ( ربما ، لا أدري !) .ومن العجب أن الشيء الوحيد الذي تحمس له ذات ليلة خلال تناول العشاء في مطعم صديقه (سيليست) ، حين طلبت منه امرأة عجيبة مشاركته الطاولة لازدحام المكان ،وأخرجت من حقيبة اليد قلما ومجلة تُعنى بمواعيد البرامج الإذاعية الأسبوعية وراحت تضع علامات على البرامج كلها .. وعندما همّت المرأة بالانصراف خرج وراءها وراح يتبعها ، حتى فقد أثرها ..ثم مالبث أن نسيها !! إن استجابته لكبريات مجريات الأمور تأتي في حالة من البلادة، وكأن الأقدار كانت تضعه حيث لم يضع هو نفسه، لأن الحياة نهر لابد وأن ينهار ، ومهما حاولنا أن نتوخى السير بجوار الخوف فإن طبيعة الجريان القوية لابد وأن تطال سكينتنا المزيفة ! وهكذا باغتت (ميرسو)-بطل الرواية- الجريمة ..( أطلقتُ طلقات أربع على جسد هامد كانت تختفي داخله إلى الأبد ، لقد كانت كطرقات قصيرة أربعة ، طرقها على باب الحزن والأسى ). فعلى الرغم من تورطه الواضح في الجريمة لم يضع لنفسه محاميا إذ كان يظن أن الأمر سهل !حاول المحامي أن يجمع معلومات عن حياة (ميرسو) الخاصة ،فلما سأله المحامي عن سبب ظهوره قليل التأثر يوم دفن أمه ، أجابه :( إن طبيعية تكويني تجعل احتياجاتي الجسدية تتعارض – في غالب الأحيان – مع مشاعري : ففي اليوم الذي دفنت فيه أمي كنت متعبا وفي حاجة إلى النوم ، حتى إنني لم أشعر بما حدث ، أما الشيء الذي أستطيع أن أجزم به فهو أنني كنت أفضِّل ألا تموت أمي ، ولكن المحامي رد قائلا : إن ذلك ليس كافيا !).وكذلك عندما سأله قاضي التحقيق إن كان يحبّ أمه ، كانت ردة فعله هي اللاأدرية القابعة خلف الاحتمالات ( نعم ، مثل كل الناس !)  ولتجاوز هذه الحالة المقيتة انتقل القاضي إلى السؤال المحيرِّ ( لماذا انتظرت بين الطلقة الأولى والطلقات التالية ؟.. و هل أنت نادم على اقترفته يداك؟)  أجاب " إنه ليس ندما حقيقيا ، لكني أشعر ببعض الضيق !" . وهكذا عُقدت جلسات المحكمة، وبعد تكرار مملّ وشائك لذات الأسئلة لم يجد (ميرسو) أن يجيب النائب العام عن سبب كل المواقف الغريبة والحالة النفسية المتوحدة التي يعيشها إلا أن يقول -و بما يثير الدهشة مجددا- ( إن ذلك قد حدث بسبب الشمس !) إثر ذلك حدث ضحك بالقاعة، وهزّ المحامي كتفيه، وحاول أن يقدم صورة عن حالة موكله غير القابلة للتعليل (أستطيع أن أقول : إنني كنت أقرأ فيه كالكتاب المفتوح... إنه رجل أمين ، يعمل في انتظام ، ومن غير ملل أو كلل ، ومخلص للمكان الذي يعمل فيه ، ومحبوب من الجميع ، ومشارك في مصائب الآخرين ، كما أنه كان مثلا للابن البار الذي ساعد أمه قدر استطاعته ، في النهاية كان يتمنى أن تجد أمه العجوز الراحة في داخل دار المسنين بحسب موارده المحدودة التي يحاول توفيرها لها !).. ترى كم واحدا منا أمينا كهذا الغريب في أداء واجباته الحياتية ؟؟ ومع ذلك ، فعندما نقع في الخطأ أو ما يُتصور أنه خطأ ، يأتينا الحكم قاسيا من أطراف الحياة وأبعد نقاط اللّوم !! تقعد بنا رواية الغريب أسرى مشاعر مختلطة بين الرحمة والاشمئزاز ، الرحمة لذلك الشخص الغريب الذي لم يقترف يوما شيئا في حياته، لأنه لم يعتبر نفسه يوما ما شيئا أصلا ، والاشمئزاز من الحياة التي لم ترحم عزلته فتلقي عليه ظلالها السود لتوقعه في جريرة لم يستطع حتى أن يصفها أو يصف مشاعره تجاهها رغم وضوحها ! الصفحات الأخيرة من الرواية تبرز لنا جانبا عميقا من شخصية الغريب ، فالوصف المفصل للأيام والليالي التي تسبق حكم الإعدام ، تصدمنا بدقة الشعور الذي كان عليه الغريب ، وفصاحة تحليله للأقدار التي مرت به وكأن وجوهنا الخفية  تأبي إلا أن تهزم الحياة -لو أنها استفاقت- ولو في نهايتها ! المشكلة التي عانى منها (ميرسو الغريب) ، هي أنه قد ترك العادات الحياتية تنهش منه إنسانيته ، فقد ضاع من ضميره الإنساني كل ما به من أوهام ، وضاعت من إنسانيته مادة الإنسان المتمثلة في مجموعة المشاعر ، ولم يبق داخل كيانه سوى وزْن يجره إلى سجن العادات . يتضح ذلك من خلال لزومية مفردات العادات التي ترافق وصفه لحياته ( كانت – أمي – تبكي كثيرا في الأيام الأولى ، وكان ذلك بحكم العادة ..)حتى هو نفسه يوم أدخل السجن كانت يشعر بعنف التحول من رجل طليق إلى إنسان مقيّد ، ولكنه مع الوقت الذي استمرت فيه المحاكمة عاما كاملا ، كان قد  تعوّد على أفكار السجناء ( لقد تعودت على السجن تماما ، حتى إنهم لو جعلوني أعيش داخل جذع شجرة جاف – دون أن يكون لدي شيء أفعله سوى النظر إلى السماء التي فوق رأسي ، فإنني لابد أن أتعود شيئا فشيئا على ذلك !) حتى التفكير بالنسبة له لم يكن نشاطا ذهنيا فريدا للعقل الإنساني ، بل حالة تعوّد تجبرنا عليها تقلبات الحياة ( فليست هناك أفكار لا يمكن ألا تتعوّد عليها !) ولعل صفة "الغريب" التي أُلصقت بميرسو – وذاتها التي حملتها الرواية اسمًا – إنما مردها إلى تقرير أن الغريب ليس سوى عبد آلي لمجموعة من القوى الداخلية والخارجية ، ولقد راحت تلك القوى تدفعه إلى أن صار غريبا عن الآخرين ، ثم انتهى به الأمر إلى فقدان أفكاره حتى أصبح غريبا عن نفسه أيضا ...هكذا إذا نصل إلى أن نصبح أشخاصا ( غريبين ) حين نسمح للمعتاد ، وللفعل و ردة الفعل ، أن يحكما حياتنا ويتحكما بمصائرنا ! ( وللمرة الأولى منذ وقت طويل تذكرت أمي ، وبدا لي أنني قد فهمت لماذا اتخذت لنفسها " صديقا " في نهاية حياتها . لماذا كانت تريد أن تبدأ من جديد . فهناك ، ومع اقتراب الموت ، كانت أمي مستعدة أن تبدأ الحياة، ليس لأحد قط الحق في أن يبكي عليها ، وأنا أيضا أحسست أنني مستعد أن أبدأ الحياة من جديد ، وكأن تلك الغضبة الكبرى قد خلصتني من الشر وأفرغتني من الأمل . في ذلك الليل الذي يفيض بالنجوم ، أحسست للمرة الأولى بعذوبة و رقة اللامبالاة ، وأحسست أنني كنت سعيدا في يوم من الأيام ، ولازلت حتى الآن ، أتمنى أن ينتهي كل شيء ، وأتمنى أن أكون هناك أقل وحدة من هنا ، ولم يبق سوى أن أتمنى أن يكون هناك الكثير من المتفرجين يوم الإعدام ، وأن يستقبلوني بصرخات الحقد والغضب !)

أضيفت في 02 يونيو 2015 الزوار : 3
يقدم الروائي الإنجليزي جوليان بارنز في روايته "الإحساس بالنهاية" الفائزة ببوكر العالمية عام 2011 درسا عن التاريخ حين توكل مهمة كتابته إلى ذاكرة تسقط الكثير من وقائعه، وتختبئ أحداث أخرى منه في شقوقها. غير أن التاريخ الذي يعالجه بارنز روائيا هو الذاتي لا الموضوعي، الذي تصح معه مقولة إنها "أكاذيب المنتصرين". يروي المسن المتقاعد "أنتوني ويبستر" وقد مضى إلى عتبات نهايات عمره حكايته، مبتدئا بها منذ بواكير تشكل الذاكرة من على مقاعد الدرس، هناك في البدايات حيث دروس أولى في الأدب وأسئلة مزعجة عن ماهية التاريخ، وكأنه تمهيد لأسئلته هو ولعمره المديد عن كيف يبنى التاريخ بوساطة ذاكرة ينقصها التوثيق الحقيقة المطلقة في تلك البدايات ينتحر الفتى "روبسون" ابن السادسة عشرة، هو انتحار أول يلحقه في أحداث انتحار صديقه الفيلسوف أدريان الذي ظفر بحبيبة أنتوني "فيرونيكا"، ومع الانتحارين تطرح الرواية سؤال الوجود والعمر والذاكرة والندم الذي يتلاحق أحداثا وتداعيات في لغة فكرية وفلسفية عالية. يتكئ بارنز في روايته، الصادرة ضمن سلسلة "إبداعات عالمية" من ترجمة د. خالد مسعود شقير، على مقولات الروائي والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو التي نثرها في أسطورة سيزيف، باعتبار الانتحار هو الحقيقة الوحيدة، لكنه لا يفصح عن ذلك إلا في استشهاد سريع في نهاية الرواية. ويتدفق الروائي الإنجليزي في عمله السردي المزدحم بالأفكار والصور ضمن سياق تقني ينحو بالرواية نحو أسلوب مدرسة تيار الوعي، سامحا لأفكاره وسرديته بالانسياب دونما ضوابط. ويميل بارنز في بنائه لشخصياته إلى قاعدة الثنائيات والمفارقات، وتمثل الحبيبة "فيرونيكا" التي هجرها أنتوني وارتبطت بأدريان صديقه بعد ذلك، الوجه المناقض لزوجته فيما بعد "مارغريت"، فالأولى شديدة الغموض والأخرى شديدة الوضوح، وكأن الحب الذي لا ينساه السارد أنتوني ويلاحقه طوال الرواية هو الغموض، في حين الزواج يتطلب وضوحا شديدا مثلته مارغريت ثنائيات ومفارقة يقول أنتوني وقد تنازعته الشخصيتان "كنت بمفردي مع صوتين يتحدثان بوضوح في رأسي، مارغريت تقول "أنت الآن بمفردك، وفيرونيكا تقول "أنت لم تفهم الأمر..، لم تفهمه قط ولن تفهمه أبدا". في الرواية تأمل أنتوني للحياة ومساءلة للذي انقضى من عمره وإعادة ترتيب الأحداث كما تشي بها ذاكرة تتقطع فيها الأحداث ولا تتصل، وبين الحاضر والماضي الذي يهيمن عليه يمضي في حياته وحواراته التي تكاد تأخذه إلى إحساس عميق بالنهاية. فهو الذي عاش حياته بحذر ولم يعرف عنها شيئا، لم يكسب ولم يخسر، بل سمح للحياة بأن تمارس معه لعبتها فقط، ولم يكن ليحصل له ذلك وهو المليء بالطموحات لو أنه لم يختر تفادي الألم وأسمى ذلك بالقدرة على البقاء على قيد الحياة. ضحى بحب وغادره لمدة أربعين عاما، لكنه ظل يطارده طوال حياته وهو الذي ظن أنه تخلص منه تحت الشعور بالإهانة. تقدم رواية بارنز الحائز على جوائز عالمية عن مجمل رواياته منها "سومرست موم" عن روايته "مترولاند"، درسا مؤلما وبليغا عن محاولة الهروب من ماض يظل يلح على الحاضر، ومرافعة بليغة عن الزمن وثقله على الكائن البشري، وأبعد من ذلك النفاذ بأسئلة عميقة عن الحياة وتحولاتها، بما هو سؤال الإنسان الأزلي الذي يسير حتما إلى نهايته

أضيفت في 02 يونيو 2015 الزوار : 4
عنوان المجموعة "ظلال وارفة"؛ يمثل مدخلا رقيقا إلى الشاعرية التي تحكم هذه المجموعة، وتسري في مفاصلها، وتؤكد على شاعرية المؤلفة التي عبرت عنها نظما في المجموعتين اللتين سبقت الإشارة إليهما، وعبرت عنها نثرا في السياق القصصي الجميل في هذه المجموعة القصصية وغيرها. وبصفة عامة، فالشعر يمثل للكاتبة حياة كاملة تظلل ما تكتبه بظلال وارفة، وهو ما عبرت عنه بقولها: "منذ بدء الحنـين، كانـت القصيـدة ولم تـزل، تتعمق كوشـم صارخ فوق جسدي، هـي لقـاء في سمـاء متوضئـة بالسـؤال، أبتعـد عنها كلمـا أحرقني الواقـع بفيـض يغمـر شاعريتي، لأتجه صوب وجهها الغائب في ثنايا السرد، ألج عنفوان القصة القصيـرة، فأنبتـتـني أول مجموعة: "إيقاعات في قلب الزمن"، و تقول: الكتابة: "نهر من أزهار وأطيار وأشواك وعلامات، تبوح بأسرارها..". وروح القصيدة موجودة في المجموعة التي بين أيدينا – أعني ظلال وارفة – وتهيمن على أهم خصائصها ومميزاتها التي يمكن الإشارة تلمسها في حضور المكان والأمومة والطفولة والحياة الزوجية والتحول السلوكي والتناص والتضمين والمجاز. وحضور المكان في المجموعة قائم بقوة : البيت – المدينة – البحر - الطريق – مكان العمل أو الدراسة أو المصنع أو مرتيل أو الغرب الإنجليزي. والمكان يمثل منبعا للشاعرية الجارفة، سواء بالحب أو بالرفض، وهو رمز الحنين والانتماء، وهو أيضا مفجر أحاسيس الغربة، والكاشف عن قسوة الأجانب وبرودهم وتعاملهم المادي الذي لا يعرف معنى التراحم والمودة. يدرك ذلك من فارق الوطن وذهب إلى بلاد غريبة، لا أهل فيها ولا خلان، ففي قصة رجوع نرى البطل المغترب يرثي نفسه، وقد تحول إلى مجرد آله بلا روح، مما يدفعه إلى القول :"كنت أتمنى أن أكون ثورا في بلدتي على أن أعيش هنا بهذه الطريقة. لم يعد عندي إحساس بالفرق بين شيء وآخر، أصبح رحيل النهار كرحيل الليل، وأصبحت أعيش خارج حدود الزمان والمكان " ص 15. ثم تتفجر مشاعره وأشواقه إلى أهله وموطنه، والبحر الذي عاش بالقرب من شاطئه، وكأنه يعيدنا إلى المتنبي وهو يحن إلى أهله، والشاعر المعاصر الذي يحن إلى أمه وخبزها وقهوتها، يقول: "اشتقت إلى حنان أمي، إلى لهفتها علىَ، افتقدت الجلوس مع عائلتي على مائدة واحدة، نأكل في صحن واحد، نتسابق على قطع اللحم القليلة، نتبادل الضحكات. افتقدت كثيرا زرقة البحر الذي كنت أطل عليه من نافذة غرفتي، رائحته المختلطة مع صدى الأذان، افتقدت سريان الحرارة في مشاعري، لم أعد أستطيع الاستمرار في هذا المنفى، تخليت عن كل شيء، وهانا أحاول استعادة شيء من الصفاء " ص 15. لقد كان البطل الشاب في قصة رجوع يرغب  في الزواج من فتاته الزميلة الطالبة في الجامعة،  كان يبثها إعجابه ورغبته القوية في مشاركتها حياته، واتفقا على أن يتقدم لخطبتها بمجرد حصوله على وظيفة كيفما كانت ريثما ينهي دراسته العليا. كان واثقا من تهافت الشركات عليه بمجرد تخرجه لامتلاكه التفوق في تخصصه، وخبرة نادرة نتيجة التدريب في عدد من الشركات. ولكنه اصطدم بأرض الواقع، فقد توفي والده، ولم تقبله شركة من الشركات فقرر الهجرة إلى دولة غربية، وتزوج بريطانية، وبدت عليه تغيرات جسمانية بسبب دوامة العمل المتواصل، وتحكم زوجه البريطانية فيه بسبب ممارسات عديدة لم يكن يتصور أنه يمكن أن يقدم عليها يوما. وقع على أوراق تؤكد أنه مدين لها بآلاف الدولارات. قالت إنها مسألة شكلية فقط، ليوافق صديقها على توظيفه. ولكنه افتقد السعادة والأمان، ولم يحصد غير التعاسة والاضطراب، ومع ذلك فهناك "كثير من الشباب يحسدونني على ما أنا فيه، لا يعرف قيمة الوطن إلا من تغرب عنه، وذاق طعم المرارة الذي ينفجر من كل زاوية من زوايا الغربة، ولا الاستمتاع به إلا من قلبه عليه انفطر " ص  15. ويؤكد بطلنا الشاب هنا تعلقه بالوطن أو المكان، لأنه رمز للأمان والصفاء،أما المكان الآخر، مكان الغربة ففيه الاستغلال، والقيود، والعمل المستمر بلا رحمة ولا عائد ؛ اللهم إلا إرضاء السيد الأجنبي القاسي، وهو هنا يتمثل في الزوجة التي حصلت على توقيعاته وصار مدينا دون أن يأخذ شيئا حقيقيا ذا قيمة في المقابل، وأصبح مستعبدا لها، تتحكم فيه وتحركه كيف شاءت لا كيفما يريد هو. يتحول الوطن إلى مكان آمن يستحق من أجله أن يضحي بالزوجة البريطانية الأنانية القاسية. وإذا كان بطل قصة رجوع يحن إلى زرقة البحر التي افتقدها في غربته، فإن البحر في قصة تحمل اسمه إلى حالة من الشاعرية الفياضة المترعة بالأسى والغموض، بل إننا نرى مدى تأثير البحر على البطل بل الكاتبة، وذكريات الطفولة على شاطئ البحر، وانتظار السفن القادمة بالصيد، أو السفن الذاهبة إلى الصيد، وها هو بطل القصة يتغزل شعرا شفافا - إذا صح التعبير - في البحر، وعالمه الزاخر: "تطلع بعينين حالمتين إلى البحر، تمتد أمامه زرقة منبسطة تلتقي بحمرة متناثرة، فيشكلان لوحة طبيعية رائعة، أصاغ السمع إلى الهدير الخافت الممتد منه إلى شرايينه، ثمة زورق يستعد لرحلة ليلية في صيد السمك..." ص25. وها هو يسجل بعض ذكرياته مع البحر في طفولته: "كانت أمه توقظه مع الفجر، ليذهب إلى الشاطئ مع إخوته ومجموعة من أطفال القرية لانتظار السفن الصيد التي خرج بها آباؤهم، فتخرج السفن، ويفرز السمك، ويذهب كل واحد إلى شأنه، ويظل هو في البحر، يضمه بصدره، ويدخل معه في علاقة حميمة خاصة، حوارية أو صامتة؛ إلى أن تغيب الشمس.." ص 25. هذا البطل هو نسخة مكررة بطريقة أخرى من بطل قصة رجوع، فهو يحلم بالهجرة إلى الشاطئ الآخر، وتحقيق الحلم بجمع الثروة، ولكنه ينتظر دون جدوى: .."أخذ حجرا وجلس عليه بين يدي التلفزيون، في انتظار موعده مع الرجل الذي وعد بترحيله إلى الضفة الأخرى من البحر، بعد أن سلمه كل النقود التي ادخرها لزواجه من جارته.."ص26. ولكن أحدا لا يعرف ماذا جرى بعد الانتظار الطويل، وضياع مدخراته، فنهايته غامضة، وتعددت الروايات عن مصيره المجهول: "وفي كل مساء، تختفي الشمس في الأفق الوردي، باسطة للتواصل مع الشاطئ جسرا بلوريا يتلألأ على صفحة البحر" ص 26. هكذا تأتي الخاتمة الشاعرية للنهاية الغامضة، وكأنها توحي أن البحر مصنع الأسرار والأحزان معا، وعبوره مصدر خطر عظيم! البحر حاضر في السرد بكثافة، والتعبير عنه كأنه الحياة المتوهجة التي تستشعرها شخصيات القصص بصورة يبدو فيها البحر مهيمنا على الروح والوجدان كما تقول الشخصية الرئيسة في قصة "نوارس اليقين" :  "البحر بالنسبة إلى ذاكرة نحو عبور مرافئ الروح؛ هنا بأرض كاظمة تطل شرفة غرفتي على الخليج العربي الممتد مثل فجر بلوري، وبمدينة الحنين و"طيبة"، يطل بيتي على المحيط الأطلسي كأنه فاتح يقود جيشا ضد الظلام، وأنا المسافر من بحر إلى بحر كأني سندباد العصر، أجد مرافئ الروح في البحر، ولكن لوحاتك تخلو من البحر فهل صار، في روحك، كومة من ملح أجاج؟ " ص 133   

أضيفت في 02 يونيو 2015 الزوار : 9
مؤلف هذا الكتاب أستاذ اللسانيات واللغات الحديثة ومدير البرنامج العربي في جامعة سفك ببوسطن بالولايات المتحدة الأميركية. له 24 كتابًا ألفه أو ترجمه أو حرره، منها أربع مجموعات شعرية للراحل محمود درويش مترجمة إلى الإنجليزية، إضافة إلى تأليفه كتبا عديدة بالعربية عن الولايات المتحدة الأميركية، من منظور نقدي. في عام 1983 حصل على وسام أوروبا، قدمه له ماريو زكاري نائب رئيس البرلمان الأوروبي تقديرًا لجهوده في (حوار الحضارات)، بما يعني أنه شخصية علمية وفكرية تحظى باحترام عبر الحضارات، علمًا بأنه يعرف نفسه بأنه سوري المولد فلسطيني بالاختيار. هو أيضًا رئيس تحرير مجلة (جسور/ jusoor) الإنجليزية، ومؤسسها أيضًا، والتي يصدرها بالتعاون مع جامعة سيراكوس الأميركية. صفحات المحتوى عندما اقتنيت هذا الكتاب لقراءته، عنوانه دفعني للظن بأني سأقرأ بيانا دعائيا سياسيا، وهو، وبكل صراحة ما أخر اقتنائي له ودفعني، المرة تلو الأخرى، لتجنب المزيد من ارتفاع في ضغط الدم والإحباط، مع أني كنت أتابع كتابات الدكتور منير العكش باهتمام حقيقي، حيثما توفرت الفرصة لكنني اكتشفت بعدما عاينت الكتاب، للتأكد من منحاه العلمي، بأني كنتُ مخطئا. تقويمي لأي مؤلف، أرى أنه يتناول موضوعا يمكنني الادعاء بأني مطلع عليه، يبدأ بالعنوان حيث كثيرًا ما أتجنب اقتناء أي مؤلف محتواه ذو طابع يحمل الإثارة. بعدها أقرأ صفحة المحتوى، والمقدمة وأقفز بعد ذلك إلى قراءة الاستنتاجات. فإن تبين لي توافر التناسق العلمي بين المكونات الثلاث، أبدأ بالقراءة، متجاهلاً العنوان (الإثاري) منطلقًا من تجربتي مع ناشر غيّر من عنوان مؤلف لي، خلافًا للعقد، ووضع بدلاً منه عنوانًا إثاريًا جر عليَّ غضب نقاد وزملاء، ونقمتهم، ظنًا منهم أني المسؤول عن ذلك. هذا توضيح للقارئ غير المطلع على بعض خفايا النشر في عالمنا، ولا علاقة له بناشر الكتاب موضوع هذه القراءة، ولذا وجب التنويه. كنت من قبل قرأت كتبا علمية تتعامل نقديًا مع تاريخ الولايات المتحدة الأميركية كتبها مفكرون أوروبيون وأميركيون وفي مقدمتهم المؤرخ الأميركي هَوَرَد زِن صاحب كتاب (التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية/ A People's History of the United States) الذي رحل عنا أخيرًا، إضافة إلى كتاب مؤرخ تاريخ الكنيسة الأول عالميًا الألماني كارلهاينس دشنر صاحب كتاب (المولوخ – إله الشر. تاريخ نقدي للولايات المتحدة الأميركية) فقلت لنفسي: هل ثمة من جديد في تاريخ تلك البلاد/الدولة لم نقرأه بعد. أكثر ما أثار دهشتي في المؤلف ودفعني لقراءته بتركيز إشارة الكاتب في المقدمة إلى معلومات رسمية عن اقتراح برنامج حكومي أميركي في وثيقة وضعها هنري كيسنغر عام 1974 لقطع دابر نسل 13 دولة بينها مصر العربية، ضمن فترة ربع قرن. وتأكيده أن هذه السياسة متبعة إلى الآن، في عهد الرئيس الأسود البشرة، وإن تحت مسميات محايدة ذات مضمون إنساني. التخلص من النسل موضوع الكتاب إذن هو التخلص من نسل أمم ترى المؤسسة التي تحكم الولايات المتحدة أنها تشكل عبئًا على برامجها. كنت سمعت عن هذه الوثيقة السرية عندما أفرج عنها، لكنني كنتُ منشغلاً وقتها في عالم آخر. ومعنى ذلك أيضًا أن محاربة الفقر والجهل تتم بالتخلص من الفقراء والمهمشين والمستضعفين المؤلف اختار الإشارة إلى هذه الوثيقة مدخلاً للخوض في تاريخ نشأة عقدة التفوق الأنغلوسكسوني على بقية مخلوقات الأرض، فتبين له، وعن حق، أن أصولها تكمن في التطرف الديني البروتستانتي، الذي يعد نفسه الاستثناء وخليفة الله على الأرض (ينقل المؤلف عن ممثلي هذا المنحى العنصري قناعتهم، بل إيمانهم بأن الولايات المتحدة يحدها شمالاً القطب الشمالي، والقطب الجنوبي جنوبًا، أما حدودها الشرقية فتبدأ بالإصحاح الأول من سفر التكوين، وحدودها الغربية يوم القيامة). أي إنها مملكة الرب على الأرض وهي وريثته في هذا العالم، ثقافيًا واقتصاديًا. لا شك في أن أي إنسان عاقل سينظر إلى هكذا فكر بابتسامة على "هبل" أصحابه، لكن عندما يعلم المرء اتكاء هذه الأفكار والنظريات على مراجع عن الموضوع، كثيرة، أشار إليها الكاتب ضمن المؤلف وفي قائمة المراجع، لم يكتبها مجذوبون مصابون بجنون العظمة، وإنما علماء خريجو جامعات يشكلون مؤسسة قائمة بذاتها ترعاها إدارة المؤسسة الحاكمة في تلك البلاد وجامعات منها جامعتا واشنطن وجون هبكنز اللتان تبنيتا وثيقة هنري كيسنغر الموما إليها أعلاه، فلا بد من أن يصاب بالهلع، لا بل بالرعب، وهذه الصفة (كتاب رعب) التي أُطلقها على هذا الكتاب المهم فعلاً، لأنه يمس حياة كل منا في ديار العرب والإسلام أيضًا، لكنه يمس غيرنا من الشعوب أيضًا. الرعب يتضاعف عندما نعلم مدى القوة العسكرية التي تملكها الإدارة الأميركية (هذا يذكرني بقول معلق سوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي: القدرات العسكرية (Fire Power) للولايات المتحدة لا تخيفنا. ما يخيفنا حقًا قدراتها العقلية (Brain Power).[img=25x24]http://www.aljazeera.net/App_Themes/SharedImages/top-page.gif[/img] التفوق العنصري المؤلف عاد إلى جذور فكرة التفوق العنصري فعثر عليه في البدايات، في وهم التحدر من إسرائيل التوراة، وبالتالي وهم حق امتلاك الأرض وما عليها. فغزو أوروبا الغرب، عنى للأغلبية في ذلك الوقت، تماهٍ مع (خروج العبرانيين) إلى الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً، كما تقول التوراة، وهذا ما يشرح تكرر ورود إطلاق المهاجرين الجدد أسماء مثل (فلسطين، إريحا، دمشق، لبنان. . . إلخ) على مستقراتهم الجديدة في "أميركا" التي قطنها وقت الغزو الأوروبي أكثر من مئة مليون هندري (الهنود الحمر) فأبادهم الغزاة القادمون من الشرق، وفق برامج وخطط، وليس بالصدفة، كما يثبت الكاتب، اعتمادًا على مؤلفات من شارك في أعمال الإبادة المروعة تلك، والتي شارك في بعضها أشخاص صاروا رؤساء على تلك الدولة المتشكلة حديثًا يلاحظ القارئ أن نصف صفحات المؤلف تحوي الهوامش وقائمة المراجع وكلها صادرة في الغرب، ما يمنح الكتاب صفة علمية بامتياز، مع أن المؤلف أنهاه بملحق محتواه سياسي تمامًا، ورغم أنه استخدم في بعض الأحيان أسلوبا أو تعبيرات تهكمية. والمرء يعثر على جذور وَهَم تفوق العرق الأنغلوسكوني في أصل اسم إنجلترا (England)، الذي يعني، وفق قواميس الاشتقاق الإنجليزية (أرض الملائكة/ Angels' Land)، وثمة كتب كثيرة صدرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تؤكد [كذا!] تحدر الإنجليز من عبرانيي التوراة، تمامًا كما تؤكد وَهًم الدانماركيين بأنهم يتحدرون من سبط دان التوراتي الخرافي، ولذا وجب التوجه غربًا (لكن هذا عكس الفهم التقليدي لجغرافية الخروج التوراتي). عقدة التفوق تعني، تطبيقيًا، حق التحكم بمصير الشعوب الأخرى والتخلص من أي معوق لذلك. هذه الأفكار العنصرية نشأت ليس حديثًا، وإنما نجدها في مؤلفات تدعي العلمية تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومن المثير للاشمئزاز أيضًا النظريات التي تدعي العلمية بخصوص التكاثر السكاني وكيفية التغلب على الصعوبات الناتجة منه والمرافقة له، ذات منبع ديني ومنها نظرية مالتوس الذي يرى أن الحروب والأوبئة نعم إلهية لأنها تقضي على (فائض) السكان في العالم. وهنا ترد نظريات (الداروينية الاجتماعية) = (البقاء للأفضل)، حيث صرحت مرغريت سانغر إحدى نجومها بالقول: أرحم ما تفعله الأسرة الكبيرة لواحد من أطفالها أن تقتله انطلاقًا من مبدأ (حق التضحية بالآخر). وانطلاقًا من هذه الفرضيات اللاإنسانية، التطبيقية في السياسة، يرى المؤلف، ككثير من نقاد هذه الاتجاهات العنصرية المخيفة، أن هتلر، صاحب المحرقة، ما هو إلا تلميذ محرقة أميركا، حيث طبق ما قال به الآباء المؤسسون للفكر العنصري وتفوق نسل بشري على آخر (يوجيني/ Eugenics = علم تحسين النسل)، لكنه قرر في نهاية المطاف أن العنصر الآري يتفوق على غيره. المؤلف، كما العديد من العلماء يتمسكون بصحة استخدام مصطلح المحرقة للإشارة إلى إبادة أكثر من مئة مليون هندري، رغم عنف معارضة الصهاينة المتمسكين بفرادية محرقة هتلر

أضيفت في 02 يونيو 2015 الزوار : 3

الكتاب يضم العديد من الوثائق التاريخية وخارطة تبين انتشار وتوزع المستعمرات البريطانية في العالم، واللافت للنظر أن الكتاب يتناول وثائق تاريخية تبين على لسان أصحابها الطريقة الممنهجة التي اتبعها المستوطنون في القضاء على الهنود الحمر لتثبيت احتلال الأرض على مبدأ "أرض بلا شعب" بما إن الهنود الحمر وتبعا "للأيديولوجيا الاستعمارية الإنجليزية" ليسوا شعبا وإنما مجرد حيوانات تعيش بلا أخلاق وبهمجية بربرية لا يمكنها أن تقدم سوى الخراب.[img=25x24]http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif[/img]

الثوابت التاريخية ويعرض د. العكش –وهو سوري بالمولد فلسطيني بالاختيار كما يقول- الثوابت التاريخية الخمس التي رافقت نشوء وتأسيس أميركا، بل إن المتابع للسياسات الأميركية يرى أنها لا تزال مستمرة وإنما بأدوات مختلقة، وهي:

1-المعنى الإسرائيلي لأميركا. 2- عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي. 3-الدور الخلاصي للعالم. 4-قدرية التوسع اللانهائي. 5-حق التضحية بالآخر.

هذه هي الأسس الفكرية والثقافية التي يطرحها الكتاب وبالتفصيل لولادة بلاد العم سام منذ اكتشاف كريستوفر كولومبس العالم الجديد حيث يحتفل الأميركيون بهذا المستكشف بأنه الرجل الذي قدم للبشرية تجربة إنسانية قامت على مبادئ الحرية والديمقراطية متناسين أن هذه القوة الأعظم في العالم بالمعايير الجيوبولوتيكية الحالية نشأت وترعرعت وقويت على أجساد الهنود الحمر سكان القارة الأصليين الذين حرموا حتى الحق في الاحتفاظ بهويتهم الثقافية ومجتمعاتهم، ليتحولوا بنظر المبشرين بالحضارة الإنكلوساكسونية إلى مجرد فائض تاريخي

ويقدم الكتاب استنادا على عدة وثائق تاريخية مادة غنية بالشواهد التي تعطي القارئ فكرة عن هوية أميركا، الأمر الذي يعيد طرح الأسئلة المهمة أمام هذا الامتداد العسكري الأميركي المنتشر في العالم حاليا عبر حاملات الطائرات والصادرات التكنولوجية والغزو الثقافي في كل مفاصل الحياة للشعوب الأخرى بشأن الصورة الحقيقية لا للشعب الأميركي بصفته الراهنة بالمعنى الاجتماعي أو حتى القومي بل بطبيعة الخطاب السياسي والتعامل مع الآخر عبر ما تفتخر به الولايات المتحدة وهو "المؤسسات الديمقراطية".

وهنا تأتي أهمية الوثيقة التاريخية التي يقدمها د. العكش في الكتاب ليعيد تظهير الطبيعة الفكرية والعقلية الأخلاقية التي قامت عليها هذه المؤسسات في تعاملها مع الشعب الأصلي للقارة الأميركية، حيث يقدم فقرة وردت في إحدى محاضر جلسات الكونغرس الأميركي في القرن التاسع عشر تقول: "يجب مساعدة الحضارة على إبادة الهنود كما أمر الله يشوع أن يبيد الكنعانيين الذين لم يكونوا يختلفون عن هنود اليوم ثم إنه عوقب على تقاعسه عن الانصياع لأمر الله".[img=25x24]http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif[/img]

كنعنة الآخر الكنعنة كمصطلح يعود تاريخيا إلى العبرانيين الذين عندما قدموا إلى فلسطين الكنعانية لم يجدوا أمامهم سوى "شيطنة الآخر" باسم الله والدين لتقديم المبرر على إبادة الشعب الأصلي الذين ألصقوا به كل الصفات الذميمة واستباحوه أخلاقيا وجسديا، وكما هو معروف أن فكرة الشيطنة تعود أصلا إلى فكرة الكنيسة في تعاملها مع معارضيها في أوروبا خلال القرون الوسطى وهذا ما ذكره الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه الجنون والحضارة في شرحه لآليات إنتاج خطاب السلطة (الدينية أو السياسية) عبر تشنيع الآخر وتجريده من كل الفضائل الأخلاقية ومساواته بالوحش أو الحيوان.

ويشرح د. العكش في كتابه مفهوم الكنعنة كسلاح اعتمده المهاجرون الإنجليز –ليس فقط في أميركا بل في كل بلاد العالم الجديد ومنها أستراليا ونيوزيلندا- من أجل "إبادة شعب واستبداله بأخر":

قد يكون هناك آلاف الآسباب لدخول شعب الله الإنجليزي مسرح الاستعمار، لكن ليس بينها سبب واحد يمكن وصفه بالأخلاقي. إن كل ما قدمته لهم عقيدة الاختيار وقصص التوراة هو أنها ألهبت عبادتهم لذاتهم وصقلت موهبة التشنيع والكنعنة لديهم، وزادتهم فجارة أخلاقية، خصوصا أن معظم أنبياء هذا الاستعمار الأخلاقي -مثل جون وايت- فسروا القصص التوراتية في الانتشار في الأرض بأنها أوامر إلهية للإنجليز باستعمار الأرض واستيطانها كلما أتيحت الفرصة وتساءلوا كيف يمكن طاعة أوامر الله دون الاحتلال والاستيطان؟" (الفصل الرابع ص 65).

ويقدم الكتاب مثالا آخر يوضح الطبيعة الوحشية لهذا الفكر القائم على استباحة الأخر مستشهدا بالفلسفة الأخلاقية للأسقف لانسلوت أندروس الذي يقول "الأرض صحن من اللحم الموضوع على المائدة يقطع منه الإنسان ما يشتهي. وما إن يضع قطعة في صحنه، حتى تصبح له. كذلك إذا اقتطعنا بلدا لا يوجد فيه سكان بيض، يصبح لنا". (الفصل الرابع ص 65).

كما يبين الكتاب أن فكرة شعب الله المختار وإسرائيل التاريخية وجدت من يؤسس لها في إطار البحث العلمي بما يعرف بالدراسات الأنثروبولوجية لتقديم ما يدل على صحتها وإعطائها الشرعية العلمية الرصينة بعد أن منحتها الكنيسة الشرعية الدينية والأخلاقية.

وقدم هؤلاء العلماء باسم القانون العلمي للتطور الحضاري تصنيفات تعتمد مبدأ العنصرية والتفوق العرقي لمنح الرجل الأبيض كل المسوغات الأخلاقية لاستباحة الشعوب الأصلية كما فعل فريدريك إنغلز. يقول د. العكش في كتابه "أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة" متوافقا مع ماركس وأدم سميث "واضع النظرية الرأسمالية" في "تصنيف الشعوب إلى بربر وهمج ومتحضرين" وبشكل يعطي الدليل القاطع بأنه لافرق بين أنثروبولوجي ماركسي وآخر رأسمالي.[img=25x24]http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif[/img]

القنبلة الثقافية "اللغة والدين هما خط الدفاع الأخير للهنود ولا بد من القضاء عليهما" بهذه العبارة التي قالها مؤسس مدارس الهنود الحمر في أميركا الكابتن ريتشارد هنري برات، يقدم الفصل السادس من الكتاب الآلية التنفيذية لكنعنة الآخر، انطلاقا من القاعدة المعروفة بأن اللغة والدين هما من المكونات الحضارية والوجودية لأي أمة، فالتوالي الجيني لأمة قد يعطيها القدرة على البقاء المادي في حين أن سلخها عن هويتها الثقافية يجعلها غير قابلة للتجديد والحياة والتطور وبالتالي تصبح أكثر قابلية للتبعية والتلاشي في ظل القوة الأكبر والأقوى ثقافيا حتى لو كانت تمتلك حضارة ما عبر التاريخ.

وتحديدا -فيما يتعلق بهذه الجزئية- يستعرض الكاتب القنبلة الثقافية التي أبيد بواسطتها الهنود الحمر روحيا وتحولوا معها إلى مجرد ظل في إطار الجغرافية والتاريخ وذلك بهدف احتلال أرضهم والاستفادة من ثرواتها العامرة، مع الإشارة إلى أن فهم هذه القنبلة الثقافية بمعناها المجازي الواسع -كما يشرحها الكتاب استنادا إلى أقوال مؤسسي صانعيها- تقدم وبطريقة مباشرة قراءة ولو على المستوي الدلالي فقط للتركيبة البنيوية للعقلية التي ألقت بالقنبلة الذرية على ناغازاكي وهيروشيما في اليابان.

ويوضح الكتاب الهدف الذي أنشئت من أجله مدارس تعليم الهنود الحمر كما يرد على لسان ويليام جونز أحد مسؤولي مكتب الشؤون الهندية -الذي كان يعتبر بمثابة المؤسسة الراعية لمصالح الهنود أو السلطة الوطنية للهنود- بقوله إن الهدف من إنشاء هذه المدارس هو إبادة الهندي بمعناه الثقافي وخلق بديلا عنه يرضى بالأمر الواقع.

لذلك يقول الكتاب إن اللغة كانت من المحرمات الأساسية على الهنود باعتبارها محركا أساسيا لتطور الهوية الثقافية والنظم الاجتماعية التي تجعل من المجتمع الهندي الأحمر يمتلك سلاح الاستمرار في التصدي للغزو الإنكلوساكسوني، كما يستعرض الكتاب شهادات لأطفال الهنود الحمر الذين انتزعوا بقوة السلاح من أسرهم إلى معازل خاصة تجردهم من كل شيء وأولها الأسم حيث تحولت الأسماء الهندية المحاكية للطبيعة إلى أسماء إنجليزية مسيحية في أول خطوات الإبادة الثقافية.

وباسم الحضارة والتمدن التي ساقها المستوطنون الحالمون بإسرائيل الله استنادا إلى مبادئ وعقائد البيورتانيين "الأطهار كما كانوا يطلقون على أنفسهم" المخلصين للكنيسة البروتستانتية، كانت الإبادة الثقافية مقدمة لفكرة استبدال شعب بشعب آخر.

أما أنصار التمدين فكانوا يعلمون أن اغتصاب هذه الأرض (أميركا) بغير الحرب لايتم إلا بزرع الثقافة الهندية ذات البنية الاجتماعية بالألغام لتدمير نظام التكاتف الاجتماعي (أو ما تسميه الأنثرولوجيا العرقية بالمشاع البدائي أو الشيوعية البدائية) واستبدال دماغ الهندي بدماغ أبيض يؤمن بالملكية الخاصة (الفصل السادس ص 95).

ويوثق المؤلف هذه المقولة بعبارة لمفوض الشؤون الهندية جورج مانبيبني يقول فيها "لا بد للطفل الهندي من أن يتعلم كلمة أنا بدلا من نحن، وهذا لي بدلا من لنا... إلخ، ليتنازل طوعا عن ما يملك".

وهنا يوضح الكتاب الفكرة المنفعية التي قامت عليها المستوطنات الأميركية الأولى عبر شيطنة الآخر ومنح المسوغات المدعومة دينيا وأخلاقيا ومؤسساتيا لإبادة هذا الآخر وجوديا وثقافيا من أجل السيطرة عليه.

ضمن هذا الإطار وبعيدا عن القراءة المتصلة بالظرف التاريخي لمأساة الهنود الحمر، يطرح الكتاب وبطريقة غير مباشرة سؤالا في غاية الأهمية ألا وهو هل تصالحت أميركا فعلا مع نفسها بانتخاب رجل أسود رئيسا لها؟

فالسود تعرضوا لنفس التشويه واللعنة الكنعانية التي تعرض لها الهنود الحمر وتتعرض لها شعوب آخرى في الوقت الراهن في العراق وأفغانستان مثلا.

الكتاب يلقي وبشكل مسهب الضوء على العديد من المسائل التاريخية المتعلقة بنشوء الولايات المتحدة كنظام اجتماعي وسياسي ويترك مساحة واسعة للتفكير بالعقلية المؤسساتية التي تحكم هذا البلد الشاسع المترامي الأطراف, بل ويتساءل عن مفهوم التعددية الثقافية في المجتمعات الإنجليزية في أستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وكندا، مع تأكيد الكاتب نفسه بأنه من غير المقبول تنميط هذه المجتمعات في قالب واحد لأن ذلك يعني وبطريقة غير مباشرة السقوط في نفس الفخ وهو "كنعنة الآخر".[font=Greta, arabic typesetting, serif][/font]


أضيفت في 02 يونيو 2015 الزوار : 7