إرادة الموت التي امتلكها الكاتب الياباني يوكيو ميشيما لا يمكن وصفها كمجرد حالة لمواجهة تحولات المجتمع الياباني، وهو يدير ظهره لليابان العتيقة ويتجه نحو التحديث على الطريقة الغربية، ولكنها قوة لا يمتلكها إلا محارب من حفدة الساموراي. يوكيو ميشيما المخلص لنداء الموت على طريقة المبدعين الأصلاء تشبع منذ ولادته بأفكار اليابان المجروحة، التي تعرَّضت لقصف نووي مارسه الأمريكيون ضد السكان المدنيين في هيروشيما وناغازاكي عام 1945. ولد هيراوكا كيميتاكي (1925 -1970) بمنطقة يوتسويا بطوكيو، وكان أبوه كانازو ساهيروكا موظفا حكوميا، نشأ بعيدا عن أسرته، حيث قضى طفولته بجانب جدته ناستوا. لكنه عاد لأسرته في سن 12 سنة حيث بدأت تظهر مواهبه الأدبية، تأثرا بكتابات الغربيين أمثال أوسكار وايد، ورينير ماريا ريلكا. غير أن والده العسكري في طبعه منعه من كتابة القصص، لكن ميشيما استمر في الكتابة سراَ واضطر للاستقالة من عمله في وزارة المالية ليتفرغ للكتابة الأدبية، ليمثل الثقافة الغربية من خلال مفهوم الجسد الذي يعد موضوعا جديدا في الثقافة اليابانية، وكان في حياته شبيها بأندريه جيد. وربما هذا السبب هو ما دفعه لكتابة «اعترافات قناع». ولميشيما ولع كبير بالسينما فقد شارك في فيلم «الخائف من الموت» للمخرج الياباني ياسوزو ماسميورا. فضلا عن أدائه لأغنية فيلم «يوكاكيو». كما أنه أنجز فيلما خاصا به مثل فيه دور البطل الساموراي الذي يقتل نفسه. غير أن زوجته لم تعمل على إخراج الفيلم إلى حيز الوجود بعد رحيله. وموته ليس تراجيديا كما قد يتبادر إلى الذهن، بل كان موتا جماليا لأنه كان يتوخى الوصول إلى قمة الكمال تماما مثل زهرة لوليس، وردة الساموراي التي حال تفتحها تموت. ميشيما مزود بإرادة الساموراي تغلب على ضعفه الجسدي على نحو ما يسرد في «اعترافات قناع» وزاول تمارين قاسية أهلته لامتلاك جسد المحارب، تزامنا مع دعوته للعودة إلى جذور اليابان وشخصيتها الأمبراطورية المستقلة. وكان قد رشح لجائزة نوبل ثلاث مرات، على غرار عراب الأدب اليابابني ياسوناري كواباتا المتوج بنوبل، وصاحب روايات ساهمت في التعريف بخصوصية الأدب الياباني، ومنها رواية أستاذ «غو» ترجمة صبحي حديدي، الصادرة عن دار الفارابي ببيروت في طبعتها الأولى سنة 2007، وقد وصفها ياسوناري كاواباتا برواية الوقائع الأمينة، حيث يصف فيها مباراة «غو» جرت سنة 1938 وحضرها بنفسه وغطاها لصحيفة «ماينيش». وحمل في روايته اسم أوغامي الصحافي. وهي رواية تصف أسلوب أوتاكيه في الجلوس والنهوض، أي أنها رواية تكشف عوالم المجتمع الياباني في كثير من تفاصيله اليومية. ياسوناري كاواباتا وصف ميشيما بالرجل الذي قلما تلد النساء مثله قائلا، في حوار مع صحيفة» نيويورك تايمز»، «لا يظهر كاتب له وزن ميشيما إلا مرة كل قرنين أو ثلاثة قرون، وفي تاريخنا، و»بحر الخصب» هي رائعة ميشيما» ص 26 من «ثلج الربيع». أصدر ميشيما سنة 1944 أول عمل روائي «الغابة في ريعان ازدهارها». و‏يعده اليابانيون مثل أرنست همنغواي، فهو أهم كاتب روائي ياباني، حاول أن يبين خطر التوجه نحو الغرب، وما يرافق التوجه نحو حداثته من نسيان للتاريخ الياباني المجيد ونسيان الهوية، وهو ما تعبر عنه مختلف أعماله الروائية «المجلة الأدبية الفرنسية» العدد 169- 1981. يوكيو ميشيما الذي يعد الأثر الأدبي الأبرز في القرن العشرين، على حد تعبير مارغريت يورسنار، ودونالد كين كان شاعرا يعرض قصائده على الشاعر رايكو كواجي. دافع بقوة عن الأخلاق اليابانية، وقاد ثورة التطهير بمعية رفاقة في جمعية درع (تيت أي كاي) حيث أسس جيشا خاصا من مئة شاب لإحياء بوشيدو، الساموراي تمجيدا لوطنية اليابان الأمبراطورية بأسلوب أكثر من رائع، وقد استطاع العبقري فرانسيس فورد كوبولا سنة 1985 أن ينتج فيلما مثيرا من إخراج باول ستشرادار يحمل عنوان» يوكيو ميشيما: حياة في أربعة فصول» عن آخر فرسان اليابان الحديثة الذي جسد أدبيات الشرق، سواء في ثلاثية «مورو كيتا» أو في ملحمته السردية الموسومة بـ»بحر الخصوبة» في مكوناتها الأربعة والصادرة عن دار الآداب اللبنانية «ثلج الربيع» 1990، «الجياد الهاربة»1991، «معبد الفجر»1993، و»سقوط الملاك» 1995، ترجمة كامل يوسف حسين عبر مشروع فردي طموح يتوخى الاقتراب من عوالم صاحب «اعترافات قناع»، رغم الصعوبة السيميولوجية لدلالة التسميات. وقد وضع المترجم مقدمة دقيقة ترصد تفاصيل الحياة الأدبية ليوكيو ميشيما، مستحضرا متخيله الشرقي وإرادته في كتابة عمل سردي مغاير بعد عشرات الأعمال التي قدمها في جل الأجناس الأدبية. وبدون شك فإن المشروع الروائي لميشيما يؤرخ لتحولات اليابان التي تخلت عن نهجها الإمبراطوري العسكري لصالح المدينة الحديثة التي تتجه نحو الفراغ والعدم. «اختفى الحاجز بين الإنسان والشيء. وحظي المبنى الهائل ذو الطوابق العشرة المقام على الطراز الأمريكي والبشر الذين يسيرون عند أدناه بوضعية قوامها أنهم سيبقون بعد هوندا، ولكن هناك وضعية مماثلة في الأهمية هي أنهم سيسقطون» ص 304 «سقوط الملاك». ومن أجل رصد هذه التحولات وتعميق الوعي الروائي بمرجعيات فنية وجمالية سافر ميشيما إلى الهند والصين، ولهذا السفر أثر واضح في مكونات الرباعية، وفي مشهدية الوصف، حيث الافتتان بالنجوم والأرض والبطولة التي تجسدها حياة البطل كيواكي الممجد للطقس المقدس «السيبوكو» والوفي لسيفه ولمصيره الدرامي، الذي سيخلصه من الحياة الصغيرة لينتقل إلى الحياة الأبدية. وسيعمل ميشيما في عمله الثاني «الجياد الهاربة» على تقديم صورة دقيقة لليابان في ثلاثينيات القرن الماضي بكل الاضطرابات والتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية. ومرة أخرى ستكون سيرة ميشيما العسكرية قريبة من سيرة بطل «الجياد الهاربة» إيساو كبطل غير عابئ بالحب الرومانسي للفاتنة «ماكيو» لأنه على شاكله صاحب «البحار الذي لفظه البحر» يحلم بالطقس الأسطوري لـ»السيبوكو». وفي السياق نفسه يحمل الجزء الثالث من ملحمته «معبد الفجر» وصفا دقيقا لمناطق شرقية ولمناخها الاستوائي مثل الصين وتايلند، وإبحارا في الثقافة الهندية عبر منظور البطل هوندا المفعم بحيوية الساموراي، الذي يتوق لصوت الينابيع الصافية، بعيدا عن جلبة المدن تماما كما كان يفعل ميشيما في حديثه عن ضوضاء طوكيو. هذا المنظور السردي الحامل لكتل سردية سوداء تتساوق مع كتل الغموض والسحر والجمال، جعل الجزء الأخير من هذه الرباعية الموسوم بـ»سقوط ملاك» يحمل رؤية أنطولوجية لشخصيات الرواية ولموته المؤجل. ذلك أن الرواية كتبت بعد أن اتخذ ميشيما قراره الصارم والنهائي بالموت المجيد، بعد أن ترك ستة وثلاثين مجلدا. وهذه المرجعية المؤطرة لبنية الكتابة السردية في هذه الرباعية وفي «سقوط ملاك» بشكل خاص هي التي جعلت تفاصيل السرد مفعمة بدرامية مؤثرة، خاصة في مشهد لقاء هوندا بساتوكو بطلة ثلج الربيع، وفي مشهد انتحاره في الفناء الداخلي للمعبد. وكان آخر ما رآه هوندا ساتوكو وهي ترتدي الزي الأبيض في قوام شاحب وقد انسدل عليه الكيمونو الأبيض والعباءة الأرجوانية القاتمة. ولأن الذاكرة مثل مرآة شبحية بتعبير يوكيو ميشيما فإن الموت هو ما يحقق القدرة على التخلص من الحضور الجزئي وشحذ الحواس لصالح الحضور في عدة جوانب من الكون. «ينبغي الآن أن نكون جميعا قد تعلمنا الدرس الصعب، القائل بأنه ليس هناك شخص مختار أو من الصفوة» ص 288 من «سقوط ملاك». كان ميشيما مثل بطله الأثير هوندا لا يندفع في طريق تحقيق حلمه بالطبيب رغم ما كان يعانيه من آلام لأنه كان يفرق بين ألم الروح وألم الجسد. وكان يستحضر طقوس الموت البطولي حتى في حديثه عن طقوس الحب الأكثر قداسة لديه. وتكشف خطبته الأخيرة أمام صفوة من الضباط (ثلاثة آلاف ضابط ياباني) كرهه لمظاهر الاغتراب وتمجيده للجيش الإمبراطوري ولذكرى الأسلاف من حاملي سيوف الساموراي. «إن الأبدية لا تأتي إلى العالم لأنني أظن أنني على قيد الوجود» ص 302 من «سقوط الملاك». حياة الساموراي تنعكس على نظام أسرته سلوكيا واجتماعيا، فإذا ولد للساموراي صبي تقام له طقوس خاصة تسمى «mamorigatana» وبعد بلوغه سن 13 عشر تقام له مراسيم جديدة يمنح خلالها السيف والدرع، ويمنح اسما جديدا، ويرتدي لباس الكيمونو وهو عبارة عن ثوب على شكل حرف T يصل طوله إلى الكاحل وله ياقة وأكمام عريضة. يلف الكيمونو حول الجسم بحيث يكون الطرف اليسار فوق الطرف اليمين، إلا في حالات الوفاة والدفن فيكون الطرف اليمين فوق الطرف اليسار، ويلف بحزام يطلق عليه اسم أوبي يربط من الخلف لإحكام تثبيته. يترافق ارتداء الكيمونو عادة مع ارتداء زوج من الأحذية التقليدية التي يطلق عليها اسم زوري أو غيتا، مع زوج من جوارب الإبهام التي تدعى تابي، ويطيل الساموراي الجديد شعره تيمنا بالأسلاف، وباعتباره رمزا للشرف. وإلى جوار إتقانه لفنون السيف والقتال يتقن فنون الرسم والشعر. والساموراي الأخير يوكيو ميشيما خرج صباح يوم الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1970 واتجه صوب القاعدة العسكرية حاملا سيفه، ترك روايته الأخيرة «سقوط الملاك» على الطاولة ولم يعد إلى بيته أبدا. وقد شكل انتحاره مثار اهتمام خاص من قبل المجتمع الأدبي الياباني والغربي على وجه التحديد، خاصة أنه اختار الموت على طريقة الساموراي، تمجيدا لموته، وللأجداد باتباع طريقة دقيقة في الموت يوضحها بشكل دقيق الشريط المصور الذي يرصد لحظات ميشيما الأخيرة، بما فيها خطبته التي تحت الضباط على العودة إلى روح اليابان الأصيلة، ليجلس بعد ذلك في هدوء مقدس ويشق بطنه بشكل أفقي من اليسار إلى اليمين ثم من أعلى إلى أسفل ضمن طقوس الانتحار المجيدة التي تعرف باسم السيبوكو أو الهارا كيري. بعد أن حاول جاهدا عودة اليابان إلى مجدها الأمبراطوري على شاكلة الساموراي أودانوبوناجا، الذي أسقط حكومة موروماتشي سنة 1573. والساموراي طوكوجاوا إياسو، الذي حكم اليابان سنة 1603. لذلك فقد اختار الموت وهو في ذروة نجاحه محليا وعالميا، وكانت جائزة نوبل للآداب قريبة منه بشكل كبير. امتلك يوكيو ميشيما إرادة الغياب من أجل ديمومة الحضور. وكان آخر ما كتب ميشيما قبل أن يلج مقر القيادة الشرقية للجيش الياباني» حياة البشر قصيرة، لكني أود أن أحيا إلى الأبد».

أضيفت في 12 يونيو 2015 الزوار : 12
بعد الفراغ من قراءة كتاب الروائية رجاء نعمة الأخير، تختلط على القارئ التسميات والمفاهيم. هل هي مذكرات؟ رواية شخصية؟ سيرة روائية؟... لكنّه لا يلبث أن يرضخ للنوع الذي يقترحه عنوان الكتاب اللافت: «مذكرّات امرأة شيعية» (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر). ليس مرجحاً أن تكون رجاء نعمة وضعت مذكراتها هذه بمحض صدفة. ولا تحت تأثير ظرف من الظروف المستجدة. بل على الأرجح، أنّها حسَمَت قرارها قبل سنوات طويلة. ولكأنّها خبّأت هذه الفكرة في الطبقات السُفلى من الذاكرة، إلى أن مضت الاعوام وتراكمت التجربة وتهيّأت الأسباب لخروج هذه المذكرات من عتمتها. ولا تكشف رجاء نعمة، في أيٍّ من فصول هذه المذكرات، الهدف من وراء كتابتها. بل إنّها تترك للقارئ فرصة أن يستشفّ الأمر وحده، في فصل من أروع فصول الكتاب «أن تحلم بلقائها». وفيه تحكي نعمة تفاصيل لقائها بكاتبتها المفضلّة سيمون دو بوفوار - صدفةً - في إحدى مكتبات باريس. فهي بعدما تأكدّت من أنّ تلك المرأة هي نفسها الكاتبة التي تنشر صورها على أغلفة كتبها، بادرت إلى مصافحتها وأخبرتها أنّها قرأت كلّ أعمالها. ولمّا سألتها دوبوفوار عمّا وجدته الأفضل، أجابت بصراحة ومن دون تردّد: «الثلاثية» (مذكراتها). إلاّ أنّ الشابة رجاء فكرت - بعد هذا اللقاء - في جوابها الذي قد لا يرضي روائية اجتهدت كثيراً في الفنّ الروائي. لكنّها برّرت لنفسها هذا الجواب قائلة: «بين مذكرات (سيمون دو بوفوار) لا تقرأ حياة امرأة، بل عصراً بكامله. ترافق مسيرة كاتبة بدأت تكتب في ثلاثينياته، عايشت تقلباته ونهوضه وآلامه، وغدت من صانعيه» (ص293). في مذكراتها التي صدرت حديثاً بطبعتها الثانية (بعد النفاد السريع للطبعة الاولى)، تحذو رجاء نعمة حذو صاحبة «مذكرات امرأة عاقلة»، فتكتب عن تاريخ عصر عرفته وعاشته أكثر ممّا تكتب عن نفسها. تختار الكاتبة أن تُقدّم نظرة توليفية للأحداث التي تُعيد ترتيبها بما يوافق رغبتها. وبدلاً من أن تسبر ذاتها، كما يحصل عادة في «الأدب الذاتي»، تستذكر عصراً بكامله، من خلال عرض الوقائع المهمة التي طبعت حياتها. فلا يقتصر اهتمامها على الأنا «الخاصة»، بل إنّها تصرف اهتمامها نحو «العام»، ليمتزج «الوجه التاريخي» بالوجه «الشخصي». لا تعتمد رجاء نعمة الأسلوب التقليدي في السرد، ولا تتقيّد بالترتيب الزمني للأحداث، وإنما تعرضها كقصص متفرّقة بعناوين وشخوص ووقائع مختلفة. ويبقى «المكان» بمثابة الخلفية التي تتكأ عليها الكاتبة في سردها. وهذه التقنية هي أبرز ما يُميز «مذكرات امرأة شيعية»، لكونها وضعت قصص التذكّر الشخصي في الوسط بين التاريخ والأدب.   الاسم «اللاطائفي» يعكس عنوان الكتاب «مذكرات امرأة شيعية» لفتة ذكية من الكاتبة. فهو يحمل مجاهرة علنية بطبيعة الهوية الدينية والمذهبية، في وقت يشهد فيه لبنان والعالم العربي تغيرّات أو بالأحرى انقسامات حادّة تُعيدنا جميعاً، ليس إلى طوائفنا فحسب، وإنما إلى مذاهبنا ومناطقيّتنا. فالمسلم هو إمّا سنّي أو شيعي. والأقليّات المسيحية في العراق ومصر وسورية ولبنان تزيد في تقوقعها على ذواتها، وسط هذا الانشطار الذي يعيشه المحيط الإسلامي الكبير. رجاء نعمة، التي اختار لها والدها اسماً «يموّه الطائفة»، اكتشفت في وقت من الأوقات أنّ اسمها يُشكّل إرباكاً بالنسبة إلى كثيرين، ممّن كان هاجسهم «معرفة الأصول». ولمّا كان الإسم المموّه يحول دون التكهّن بالطائفة، كانوا يلجأون إلى «المعلوم الجغرافي» علّه يُلقي ضوءاً على «المجهول الديني». لكنّ صاحبة «كانت المدن ملوّنة» لا تترك قارئها الفضولي متحرّقاً لمعرفة أصولها، فهي تجاهر منذ البداية بـ «شيعيتها» وبانتمائها إلى منطقة صور الجنوبية. هكذا تروي إبنة جبل عامل تاريخ عائلتها، وكيفية تشكّل وعيها الطفولي في بيئة جنوبية (شيعية)، قبل أن تتلقّى صدمتها المعرفية الأولى في الصفّ: «قالت المدرّسة إنّ المسلمين في العالم أقليّة مقابلةً بالمسيحيين» (ص18)، لتتضخّم تلك الصدمة في الانتقال من مدرستها في صور - ذات الغالبية الشيعية - إلى مدرسة الراهبات الداخلية في الأشرفية (المسيحية)، ومن ثمّ في سفرها إلى فرنسا - قلب أوروبا النابض - لاستكمال إعداد الدكتوراه في إحدى جامعاتها. فصلاً بعد فصل، يتبيّن أنّ هذا الانتماء المذهبي الذي تُعلنه الكاتبة في العنوان «مذكرّات امرأة شيعية»، ما هو إلاّ إبراز للهوية التي تجاهلتها ونسيتها في شبابها بعدما عاشت في حقبة يسارية وقومية لم يعرف مثلها لبنان. تتميّز الشخصيات النسائية التي تعرضها نعمة في هذا الكتاب بصلابتها وتمرّدها. نساء مدينتها الجنوبية اللواتي كنّ يتدثرنّ بالسواد من الرأس حتى الكاحل، هنّ اللواتي تجرأن على السير في شوارع صور العريضة «كاشفات في عزّ النهار». وبعدما كانت تُمنع الفتيات من دخول المدرسة وإكمال تعلميهن، خوفاً من «المكاتبة» (مراسلة العشاق)، بتن يدخلن المدارس ويُحصّلن تعليمهن حتى المرحلة الجامعية. ومع بداية الستينات من القرن الماضي، اختفى الحجاب، أو كاد، (وفق تعبير الكاتبة)، وصارت «الغلالة» (الزيّ الأسود القديم) مجرّد ذكرى تُصادفها في «صور الأرشيف». فاستبدلت الشابات الإيشارب بـ «الميني جوب» والكمّ الطويل بـ «الجابونيز». وتقول الكاتبة: «خُيّل لنا أنّ ما حدث كان بلا رجعة» (ص203)، لتُصدم - بعد رجوعها إلى وطنها - بأنّ الفتيات عُدن إلى ما كنّ عليه قبل عشرين عاماً. علماً أنّ حجابهن أخذ شكلاً آخر، بمعنى أنّه لم يعد عُرفاً أخلاقياً واجتماعياً بقدر ما أصبح رمزاً سياسياً، نتج من انخراط النساء في الحياة العامّة وفي النضال السياسي في صفوف أحزاب إسلامية - شيعية قاومت ضدّ إسرائيل. تقف رجاء نعمة في مذكرّاتها عند المحطّات الكبرى في تاريخ عائلتها، ومدينتها، ووطنها، وعروبتها. من نضال الجنوبيين ضد الحكم العثماني، إلى مقاومتهم ضدّ الاستعمار الغربي، فالهجرة نحو العالم الجديد (من خلال شخصيتي وهبي وحميد نعمة)، إلى كسر بعض التقاليد والانخراط الشيعي في الأحزاب اليسارية، مروراً بالنكبة الفلسطينية وما خلّفته من آثار عميقة في قلوب العرب، وصولاً إلى مرحلة الثمانينات وظهور الأحزاب الإسلامية وعودة ظاهرة «الاحتشام» التي ثارت عليها النساء. من هذه المحطّات تنطلق نعمة لترسم مسار مذكراتها التي تتغنّى بمرحلة ذهبية عاشتها هيَ وشباب جيلها في وطن لا مكان فيه للترهّات. وطن يؤمن بالإنسان قيمة مطلقة.

أضيفت في 12 يونيو 2015 الزوار : 10
العنوان هو "مذكّرات"، وصاحبة المذكّرات هي "امرأة"، لا بل امرأة "شيعيّة" أيضاً. أمّا الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه الكتاب فهو "سيرة روائيّة". انطلاقاً من غلاف الكتاب، تُدخلنا رجاء نعمة، نحن القرّاء، عبر ثنائيّين من الدوال ("مذكّرات امرأة" - "امرأة شيعيّة") إلى عالم متعدّد المدلولات يتّضح أمامنا كلّما توغّلنا في مضمون النصّ وبنيته. نبدأ بالجنس الأدبي، حيث تولّد رجاء نعمة نصّاً مميّزاً، في خلطها بين المذكّرات والسيرة الذاتيّة، متخفِّفةً من ثقل المذكّرات، بعدما أعفت نفسها من الحميميّة التي تفترضها السيرة، وبخاصّة السيرة الذاتيّة، لكن من دون أن يفقد نصّها صلاته بكلا الجنسين الأدبيّين. إذ تختلف السيرة كنوع أدبي عن المذكّرات في كونها، بحسب فيليب لوجون في كتابه "ميثاق السيرة الذّاتية"، عبارة عن "سرد استرجاعي نثري تقوم به شخصية واقعية انطلاقاً من وجودها الخاص، وذلك عندما تشدّد هذه الشخصية على حياتها الفردية، وتحديداً على تاريخ شخصيّتها". في حين لا تشكّل الشخصية الفردية الشرط الأساسي للمذكّرات لكونها تركّز على التاريخ المجتمعي عوض تركيزها على التاريخ الشخصي، لكن من دون أن يعني ذلك أن ليس للتاريخ الشخصي مساحة في المذكّرات أو العكس، أي عدم وجود فسحة للتاريخ المجتمعي في السيرة الذاتية. الأمر الذي يجعل من الفرق بين المذكّرات والسيرة الذاتية فرقاً في الدرجة لا في النوع أساساً. وازنت رجاء نعمة بين الجنسين الأدبيّين، من دون أن تورّط نفسها بأيّ وعد مقطوع مع القارئ. كتبت عن المكان الأوّل، أي مدينتها صور، وعن مدرستها ورفاق الطفولة. عن أسرتها، وعن شبابها والمرحلة الجامعية والنضال اليساري والسفر... إلّا أن الذات الناقلة لرؤيتها للحياة هي التي ربطت هذه الحوادث (الذكريات) بعضها ببعض، لا الذات الغارقة في ذاتيّتها. كأن العقل هو المتحكّم بمنطق السرد وليس المشاعر الدفينة. فجاء هذا السرد مفكِّكاً للحوادث ومحلّلاً لها، خدمةً لرؤية الكاتبة للحياة، وللصلة التي عقدتها بين النصّ والحياة. اختارت رجاء نعمة من الحوادث الخاصّة والعامّة، أو من الذكريات، ما يؤيّد خطابها الإيديولوجي، ليس بالمعنى الفجّ للإيديولوجيا، بل بما يتضمّن من أفكار تشكّل رؤية متماسكة وشاملة أو طريقة في النظر إلى القضايا التي تتعلّق بأمور المجتمع كافة، بغية تصويبها. بهذا، تملصت نعمة من متطلّبات السيرة الذاتيّة التي تفترض نزع القناع، وما يترتّب على ذلك من مسؤولية لا يتحملّها الكاتب وحده في مجتمعاتنا. الخروج من عباءة التصنيف جاء عنوان "شيعيّة؟!" بوصفه السؤال الذي طرحته عليها زميلتها الفرنسية كاترين أثناء عملهما معاً في اليمن. سؤال فيه من التعجّب من أن تكون رجاء شيعيّة بقدر ما يفضح الأحكام المُسبقة التي تنبني حول الآخر، و"التي بدأت في الآونة الأخيرة، تشهد ازدهاراً كبيراً في العالم" (ص8). هذا العنوان/ المفتاح، بدا كإحدى أبرز العلامات الدالّة على الهويّة الحضاريّة التي يحاول نصّ رجاء نعمة - بعكس ما يوحي به عنوان الكتاب- إعادة إحيائها، ولا سيّما أن العنوان، محمولاً خارج سياق النصّ، ينطوي ضمناً على ما هو نقيض الهويّة الحضاريّة، بوصفها هويّة إنسانيّة جامعة، لا تفترض اختزال الأشخاص بانتماءاتهم الضيّقة. فكاتبة هذه المذكّرات، وكما عرّفت هي عن نفسها: "امرأة تشبه كثيرات من جيلها في لبنان(...) تبنّت اليسار رؤيةً والعروبة هويّةً " (ص165). لذا لم يبدُ التعريف بمدينة صور مجرّد تعريف بمكان النشأة، أو بالمكان الأوّل الذي نحبّ، بل بمثابة إعادة حفر في الوجه الحضاري لتلك المدينة الساحليّة، التي ساهمت في مجد الحضارة الفينيقيّة والعالميّة وفي نشر الأبجديّة والعمران، حتّى خلّدتها الأساطير (أسطورة قدموس وأخته أوروبا، أسطورة أليسار ...إلخ). إنها المدينة الساحليّة التي استحضر النصُّ بحرَها مرّات: "له في مدينة صور حضور كثيف، رائع" (ص193). فالبحر في سياق الخطاب الأدبي لم يقتصر على مدلوله الفيزيقي والجماليّ فحسب، بل على مدلولٍ حضاري يحيل على الانفتاح والهجرة والسفر، دفاعاً عن تلك البيئة الحضاريّة التي نشأت الكاتبة فيها. في ما مضى، نبعت فكرة الكتابة لدى رجاء نعمة انطلاقاً من مأساة موت زميلتها على مقاعد الدراسة إسبيرانسا، ربما استنكاراً لموتها المأسويّ انتحاراً، خوفاً من حملٍ خارج الزواج. ها هي اليوم، بعدما تكرّست ككاتبة، تكتب استنكاراً لموت إسبيرانسا ولجرائم الشرف التي لم تخلُ منها الستينات. تكتب استنكاراً لنكبة فلسطين في منتصف القرن الفائت (من خلال حكاية عليا). تكتب استنكاراً للتقاليد التي تخنق الحبّ (من خلال حكاية عمّها وهبة الذي أحبّ فتاة من غير طائفته واختار الهجرة إلى أميركا بسبب حبّه الذي لم يؤذن له النجاح). تكتب استنكاراً لكلّ الظواهر الماضية والحاضرة التي تطيح كلّ ما وعدت به حداثة الستينات؛ وكأن حداثة اليوم هي حداثة معوقة، تغلّب فيها الفكر التقسيمي، المُختزِل إنسانيّة الإنسان، على الفكر الوطني والعروبي الجامع العابر للانتماءات الضيّقة. حقّقت رجاء نعمة رسالتها، بعدما وُظِّفت كلّ الاستذكارات، لا للتعريف برجاء نعمة كشيعيّة، بل للتعريف بها كمواطنة تشبه الوطن الذي طمح إليه جيلها، جيل الستينات من القرن الفائت وسبعيناته. مواطنة أفادت من التنوير الذي ساد في بيئتها الاجتماعيّة، سواء في مدينتها أم في أسرتها، وخرجت، شأن كثيرين غيرها، من عباءة الطائفة والمذهب لتنضمّ إلى عباءة الوطني والقومي. بهذا، بدت النسبة الشيعيّة لتلك المذكّرات في سياق خطابها العام بمثابة ثورة على كلّ تنميط، وبخاصّة المذهبي أو الطائفي الذي أوحى به العنوان.

أضيفت في 12 يونيو 2015 الزوار : 11
رواية من وجهة نظر يسارية ثورية تستهل رجاء نعمة سيرتها الصادرة مؤخراً، "مذكرات إمرأة شيعية"، بسورة الفاتحة – التي تبدأ "باسم الله الرحمن الرحيم". استخدام الآية القرآنية، في مطلع السيرة، يوحي أن الكاتبة تتساوق مع الموجة الدينية التي تجتاح البلدان العربية. هذه الافتتاحية للروائية اللبنانية مضللة كما هو عنوان كتابها السادس. يأخذ كل شيء في هذا العمل القراء على حين غرة، وبمهارة، تدمر الكاتبة بصورة منهجية أي أفكار نمطية مسبقة قد تكون لدى القارئ عن الكاتبة وحبكة الكتاب. إذا كنت متعطشاً لقراءة الروايات الشعبية العربية عن الفئات المضطهدة والمسحوقة أو المرأة الشرقية ستواجه خيبة أمل بهذا العمل، حال القراء الباحثين عن الطيش والاستثارة التي عادة ما تقدمها المذكرات. السيرة الذاتية لنعمة التي تقع في 415 صفحة لا تتمحور حول حياتها الخاصة. بدلاً من ذلك، تروي تاريخاً سياسياً وثقافياً نادراً ما تمت مقاربته، عن مسقط رأسها، مدينة صور اللبنانية الجنوبية ، من السنوات الأخيرة من الحكم العثماني حتى الغزو الإسرائيلي عام 1982. تكتب "في اليوم الأول للغزو [الإسرائيلي] للمدينة، أمر سكان صور بالتجمع على الشاطئ.. وأجبر الرجال من سن 12 إلى 80 على الركوع والزحف على الرمال. "إسرائيل" لم تدرك أنها من هذا الشاطئ نفسه، حيث أجبر [جنودها] اللبنانيين على الركوع، سوف تولد حركة مقاومة لا ترحم". "مذكرات امرأة شيعية" هي أيضاً قصة وهبة نعمة، عم الكاتبة، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة بعد قصة حب مأساوية مع باهيا، فتاة مسيحية من مدينة صور، في مطلع القرن العشرين. في المقاطع النادرة جداً التي تكرسها الكاتبة للحديث عن نفسها، يعلم القراء أنها كانت ثورية لفترة طويلة، ناضلت ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، إنسانة يسارية، كانت هواية الطفولة المفضلة لديها جمع الرموز لمريم ويسوع. وتسرد "رغم العديد من العقبات التي واجهناها، كان جيلي محظوظاً حقاً"، وتضيف "مشاهدة العالم يتغير والمشاركة بنشاط في صنع هذا التغيير يثلج الصدر. سوف تستمر النظم المتخلفة بالانهيار. وسوف يسود العدل وسيتم إصلاح الأخطاء التي ارتكبتها بعض الأنظمة الثورية. نعم أنت يسارية ثورية. أنت مركز العالم، وثورة أيار 1968 [باريس] تتحدث باسمك"! وتنتقد الكاتبة أيضاً الافتتان الأعمى بالغرب. وعندما تقارب نعمة تجربتها كطالبة دكتوراة في فرنسا، تصف النظام التعليمي الفرنسي بأنه "نخبوي" ومضنٍ من دون داع. وفقاً لنعمة، فإنها تشعر بأنها مضطرة لكتابة "مذكرات امرأة شيعية" بسبب تزايد مستويات الطائفية في العالم العربي، وكحصيلة للخبرة المتراكمة والنضج الذي بلغته. وقالت لصحيفة "ديلي ستار" في مقابلة هاتفية "إن الفترة التاريخية ما قبل الاستقلال التي درسناها في المدارس تناولت فقط قيام المسيحيين والدروز بذبح بعضهم بعضا في جبال [الشوف] في القرن التاسع عشر". وتضيف "هذا غير عادل لجميع الطوائف الأخرى والمناطق التي تشكل لبنان، لأنه في نهاية المطاف نتشاطر جميعاً التاريخ نفسه والنضال". وتقول المؤلفة إن "مذكرات امرأة شيعية" تصرخ أيضا ضد العنصرية والإهمال. "شعرت بالتعاسة عندما سألتني صديقة الطفولة، التي من المفترض أن تعرفني عن ظهر قلب، متى أنوي ارتداء الحجاب". وتصف المذكرات كيف انزعجت الكاتبة دائماً من بالاستجواب المتكرر "هل أنت حقاً من الشيعة؟" تسمعه من العديد من الأصدقاء والمعارف – كما لو أن جميع الشيعة يندرجون في قالب واحد. ومع ذلك تقول أن كتابها ليس متعلقاً بالطائفة الشيعية وحدها. وتوضح "أعترف أن عنوان الكتاب استفزازي، وتعمدت أن يكون بهذه الطريقة لأن هدفي تصحيح المفاهيم الخطأ والصور النمطية". وتضيف"عندما أتحدث عن نساء يخلعن جماعياً حجاباً أجبرن على ارتدائه لتغطية شعورهن أو عن جرائم الشرف، أقوم بدراسة الظواهر التي تؤثر على اللبنانيين عبر الطيف الديني وليس فقط الشيعة". ورغم الطابع العالمي للمواضيع التي تعالجها، استطاعت نعمة تقديم منظور جديد عن ثقافة المناطق الجنوبية في لبنان. خلافا لأعمال أكثر حميمية عن جنوب لبنان كتبها مؤلفون آخرون من النساء مثل حنان الشيخ وعلوية صبح – يختلف نمط ومواضيع المناقشة جذرياً عن بعضها بعضا كما عن كتابها – تنجح نعمة في تفصيل الحالة النفسانية لسكان المنطقة. وتقول "أنا ضد الخلط بين العام والخاص" وتضيف "حتى لو كتبت سيرة ذاتية، لا يعني ذلك أن تلجأ إلى الإثارة". تصور نعمة جنوب لبنان وسكانه وتقترح عدة تفسيرات لاختياراتهم الحالية ومواقفهم. وتكتب ان قرار المرأة الجنوبية ارتداء الحجاب مرة أخرى في أوائل الثمانينيات – بعد نبذ أمهاتهن له من حوالي 20 عاماً في وقت سابق – كان تعبيراً عن حالة سياسية أكثر من كونها دينية، في وقت كانت المقاومة الفعالة ضد "إسرائيل" تقوم بها الجماعات الإسلامية. وتكتب في واحدة من حواشي الكتاب "ظن الأجيال الأكبر سناً أن خلع [المرأة] الحجاب كان نهائياً وأنه لن تكون هناك عودة إلى الوراء" وتذكر "بعد عقود، عاد الحجاب مرة أخرى بالتوازي مع مشاركة المرأة في الحياة العامة، والنضال السياسي. في الثمانينيات، أصبح الحجاب رمزاً سياسياً بامتياز، في جنوب لبنان". يسرد كتاب نعمة تطور طقوس عاشوراء من احتفالات سنوية منفصلة، كما كانت في الماضي، ليظهر الإسراف فيها في الوقت الحاضر وما يحمله من دلالات. وتذكر المؤلفة أن الاحتلال الإسرائيلي أدى إلى تعلق الجنوبيين أكثر وأكثر باحتفالية يوم عاشوراء، حيث كل سنة ولمدة 10 أيام متتالية، تقام ذكرى مقتل الإمام الحسين، حفيد النبي محمد، في كربلاء. في "مذكرات امرأة شيعية" تذكر نعمة محادثة بين صاحب متجر للإطارات وجندي إسرائيلي، الذي استغرب الطقوس بشدة. وقال له صاحب المتجر إن الرجال والنساء كانوا "يدربون أنفسهم [لتحمل] الألم نظراً لأنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة الاستسلام". سأل الجندي "إذا كانوا يحدّون على حدث وقع منذ حوالي 1500 عام.. ماذا يفعلون انتقاماً من شيء يُجرى لهم الآن؟".

أضيفت في 12 يونيو 2015 الزوار : 12
هذه رواية بيضاء كحمامة وحزينة كمطر أزرق وصادقة كنبض.. رواية على قدر ما يجذبك عطرها على قدر ما يؤلمك وخز أحداثها تستطعم مذاق الحزن والتعب فيها لا رغبة في العذاب بل هو تشوق في استكمال الرواية.. تعتبر هذه الرواية واحدة من أعذب النماذج التي قرأتها في وصف (الزهايمر) وعلى نحو بالغ الشفافية.. بل من وجهة نظري أفضل ما كتب كرواية في وصف تفاصيل هذا المرض وتطوره على الإطلاق وبلغة لا تشبهها لغة.. الكاتب هو الطاهر بن جلون الأديب والمفكر المغربي الفرنسي صاحب طفل الرمال وليلة القدر وليلة الغلطة وتلك العتمة الباهرة وأن ترحل.. كتبها بالفرنسية وترجمها للعربية (رشيد بن حدو) الرواية عبارة عن مذكرات صادقة وحميمية عبر فيها الطاهر عن الخسارة المدمرة التي حلت به والحب الطاهر الذي يكنه لأمه.. يتحدث وبنغمة حزينة عن شعوره عند سماعه لهذه الكلمة التي تحير العقول، وعن ما انطوت عليه ومازالت تنطوي عليه من معان يقول: ما اسم هذا المرض الزهايمر؟ أحيانا تمر أمي بلحظات صحو وانسجام كاملين لايهم الاسم الذي أطلق على هذا المرض فما هي فائدة تسميته.. تقول: لقد فقدت ذاكرتي حدتها وتوهجها وأصبح رأسي مع تقدمي في السن صغيرا لايقوى على حفظ كل شيء.. ما أكثر الأشياء التي يخزنها رأسي؟ هيا أسألني لأرى مازلت أتذكر !! ثم تشرع في سرد أسماء أبنائها وأحفادها وتخلط السنوات والمدن بعضها ببعض وتصحح لنفسها أخطاءها وتضحك من شيخوختها وتحتج كون التلفزيون المغربي لم يعد يبث أغانيها المفضلة.. لم تعد أمي تصلي فهي التي لم تفتها أبدا صلاة واحدة أصبحت تنسى ولا تعرف كيف تتيمم بالحجارة الصقيلة ولا ما ستقوله في ركوعها وسجودها قالت لي كلثوم الخادمة: إنها تقضي حاجتها تحتها وتعرف أنها يتعذر عليها أن تصلي بسبب نجاستها نفد صبرها تصرخ وتسخط حين تطلب شيئا ما.. كلثوم نفسها فقدت قدرتها على التحمل فأن تعتني أربعا وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة بامرأة مسنة فهذا يحتاج إلى أكثر من صبر أيوب يحدث لها أن تفقد السيطرة على أعصابها تطالب بفترة عطلة مستخدمة ذلك كأسلوب مراوغ لطلب زيادة في أجرتها وهو ما أقبله دون تفكير فما تقوم به لا يقدر بثمن أن تحمل بين ذراعيها امرأة مسنة إلى الحمام وتنظفها وتلبسها ثيابها وتطمئنها وتجيب للمرة العاشرة عن السؤال نفسه وتعيدها إلى غرفتها وتناولها أدويتها وتهيئ طعامها وتسهر عليها ولا تفارقها.. وحدها ابنتها ثريا هي التي يجب عليها أن تفعل كل هذا لكن ثريا تعاني من انهيار عصبي يعجزها عن الصبر على الاعتناء بأمها.. رواية عميقة واقعية رائعة تحس فيها بالحنان يرفرف حولك كفراشة من نور رغم الألم الذي ينقر عشب روحك.. تتحدث عن مرض عضال لا يقتل الشهية فقط بل يمزق الحلق وينقل الإنسان إلى واحات ضائعة.. مرض تغيب فيه الذاكرة وتنحسر الأفكار والكلمات والأحباب والأصحاب والمعارف والأسماء والأقارب وأدق الأشياء وأهمها ويترنح الماضي ويرتعش الحاضر.. وقد تسألونني وما هو سر اهتمامك الدائم بهذا المرض!!. وجوابي: لأن أغلى الناس عندي من الأحياء مصابة به، فأنا أعلم وهي لا تعلم.. والله بكل شيء عليم.. 

أضيفت في 12 يونيو 2015 الزوار : 8