يعاين الإيطاليّ إنريكو دي لوكا (نابولي 1950) في روايته «اليوم ما قبل السعادة» (ت: معاوية عبد المجيد، دار أثر) واقع مدينة نابولي إبّان الحرب العالمية الثانية، والمعارك التي شهدتها، وتأثير ذلك على الناس وتفتيتهم، ناهيك عن تدمير المدينة والتنكيل بأهلها ومحاولة تغيير معالمها، وكأنّها تشهد يومها ما قبل الأخير، أو تتهيّأ للانتقال إلى مرحلة مختلفة تكون فيها غريبة عن إرثها الحضاريّ. ينهل إنريكو دي لوكا حكاياته من مرحلة طفولته، يرسم شخصيّاته المستوحاة من تلك المرحلة، ويضفي عليها أبعاداً معاصرة، أو يختار لها أدوراً جديدة تتناسب وطبيعة الزمن الذي ينفتح على الماضي والمستقبل، يعيد صياغة أحداث الماضي ليقترب من الواقع، ويرسل رسائله وعِبَره إلى المستقبل، وذلك دون مباشرة أو إقحام، بل تبدو تلك الرسائل مرمّزة في سياقها، وتكون دلالاتها وتأويلاتها إشارات لمّاحة إلى أهمّيّة قراءة التاريخ بغية تفهُّم التغييرات الناتجة عن الأحداث الكبرى. يحكي دي لوكا روايته على لسان طفل صغير يعيش في ميتم في مدينة نابولي، تتكفّل به، وتتبنّاه امرأة في المدينة، تمنحه فرصة للتعلّم، ويكون وجوده في الميتم فرصة لبَلْوَرة شخصيّته كطفل يكبر قبل أوانه، وكأنّ واقع الحرب يوجب تجريد الطفل من براءته، ويلقي به في معترك حياة صاخبة عنيفة، ليجد نفسه في مواجهة إجباريّة مع ظروف قاهرة كلّ مرّة، يحاول، بإرادته وعناده، التغلّب عليها، ومن ثمّ توظيفها لصالحه لاحقاً. يتمتّع الطفل بحرّيّة نسبيّة بالمقارنة مع أقرانه في الميتم، يتحلّى بالهدوء والإصرار على التعلّم وتطوير إمكانيّاته، يقدّر القراءة ودورها في تنمية شخصيّته، يكون مختلفاً عن الأطفال الآخرين الذين يتهرّبون من الدروس، أو يهملونها، تراه ينكبّ على قراءة الكتب، يطالعها، يكتشف من خلالها عوالم جديدة وعلوماً مختلفة. حارس الميتم غايتانو يكون عرّاب الفتى الصغير، يحميه ويسهّل له كثيراً من الأمور، يتغاضى عن انسلاله إلى الغرفة السرّيّة التي كان يخبّئ فيها يهوديّاً لمدّة قصيرة في أثناء الحرب، يحدّثه كيف أنّه خلَّص الرجل من موت محقَّق، في الوقت الذي كان كثير من الناس يحترفون الوشاية من أجل كسب المال، ويتحدّث له كذلك عن علاقته التي توطّدت مع ذاك الرجل الغامض. غايتانو يصف للطفل حالة الناس بعد كلّ غارة جوّيّة، وكيف كانوا يخرجون من الملاجئ، ولا يجدون منازلهم. يصوّر تغيُّر وجوه البشر الذين يخسرون كل شيء في غضون ساعة. حيث كانوا يبحثون عن أي شيء ينقذونه من بين ركام البيوت المهدّمة. يفتشون بين الأنقاض، ولا يعثرون على شيء يستحقّ الإنقاذ لأنّ الدمار مفجع وكارثيّ. ينتقل الطفل إلى مرحلة المراهقة، يحرق المراحل للوصول إلى اليوم ما قبل السعادة، ذاك الذي يكون في الأساطير التوراتية اليوم الذي يسبق رأس السنة بحسب التقويم اليهوديّ الذي يتحدّث عنه بطل رواية إنريكو، وذلك عبر إحالته إلى تاريخ مديد مغرق في تَأسْطُره، بحيث يبدو وكأنّه سليل ميثولوجيا لا تني تبحث عن وسائل لتجديد نفسها. يجد الفتى صورته في صورة أبيه الضبابيّة في خياله، يرسم له أشكالاً مختلفة متباينة، يستاء لكشف غايتانو له عن الحقيقة، يودّ لو أنّه ظلّ ابناً للّاأحد، ابناً فقط لأب مجهول لا يعرف عنه وعن شخصيّته وماضيه شيئاً، يتماهى مع شخصيّات نشأت دون أب، وأصبح كل منها أباً لنفسه. تحيّره كلمة «الأب»، وهو الذي لم يسبق له أن شعر بأيّ شعور حيال أب مفقود لا وجود له. يطلق آراءه الغريبة عن الأبوّة والبنوّة، وإشكاليّة كونه ابناً، وهو الذي كان يتوهّم القطيعة مع الواقع والناس. يرمز ديو لوكا إلى أنّ السعادة سلسلة من التأمُّلات. يدخل بطله عالماً كلّ مرّة من سعادة آنيّة، أو ما يظنّها سعادة، ويكون بحث الفتى عن السعادة مطاردة لسراب هارب، فكلّ مرّة يشعر أنّ السعادة هي ما يعيشها، أو ما يحلم بها في موقف ما، لكنّه يعود وينتكب لشعوره المخادع ذاك، ولاسيّما أنّ التجارب الكثيرة تُنْضِجه، وتُمَرْئي له جوهر الأشياء، فلا ينخدع بسرعة أمام المظاهر. تكون السعادة، في مرحلة ما، التجوّل بحرّيّة في المدينة ومصاحبة الغرباء والبحّارة والناس، ثمّ تغدو مرتكزة في قراءاته، وتنتقل إلى المتعة مع المرأة، وفي كلّ موقف يختلف انطباعه ورأيه، فيكون اليوم ما قبل السعادة هو اليوم المفتوح على المستقبل، اليوم الذي يبشّر بالحرّيّة بعيداً عن قيود الماضي وهموم الحاضر وجنون الحرب.

أضيفت في 13 يونيو 2015 الزوار : 5
لا يفضح ميخائيل مار في كتابه «فهود في المعبد» ترجمة الكاتب المصري أحمد فاروق (مشروع كلمة للترجمة - أبو ظبي) الأدباء الذين يتناولهم في هذا الكتاب الفريد، كما لا يعرّيهم بقصد الإساءة إليهم، إنما هو، في معنى أو آخر، يضيئهم في شكل دقيق، ينزلهم من علوهم، أو لعله يخرب الصورة التي ثابر القراء على رؤية كتّابهم المفضلين من خلالها، تلك الصورة التي تجعلهم منزهين عن الخطأ، في منأى عن ارتكاب أفعال شنيعة أو شريرة. في كلمة الغلاف نقرأ هذا التحذير: «إن من يقرأ هذا الكتاب، لا بد من أن ينبو ذوقه طويلاً عن كثير من الآداب»، إذا فالقارئ سيكون أمام ما يشبه الفعل الفاضح، ومع ذلك عليه ألا يشعر بالصدمة. مقالات مار تميط اللثام عما هو خاص جداً في حياة أدباء كبار، وتكشف السري والمتواري، بالنسبة إلى الكثير، وتلامس التناقضات في شخصياتهم. يكتب مار ما يشبه البورتريه، وما هو أعمق من البورتريه أحياناً، ويقدم التحليل النقدي، وحيناً ينجز ما يشبه السيرة الذاتية. وما يمكن رؤيته بصفته نقاط ضعف في حياة هؤلاء الأدباء، وعدد منهم حاز جائزة نوبل، يتحول مواطن قوة. يبدو صنيع مار النقدي، كمن يطل على موضوعه من خلال ثقب، أو من زاوية قصية، لم يتخيلها أحد. كتاب بارزون يتأمل مواقفهم وآراءهم، مثل: أندرسن، وبورخيس، وكانيتي، وتشيسترتون، وكافكا، ولامبيدوزا، ومان، وموزيل، ونابكوف، وبول، وبروست، وفرجينيا وولف. يخضع المؤلف بعض النصوص إلى ما يشبه ورشة العمل، ويجهد في كشف الأسرار التي تتوارى وراء طبقات العمل الأدبي، مطارداً ما يمكن اعتباره فكرة مركزية في النص، وأحياناً يتتبع خيوطها في أكثر من نص لكاتب واحد. تفاصيل قد تبدو صادمة، تخصُّ هؤلاء الكتاب، لكن بعد مطالعتها، لا يمكن التفكير سوى أنه لا غنى عنها لفهم بعض تلك الشخصيات، التي ينطوي بعضها على ملمح غامض، أو تتحول إلى ما يشبه اللغز الذي يصعب حله. أكثر من نعت يمكن إطلاقه على هذا الموقف، أو ذلك التصرف، الذي يظهره كاتب تجاه كاتب آخر، خسة، حقد، كراهية، سلوك غير أخلاقي، وفي الوقت نفسه كأنما لا معنى لكل هذه النعوت، طالما أن الكاتب هو مزيج من كل ذلك. كأنما الكاتب أو الأديب، كما يريد أن يقول لنا مار، مهما علا شأنه وحاز جوائز مرموقة وفاضت شهرته على حدود بلده، يبقى معرّضاً للأهواء والنزعات الشخصية، في معناها الضيق، مثل الاستسلام لنزعة الشر، وتركها تتحكم في رؤيته لزميله أو شريكه في الصنعة. يتكلم مار عن شراسة النظرة عند الياس كانيتي، الذي كان يكن لأشخاص كثر كراهية حادة. ويلفت إلى قدرته على الكراهية، إلى حد يصفها بالموهبة، الكراهية، التي «ليست مجرد سمة في شخصيته، بل لعبت دوراً جوهرياً في إنجازه الأدبي». ثم يتطرق إلى علاقته مع زملائه الكتاب ويقول عنها إنها غير مثمرة، ووصلت إلى أدنى مستوى لها، عندما قام لدى لجنة نوبل بتشويه السمعة السياسية لمنافسه الذي رشح للجائزة نفسها. ونقرأ عن هانس كريستيان أندرسن، كاتب الحكايات الخرافية «التي تعد من عجائب الأدب العالمي»، بصفته مصدر إزعاج مرهوب الجانب. إذ جعلته أنانيته التي لا شفاء منها عبئاً على أكثر مضيفيه صبراً. فبعد ما غادر أندرسن بيته، أفصح تشارلز ديكنز عما يشعر به على بطاقة، كتب فيها: «نام هانس كريستيان أندرسن في هذه الغرفة خمسة أسابيع، بدت للعائلة دهراً». أما الصورة النمطية عن مارسيل بروست، فتصوره مريضاً بالربو، وأنه يبدأ كل رسالة يكتبها بالشكوى من أنه مريض منذ أيام، ويعاني من أزمة رهيبة، وأنه لا يستطيع الإمساك بالقلم. ويوضح مار أن موهبته تجلت في إتقانه الفائق لفن التصنع عندما يكتب رسائله، فهو لا يفصح أبداً عما يريده. وأن المرء قد يحتاج قراءة الرسالة مرتين، ليتكشف له مثلاً أن بروست عرض فعلياً تقديم المال لناقد اعتبره معادياً له، من أجل أن يكف في المستقبل عن التعليق على كتاباته. وبعد فوزه بجائزة غونكور (1919) عاش بروست لأجل شيء واحد: الشهرة الفورية. كان بروست «مجرد حشرة بشعة»، ينقل المؤلف عن جان كوكتو. وفي مقالته حول كافكا، يستعين المؤلف بخاطرة كتبها كافكا نفسه تقول: «تقتحم فهود المعبد وتكرع كل ما بجرار القرابين حتى الثمالة. يتكرر حدوث ذلك مراراً، ما يجعلنا في نهاية المطاف نتوقع حدوثه مسبقاً، ويصبح الأمر جزءاً من الاحتفال الطقسي». ويتساءل مار هل يريد كافكا أن يحكي لنا في هذه القصة شيئاً عن الفهود؟ هل يفكر في شيء شخصي، في عادات غرائزية أصبحت تدريجياً جزءاً من الحياة الزاهدة ذات الطابع الطقسي التي كان يعيشها؟ ويذكر أن كافكا لم يكن معزولاً فحسب لكونه يهودياً ألمانياً في براغ ذات الطابع المسيحي، بل كان معزولاً كذلك لكونه يهودياً لا أدرياً محاطاً بالتراث الديني اليهودي. كما أنه كان معزولاً في عائلته في ظل سطوة الأب القاسي. كيف كانت علاقة كافكا بالنساء؟ يطرح مار هذا السؤال بغية التوصل إلى فهم لهذا اللغز، ويقول إن علاقته فشلت بحبيبته البعيدة ميلينا، لأن كافكا كان يخشى الحب الجسدي، إن لم يكن يحتقره، هو الذي يصف الجماع بأنه عقاب لسعادة اجتماع الأحباب. لكن من الممكن أن يكون، وفقاً إلى الكتاب، شيئاً آخر، مثل الإحساس بدنس الانجذاب لجنسه نفسه. في الكتاب نعرف عن روبرت موزيل، أن توماس مان كان خصمه اللدود. رغب موزيل في جعل اندلاع الحرب العالمية الأولى نهاية لروايته، لكن مان أنهى «الجبل السحري» باندلاع الحرب العالمية الأولى، فتسبب ذلك في عجز موزيل عن الكتابة فترة طويلة. وللانتقام منه شبه «الجبل السحري» بمعدة سمكة قرش يمكن حشو أي شيء بداخلها. لكن توماس مان حصل على جائزة نوبل، ولو كان عدواً حقيقياً لموزيل، كما يقول مار، «لكان الأمر أهون، فهو لم يألُ جهداً في الدعاية لموزيل وتقديم التماسات لدعمه، وتحويل المال وكيل المديح له. لكن بمجرد ذكره كانت أصابع موزيل تبدأ في الارتعاش». وينقل المؤلف عن الياس كانيتي قوله إن الحرمان الفوري من الصداقة كان مصير من يتحدث بصورة إيجابية أمام موزيل عن توماس مان. بيد أن انتقام موزيل الأخطر كان من خلال الفن. كثيراً «إن لم يكن كل شخوص روايته «الرجل عديم الخصال» كان لها نموذج أصلي في الواقع. يذكر مار أنهم في فيينا أعدوا حفلة كبيرة على شرفه، وأن مراسم تكريمه جرت على أفضل ما يكون، «لكن موزيل غادر الحفلة بمزاج بائس لأن زميلاً له حضر إلى الحفلة ببدلة عادية بدلاً من السموكنغ. وحرص موزيل في ما بعد على عدم حصول هذا الكاتب على أي من النسخ المجانية من كتبه، التي ترسلها الدار للكتاب والصحافيين». أما عن فرجينيا وولف، فيقول إن ما يميز مدوّناتها الشخصية، التي لا تتطرق فيها إلى أمورها الخاصة، تلك البورتريهات التي رسمتها «بعين الحسد الأصفر على زملاء مهنتها، وثرثرتها العبقرية عنهم مثلما هي الحال في كلامها عن ت. س. إليوت، الذي سمعت عنه أنه يستخدم بودرة قرمزية اللون ليضفي على وجهه مظهر الشخص المعذب. أما بخصوص منافستها كاثرين مانسفيلد، فتصبح نظرة الحسد الصفراء تجاهها أكثر دكنة، تكتب عنها قائلة: في أعماق قلبي أرى أنها جيدة، لأنني أفرح عندما أجد من يمزقها إرباً». وعندما ماتت مانسفيلد أبدت وولف أسفها، لأنه في حال بقائها على قيد الحياة واستمرارها في الكتابة، كما تقول، كان الناس سيتبينون قريباً أنها هي الأكثر موهبة وليست كاثرين. وعن أحد الكتّاب الصاعدين كتبت فرجينيا وولف تقول: «رجل غير لافت للانتباه، يرتدي نظارات سميكة، مظهره يشبه قليلاً برنارد شو، ممل ونرجسي وعلى قناعة تامة بأهمية شخصه». ولم يكن هذا الكاتب الصاعد سوى جيمس جويس. ومن الشخصيات التي يتوقف عندها كتاب «فهود في المعبد» نابوكوف، ففي حوار أجري معه في عام 1969 علّق على عبارة لتولستوي تقول إن الحياة شطيرة خبز مدهونة باللعنة، يضطر المرء لازدرادها ببطء، طبعاً مستخفاً بهذه العبارة، قال نابوكوف: «من كان يتخيل أن هذا العجوز يمكن أن يكون وقحاً إلى هذه الدرجة، ويرد قائلاً إن حياته هي خبز مدهون بالزبد الريفي وعسل الألب». تشتهر أحكام نابوكوف، كما يذكر مار، بأنها مقتضبة وحادة عمن يعتبرهم أصناماً زائفة وأقزاماً، نالوا تقديراً زائداً، مثل دويستويفسكي وستندال وبلزاك أو إليوت أو توماس مان. ينقل المؤلف عن البروفيسور ماكونكي، الذي تولى تدريس مادة «الرواية الأوروبية» خلفاً لنابوكوف، كيف عاد سلفه ذات مرة من قاعة الدرس واقتحم عليه المكتب وهو في حال انفعال شديد، لدرجة أنه خشي عليه من أن يصاب بنوبة قلبية. وبتلعثم ذكر له نابوكوف بوجه محمر سبب انفعاله. لقد سأله طالب في الفصل إن كان من الممكن أن يسمح له بقول شيء عن ديستويفسكي، طالما أنه يرفض وضعه في البرنامج الدراسي. وبعد ذلك سمع ماكونكي صياح نابوكوف أمام باب مكتب العميد الذي هرع إليه قائلاً إنها وقاحة، ويطالب بطرد الشاب من الجامعة.

أضيفت في 13 يونيو 2015 الزوار : 5
في كتابه «لانهائية القوائم: من هوميروس إلى جويس» يؤرخ أمبرتو إيكو، للقائمة، أو لنقل للولع الغربي بها، آخذاً من كتالوج السفن في إلياذة هوميروس شارة البدء، ومعرجاً على الأدبيات القروسطيّة،  لينتهي بالعصرين الحداثي وما بعده. وهو يمتحن في هذا الكتاب (مشروع كلمة- أبو ظبي، ترجمة ناصر أبو الهيجاء) ظاهرة الجمع، وإنشاء القوائم، ووضع الموسوعات، والتصنيف، على امتداد العصور التي خلت، ذاهباً إلى أن هذا المنحى في مقاربة الأشياء عبر التاريخ الثقافي الغربي بمجمله، بل يمكن القول إن ثمّة عوداً أبدياً إلى ثيمة القائمة والهوس بها يسم ذلك التاريخ. وهكذا يدخل إيكو في جهد تأريخي نقدي، راصداً الجهد الغربي في محاولته تدجين الكثرة وامتلاكها داخل قوائم من الأشياء، والأمكنة، والعجائب، والمجموعات، والكنوز. وهو جهد نقدي أساساً، لأن إيكو -كما ذكر- لم يقصد أن يدخل في رصد تاريخي لا حدود له ربما، لكنّه يعين أنواع القوائم، ثم يسوق، بما امتلكه من معرفة متبحرة، أمثلة كثيرة عليها، تتراوح بين البصري واللفظي. وتبلغ هذه الأمثلة حداً من الكثرة تستدعي في ذهن القارئ الشبكة العنكبوتية، التي يقول عنها إيكو إنها: تقدِّم لنا كتالوجاً من المعلومات، التي تجعلنا نشعر بالثراء والقدرة غير المحدودة. ويأخذ الكتاب الذي جاء نتاج دعوة من متحف اللوفر، القارئ في رحلة متاهية ممتعة تعج باللوحات التصويرية من صور المعارك، والحدائق الغناء، والملائكة، والشياطين، والكنوز، والمجموعات الفنية، متناهياً في أحد جوانبها إلى صورة من معلبات كامبل؛ مأخوذة من متحف نيويورك للفن الحديث. يتحدث إيكو عن السبب الذي دفعه إلى وضع هذا الكتاب فيقول: «حين دعتني إدارة اللوفر كي أنظِّم، طوال شهر تشرين الثاني من عام 2009، سلسلة من المؤتمرات، والمعارض، وجلسات القراءة للجمهور، والحفلات الموسيقيّة، وعروض الأفلام، وغيرها من الفعاليات المشابهة، التي تختصُّ بموضوع أختاره بنفسي، فإني لم أتردَّد لحظة، وتقدمت من فوري بموضوع (القائمة)، فلو قُيِّض لامرئ قراءة رواياتي، فإنه سيجدها تغصُّ بالقوائم. وقَدْ تمثلت أصول هذا الولع في مادتين درستهما شابّاً، وهما: النصوص القروسطيّة وأعمال جيمس جويس».  وأمبيرتو إيكو، فيلسوف إيطالي، وناقد أدبي، وروائي، ومختص في مبحث القرون الوسطى، الذي استثمره في روايته ذائعة الصيت: «اسم الوردة». 

أضيفت في 13 يونيو 2015 الزوار : 2
أصدر مشروع "كلمة" للترجمة، التابع لهيئة أبو ظبى للسياحة والثقافة كتاباً جديداً بعنوان: "لانهائية القوائم: من هوميروس حتى جويس"، للفيلسوف الإيطالى أمبرتو إيكو، ونقله إلى العربية المترجم الأردنى ناصر مصطفى أبو الهيجاء. فى هذا الكتاب، يؤرخ أمبرتو إيكو، للقائمة، أو لنقل للولع الغربى بها، آخذاً من كتالوج السفن فى إلياذة هوميروس شارة البدء، ومعرجاً على الأدبيات القروسطيّة، لينتهى بالحداثى وما بعده. وهو يمتحن فى هذا الكتاب ظاهرة الجمع، وإنشاء القوائم، ووضع الموسوعات، والتصنيف، على امتداد العصور التى خلت، ذاهباً إلى أن هذا المنحى فى مقاربة الأشياء عبر التاريخ الثقافى الغربى بمجمله، بل يمكن القول إن ثمّة عوداً أبدياً إلى ثيمة القائمة والهوس بها يسم ذلك التاريخ. وهكذا يدخل إيكو فى جهد تأريخى نقدى، راصداً الجهد الغربى فى محاولته تدجين الكثرة وامتلاكها داخل قوائم من الأشياء، والأمكنة، والعجائب، والمجموعات، والكنوز. وهو جهد نقدى أساساً، لأن إيكو -كما ذكر- لم يقصد أن يدخل فى رصد تاريخى لا حدود له ربما، لكنّه يعين أنواع القوائم، ثم يسوق، بما امتلكه من معرفة متبحرة، أمثلة كثيرة عليها، تتراوح بين البصرى واللفظى. وتبلغ هذه الأمثلة حداً من الكثرة تستدعى فى ذهن القارئ الشبكة العنكبوتية، التى يقول عنها إيكو إنها: تقدِّم لنا كتالوجاً من المعلومات، التى تجعلنا نشعر بالثراء والقدرة غير المحدودة. ويأخذ الكتاب، الذى جاء نتاج دعوة من متحف اللوفر، القارئ فى رحلة متاهية ممتعة تعج باللوحات التصويرية من صور المعارك، والحدائق الغناء، والملائكة، والشياطين، والكنوز، والمجموعات الفنية، متناهياً فى أحد جوانبها إلى صورة من معلبات كامبل؛ مأخوذة من متحف نيويورك للفن الحديث. يتحدث إيكو عن السبب الذى دفعه إلى وضع هذا الكتاب فيقول: "حين دعتنى إدارة اللوفر كى أنظِّم، طوال شهر أكتوبر من عام 2009، سلسلة من المؤتمرات، والمعارض، وجلسات القراءة للجمهور، والحفلات الموسيقيّة، وعروض الأفلام، وغيرها من الفعاليات المشابهة، التى تختصُّ بموضوع أختاره بنفسى، فإنى لم أتردَّد لحظة، وتقدمت من فورى بموضوع (القائمة)، فلو قُيِّض لامرئ قراءة رواياتى، فإنه سيجدها تغصُّ بالقوائم، وقَدْ تمثلت أصول هذا الولع فى مادتين درستهما شابّاً، وهما: النصوص القروسطيّة وأعمال جيمس جويس".

أضيفت في 13 يونيو 2015 الزوار : 3
من المفارقات الدالة أن ميشيل بوتور ظل يقاوم ارتباطه بالرواية الجديدة، ولكنه اقترن بها على رغم المقاومة. وكانت تجريبيته أساس الاقتران، وتوافق روايته مع المبادئ الأساسية للرواية الجديدة، خصوصاً روايته الشهيرة "التحول" Modication المكتوبة كلها بضمير المخاطب من ناحية، ومزجها بين الواقع والوهم من ناحية ثانية، فضلاً عن الالتباس المبنية عليه من ناحية أخيرة. وقد كتب بوتور هذه الرواية من المنظور الذي يؤكد التحول والتغير، وينقض الثبات والبقاء على حال إدراكي واحد، فبطلها يسافر إلى روما بعد أن قرر استئناف حياته مع عشيقته التي تنتظره. وفي الليل، وهو جالس في القطار، يقوم بعمليتين ذهنيتين في وقت واحد، منفصلاً فيهما عن حياته الماضية، محاولاً التنبؤ بحياته الآتية. وبمرور الوقت تتضاءل أهمية تنفيذ القرار الذي كان قد اتخذه، إذ يدرك في الصباح أنه لم يحب عشيقته، وأنه أحب كائناً غريباً عليه تماماً، كالمدينة التي تسكنها هذه العشيقة. لقد أحب أحداثاً في هذه المدنية. ولذلك فإن قيمة مَنْ يذهب إليها تفقد معناها لو أكمل تنفيذ القرار الذي اتخذه. ولا تنفصل عن ذلك المستويات الدلالية الموازية للرواية، حيث يشير ضمير المخاطب الجمع، إيحاء، بالتحول الذي لا يخلو من سؤال ميتافيزيقى معلق، مطروح على البطل والقارئ في آنٍ:"من أين تأتي؟ وماذا تريد؟ وإلى أين تذهب؟"وهو سؤال يتناسب وطبيعة الرواية التي تقوم على قصة داخل قصة، ومن خلال ضمير المخاطب - المفرد بصيغة الجمع - للبطل الذي يخاطب نفسه خلال رحلة القطار، قبل أن ينتهي إلى أنه لن يترك زوجه من أجل عشيقته، وهو الانقلاب الكلي على البداية، أو التعديل الكامل لها، أو العدول عنها، مع تغير التداعيات والتساؤلات التي لا تتوقف عن التولّد من خلال تداعيات ضمير الخطاب الذي يبدو كأنه إيانا وكأننا إياه. ولا تتباعد رواية"التحول"أو"العدول"إذا شئنا الدقة عن رواية"عمل الزمن"التي يحاول بطلها، جاك ريفيل، العثور على معنى في شوارع وبنايات مدينة غريبة، تدفعه إلى الشعور بأنه سجين وسط ظلمة كثيفة. وكان قد جاء الى العمل في مدينة إنكليزية تدعى بليستون، يهيم فيها بلا هدف، متوحداً، عبر صفوف المنازل ومواقف الأتوبيس الذي يركبه، تاركاً المبنى الذي خلفه منذ نصف ساعة، لا يغادره الشعور بأن حظه السيئ يرجع إلى إرادة حاقدة، وأن كل ما يراه ليس سوى أكاذيب، وعليه محاربة انطباعه المتزايد بأن كل جهوده محكوم عليها بالفشل، سلفاً، وأنه يدور بلا توقف حول حائط صلد، أبوابه مضللة، والناس زائفون، وكل شيء ليس سوى خدعة. ويصف النقاد هذه الرواية، إضافة إلى تجريبيتها ومزجها الواقعي بالوهمي، بأنها تضع إدراك القارئ للعالم موضع المساءلة، مؤكدة معنى التحول في فعل الإدراك وفي المدركات نفسها. وقد كان رولان بارت 1915-1980 - أشهر نقاد البنيوية وأوسعهم تأثيراً - معجباً بأعمال بوتور لما فيها من سيمتريات صارمة، دفعه إلى اعتبار رواياته مثالاً إبداعياً للبنيوية، على نحو ما تتجسد، مثلاً، في روايته"المرور على ميلانو"، أو"عمل الزمن"التي تتشكل في بنية ثابتة التدرج كالتقويم. ولم يغفل بارت عن الخاصية الكتابية لأعمال بوتور الإبداعية التي تتميز بنثر شعري، تجعل حساسيته الكتابية أقرب إلى بودلير منه إلى آلان روب - غرييه. ومن الأمانة القول إنني أخذت معلوماتي الأولى عن بوتور من التذييل الذي ألحقه المترجم لكتاب آلان روب - غرييه عنه، وأضفت إليها ما تراكم عندي عبر الزمن الذي مضى منذ ترجمة كتاب روب - غرييه. هكذا، عرفت أن بوتور ولد في مون- آن - بارويل في الشمال الفرنسي في الرابع عشر من أيلول سبتمبر 1962، وحصل على إجازة ودبلوم في الدراسات الفلسفية العليا، وعمل بالتدريس في إنكلترا ومصر والولايات المتحدة. وكان نشر - في ذلك الزمان - أربع روايات، هي:"المرور على ميلانو"1954، وپ"عمل الزمن"1956 التي ترجمت إلى الإنكليزية بعنوان"مرور الزمن"وپ"التحول"1957 التي حصلت على جائزة رونودو 1957، وترجمت إلى الإنكليزية بعنوان"أفكار ثانية"، وپ"درجات"1960، ونشر محاولات نقدية عدة منها"عبقرية المكان"1958. ومضى بوتور في طريقه بعد ذلك، لكن أخذه النقد من الإبداع، وشغلته كتابة المقالات والدراسات التي تنوعت تنوعاً موسوعياً، ابتداء من"تاريخ استثنائي: مقالات عن بودلير"1961 وانتهاء بكتابيه"ارتجالات ميشيل بوتور: الكتابة عن التحول"وپ"ثلاثية على شرف غوغان"2000. غير أن هذا التنوع لم يفارق عوالم الفن بوجه عام، سواء في تنقله ما بين الرواية ونقد الفنون، خصوصاً الرسم والموسيقى، فضلاً عن أدب الرحلات التي لا يزال على حبه لها، بصفتها اكتشافات مستمرة للعالم الذي يظل في حاجة إلى الكشف. وقد أغواه الشعر فكتبه، بعد أن انتهى إلى أن الرواية استنفدت وهجها السردي داخله وحلّ محله الوهج الشعري، فكتب الكثير من القصائد، مبرراً ذلك بأن الشعر صار أقدر على صياغة إدراكه المتغير عن العالم. كانت الأفكار السابقة تتداعى على ذهني، وأنا في انتظار ميشيل بوتور، في مكتبي للتحية، قبل أن ندخل إلى قاعة الندوات، وينتج أفقاً من النقاش الحر مع العارفين بأدبه ومكانته في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة. وكنت قد أعددت نفسي للقاء بمراجعة كتاب آلان روب - غرييه الذي كان مدخلي الأول إلى معرفة تيار"الرواية الجديدة". وحاولت قراءة ما هو متاح عنه على شبكة الإنترنت التي أضافت موادها الكثير إلى معلوماتي، فلم أكن أعرف أنه انشغل بالكشف عن العلاقة النصية الداخلية التي تصل ما بين أنساق الفنون، مثل الموسيقى والرسم، والخطاب الأدبي، وأنه ظل يرفض العوامل التاريخية والبيوغرافية الخاصة بالسير الشخصية للكُتَّاب بصفتها عوامل حاسمة في فهم الرواية، وأنه اهتم بالموازاة بين الأدب والفنون البصرية، وأشار - في ثنايا ذلك - إلى مونتاني الذي لاحظ الموازاة بين مقالاته وتكوين رسم الباروك الذي يركز على تباين الخواص الغروتسكية، وأنه اهتم - فضلاً عن ذلك - بدراسة الرواية البوليسية، ولم يتوقف عن التأليف والإبداع الذي أهّله لأكثر من جائزة، آخرها جائزة النقد الأدبي سنة 1960، وأن كتباً عدة تم تأليفها عنه. وأخيراً، أطلّ ميشيل بوتور، شيخاً باسم الوجه، جاوز الثمانين من عمره، رحبت به بالإنكليزية التي يعرفها جيداً، وظللنا نتبادل عبارات المجاملة، وعرفت منه أن هذه ليست زيارته الأولى لمصر، فعهده بها قديم. وقد أفاض في ذلك في حديثه عن نفسه، داخل اللقاء الذي كان ممتعاً ثرياً. والحق أنني كنت نسيت أنه عمل في مدرسة الليسيه في مدينة المنيا في صعيد مصر ما بين عامي 1905- 1951، ولم يبخل علينا الرجل بذكرياته عن المنيا التي لم تكن قد وصلت إلى ما وصلت إليه من تطور بعد، وأطرف ما حكاه أنه لم يمتلك مكتباً خاصاً به، يكتب عليه أعماله، وأنه ذهب إلى نجار، ورسم له مخطط منضدة للكتابة التي لم يتوقف عن ممارستها، واستطرد إلى ذكرياته الكثيرة في المنيا، وذلك بعد مرور ما يزيد على نصف قرن من عمله فيها. وكان ذلك قبل أن ينتقل إلى التدريس في جامعة مانشستر في إنكلترا 1951 - 1953 ثم إلى سالونيكا 1954-1955 وجنيف 1956 - 1957. وانتهى به العمل الجامعي إلى أن يكون أستاذاً زائراً لتدريس الأدب الفرنسي في جامعات الولايات المتحدة، متردداً ما بين جامعاتها وجامعة جنيف التي عينته أستاذاً متميزاً، وكان ذلك قبل أن يستقر به المقام محرراً في دار نشر غاليمار الشهيرة، وقبل أن تبتعد الأضواء تدريجاً عنه، فالرواية الجديدة التي كان من أعلامها لم تعد جديدة، وطرائق السرد التي رادها تعدلت بفعل الزمن، وأصبحت طرائق مغايرة، والروائي الذي كان داخله ترك مكانه للشعر، وتغلب على المبدع فيه الناقد والدارس والأستاذ الجامعي. ولذلك لم أندهش من سؤال صديقنا محمد أركون وتعليقه، وكان حاضراً اللقاء، عن سر ابتعاد بوتور عن بؤرة الضوء، وأنه لا ينال حقه من التكريم في فرنسا. ولم تخل إجابة بوتور من سمات التواضع التي جذبتنى إلى شخصيته السمحة، خصوصاً حين ألمح إلى السنوات الكثيرة التي قضاها خارج فرنسا. وكان يمكن أن يضيف تقلّب الأذواق وتغيرها، خصوصاً بعد ثورة الطلاب الفرنسية سنة 1968 التي أطاحت بالبنيوية، واستهلت أزمنة جديدة من الكتابة التي تراكمت بما أبعد الضوء عن الرواية الجديدة، على الأقل في صيغها الأولى، وعن مسرح العبث وكتاباته التي لم يبق منها إلا الأصيل الذي يجاوز حدود المذهبية الضيقة. وهذا شأن كل المذاهب والتيارات في الفنون، لا يبقى منها إلا ما يغوص في زمنه النوعي إلى قرارة القرار التي يتجاوب فيها الماضي والحاضر والمستقبل في القاسم الإنساني المشترك الذي يجاوز زمنه المتعين إلى غيره من الأزمنة. ولولا ذلك ما بقيت أعمال جويس وكافكا وبيكيت وغيرهم من أبناء عصرهم وعصرنا وعصور أولادنا وأحفادنا، وقد طافت المناقشات مع بوتور حول موضوعات وقضايا أبدى فيها آراءه التي أضافت إلى ما عرفته عنه من قبل، وذلك من مثل تأكيده أنه يستكشف الفنون بصفتها وحدة واحدة، ويرى ثقافة العالم بوصفها نسيجاً هائلاً، ينطوي على تنوعات لا نهائية، لا تنفي وحدة هذه الثقافة، خصوصاً إذا جاوزنا سطح ذلك النسيج إلى ما يقع تحته من ثراء لا حدّ له، يؤكد وحدة التنوع الخلاّق للثقافة الإنسانية. ولم تخلُ آراؤه من إشارة إلى أميركا، وإلى إعجابه بروائييها العظام من ناحية، وإلى حماسته لبعض أنواع الموسيقى التي أنتجتها، مثل موسيقى الجاز التي يأخذها مأخذ الجد، ويرى فيها إبداعاً جديراً بالاحترام لا التهميش. ولم تفته الإشارة إلى أن كل كاتب يُسهم في الميراث الثقافي للإنسانية، وأن إعادة تفسيره للحكمة الموروثة عن الإنسانية لمصلحة زمنه لا تقل أهمية عن ضرورة إعادة هذا التفسير لمصلحة المستقبل، فالكتابة إعادة اكتشاف للماضي والحاضر، وإرهاص بالمستقبل في الوقت نفسه. وهي - من هذه الزاوية - وسيلة مقاومة الكاتب لكل ما يعوق اكتمال الحياة، أو يحول بين الإنسان والتحديق في ملامح المستقبل المغوي. ولذلك لا يكف الكاتب عن الكتابة لأنه لا يكف عن المقاومة، ساعياً إلى القبض على الملامح المراوغة للأشياء التي يراها بالغة الأهمية والدلالة في العالم الذي لا يكف عن التحول. ومن المنظور نفسه، يمكن وصف الكتابة بأنها فعل تحوّل لا ينقطع أو يتوقف، فعل مفتوح لا ينغلق في دائرة، أو يحتجز في قوالب زمان أو مكان. وكان من الطبيعي أن يبرر بوتور انصرافه عن الرواية إلى الشعر، نافياً انتهاء زمن الرواية، مؤكداً أنه لم يوجد عصر تميز بغزارة إنتاجه الروائي مثل عصرنا، حتى لو كانت الروايات شديدة التميز قليلة، فالكثرة ليست دالة على القيمة في كل الأحوال. ولم تفته الإشارة إلى تميز الرواية الأميركية، في ثنايا حديثة عن إقامته وعمله في الولايات المتحدة وجامعاتها.

أضيفت في 13 يونيو 2015 الزوار : 3