يقدم المترجم د. سليمان العطار أستاذ الأدب الأندلسي بكلية الآداب بجامعة القاهرة لرواية "خلية النحل.. طرق ضالة" للروائي الأسباني كاميلو خوسيه ثيلا الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1989 في طبعتها الجديدة الصادرة أخيرا عن دار آفاق، بما يطلق عليه "تقرير عن سيرة رواية" مفتتحا بأهم تقرير نقدي كتب عنها، وهو ذلك التقرير الذي كتبه الرقيب وبناء عليه رفض نشرها، حيث تتحدث الرواية عن اضطهاد فرانكوا للثوار في ظل اليمين المتطرف في إسبانيا. يقول: قد يأخذ القارئ هذا الوصف "أهم تقرير نقدي" بشيء من الاستهانة عندما يعرف من كتبه، إنه ب. أندريس لوكاس دي كاسلا، ممثل الرقابة على المصنفات الأدبية في الأربعينيات، حيث البدايات الأولى لديكتاتورية فرانكو، وكما أن للنقد أصولا يرجع إليها فإن تقرير الرقيب النقدي ليس إلا إجابة عن أسئلة في نموذج مكرر ملزم لكل رقيب، ومن خصائص الديكتاتورية آلية القولبة وقدرية النماذج التي يدخلها الجميع: الإنسان والأشياء دون تفرقة، النموذج الرقابي يطرح الأسئلة الآتية والرقيب يلقي بالإجابات التي تليها بعد قراءته للعمل: * هل تهاجم الرواية العقيدة أو الأخلاق؟ ** نعم. * هل تهاجم الرواية مؤسسات النظام؟ ** لا. * هل هل تحتوي على قيم أدبية أو تسجيلية؟ ** بشكل نادر. * أية ملاحظات عارضة أو ظرفية تؤدي إلى هذا القرار "رفض نشر العمل" أو ذاك "قبول نشره"؟ ** تحتوي الرواية على صور قصيرة عن الحياة الحالية في مدريد بنيت على حوارات بين شخوص لا يربط بينها روابط واهية، لكن لا يوجد في هذا الشيء المسمى خطأ رواية أية قضية أو جدل حاد. فقط يدور الجدل لإضاءة انحرافات أو عيوب حالية، ولاسيما من النمط المرتبط بالحياة الجنسية، الأسلوب واقعي جدا على أساس حوار مبتذل ورذاذ من العبارات الخشنة، لا يتمتع بأية جدارة أدبية، والعمل "الرواية" غير أخلاقي بشكل صريح بل إنه أحيانا يتحول إلى لوحات جنسية مكشوفة وأحيانا يتحول إلى مجرد وقاحات". وأوضح د. العطار أن النموذج الذي يجيب عليه الرقيب من وضع نقاد أدبيين ويمثل تصورا لما ينبغي أن يكون عليه الأدب في مرحلة ما من تاريخ بلد ما، وهذا النموذج وإن كانت تنفذه السلطة ـ مشتق من مثل قاعدة شعبية ـ اتسعت أو ضاقت ـ تساند السلطة وتشاركها في سلم القيم بما فيها القيم الجمالية التي تمتزج بغيرها من القيم امتزاجا يحرم الجمال من جماليته، إن الرقابة سواء كانت من طرف الحكومة أو أي مؤسسات اجتماعية تمثل مدخلا منسيا لمعرفة سر انتشار أنظمة من النقد والإبداع في آن. ويلفت إلى أن المفاجأة التي قد تدهش القارئ أن كاميلو خوسيه ثيلا مؤلف هذه الرواية كان رقيبا زميلا لـ "أندريس لوكاس" الذي كتب عنه التقرير السابق، لقد كان من أنصار فرانكو المتحمسين، فرغم إعلان عدم لياقته بسبب معاناته من السل انضم للجيش الوطني الفرانكيستا. وهو نفسه كان كفيلا بكتابة تقرير مماثل أمام مسئوليته كرقيب، ومن ثم فيما يبدو أن الناقد "ينقد" بوعي محكوم بأيديولوجية أو بانتماء. وقد افترق الناقد والمبدع في "ثيلا": الناقد يرفض الإبداع والمبدع يطلق الرصاص على الناقد وما ينتسب إليه من نظام يرى في الناقد "رقيبا" وفي الرقيب "ناقدا". إن تقرير الرقيب سيكون مادة مهمة في تحليل الرواية، لكنه أيضا أكثر أهمية في سيرتها التي سوف تضيء أي تحليل لها". ويقول د. سليمان العطار إن أول ظهور لمؤلف "خلية النحل" لم يكن ينبئ بما انتهى إليه، فقد عرف أول ما عرف بالشعر، لكنه بعد ذلك لم يترك مجالا للكتابة دون أن يطرقه، فهو روائي وقصاص، وأيضا مؤرخ للتاريخ العام والأدبي، لغوي كبير، من كتاب الرحلة الممتازين، لكن فاتنا أن نرى أهم الأشياء، فيأتي لنا بصور لها بديعة، ولعل هذه الخصوصية عامة في سلوكه الأدبي والعلمي معا. فمثلا يضع "المعجم السري للغة الأسبانية" يهتم بالكلمات والعبارات المطاردة والمدانة قيميا، لكنها تمثل جانبا مهما من حياة الناس وتاريخهم اللغوي والسلوكي. ويشجع تلامذته على اتباع نفس الطريق. ومع هذه الطبيعة هو امتداد إنساني للتراث الإسباني. لم يخرق نواميس الطبيعة الوطنية ولا ينبغي له. إنها السبيل الوحيد نحو الأفق الإنساني العام. وينقل د. العطار عن ثيلا وصفه للظروف بالغة البؤس التي كتب في ظلها الرواية، وقصة الخبر تدور حول مائدة مقهى هرمة. إن البيوت التي تقلب فيها أثناء الكتابة كانت تعبق بالبؤس، مثلا تخلو من دورات المياه ولا تزيد عفونتها عن عفونة البيوت المجاورة، وآخر بيت منها مثلا كان يتميز بأنه يقي الكاتب من المطر، وكان به مطبخ يجلس فيه للكتابة، إضافة لهذه الظروف البهيجة فإن كثرة الجلوس للكتابة هاجمته بشتى الأمراض الطريفة، هل هذا جو يمكن الكتابة فيه؟! ويشير إلى أن حياة مدريد في الأربعينيات محزنة لكنها الحياة على أية حال، والكاتب عليه أن يصورها بكاميرا بارعة قادرة على التركيز وانتقاء العينات الممثلة بدقة للبانوراما الكلية ولقطات الكاميرا تنقل الحياة بوقائعها. وقائع الحياة ليست طبيعة ميتة أو حية ولكنها الإنسان. والإنسان عندما يفعل اللافعل، أي تصاب حركته بالعقم وتفقد الهدف في طرق ضالة يصير منبعا لا ينضب من السخرية، ولو استطاعت الكاميرا ـ هي الكاتب في هذه الحالة ـ أن تضحك لضحكت ملء فمها مما ترى حتى لو امتلأ قبلها بالحزن، هذا ما يتدفق طوال الوقت في الرواية: السخرية تطرحها الحياة، والقارئ يضحك ملء قلبه حزنا، إننا قلما نعثر في الأدب العالمي على عمل يموج بالسخرية العميقة مثل هذا العمل. كل سطر مشحون بها كما شحنت بها الحياة بالضبط. ربما أقل قليلا عما يحدث في الحياة لكن التوازن سيحدث عبر القارئ بين الرواية التي تختفي تدريجيا وبين الحياة التي تنتصب في خياله تدريجيا أيضا لكن، كلما كبرت صورة الحياة عند القارئ اقتربت الرواية من النهاية، قد ننسى أسماء ووقائع لكننا ننسى ما أنشأنا في أنفسنا من صور شاملة لتلك الحياة التي أقمناها من داخل الرواية. ويرى د. سليمان أنه عند البحث في الرواية عن السخرية الفكهة التي ستغمر القارئ بالبهجة التي تحول حزنه إلى حزن جمالي نبيل "الحزن البهيج" سنجدها في كل مكان وزمان من عالم الرواية المسطور. إن الرواية تبدأ بالسخرية من نفسها بشكل ما، فهي تسخر من أدب الأربعينيات الإسباني الغارق في مشاكل الفن للفن والحداثة موليا ظهره للحياة. إن مارتن ماركو ـ شخصية في الرواية ـ عندما يعلن أنه لا يزال يقول الشعر يشعر بخجل، وصورة الشاعر في مقهى دونيا روزا وشعره ومعاناته مشكلة كبرى حول عنوان القصيدة التي تشبه نكتة هل تكون: المصير أو مصير. إنه يموت من الجوع والسأم مثل جميع أهل بلده وتشغله مسألة يجعلها كونية: المصير أو مصير. إن السخرية من أدب العصر دعوة من الكاتب أن يعطي الأدب نفسه للحياة فتعطيه نفسها بدلا من الدوران في الصراعات المذهبية الأدبية. ويختتم العطار مقدمته التي تشكل دراسة مهمة في الرواية والروائي إلى أن ظهور الرواية في الأرجنتين كان من حسن حظ الروائيين الجنوب أميركيين حيث تحولت إلى مدرسة "حتى أنني أرى تأثيرها الكبير في روايات هذه القارة القصاصة، لقد سبق لي ترجمة رواية "مائة عام من العزلة" وهي ابنة شرعية بمفهوم ما للبنوة الأدبية الخلاقة لرواية خلية النحل. وكما انتقل ثيلا بأدب بيو باروخا أستاذه المعلم دون جدال إلى مرحلة جديدة، فكذلك فعل ماركيز في روايته "مائة عام من العزلة" لقد نقل ثيلا إلى مرحلة أبعد كثيرا، ولكنه هدم "خلية النحل" وصنع من حطامها رواية "عمدة" تعمد أهم عمل بالأسبانية يظهر بعد "خلية النحل". ما بين 1951 "ظهور رواية ثيلا" و1967 "ظهور رواية ماركيز" قفز الفن الروائي الأسباني إلى قمة لازال يتربع فوقها.

أضيفت في 07 أغسطس 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
لم أرد إن اكتب قصة حياتي أبدا، لأنها تضم ولحسن الحظ العديد من الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة وثانياً لأن ذاكرتي أصبحت متعبة تماما. إذ يلزمني خمس سنوات من هنا وخمس سنوات من هناك لتجعلني اكشف إسرارا وخفايا. حين أفكر في الأمر أجد أن الشواخص الوحيدة لمسيرة الاحداث في حياتي هي تواريخ صدور رواياتي. فهي المحطات الوحيدة الدقيقة والقابلة للتحقق منها كما انها في نهاية الأمر تركت اثرا في حياتي. وسواء صدقني احد ام لا، فانني لم اعد قراءة كتبي باستثناء (في شهر.. في سنة) قراءة عابرة في الطائرة. ومع ذلك فقد وجدت أن لا باس بها. ولكن منذ ذلك الوقت لا شيء على الاطلاق! لقد حدثوني عن احدى الشخصيات وألقوا في رأسي اسماء واشخاص ومشاهد ومعاني اخلاقية قديمة للغاية. ليست قيمة اعمالي هي ما قادني الى الاستياء من ذاتي بل لإدراكي ان كتباً عديدة لا زالت تنتظرني فوق بعض الرفوف. كتباً مجهولة لن اجد الوقت لقراءتها قبل موتي بالتأكيد. إذن لن اعيد قراءة أي واحد من كتبي انها اضاعة للوقت ستبدأ بـ(مرحبا ايها الحزن) التي اعدت قراءتها بالأمس. انه كتاب فطري وخبيث في ان واحد يعتمد الحسية والبراءة بنسب متساوية ولا يزال لليوم مدهشا كما كان عليه بالأمس. اذا ما اخذنا بما قالته سيدات تقدم بهن العمر كن قد تعرضن للضرب بقسوة في طفولتهن بسبب غلطتي. مهما يكن عليه الامر ان هذا الكتاب يفيض بالبساطة والتلقائية وكل الجرأة اللاواعية التي تزخر بها الطفولة وما تخلفه المراهقة من اثار الحروق. انه كتاب سهل القراءة. ممتع ومكتوب على نحو جيد كان نجاحه نعمة ربانية لي. كنت قد اقسمت ذات صباح عند ذهابي لتناول القربان في الدير الباريسي حيث اتابع دراستي كنت قد اقسمت ان اجتاح هذه المدينة المفتوحة وان اعتلي قمم المجد. انه طموح مألوف في مثل سني جعلني انسى جنون رغبتي وعفويته. ان المجد والنجاح حرراني مبكرا جداً من احلامي بهما. احلام كان يمكن لها ان تبقى قابعة هناك لو كانت جهودي لتحقيقها ليست سوى سلسلة من الاخفاقات على انني لست واثقة ان كان كبريائـــي سيصمد طويـــــــــلا ام لا؟ حسنا كنا إذن في باريس في شهر آب. كما يكون عليه الصيف عادة في ذلك الوقت. باريس خالية وجميلة تقسمها جادات متربة ومقفرة تحت اشجار يتفاوت فيها اللون الاخضر بين الفاتح والغامق. انه يعني على اية حال عطلة خضراء. كنت اذهب بقميص النوم الى بائع الخبز عند زاوية شارع ـ جوفروي ـ حيث كنت ابتاع قطعتي (الكرواسون).وفي طريق العودة أكون قد التهمت قطعتي. لم اكن لأصادف سوى حافلة خالية خلو الجادة ورجل اعزب اهمل حلاقة ذقنه. بعد ان أعطيت ابي قطعة (الكرواسون) خاصته انهيت قطعتي تحت ناظري ذلك الاب الذي كنت اظنه قاسياً. الا انه كان مبتهجا للإستبداد الذي سوف يمارسه علّى طوا ل خمسة عشر يوما أي أيام العطلة. ففشلي في دورة تموز لم يعطني الحق بأكثر من خمسة عشر يوما من الاجازة قبل الدخول في امتحانات البكلوريا التي تنتظرني وهو"ما كنت استحقه على حد قول أمي في واحدة من نوبات الحق والاخلاق التي كانت تعصف بها على نحو منتظم كل ستة اشهر على وجه التقريب. لهذا السبب كنت هناك في نهاية تموز جاهزة للتكفير عن ذنبي. لهذا السبب ايضاً على ان اقضي شهر اب في السجن اقصد في مؤسسة شديدة الصرامة حيث يفترض بالعديد من الأنسات ان يلقننا في شهر واحد علوما مختلفة سبق وان رفضت منذ نحو عام. فاذا ما وضعت جانباً عطل نهاية الاسبوع فأن مدرستنا الداخلية كانت بجولاتها الرتيبة والمنظمة في طابور طالما شهده شارع (باسي). الامر الوحيد الذي كان يبعث على. المرح في سني ذاك كان حين يتبعنا عاشق على دراجته. وبما انني كنت قد عشت الاحداث في السنة السابقة إذا كان يتحتم علي ان ادرس طوال الصيف لأجني ثمرة جهودي ذلك لأنني كنت احفظ عن ظهر قلب كل تلك الرحلات التي كانت تقودنا من (باريس الى مويت) وكنا نتحول معاً من الخجل الى الحنق ومن السير بخطوات صغيرة الى القفز سريعا إذ كنت اتبع مجموعتي من ابعد مسافة ممكنة. وكانت المشرفة تصفر لي لأتقدم مما كان يجعلني اسرع وانا اجرجر خطاي مثل نعجة عليها ان تلحق بالقطيع. هناك على الدوام. كما يبدو لي. لدى البعض من الكتاب جملة او تعبيرا عن ما يكون له وقع موسيقي مما يعطي القصة معنى خاصا، لقد كان ذلك على اية حال هدفاً لكل كتاب من كتبي بلغته بين لحظة وأخرى في (مرحبا ايها الحزن). كانت اللحظة النابضة هي تلك التي تعرف (آن) وجود عشيقة في بيت الرجل الذي تحبه. تلك اللحظة التي نفهم معها انها لم تعرف كيف تخرج نفسها من هذه الحكاية. الشيء ذاته حدث في كتاب اخر اذ ادركت في الوقت نفسه مع القارىء ان لابد من لقاء البطلة لحبيبها حتماً، حينها وجدت انني كتبت بقلمي هذه العبارة الشعرية والعفوية من جانبي"اما في ما يخص ناتالي سليفر فهي ما ان رأته حتى وقعت في حبه". هذا النوع من الجمل يعلن عن قفزات في النص اذ لا بد أن تحدث مثل هذه الصعقة اضرارا اخر. مهما يكن عليه الامر ساجتاز في تشرين الاول المرحلة الثانية من البكالوريا دون عراقيل وسأبدأ الخروج الى حفلات راقصة خاصة بها والدي او يمنعاني منها دون أي مسوغ اذكر شابا كان مزعجا للغاية طرده أبي من عتبة شقتنا ذلك الشاب اصبح فيما بعد شخصية مهمة بينما وافقت امي ذات مرة ان امضي سهرة في منزل احدى رفيقات المدرسة بسرور بالغ. سهرة امضيناها في ابعاد يد والدي عن رفيقتي المذكورة واصدقائها. في صباح اليوم التالي حاولت وبكامل ارادتي ان ادخل السوربون الى جانب ستمائة طالب .حين كان (فلان) سيعطي محاضرة تكتظ القاعة بالطلاب في الوقت الذي تكون فيه خالية اذ كان المحاضر شخصا آخر. اما الباقي من الوقت فكنت اقضيه في الـ (فيوكولومبية) حيث كنت استمع الى (كلارنيت) سيدني بيخت ـ وريفيلوتي ـ التي كانت تدغدغ امسياتنا. كنت ابقى مستندة الى الجدار بلا حراك او كنت ارقص في الايام التي يواتيني فيها الحظ قبل ان اعود الى البيت سيرا على الاقدام حين تنفذ النقود من جيبي. او كنت في بعض الاحيان اللجأ للركض سريعا كي اصل في الموعد المحدد للعشاء. وغالبا ما كانت تبدأ الركضة من (سان جيرمان) ولغاية ساحة فاكرام. كان ذلك يجعلني اكاد ان انزف دما الا انني كنت اصل في الموعد المحدد. انني واثقة من انني حطمت الارقام القياسية في سباقات الركض الليلية تلك. حين يكون لدي وقت من دون (كلارنيت) او من دون نقاشات فكرية كنت اخوضها في الغالب مع ـ فلورنس مالرو ـ زميلتي في السوربون كنت اعود ثانية الى الحانة حيث يتركني صاحبها الطيب لارتشف على الدوام قهوة رديئة للغاية. لم اكن اعمل حينها الا انني كنت مع ذلك اشعر بحيوية كبيرة. كنت اكتب ترهات واعيد كتابتها من دون انقطاع وبدأت املأ يتلك (الترهات) دفترا صغيرا ازرق اللون. كتابات سهلة القراءة وممتعة. كانت تلك ـ مرحبا ايها الحزين ـ كتبتها في ذلك الدفتر الذي أودعته بعد ثلاث سنوات عند صديقة امينة كانت تخشى ان افقده. بعد مدة قصيرة اصيبت صديقتي بمرض خطير فلم اجرؤ ان اطلب منها ان تعيد لي الدفتر ثانية. بعد وفاتها تحدثت في ا لامر مع عائلتها الا ان الدفتر وقتها كان قد اختفى وتذكرت انني كنت قد رأيت صديقتي تضعه حينها في خزانتها الخاصة. كانت والدتها وهي متوفية الان مثالا للقسوة بكل ما في الكلمة من معنى. كانت قادرة على فعل أي شيء. لم يكن الدفتر شيئا امتلكه قد ضاع مني كنت اشعر وكأنني اودعت طفلا عند اناس لا يعرفون الرحمة. بإختصار ـ مرحبا ايها الحزن ـ يمكن ان يقرأ من دون ان يبعث على الشعور بالانزعاج او الملل. مرة اخرى اذا كان تأثير هذا الكتاب يدهشني على نحو لا املك له تفسير فأن الحماسة الشديدة التي يكنها له الشباب اليوم بل حتى الاصغر سناً اولئك الذين يحدثوني عنه يبدو يحملون من الاطراء اكثر منه من التبرير. اعتقد ان جميع من قرأوا لي بدأوا اولا بقراءة ـ مرحبا ايها الحزن ـ هذا الكتاب يبدو وكانه ذكرى شخصية او ادبية مثل الابن الذي بعد ان ينهي دراسته في (البوليتكنيك)يعود ليضع شهادته على ركبتيه كما كلب الصيد الهرم الذي (لا يرجى منه شيئا) ماذا يمكن ان اقول عن (مرحبا ايها الحزن) سوى ان شمس المجد تتغير احيانا وتتحول الى تعليقات كريهة لا تلق اعتراضا من بعض النقاد او اخرين اثار هذا النجاح سخطهم الا انني رغم ذلك لم اكن عاجزة او مقعدة ولم انل عقابا بسبب ذلك النجاح. وفي الواقع ان تلك (الشمس)التي بدأت تلوح في الافق جعلت بعض الصحف تدعي ان ابي هو من كتب الرواية او لعلها (آنابيل) اوكاتب محترف دفع له المال ليصمت لم اتأثر كثيرا بهذه الثرثرة لكني كنت احاول ان ابرزها وان ابحث عن برهان يؤكد انني اكتب بنفسي ما اكتب رغم انه لم يكن ينطوي على شيء من السيرة الذاتية. في حين كانت تحسب صحف اخرى ما ساحصل عليه من حقوقي ككاتبة واخرى تفكر في استخدامي الطائش للنقود الامر الذي كان قد سبب لي ازعاجا حقيقيا. وعلى اية حال ـ مرحبا ايها الحزن ـ اهدتني سيارتي الاولى ـ جاكوار (140) ـ كانت سيارة مستعملة الا انها رائعة. وكنت فخورة بها. من جانب والدي لقد تحملا بشكل واخر اداء وانعكاسات نجاحي. كانا يتأملان كتلة الثلج تلك التي تحولت الى سيل جارف كنت عاجزة عن الافلات منه. لا زلت اذكر جيدا المقابلة الصحفية الاولى التي اجريت معي. كنت لا ازال اسكن مع اهلي وكان الصحفي يتأتأ فأيقظ بدوره على الفور التاتاة التي كانت غافية في اعماقي والتي سرعان ما عبرت عن نفسها. كنا نتابع طقوس المقابلة في صالون صغير كان الباب فيه مواربا ويفضي الى الصالون الكبير حيث كانت امي تجرب بعض القبعات"من الذي دفعك الى الا...الا...الا...الادب؟"سألني الصحفي بفضول فأجبته:"حقيقة أنـ... أنـ... نـ... انني لا اعرف أصـ... أصـ...اصلا ذلك!"حين انتهيت من المقابلة كنت منهكة تماما. ووجدت امي في الصالون الرئيسي تضحك بدموع ويلوح على قسمات وجهها الانفعال الشديد التي يتأتى من الضحكات المجنونة والمكبوتة على ما يبدو منذ زمن طويل قالت لي: أسفة كنت ازمع الذهاب منذ وصوله الا ان سؤاله الاول جعلني اتسمر في مكاني... اعرف انك تقليدينه اوتوماتيكيا.. الا ان هذا الرجل كان رائعا حقا.. الا تجدينه كذلك؟ هززت كتفي بفتور الا انني سرعان ما استعدت تلك اللحظات ووجدت انني اشاركها الضحك. ما هو اسوأ في الواقع كان ان اقرأ نصوصاً نسبت لي وهي اما تتجاوز الادب والذوق او انها كانت تجاور الحماقة. مثال على ذلك: فتحت لي ساغان الباب بنفسها مسرورة ورشيقة لا بل إ نها هي من بادر بالقول بشيء من الخبث:"تريد اذن ان احدثك عن الحب؟ ولكن خطيبي سيثور فهو يكره الحديث على الملأ..."هذا النص البائس والشائن بالنسبة لي كتب بخط مائل مما جعله يبدو وكأنه قول لي الا انه لم يثر سخط (جوليارد) كثيرا اذ اكتفى بهز كتفيه قائلا:"ليس فيه شييء من سوء النية. انه غبي هذا كل ما في الامر". على اية حال اذا لم تعد الحماقة امرأ معيبا فليس لدي شيئا آخر لاضيفه... إلا انني اذا كنت اشكو فأنني لا أشكو حقاً من الفرح المجنون في أن ينشر لي! هناك بطبيعة الحال بعض اللحظات المؤلمة التي قد تقودها المصادفة مثل تلك التي جعلتني اجلس ذات يوم قبالة سيدة في الاوتوبيس. كانت مستغرقة في القراءة. فوجدت أنها تقرأ لي. كنت على الصفحة الرابعة من الكتاب ورأسي الصغيرة مطبوعة على غلافة الامر الذي اسعدني للغاية. فهذه السيدة الوقور تقرأ على نحو جاد وهو ما امل ان يكون حال قرائي جميعا ً. الا اننا سرعان ما وجدتها تتثإءب وترمي بالكتاب في جوف حقيبتها المظلم فما كان مني سوى مغادرة الاوتوبيس في المحطة التالية بقلب كسير. في بداياتي مع الادب كان النقاد يملأون فرنسا فكان منهم ـ ايميل هنريو وروبرت كامبل واندرية روسو وروبرت كانترز ـ كان هؤلاء يكتبون"ورقتهم"بشأن كتاب ما دون ان يتحدثوا عن انفسهم. لم نكن نعرف بأية كيفية تناولوه في اية ظروف قرأوه لكننا كنا نجد رايهم فيه موضوعيا. اذ كانوا يتحدثون عن حبكة الرواية وعن الشخوص والقيمة المعنوية والاسلوب. (مرحبا ايها الحزن) كان يبدو لهم كتابا مسليا الى حد كبير كما انه حيوي ومكتوب على نحو جيد الى جانب انه كان بمثابة رصد للعصر الحالي وهيب وكان يجعلهم يرتعدون منه الا انه كان يثير اهتمامهم مع ذلك. تجري المؤامرة في الجنوب في بيت للعطلات حيث تمضي بطلة الرواية شهرا مع والدها للمرة الاولى. يتيمة الام تتخرج في دير لم يترك اثراً كبيرا في نفسها هذا اقل ما يمكن ان يقال لتبدأ باكتشاف الحياة. الوالد يصطحب امرأة الى الفيلا، اذ انه يقع في حب المدعوة (اّن) وينوي الزواج بها. اذن وصول امرأة اكبر سنا واكثر كياسة يعكر صفو لجازة الاطفال المدللين تلك. وخشية ان ترى نزواتها تتعارض وسلوكها الاخلاقي تتدبر... سيسيل المشروع وتدفع (ان) الى اليأس حتى تصل الى المنعطف الذي تصنع فيه حدا لحياتها. وفي النهاية نجد ذلك الشعور الغريب يبعث ضمير (سيسيل) وهو ذات الشعور الذي تستحضره في بداية القصة. الاسلوب: من البديهي انه لم يكن بمستطاعي ان اجيد نقد ذلك العصر ثانية. فالاقواس المزدوجة لم تحط بغير ايقاع الرواية واتجاهها العام الذي لازلت اذكره الموهبه تعلن عن نفسها من الصفحة الاولى"!. هذا ما جاء في حديث لـ(فرانسوا مورياك) على الصفحة الاولى من جريدة (لوفيغارو) فاتحا الابواب لـ (مرحبا ايها الحزن). هذا الكتاب حسب راي النقاد الذي سبق وان اشرنا اليهم والى والذين كانوا يتمتعون بتفتح وشجاعة الشباب من دون ابتذال"من البديهي ان مدموازيل ساغان ليست مسؤولة عن الضجة التي اثارتها لذا بمستطاعنا القول ـ الا اذا كان كتابها الثاني لا يدحض اقوالنا ـ ان كاتبا على وجه التقريب ما قاله التقاد الجادين في ـ مرحبا ايها الحزن ـ واعتقد ان ليس هناك شيئا اخر يقال سوى ان هذا الكتاب لا يزال يحظى باهتمام الجيل الجديد في حين انني لم افكر ابدا بالعرف السائد او الوقت الراهن خلود كتبي على انه من الممتع جدا الالتقاء باناس دمثين في كل مكان في الشوارع والحانات اذ غالبا ما كان يستوقفني اناس في الشارع يقولون لي:"احبك.. لم اقرأ لك شيئا الا انني حقامعجب بك". حقيقة كنت اشعر بفرح غامرفي كل مرة.وكنت اتساءل مع نفسي ما اذا لم يكن هذا التعليق يعود الى طبيعتي في الحديث عن كتبي لا سيما في التلفزيون اذ ان طريقتي في التعبير تجعل هذه الاحاديث غير مستساغة للاستمتاع بها. كما هو واضح اني لا امثل دورا في مسرحية فضلا عن انني لا اروي اساطير للقارىء بل احيانا يتملكني الضجر.لقد لمست ما يدعيه مشاهدي التلفزيون:"النقطة الاساس للتعاطف". اذا لنترك ـ مرحبا ايها الحزن ـ لا زلت اضحك بقوة حين يحدثونني عن هذا الكتاب. في الحقيقة كان السؤال حينها"محتالة ام لا؟ لا نعرف الشيء الكثير عن هذه الـ(ساغان) التي اصبحت معروفة للجميع. على اية لقد حمل لي ذلك السيل الذي جرفني معه التعب سواء لي او حتى للصحافة. انني مع ذلك وجدت لنفسي العزاء.

أضيفت في 07 أغسطس 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
لا انصح بقراته واي كتاب نشر عن طريق اعلام المستبد فهو لتمجيده ولتمجيد نظامه الفاشل

أضيفت في 07 أغسطس 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
كتاب كله كذب في كذب وعبارة عن تمجيد لحكم المستبد

أضيفت في 07 أغسطس 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
كتاب لا يستحق اي قراة و لا انصح بقرأته و غير ذي قيمة لا علمية ولا ادبية ولا تاريخية فهو عبارة عن هرطقات يعلم الكافة انها هي سبب دمار وخراب ليبيا

أضيفت في 07 أغسطس 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1