تطّرد المواجهة الروائية للتحديات الجديدة والمتجددة، مع اختمار التجربة التي لا تركن إلى ما أنجزت، بل تفيد منه وهي تسعى إلى منجز جديد، من دون أن يعني ذلك أنها لا ترتبك أو تكبو أو تقصر من رواية إلى رواية. وفي ما عدا هذا التحزر، تؤكد تجربة محمد برادة صحة ما تقدم، منذ عهده بالقصة القصيرة، ابتداءً بـ «المعطف البالي» (1957)، إلى مجموعة «سلخ الجلد» (1979)، لتأتي من ثمّ ولادة الروائي عام 1987 في «لعبة النسيان»، وصولاً إلى روايته الجديدة «موت مختلف» (منشورات الفنك - 2016). وتواجه هذه الرواية تحديات وعي الأنا – النحن، ووعي الآخر – العالم، مثلما تواجه تحديات تسريد التأرخة والفكر. قبل المضي في ذلك، قد يحسن النظر في ما هو وعي الرواية لذاتها، والذي عبر عن نفسه منذ العتبة التي صدّر بها الكاتب للرواية، وفيها من مفردات اللعبة: المشاهد القصيرة والاحتفاء باللقاءات العابرة والانطباعات الهاربة، والانتباه للعالم. ومن بعد، يتولى السارد اللعبة معلناً عن حضوره بضمير النحن، وكما يليق بالرواية الكلاسيكية، كأن يقول: «ما يستوقفنا في هذا السياق» أو «لو أردنا أن ندفع الخواطر إلى الأبعد» أو «لندفع مجرى الخيال لننفذ إلى ما وراء الستار» أو «إذا غضضنا الطرف عن بعض التفاصيل» أو «وما قد نستعرضه لا يعدو أن يكون محكيات متداخلة مع أحداث ومواقف تجعل علاقة منير بتلك الفترة من حياته أشبه بمشاهد تخييلية اختمرت في ذاكرته». X by Counterflix ويتابع السارد أن كثرة الأحداث وتشابكها وانتماءها إلى فضاءات عديدة، تجعل التاريخ العام أقرب ما يكون إلى عوالم متخيلة، مثله مثل التاريخ الشخصي. يختم منير الرواية بتكثيفها فيما يدعي أنه حكى بعضاً مما عاشه منذ التقاعد في «سردية لولبية». وذلك هو طموح هذه الرواية إلى ما تكونه، مما سنحاول أن نتبيّن ما تحقق منه. تحديات الوعي تشتبك في هذه الرواية الأنا المفردة (منير) بالنحن المغربية بالآخر الفرنسي، فالعالم. ويتجلى ذلك منذ الفصل الأول «زيارة مسقط الرأس». تبدأ الرواية بيوم منير الأول في التقاعد بعد سبعة وأربعين عاماً من وصوله إلى فرنسا، فتغمره رغبة كاسحة في أن يسرد رحلته بطريقة ما، وليست الرواية غير ذلك. بعد زيارته الى مسقط الرأس «دبدو»، يشعر منير بأنه وزع بين ألق الغرب وما هي «دبدو» عليه من البساطة والعتاقة والبعد من دينامية المعرفة والخيال. وكان منير قد عاد إلى الوطن منتشياً بتوهماته بأنه يزرع الجينات الحضارية في أحشاء دبدو، لكنه أحس أنه غريب عنها، على رغم أنه غادرها في العشرين. وفي وعي الذات ووعي الآخر، يحاول منير استعادة شريط حياته وهو في ضيافة الآخر. وتبدأ الاسترجاعات (الفلاشباكات) بالتدفق في الفصل الثاني «في بلاد الأنوار»، حيث ينتقل السرد من الأنا في الفصل الأول إلى الهو في هذا الفصل. ومنذ هذا الفصل، تتعدّد محاولات تنويع اللعبة الفنية، فتتوالى الرسائل واليوميات ومقطعات مما «قال الراوي» أو «يقول الراوي»، وإذا لم يكن من ضرورة لتقطيع هذا القول، فهو في جريانه سرد متواصل تقطعه فقرة «قال منير» لمرة واحدة. وكما هي الحال في روايات ما درجت تسميته بـ «شرق – غرب»، تكون المرأة هي الحامل السردي. فبعد أيامه في دبدو، يتابع منير عودته الأولى إلى الوطن عبر أيام في الدار البيضاء، بحيث يلتقي بالأستاذة العزباء (ف.م) التي تدعوه إلى شقتها، ويذهله أنها تجسر على اختيار رجل. ومن ثم تجيب مطولاً عن رسالة منه بعد عودته إلى باريس، فتحضه على الكتابة ليحتمي من الملالة وشكوك الوجود. وهي سبق أن حاولت الكتابة وأخفقت، غير أنها تتوقع أن ثقافة منير في الإبداع والفلسفة ستسنده، وتخمن أنه يحمل بذوراً شعرية أو قصصية أو روائية، وما لذلك من دور في الرواية، إلا أنه يعزز فحولة البطل وفردانيته، هو الذي كانت أولى نسائه في بداية عهده الباريسي جوسلين السويسرية الماركسية. أما ذروة ذلك العهد فكانت مع كاترين جيرو، التي انتسج الحب بينهما في أجواء ثورة الشباب الفرنسي عام 1968. وفي ضيعة كوليت البورجوازية المهووسة بـ «الحرياتية»، تقوم الخلوة التي يمضي إليها منير وكاترين مع آخرين، ليمضي السارد إلى علاقة كوليت بحبيبها الهندي راجي، وإلى عهد كوليت في الهند، والحب والجنس في الشرق الهندي. قبل زواج منير وكاترين وبعده، تظلّ الشراعة الأكبر على وعي الآخر، ومن ذلك إنجابهما بدر، فالعلاقة المثلية بين كاترين ولويز، فانفصال كاترين ومنير نتيجة تلك العلاقة. ويتصل بتلك الشراعة ما سيلي لمنير من علاقات بعد الطلاق، وفي شيخوخته. تحديات التسريد يبدأ منير باستحضار تاريخ (دبدو) المجيد منذ زيارته لها. ويغلب أن تأتي المعلومة عارية، كما في الحديث بحسرة عن إمارة دبدو المستقلة (1430 – 1550) وعن ازدهارها إثر هجرة يهود إشبيلية إليها، حاملين معهم حضارة الأندلس. ويذكّر حضور اليهود المتواتر في «موت مختلف» بتواتره في الرواية العربية في السنوات الأخيرة، كما في روايات علي المقري والحبيب السائح وإبراهيم الجبين، وهو ما يغمز منه بعضهم كإغواء للترجمة. وفي رواية برادة يلي حديث منير عن مقبرتي اليهود المغلقتين إثر رحيلهم إلى إسرائيل أو الخارج، وهم من وفدوا منذ قرون و»تعايشوا مع المغاربة» لكأنهم لم يصبحوا مغاربة بعد قرون، لكنّ منير يتحدث من بعد عنهم كمغاربة. وفي رسالة إلى صديقه ألبير، يسوق منير «مداخلة» في الدورة الحضارية، وفي تجربة عبدالكريم الخطابي، قبل أن يبلغ الزلزال الفرنسي في أيار (مايو) 1968. وعلى العكس مما هو متوقع، يكون لفرنسا النصيب الأكبر من التأرخة، بحيث يتعزز تحدي تسريد المعلومة والوثائقية في عملية كتابة التاريخ السياسي الفرنسي في النصف الثاني من القرن العشرين، وعبر ذلك تأتي أيضاً محاولة كتابة للتاريخ الثقافي. فمن ظاهرة بريجيت باردو وفرانسواز ساغان ورومان كاري إلى قيادة ميتران الحزب الاشتراكي وفرنسا ومن تلاه من رؤساء فرنسا وصولاً إلى هولاند. وهنا يبرز تحدٍّ آخر لفن الرواية بعامة، هو محاولة الرواية أن تكتب ما يسمى بالتاريخ الجاري – الساخن، أي الراهن. فرواية برادة تواصل التأريخ إلى عشية نشرها في نهاية 2016. ولا يغيب هذا التحدي عن وعي الرواية لذاتها. فالسارد يشبه منير بالروائي المهموم أولاً بتحديد حاضر الرواية، ويقرر أن الحاضر زئبقي. وفي الفصل الأخير (كابوس مقيم) يعين الكابوس بالمذابح في العراق وسوريا وأفغانستان وليبيا وفلسطين، ما يتواتر في فرنسا أيضاً. ومن اللافت أن يكتفي السارد أو منير بهذا العبور في سطور بالزلزلة العربية التي ابتدأت في 2011. يشتبك الفكري بالتاريخي في تحدي التسريد، كما يستقل عنه. وربما يجد ذلك علّته في دراسة منير الفلسفة وعمله بتدريسها، وفي حالات التأمل والتفلسف التي أخذت تلفه إثر عودته من المغرب. لكنّ الأمر يلتبس بالاستعراض الثقافي، كأن تحاصر منير وسط الشارع مقولة سبينوزا في الفرح، وكيف يشرحها لطلابه، أو أن يحشد الأفلام التي شاهدها، والكتب التي قرأها من مؤلفات دولوز ورشاد روني وتوماس بيكيتي وبرنارد ستيكلير. وقد أبدعت الرواية في رسم كل ذلك كعلامات فارقة في تكوين شخصية بطلها، منذ نشأته إلى شيخوخته التي يعزم على أن يتعلم كيف يمجّدها، أسوة ببطل ماركيز في روايته «غانياتي...»، وحيث يعزم على أن يحقق حلمه الميترو بوليسي في تشييد دبدو الجديدة التي ستتسع لعشاق العالم ومضطَهديه. في نهاية الرواية، يلتقي منير وابنه بدر في حوارية تنادي المسرح، وتبدو كأنها حوار أفكار في الهوية وسواها، يتضاءل أمامها الشخصي بين أب وابنه. وفي هذه النهاية، يتحدد اختيار عنوان الرواية في تطلع منير إلى «موت مختلف». ومن أجل ذلك، يقرر توزيع إقامته بين دبدو وباريس، ويعزم على إقامة فندق في دبدو، بينما يقلب «كوجيتو» ديكارت ليصير: «أنا أموت فإذن أنا موجود». وفي ذلك يقوم التحدي الروحي والفكري الأكبر الذي يصهر ما واجهت رواية «موت مختلف» في بوتقة الإبداع الروائي، حيث امتياز محمد برادة روائياً وناقداً أيضاً.

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 01:33 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
تحكي رواية “موت مختلف” لمحمد برادة الصادرة مؤخرا، عن جيل ثورة 68 الطلابية في فرنسا، وتطلعاتهم إلى تخطي النوازع المحافظة لجمهورية شارل ديغول وحلمهم باستعادة روح ثورة 1789، بنفَس أكثر انطلاقا وتمردا. كما تستعيد بحنو، لا يخلو من مرارة، تجربة صعود اليسار الاشتراكي مع فرنسوا ميتران التي مثلت في الآن ذاته قصة تحلل أوهام من التف حوله من جيل 68 حين انحاز لاختيارات ليبرالية تنكرت لوعوده الاشتراكية، لكن الرواية سرعان ما تسقط في تكرار الأحكام واستدعاء التاريخ المفتقد للعمق التخييلي، بل إننا أحيانا نحس وكأن الأمر يتخطى قدرة الرواية على التجميع والاستيعاب، حين ينساق السارد إلى تلخيص مقالات لتوماس بيكيتي وبرنارد ستيكليرو وجيل دولوز ورشارد رورتي وآخرين، تارة عبر تقنية الرسائل وتارة أخرى عبر تقنية اليوميات. وشيئا فشيئا تلقى نفسك، عزيزي القارئ، فاقدا لبوصلة الطريق وقد هربت منك تلك البذور التخييلية الساحرة التي زرعت، في مستهل الرواية، بتربة خصبة وحافلة بمثيرات الخيال. تحديدا عندما شرع السارد في تصوير أجواء عودة البطل “منير” أحد أبناء انتفاضة 68 الطلابية، وأستاذ الفلسفة والمناضل في صفوف الحزب الاشتراكي الفرنسي بعد 50 سنة من هجرة إلى باريس، إلى مسقط رأسه “دبدو” في شمال المغرب التي أضحت قرية هامشية بعد ماض حافل بالحياة والتمدن والأمجاد التاريخية. والشيء المؤكد أننا نعيش سفرا ذهنيا حافلا بالمتع الفكرية والحسية عبر فصول الرواية وفقراتها، كما نعيد التأمل في تراجع قيم التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية في مجتمع عاش أكبر ثورة في التاريخ، واستطاع أن يحصن حرية الفرد فيه وقنوات العمل الديمقراطي داخله. كما سنعيد التفكير في مسارات ديغول وميتران وشيراك وساركوزي وهولاند الذي تتوقف الرواية عند لحظة انتصاره، لنعيد تمثل قدر الجمهورية الملهمة لنا في الانحدار السريع إلى أحضان اليمين المتطرف والنزعات العنصرية والتعصب المناهض لفكرة أوروبا، بيد أننا في المقابل لا نكاد نقف على حوارات ولا مشاهد حية، يخفت منسوب الدرامية والتوتر السردي في الرواية إلى حد أدنى، قبل أن نغوص في لعبة الكاتب الأثيرة في تشخيص الحميميات والتحققات الجنسية والليبيرتيناج. وفي النهاية نجد أنفسنا أمام “راوي الرواة” ذاته الذي يطالعنا في الروايات السابقة لمحمد برادة وإزاء اللغة التشخيصية عينها، المتصلة بأفراد مؤرقين باستيهامات جسدية محمومة، وبانشداد مرزئ إلى الخراب المستشري من حلب إلى شوارع برلين وباريس ونيس، ثم لا شيء ينقذ الرواية من استبداد التحليل النقدي والتاريخي والفكري المشدود إلى أطروحات الكاتب سوى الفصل الأخير الذي رصعه حوار عميق بين منير (الأب) وبدر (الابن)، مثلما فوق خشبة مسرح يودعنا لأحاسيس قاتمة بموت مختلف.

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 01:31 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
تتناول أحدث روايات الكاتبة التشيليانية إيزابيل الليندي "العاشق الياباني" مجموعة من الشخصيات التي تبحث عن الحب في وسط ركام القرن العشرين، ثمة ها هنا ناجون من المحرقة اليهودية ومن المعتقلات اليابانية-الأميركية ومن انهيار الإتحاد السوفياتي وغيرها. في متن الكتاب نعثر على ألما بيلاسكو وهي امرأة عجوز تقيم في مركز للمسنّين في منطقة سان فرنسيسكو الساحلية ولا تلبث أن تفصح عن أسرار حياتها المضطربة أمام اولئك الذين يهتمون بها وأمام رفاقها أيضا. جعلَت الليندي من خلفيّتها الذاتية مادة لأربعة مجلدات من المذكّرات: طفولتها كابنة متبنّاة لأحد الدبلوماسيين التشيليانيين ومنفاها الطوعي في فنزويلا في أعقاب انقلاب الجنرال بينوشيه في 1973 الذي استهدف الرئيس اليساري سالفادور الليندي وكان أحد أنسبائها، فضلا عن تكريسها كإحدى أكثر الأقلام الأدبية مبيعاً وانتقالها إلى الولايات المتحدة الأميركية في صحبة زوجها الثاني المحامي ويلي غوردن وخسارة ابنتها باولا في الثامنة والعشرين من عمرها. كتبَت الليندي في عامها الثالث بعد السبعين "العاشق الياباني" قبل انفصالها عن غوردن في أعقاب زواج دام سبعة وعشرين عاما. ومع انتهائها من تأليف الرواية قالت "كنتُ أنهي زواجا تم جرّي إليه لفترة طويلة جدا. شكلت تلك الفترة مناسبة لي لكيأتأمل في الحب والعلاقات وفي الرومانسية والشغف وفي التقدم في السن والذاكرة والخسارة. إن المسائل التي بدلت مجرى حياتي كانت جميعها خارجة على سيطرتي: تخلي والدي عني وزواجي والدتي بأحد الدبوماسيين والإنقلاب العسكري ووفاة ابنتي".

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 01:22 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
تبدو الرواية الجديدة للكاتــــب الإسبــاني الكاتالوني كارلوس رويث زافون وكأنها امتداد لروايته السابقة. كأن الروايتين جزءان من كل واحد أو من ثلاثية قيد الاكتمال. "لعبة الملاك"إيل خويغو ديل آنغيل، عنوان الرواية الأخيرة، صدرت في حزيران يونيو من هذا العام. وهي بجوها وبعض شخصياتها وحوادثها، تشبه روايته"ظل الريح"لاسومبرا ديل بيينتو التي كانت صدرت عام 2002 ونالت اهتماماً لافتاً في العالم كله. بيع منها مليون نسخة في بريطانيا وحدها وبقيت في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في كل أوروبا. في إسبانيا قيل إنها أول كتاب بعد دون كيشوت من حيث عدد النسخ المباعة. تدور أحداث"ظل الريح"في برشلونة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. بطل الرواية، دانييل، ابن وراق يبيع الكتب المستعملة والنادرة، فتى في مقتبل العمر يعيش مع أبيه الذي يأخذه يوماً إلى مكتبة كبيرة تدعى"مقبرة الكتب القديمة". هناك يتعين عليه أن يختار كتاباً يحتفظ به لنفسه. يختار دانييل كتاباً بعنوان"ظل الريح"لمؤلف غير معروف يدعى جوليان كاراكس. يقرأ دانييل الرواية بشغف وينغمس في صفحاتها وينسى ما حوله إلى أن يفرغ من القراءة. تشده الرواية إلى حد الهوس وفي الحال ينطلق للبحث عمن يكون جوليان كاراكس وما إذا كانت له مؤلفات أخرى. يكتشف دانييل أن جوليان كان سافر إلى باريس وهناك تعرض للقتل ثم يكتشف أن هناك من يطارده لكي ينتزع الرواية منه. يكتشف أن الكتاب الذي بين يديه هو النسخة الوحيدة الباقية من الرواية. الشخص الذي يطارده يدعى لايين كوبيرت على إسم شخصية الشرير الشيطاني في الرواية. هذا الشخص الغامض سبق أن اشترى كل نسخ الرواية وأتلفها. وها هو يطارد دانييل لينتزع منه النسخة الأخيرة الباقية على قيد الحياة. برشلونة والحرب العالمية تشكلان الخلفية المكانية والزمانية للرواية. تجري وقائع الرواية في برشلونة، عاصمة الحكومة المستقلة لكاتالونيا التي تم سحقها على يد فرانكو بعد سقوط الجمهورية. في النص نقع على جمهرة الفوضويين والشيوعيين والفاشيين وهم يتصارعون ويتذابحون ويرمون البلد في أتون التهلكة والخراب. إنهم، في نظر سارد الرواية، على الدرجة نفسها من السوء والاستبداد. بعكس الصورة الرومانسية لليساريين، تلك التي وردت في"وداعاً كاتالونيا"لجورج أورويل، فإن هؤلاء يبدون، بين سطور هذه الرواية، على الدرجة ذاتها من القسوة والبربرية التي كان عليها الفاشيون. في هذه الأجواء الحالكة يكبر دانييل وتنفتح مداركه على العيش والحرب والحب والكره. وتشكل الكتب البوابة الكبرى للدخول إلى الحياة. في الرواية تنهض برشلونة شخصية قائمة بذاتها بعالمها السري، الغامض، المؤلف من الأزقة الضيقة المعتمة والبيوت المتلاصقة المغلفة بالوحشة. إنها مدينة الملعونين والتائهين والحالمين والمجانين. وهي، مثل البشر، كائن حي يملك روحاً وله هواجس وأحلام ومخاوف. تعود بنا الرواية الجديدة إلى تلك الأجواء ولكن بعدما وضعت الحرب الأولى أوزارها استعداداً للحرب الثانية. هنا نقف أمام برشلونة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. هي الفترة الممتدة بين الحربين. تعود الرواية إلى ذلك العالم المغلق والمظلم الذي عشناه في ظل"الريح". هو نفسه عالم الترقب والخوف والكره والحب. يتاح لنا التعرف إلى كل ذلك عبر الأسرار والوقائع الغامضة بين سطور الكتب الكثيرة التي تنفتح عليها الرواية. في الرواية نذهب من جديد إلى مقبرة الكتب، تلك التي شاهدناها في الرواية السابقة. ذلك المكان الضخم المكون من رفوف وجسور وقناطر وممرات. إنها صورة للكون وقد تجسد في كيان عملاق من الكتب تذكّرنا على الفور بمكتبة خورخيه لويس بورخيس. مثل دانييل، بطل رواية"ظل الريح"، فإن دافيد، بطل الرواية الجديدة، يعيش ويكبر بين الكتب. والده شخص جاهل، غير متعلم، يعامله بفظاظة وقسوة. لقد أرسله إلى صاحب مكتبة كي يعمل لديه. راح دافيد يقضي جلّ وقته في المكتبة يقرأ القصص والروايات. في المكتبة يتعرف إلى أعمال تشارلز ديكنز ويتعلق في شكل خاص برواية"توقعات عظيمة". يصبح مولعاً بديكنز وأعماله. هو يشبه بطل رواية"توقعات عظيمة". واسمه مأخوذ من إسم دافيد كوبرفيلد. يبدأ دافيد كتابة قصص بأسماء مستعارة. يذكرنا هذا على الفور بفرناندو بيسوا. ثم انه يعيد كتابة رواية معلمه بيدرو فيدال تحت عنوان"بيت الرماد". كما أنه يؤلف رواية باسمه تحت عنوان"أدراج الجنة"وفيها تقوم بطلة الرواية بإغواء الرجال واستدراجهم إلى مخدعها حيث ترقص وتتمايل ومن ثم تقوم بقتلهم بأن تقبّلهم. قبلتها قاتلة لأنها تضع السم على شفتيها. ها هنا نتذكر"إسم الوردة"لأمبرتو إيكو والصفحات السامة للكتاب الغامض الذي يبحث عنه بطل الرواية. يتلقى دافيد اتصالاً من ناشر فرنسي، اسمه أندرياس كوريلي، يعرض عليه فكرة فاوستية: أن يكتب كراساً عن تأسيس دين جديد في مقابل ثروة مالية كبيرة. غير أن الصفقة أكبر من ذلك. دافيد مصاب بمرض عضال ويوعده كوريلي بأن يشفيه من مرضه إن هو نجح في كتابة بيان جيد. هذا الأمر يدفع دافيد إلى البحث والتقصي. يقوم برحلة طويلة إلى أماكن وجهات ويلتقي بأشخاص من مختلف المنابت والعقائد. خلال هذه الرحلة ننزل إلى أعماق برشلونة. يذكّرنا هذا الأمر برحلة دون كيشوت بحثاً عن نبل ضائع وفروسية مهدورة. في مقبرة الكتب يعثر دافيد على كتاب ألّفه شخص إسمه مارلاسكا. الكتاب كان محاولة لتأسيس دين جديد انتهى بمؤلفه إلى الجنون فالانتحار. هل سيكون مصيره مثل مصير مارلاسكا؟ "ظل الريح"و"لعبة الملاك"روايتان متشابهتان في أشياء كثيرة. قاسمهما المشترك طابعهما البوليسي ووقوع حوادثهما في شوارع برشلونة. تحاول الروايتان تلخيص المسيرة الخيالية للكائن متجسداً في شخصية الفرد المتبحر في الكتب. إنهما رواية الروايات، خلاصة الحكاية الإنسانية كما ترويها الكتب منذ قصة الخلق وإغواء آدم والجنة وصولاً إلى"ألف ليلة وليلة"و"الفردوس المفقود"و"فاوست"وما يلي ذلك. تحتفل الروايتان ببرشلونة بصفتها أم المدن. مدينة المدائن. المدينة التي لا تموت. المدينة التي تملك السحر الجاذب، فيها المعارف والأخبار وفيها السقطات والرذائل، فيها الجمال والبذخ والأبهة وفيها البؤس والفقر والجريمة. هي المدينة الصورة المكثفة للإنسان بتناقضاته الكثيرة، فهو في آن واحد قاتل وقتيل، جلاد وضحية، ملاك وشيطان. في أعماقها تتكوم مشاهد غريبة ووقائع مثيرة وحوادث صادمة ولقاءات مفاجئة وصور إيروتيكية ونهايات قاسية، المدن الحقيقية هي كذلك. لا تكون المدينة مدينة ما لم تكن حافلة بالغرائب والأسرار والأشياء المثيرة. يميل المؤلف إلى أن يبرز الأثر الهائل الذي تتركه الكتب في حياة الناس. الناس كمخلوقات كتابية والكتب ككائنات حية تعيش مع الناس. الكتب جزء عضوي من العيش اليومي لا فكاك للمرء منه. بل إن الكاتب يستعمل الروايات كأفعال وصفات في سياقات السرد كما في جملة: لا تحاول أن تدونكيشوتني أن تعاملني كدون كيشوت أو عبارة: اتخذ طابعاً بروستياً... الخ. الرواية هنا لعبة ملغزة عن الكتب. رواية داخل الرواية. هكذا كانت الكتب الكبيرة دائماً. غير أن روايتي زافون تطمحان إلى أن تكونا كل شيء. أن تدونا السيرة والتاريخ والحروب والسياسة ولذة القراءة. لأنهما كذلك، فإن ثمة نقيصة: غلبة الطابع النصي، الكتبي، المفبرك. وعلى رغم طابعهما البوليسي الشيق، إلا أنهما تبدوان في جوانب منهما مفككتين، فضفاضتين، وتظهر الحكايات الكثيرة المتلاحقة وكأنها قصص مستقلة بذاتها لا رابط يربطها بما قبلها وما بعدها. ثمة سيل هادر من الحكايات القائمة بحالها وهناك العشرات من الشخصيات التي تظهر ثم تختفي بلا أي تفاعل عضويتها. تتوالى حوادث القتل والغيلة والترويع من دون توقف بحيث انها تفقد قيمتها الجاذبة ولا تعود لها قدرة على الإدهاش والمفاجأة. كل شيء ممكن وبالتالي لا قيمة فريدة لأي شيء. نشر في العدد: 16951 ت.م: 01-09-2009 ص: 23 ط: الرياض

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 12:28 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
ما رأيك في الكتاب ؟تمثلُ الأنواعُ الأدبيةُ قضايا جوهرية في الأدب، فهي تعبرُ عن قدراتِ شعبٍ أو أمةٍ ما على التطور الثقافي على مدى قرون، فليستْ هي بناءاتٌ شكلانيةٌ ترصفُ الكلام وتجمعُ المعاني في(قوالب) لكنها تعبيرٌ عن قدراتِ المبدعين والنقاد على الحراكِ التحويلي لمجتمعاتهم، أي على مدى تمكنهم من إقامة علاقاتٍ عميقةٍ مع البشر وجذورهم الدينية والثقافية والاجتماعية وتغييرها تبعاً لخُطى التقدم، ومجابهة قوى التخلف والإستغلال والتهميش للناس، وتصعيد القدرات على الحوار والبحث والتجديد. أي هو التحولُ من هيمنةِ الصوتِ الواحد إلى تعدديةِ الأصوات، ومن سيادةِ الأنا المركزيةِ الاجتماعية إلى تنوع الأفراد وقدرتهم على الحوار والنقد والتغيير. وإذا كانت صناعةُ الأنواعِ الأدبية تخضعُ للأفعال الحرة للمبدعين فإنها لا تستطيع أن تقفزَ على الظروف الموضوعية للواقع والناس. وهيمنةُ نوعٍ أو وجود كافة الأنواع هي قضيةٌ مركبةٌ من الذاتي والموضوعي، من سيطرةِ قيودٍ تعبيرية قَبْليةٍ ومن مساهماتٍ تحريرية لنزع تلك القيود. من آفاق مرصودة سلفاً نتاج سابقين ومن قدرة المعاصرين على تغييرها تبعاً لتطور الحياة والمساهمة في تغييرها. والمبدعون يظهرون في شروط سابقة على إبداعهم، إنها تقيدهم وتجعلهم يعيدون إنتاج الماضي الثقافي أو يضيفون عليه بعض الإضافات اليسيرة والمهمة غير التحويلية الواسعة. ومن هنا فظهور الشعراء في عالم العرب الجاهلي يختلف عن ظروف أخرى تالية حين حدثت نهضة، فسيطرةُ الصحراءِ والحياةِ الرعوية، هي غيرُ ظهورِ المدنِ وميلادِ دولةٍ واسعةٍ تختلطُ فيها الشعوب. لكن إن تبقى الهياكلُ الإبداعيةُ الجاهلية في عمقِ المدن وتسيطرَ على الإنتاج فهي أيضاً هيمنة قَبْلية قَبَلية مستمرة. وقد طُرحتْ بقوةٍ مسألةُ قصورِ الأنواعِ الأدبية على نوعٍ واحد بشكلٍ كبيرٍ هو النوع الشعري، ضمور النوعين الآخرين وهم النوع الملحمي والدرامي، وهي قضية ليست تجريدية بل قضية تاريخية وإجتماعية وفكرية طويلة ومعقدة.

أضيفت في 25 يونيو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1