رواية الأمير احتجاب تعود بنا إلى عصر الدولة القاجارية التي حكمت إيران ما بين (1789- 1925م) وينبري هوشنك كلشيري في هذا العمل الأدبي إلى توجيه سياط النقد اللاذع إلى طبقة الأشراف والأمراء (النبلاء) من خلال وصف حياة الفساد (الاسراف في شرب الخمر - ممارسة الجنس - القمار... ) التي كانوا يعيشونها والانحلال الأخلاقي...ولا يقف الكاتب عند هذا الحد، بل يضع الأصبع على بعض القضايا السياسية لتك الفترة عبر إشارته للقمع والتقتيل والتنكيل الذي كان يمارسه آباء وأجداد الرواي الأمير احتجاب، أي حكام الدولة القاجارية تجاه معارضيهم وعامة الشعب (الرعايا)... تميّز الكاتب الآخر يكمن في أسلوبه الذي يجري على تيار الذهن السيّال في اوروبا ويعتبر هوشنك كلشيري من الأوائل الذي أفاد من التقنيات الحديثة في كتابة الرواية.. يبدو لي أن المترجم الأستاذ المرحوم سليم عبد الأمير حمدان بذل جهداً مضنياً في ترجمة هذه الرواية، ولعلي أرجع بعض الهنات في ترجمته إلى صعوبة اللغة في الأصل الفارسي، كون هوشنك كلشيري استخدم لغة قريبة إلى العصر الذي تتحدث عنه أي العصر القاجاري، وهم ما ذكره الروائي والمترجم. من هنا حاول حمدان أيضاً أن تكون عربيته قريبة من هذه الفترة التاريخية، وأظنه لم يوفق كثيراً في هذا المسعى إذ جاءت الترجمة في بعض المواضع ركيكة...

أضيفت في 14 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 60
السرد المتقطع والمتناثر على شكل قطع معزولة بثلاث نجمات يُلزمك أن تبذل جهداً يماثل جهد تجميع لعبة البازل لتكوين مجموعة كبيرة من الصورة المحصورة ضمن إطار واسع.. تبدو اللعبة لطيفة عندما يساعدك الكاتب بالعثور على القطعة المناسبة حين يقاطع نفسه كثيراً بما يشبه الاعترافات أو ربما الإفادات. يلعب دور شاهد العيان الذي يتطوع ليروي تلك الأحداث التاريخية حتى التي سبقت ميلاده في مزجها مع راهن فج لتتشكل الصورة التي يرغب في إظهارها. يضع الناشر توصيف "رواية عربية" على نص ابراهيم الجبين المسمى "عين الشرق"، لكن الكاتب نفسه غير مكترث بالتسمية ولا يبالي إن لم يكن العنوان يشابه ما كتبه بل كان حريصا أكثر على توصيل شهادته بتفريغ تجاويف ذاكرته المليئة بالأسماء والصور والتقاطعات والأخيلة على شكل سرد قصير مركز، بأسلوب صحافي مع جرعة تشويق عالية الشحنة يسارع الكاتب إلى قول ما يعرفه قبل أن يندثر وكأنه الشاهد الأخير. كان الجبين ملهوفاً لاطلاعنا على مجموعة من الحقائق ذات الشكل التاريخي ولكنها لازمة في الوقت الحاضر لترسيخ حقائق أخرى أو لجلاء ما طمس أو ما أريد له أن يكون غامضاً. يختلط الوطني بالشخصي وتتبعثر الأسماء المشهورة والمغمورة على صفحات الرواية ويعيد الكاتب توصيفها أو اتهامها ويعيد تسميتها وإدراجها تحت عناوين جديدة مستنداً إلى ذاكرته وأحياناً "جراب" مليء بالوثائق أقرب إلى قبعة لاعب الخفة الذي يخرج منه التاريخ على شكل بوالين صغيرة تفقع في وجهك أو ترتطم بالأرض محدثة قرائن جديدة، كل ذلك يحدث داخل الحضن الكبير الذي يحفظ الكاتب تفاصيلة والمسمى دمشق أو عين الشرق كما يقتبس الكاتب من الرومان. الكاتب المريض بذاكرته التي ترفض أن تتجاهل كل ما يمر بها، يصادق رساماً عجوزاً يحمل ذاكرته في كيس، يخرج منه الأشياء فيتغير الواقع، الشاعر المرموق المرشح لجائزة نوبل كان عنصراً في الشعبة الثانية وهي جهاز القمع سيئ الصيت المعروف بالمخابرات، والجاسوس الذي سارعت السلطات إلى شنقه مجرد مبعوث، يعرض الإعلام الرسمي جزءاً من سيرته، أما الجزء المهم فموجود داخل كيس الذكريات، كان هذا المبعوث يبحث عن أحد رجال هتلر الموجود في عين الشرق، مابين إبقاء القارئ متربصاً ومنتظراً، وبين الإدلاء بالحقائق يقدم الجبين هذه المعلومات حيث الزمن هو الثابت الوحيد، فالذاكرة المثخنة بالوقائع كالكيس المتين الذي لا يسرب شيئاً. يرفض الجبين أن يقول كل شيء دفعة واحدة، يعتصر نفسه قطرة قطرة، ويحافظ على أيقونة الثلاث نجمات، وتأتيك المعلومات وكأنها تتسرب من شخص يُحتضر يحتاج إلى حقن مقوية ليكمل اعترافاته، تتكاثر الحكايا وتتقاطع، والأسماء تولد أسماءً جديدة، وتشعر أن الكاتب يبطئ سيره عند نقاط محددة يريد أن يسهب عندها، لا يخونه تدفق الذاكرة ولكنه يرغب في إعادة عرض بعض أجزائها مرة ثانية. تتقاطع سيرة مجموعة "حراس الأرض" العلوية وهي ثلة من المدعين ممن عرفهم الكاتب مع حادثة سجن الشيخ ابن تيمية، يدخل الكاتب إلى سجنه ويحاوره منتزعاً منه براءة لم يستطع الإثم الباطني أن يطمسها، يتحيز للسجين صاحب المواقف الجريئة ويحرص أن يفند آراءه كلها ولا يستثني فتاويه المثيرة للجدل والتي تدين "حراس الأرض" حتى قبل أن يولدوا. يظهر العشق الكامن لعين الشرق أو دمشق عند الكاتب وهو يلاحق سيرة الأمير عبد القادر الجزائري، ويتوقف حيث يجب أن يقف عند "طوشة النصارى"، حيث كان الأمير أميراً، هنا لا ينبش الكاتب ذاكرته بل ينبش الجدران والأرصفة والحارات القديمة التي سالت فوقها دماء النصارى، وحيث أثر دعسات أقدام الأمير، ويجد وقتاً لينحي ذاكرته جانباً ويستدعي حلاً أشبه بنظرية المؤامرة عندما يصر على أن "الطوشة" كانت مكيدة أريد بها ضرب صناعة النسيج الدمشقية الناشئة، وقد تم ذلك بنجاح بتحطيم أجهزة إنتاج البروكار والأقمشة الفاخرة، وقتل الصناعيين المهرة أو إجبارهم على الرحيل، ثم بث الذكر بالمستثمرين ليحملوا روؤس أموالهم ويغادروا البلاد، وقد تم كل ذلك بسلاسة حل لعبة سودوكو سهلة. لم يعتمد الكاتب على ذاكرته لابتكار هذا الحل كان الأمر بحاجة إلى استقراء اقتصادي ذي طبيعة صناعية، ودون الالتفات إلى بنية الشارع في أواسط القرن التاسع عشر ولا إلى إرث ابن تيمية الذي خرج بريئا بأثر رجعي من محكمة الكاتب. لا نستطيع أن نطبق على هذا النص مقولة رولان بارت بتنحية الكاتب عن نصه فور إنجازه، إذ يبدو النص كفتاوي ابن تيمية تحمل نكهة عصرها وثقافة كاتبها، ولا يمكن فصلها عنه أو فصله عنها، وهو مليء بلواعج شخصية معذبة بذاكرة ترغب أن تلفظ ما تحتويه، والمشاعر الخاصة طاغية في العلاقة مع الشخصيات والأحداث والأشياء وحتى الاستنتاجات، ولم يكن الكاتب بحاجة إلى جهد تبرئة ابن تيمية فالرجل بريء فقد كان محكوما بقوانين ظرفية أراد أن يحطم بعضها كما يفعل كل المبدعين، ولكن الجبين أراد أن يسبغ عليه شرعية معاصرة، وبدا متعلقاً بالأمير الجزائري أكثر من دمشق، عندما لاحقه وحاول التقرب من أحفاده ليتعرف على تفاصيل الأمير الدقيقة. ملأ الجبين صفحات مدونته بالأسماء وبالأحداث بطريقة صحف التابلويد، عناوين مثيرة تثير شهية التعمق، ولكن الكاتب توقف عند العنوان ليعرض الذي يليه. كان مثيراً عندما عرَّفنا على صداقة الأسد الأب بأحد مهندسي الهولوكوست، وكان صادماً عندما قرأ علينا سيرة جديدة للجاسوس إيلي كوهين، وكان فضائحياً عندما عرفنا أن في دمشق أو "عين الشرق" مسبحاً للعراة رفض الكاتب دعوة للتمرغ في مياهه كل ذلك كان موجودا في ذاكرة الكاتب "الكاش". للكاتب الحق في أن لا يسمي هذا النص رواية، رغم وجود ملامح حكائية وطغيان سيمياء الرواية، فقد لجأ إلى تقطيع السرد، على شكل منولوجات منفصلة يمكن أن تكون بعضها فقرات حرة مقطوعة العلاقة بما يحيط بها، واضطر أن يكون إخبارياً أحياناً محافظاً على صيغ التقارير مع محاولة إثارة الدهشة والإعجاب بطرافة المعلومة، ودمشق التفاصيل والجغرافيا كانت ملمحاً مهماً وحاضراً ولكن كوعاء حيادي لكل المزيج التاريخي الذي نشره أمامنا، فلم يظهر من عين الشرق إلا الاسم وولع الكاتب. كان الحضور الأكبر لإعادة ترتيب بعض المشاهد المهمة وإدانة الديكتاتور والإثم الذي اقترفه بحق المدينة. بدأ الكاتب نصه غاضباً ومتحمساً ومتعجلاً أيضا وقال معظم ما يعرف فيما هدأ في القسم الثاني وحرك شخصية الأمير عبد القادر الجزائري كثيراً، وفقد حسه الصحفي وكاد أن يقطع علاقاته مع كيسه الإخباري المثير. كانت رواية "عين الشرق" (الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 2016)، نصاً يسهل التعامل معه، ويمكن أن تجد بين شخصياته وأسراره ما تتفق معه دون أن يأخدك بعيداً أو يدلك على مصدر أكثر عمقاً، يكتفي بتلاوة عناوينه ولا يجبرك على تصديقها، ولا يلزم نفسه بتسليم وثيقة واحدة من وثائق الكيس عليك أن تثق بذاكرة ابراهيم الجبين ولو كانت "مريضة" بالهايبرثيميسيا.

أضيفت في 12 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 86
صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر العمل الروائي الجديد للكاتب والإعلامي السوري المقيم في ألمانيا، إبراهيم الجبين، بعنوان «عين الشرق ـ هايبرثيميسيا21». رسم له الغلاف الفنان السوري يوسف عبدلكي. شخوص الرواية تعبر الأزمنة المتراكمة على الأرض السورية، من أبطالها ابن تيمية سجين قلعة دمشق الأبدي. والرئيس المستبد العجوز معزولاً في غيبوبته، تركة الأميرعبدالقادر الجزائري في دمشق والعالم، كاسر وعبدالله أوجلان وسلمى المكونة من خليط من روزموند بايك ومونيكا بيلوتشي، ستناي الشركسية فتاة الليل التي تعتد بجدها المدفون في أحد جوامع دمشق. قصص حب وكراهية، شاعر تحول إلى بائع نحاس وشعراء آخرون ذبحهم «داعش»، مظفر النواب في أصعب أيامه في دمشق قبل أن يتآكله الباركنسون، شاعر مولع بالتصوير الفوتوغرافي في طريقه من القامشلي إلى المنفى البعيد، حنا يعقوب القادم من ماردين في تركيا، مؤسس المدرسة السريانية الأولى في عامودا وحفيده الذي سيعرفه الجميع بعد سنوات، شاعر دمشقي بجناحين وشقيقه البعيد في بيروت وأصقاع الأرض، يوميات السجن وظلام لياليه وعلاقات المعتقلين بعضهم ببعض. تبدأ الرواية بعلاقة جمعت الراوي مع رسام عجوز في مرسمه في التكية السليمانية في دمشق، مهووس بجمع الأشياء القديمة، كان قد عمل في الشعبة الثانية (المخابرات السورية) في الخمسينيات، وأطلق بيده رصاصة الرحمة، كما يقول، على الكثيرين من معارضي السلطات التي حكمت سوريا وبلاد الشام. صور شتى في رواية «عين الشرق»، وملل ونحل من مشارق الأرض ومغاربها تلامحت وجوهها في الازقة قديمة ومحدثة، لكن البطل هو المدينة. دمشق، فهي «عين الشرق». كثيرون سيعرفون أنفسهم في «عين الشرق». ولربما تغيرت، أحيانا، أسماء وملامح، إلا أن اللحظة الطويلة التي سبقت انفجار الجسد السوري، لم تكن بلا مقدمات ولا أبطال ساهموا في زيادة تلك التضاريس وعورة، وكانوا من بين أسباب كتابة هذه الرواية. يقول إبراهيم الجبين عن روايته الجديدة: إن دمشق التي سمّاها الرومان «عين الشرق» تختزل المشرق كلّه. وفيها تدور كل القصص السرية، من اليومي البسيط، إلى المخططات الكبرى التي عادة ما تغيّر وجه المنطقة. وفي هذه الرواية، رصدتُ يوميات عشتُها في دمشق، ما بين الخيال والواقع، وربما بهما معاً، وقد لا أميز مرات، أيّ منهما هو الواقع، الخيال أم الواقع ذاته. مبتدئاً من مدن سورية عديدة، أشخاص قدموا من ثقافات عديدة، محملين ببضائعهم الإنسانية والوحشية معاً، فاخترقوا عوالم الفكر والأدب والفنون، مغرقين المدينة في التهتك، مواصلين رجم المجتمع السوري العريض الذي اشتهر بتعدده وبساطته وتعقيده في الوقت ذاته، وهو ذاته المجتمع الذي سمّاه النظام السوري لاحقاً «البيئة الحاضنة للإرهاب» مبرراً كل أشكال الإبادة التي طبقها على سكّانه في مدنه وأريافه. لا تكاد الرواية تخلو من مقاطع تعكس مناخ دمشق وشوارعها فنقرأ على لسان الراوي «ما زلتُ أمشي في دمشق. الشوارع تتغير كل لحظة أمام عينيّ. تتبدل الأزمنة، تختفي مبانٍ وأخرى تعلو شاهقة، تظهر تلالٌ، وتتدفق أنهار، وتتكسر جسور، وتمتد أخرى. تشتعل حرائق، ويندفع شجر سريع النمو. أمشي الطريق من القنوات، منحدراً نحو الحلبوني، أرصفة باعة الكتب، والجامعة القديمة، طاحون ماء هائل يرتفع في أرض منبسطة على ظهر التلة، رائحة البارود العثماني تفوح من ثكنة صارت جامعة في ما بعد، بستان مسوّر، تقف فيه الأشجار العالية، تميل مع الشمس، وتميل مع هواء بردى». «عين الشرق» هي الرواية الثانية للكاتب، بعد «يوميات يهودي من دمشق» التي أثارت الكثير من الجدل بسبب تناولها لموضوعين اعتبرا حين صدورها في عام 2007 من المواضيع المحرمة؛ يهود دمشق، وعلاقة قادة تنظيم «القاعدة» مع الأجهزة الأمنية السورية.

أضيفت في 12 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 82
في نهاية رواية «يوميات يهودي من دمشق» الصّادرة عن دار خطوات في سوريا، التي تمّ منعها من قبل وزارة الإعلام السورية، يُشير الكاتب إبراهيم الجبين إلى أن اليوميات لم تنتهِ «ولكن تدوينها النهائي يكتمل الآن في مكان آخر» هكذا خَتَمَ روايته في شبه نبوءة عن تحقّق واكتمال اليوميات في أماكن أخرى غير التي بدأت فيها، لكنّه لم يكن يدري أنّ شخصية الدكتور أبو المحجن الذي كانت أقصى أمانيه العريضة أن يكون إمامًا في إحدى القُرى النائية لنشر الدعوة وصحيح الدين، سيصبح نموذجًا دالّا وفاضحًا لنموذج رجال الدين، الذين تستروا بعباءة الدين لأغراض خاصّة بهم، وهو الكأس الذي نتجرع ويلاته الآن في نماذج وسمت نفسها بأنها ظل الله في أرضه، بدون أن يغفل رحلة التبدُّلات التي لحقت بالشخصية مثل، قصّ اللّحيّة وترك الجلباب إلى الزّي الإفرنجي والسيّارات الفارهة والمطاردات البوليسيّة، وهو الشخص الذي استسلم لمن كان يستمع لخطبه في المسجد ودعاه لأن يتزوج من ابنته، فَقَبِلَ. اللافت للنظر أنّه صار رمزًا لعصرنا هذا، ويفاجئنا باجترار شخصيات كثيرة على شاكلته، كانت ومازالت سببًا لأزمتنا وأزمة دمشق، المدينة التي أراد الراوي أن يستعيدَ جُزءًا من تاريخها وتفاعّلها وانصهارها مع الآخر الذي قبلته في عهودها القديمة ثمَّ نبذته في عصورها الآنية عندما طغت السياسية والطائفيّة على كلّ شيءٍ. رواية الحِجَّاج تميل الرواية عبر شخصياتها الإشكالية، خاصّة شخصيتي الصحافي إبراهيم المولع بالتاريخ والمكان الدمشقيّ على وجه الخصوص، وإخاد اليهودي الصديق الذي يتبّنى مواقف من اليهودية لا تجد قبولاً عند كثيرين، إلى الحجاج الثقافيّ والفكري حول إشكاليّة تاريخيّة تتمثّل في علاقة اليهود بالعرب. الرواية في بحثها عن هذه العلاقة الشّائكة والمربكة وعبر حِجاج الشخصيتيْن ومحاولة كلّ منهما إثبات فرضيتها، طغت المادّة التاريخيّة على كثير من أجزائها، فمال السّارد إلى التوثيق والاستشهاد بما يُدعِّم أفكار شخصياته، وهو ما جعل الرواية أشبه بوثيقةٍ تاريخيّةٍ حيّة ونابضة، نقبَّت في المدونة التاريخيّة واستجلت رحابة فكر مؤلفيها وأيضًا رحابة البلدان واتّساعها للجميع، بدون الأخذ في الاعتبار للهُويّة الدينيّة أو حتى العرقيّة الإثنيّة، وإن كان هذا مع الأسف جاء في غير صالحها، حيث تمّ تأويل هذه الفرضيات والخروج بها إلى سياق آخر غير الذي سَعَى إليه الرَّاوي، فتمّ اتّهامه بأنّه يدعو إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي لم يكن في الأساس واردًا في ذهن كاتبها أو حتى راويها المتماهي مع المؤلف الضمني، حيث كانت شخصية إبراهيم على طول خط الرواية ترفض آراء إخاد الجانحة ونقيضة له في أفكاره، وتحاججه مظهرة خطأ ما يتبنى، بل إن النهاية التي رسمها السّارد لشخصية إخاد الذي كان مُتشبثًّا بالمكان ورافضًا مغادرته ثم ّتخلّى عن تشبثه ورَحَلَ عنه ليس هو فحسب بل رحل عنه الجميع، خيرُ دليلٍ على تشتّته وتبعثُّر أفكاره. لكن هذا لا ينفي أن الراوي لم يغمط التاريخ حقّه ولم يغفل مدوناته في تأكيدهما على تكامُّل الأديان في إطارها الثقافي والفكري، عبر إشارتهما في سياقات مختلفة إلى عربيّة القبائل اليهوديّة، كما أكّد السياق التاريخي، بما ذكره جواد عليّ في كتابه «المفصل في تاريخ العرب» حول هذه المسألة، ثم ما ذكره آخرون مِن أجيال لاحقة كعبد الوهاب المسيري وأحمد شلبي وعبد العظيم رمضان وسيدة الكاشف وغيرهم، علاوة على تأكيده بأن ثمة ثقافة يهودية عربية مشتركة، تضمّ في طياتها أفضل الشعراء من الحاخامات، كيهودا هاليفي الذي يُعرف باسم أبو الحسن اللاوي، وقد عاشَ في الأندلس وكَتَبَ في مختلِف أغراض الشّعر، وأيضًا الحاخام شالوم شبازي الذي يعد من أشهر شعراء يهود اليمن. دمشق المدنيّة تُقدّم الرواية صورة عن دمشق المدنيّة، التي كانت مفتوحة على الآخر، وقابلة للتعايش معه، فالجامع الذي أسّسه عثمان أغا التركي يقبع في حي يسكنه اليهود، ويتردّد منه الأذان في داخل المدينة، والأكراد يعيشون في حيّ ركن الدين، ويُمارسون لغتهم وتقاليدهم بحرية. والفلسطينيون تُجاور بيوتهم بيوت اليهود المميّزة بنجمة داوود على أبوابها، وإن كان الأطفال يعيشون معًا. وكأنّ الرّاوي يريد أن يقدم لنا شكلاً من أشكال المعايشة بين الطوائف الدينيّة في إهاب المدينة، وهو ما يعدُّ سمّة من سمات المدينة التي رحبّت بكافة الأطياف وانصهرت في بوتقتها. ولم تقتصر المعايشة على الإطار الشكّلي فقط، بل تجسّدت في ممارسة حيّة، فالأب اليهودي يُسمي ابنته (زينب) على اسم ابنة جاره المــُسْلم، في صورة باذخة من حالات التسامح والتسامي التي كانت تسود المدينة، التي في أحد مراحلها طردت اليهود كما في حالة والد إخاد، الذي طلبت منه السُّلطة السياسيّة الرحيل، وامتثّل رغم رفض الأبناء لهذا القرار وتشبثهم بالبقاء، كما إن الأب نفسه مع يهوديته رفض مغالاة اليهود، فكان يرفض احتكاك ابنه بالحاخامات و«يبقيه بغير الثياب السوداء، وبدون ضفيرتين تتدليان بالقرب من طرفي أذنه». كما أن اليهود أنفسهم كان منهم الرّافض لسياسة الصهيونية وسَعى لمحاربتها، كما تجلّى في صورة شخصية اليهودي المصريّ (شحاتة هارون) الذي كان ينتمي لحزب سياسي مُعارض ويتبّني سياسات ضدّ اليهود، فعارض اتفاقية كامب ديفيد 1979، وعندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي الكنيس اليهودي في القاهرة اعترضه وأبدى حنقه، ورغم خروج اليهود من مصر إلا أنّه رفض وقال: «لن أتركَ مصر ولو قطعوا رقبتي إنّها وطني»، بل انخرط في التيارات السياسية المعارضة في ذلك الوقت، وتمّ القبض عليه أكثر من مرّة، كما خضع مكتبه للحراسة، ثم خضع هو للاعتقال في مرحلة لاحقة، وعند وفاته رفض السّفير الإسرائيلي أن يُصلّي عليه واستأجرت أسرته حاخامًا من فرنسا. ومن ناحية أخرى تعكس لنا الرواية صورة لمدَنيَّةِ المدينة ونهضتها، التي كانت حاضرة عبر حديث السّارد عن أوّل قصر رئاسيّ في سوريا وهو قصر هولو باشا العابد، وتاريخ هذا القصر الذي هو في أصله بيت تيمورلنك الذي دخل دمشق غازيًّا، ثمّ التحولات التي أصابته، فصار منزل كاتب السُّلطان العثماني في مرحلة، ثمّ المدرسة الأمريكية في دمشق في مرحلة أخرى، وبالمثل الحديث عن أحمد عزت باشا ومشاريعه التي فعلها إبّان الدولة العثمانيّة، بل إنّ الدور الثقافي والحضاري لا يقتصرُ على الرّجل فكانت المرأة شريكًا وصنوًا للرجل، كما تمثّل في شخصيّة نازك العابد ودورها في إنشاء أوّل جمعية نسوية بعنوان نور الفيحاء عام 1914، كما تعاونت مع عدد مِن سيدات دمشق وأسّسن مدرسة بنات الشهباء العربيات، ثمّ أسّست أوّل مجلة عام 1920 بعنوان نور الفيحاء، إضافة إلى دورها في إنشاء فرع الصليب الأحمر الدولي في سوريا. التقطيع السينمائي يميل السّرد إلى المراوحة بين التاريخ والتخييل والواقعيّ المرجعيّ، كما ثمّة تداخلات في السّرد بين زمن الحاضر الذي يسرد منه إبراهيم، وزمن الماضي الذي يعود إليه إخاد، والواقع الراهن بأحداثه الشائكة من غزو العراق، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، عبر لغة تمزج بين لغة شعرية تتناثر عبر سرود متدفقة ومنثالة، مُقِلَّة في أوصافها مفسحة للوصف الداخلي والنفسي للشخصيات ليعبر عن الداخل والانكسارات، وبين لغة الحوارات الحاوية لكثير من المفردات العامية التي تُناسب السياق. وقد اعتمد الكاتب في هذا على نظام التقطيع السينمائي والوحدات السّردية المستقلة التي تترابط في ما بينها حتى بَدَتْ أشبه بلوحة من فسيفساء تقدِّم بجزيئاتها الصُّورة المتكاملة للمشهد، فثمَّة تقطيع وتداخلات وعودة إلى الجزء المقطوع، كما هو ظاهر في سرده عن لقائه بمحمد شوق وكيف وصل إليه عبر سلسلة من المغامرات ثمّ ينقطع السّرد ليعود يحكي عن علاقة إخاد بالمكان ثم يعود مرة ثانية ليستكمل الفجوات السردية، ويستأنف مرة ثالثة سرده الأول عن لقائه بمحمد شوق الذي طلبه على عجل، وفي بعض منه يعود لعلاقته لصديقته نور. تكسر الغنائية التي يعمدها السّارد التساؤلات التي يطرحها فتصير جزءًا من السرد، وتميز السَّرد والشخصية السّاردة أيضًا، فيتساءل عن بيروت التي يعرفها، ولا يجد سوى بيروت المــُشتاقة للحرب بدون بندقية في الرقص والشراب وفي السرير أيضًا، وهو ما يعكس جانبًا من شخصية الراوي القلق الذي يعود على مثقف رومانسي حالم في بعضٍ من أطوار حياته في أن يكون مخرجًا، أرقته المدينة وهو مهموم بها إلى حدِّ أنه أراد كتابتها ففشل، على نحو ما حدث مع بيروت. وتتكرّر التساؤلات عن مصائر الشخصيات وأزماتها. كما يزاوج السّرد بين السرد المتدفق، والحوارات والاقتباسات التاريخيّة والشّعريّة ومقاطع الأغنيات، وهو ما أكسب النص زخمًا، وإن كانت المادة التاريخية أثقلت النص الذي لم يزد عن 140 صفحة، سيطر عليها راوٍ شخصيّ، كان يسرد عن قُرب وبشكل محايد، فسمح لشخصياته بأن تسرد عن نفسها كما في حالتي أبو المحجن وإخاد. الجامع المشترك بين الشخصيات هو الهزيمة، باستثناء شخصية أبو المحجن (محمد شوق) الذي فرّ إلى أمريكا باسم جديد وشخصية جديدة «بوستموديرنيست تيروريست» متحدثًا عن الإخاء العالمي والتعايش والموسيقى والرقص. أمّا إخاد فقد غَادرَ بعدما فُجع بانتحار إحدى أختيه وهروب الثانية إلى الحاخام نجيب سركيس مقدسي الذي كان مِن قبل أكثر الشّباب زعرنة بتعبير الراوي، لكن ما أن عاد «بعد سنة 67 مِن أرض الرب والحرب والخراب»، حتى توحّد واعتزل في غرفة قديمة في دير الملائكة، لا يأكل إلا من يديه ولا يستخدم الكهرباء نهائيا. وبالمثل ليندا الفتاة الحيويّة تضيع بين التشكيل المديني لدمشق «فقد صارت ليست يهودية الآن وليست أي شيء آخر تتوهج في قبو الطبيب قرب المشفى الفرنسي»، الشيء نفسه يتكرر مع شخصية نور الفتاة الحيوية التي التقاها إبراهيم صُدفة تتخلّى عن هوايتها ورقصها المائي، لم تعد ترقص في الماء ولا تقلد حركات الشخوص المرسومة على جدران الكنيس في دورا أوروبوس، وإخاد الذي كان يرفض الهُناك، يذهب إليه ويصير الهُنا هُناك، في تحوّل مثير يكشف عن أحد أوجه المدينة التي صدمت أبناءها والتصقوا بها فنالهم ما نالهم. هُزمتِ الشخصيات وهزمت المدينة التي عبّرت عن هزيمتها ليندا، ومع الأسف لم تَعُدْ إلى ما كانت عليه، كما تنبّأ الراوي حيث اليوميات ممتدة، والهزائم متلاحقة، وهذه المرة شملت البشر والحجر في آنٍ.

أضيفت في 12 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 76
فيرجينيا وولف وأمى وأنا مقال لمايكل كاننجهام عن الجارديان 4 يونيو 2011 ترجمة أمير زكى يونيو 2011 فيرجينيا وولف كانت مصدر بهجة كبيرة فى الحفلات. أريد أن أقول هذا فى البداية لأن وولف، التى ماتت من سبعين عاما هذا العام، تمثّل غالبا على أنها السيدة الكئيبة فى الأدب الإنجليزى، فهى دائما حزينة وغاضبة وتنظر بشر من الركن المظلم فى تاريخ الأدب، وبجيوب ممتلئة بالحجارة. بالطبع كان لديها فتراتها الكئيبة، وسوف نتحدث عن ذلك بعد لحظات. ولكن أولا أريد أن أخبر أى أحد قد يكون لا يعرف، أنها عندما لم تكن تحت وطأة نوبات الاكتئاب المتكررة، كانت شخصا يتمنى المرء أن تحضر إلى حفلته، فهى شخص يستطيع أن يتحدث بمرح عن أى موضوع. شخص يتألق ويسخر. وقد كانت مهتمة بما يقوله الناس (على الرغم من أنها لم تكن تشجع دوما آرائهم.) وهى شخص كان يحب فكرة المستقبل والعجائب التى يمكن أن يجلبها. ورغم كونها نسوية جريئة إلا أنها كانت تميل لنقد نفسها لأيام إن علق أحدهم بشكل سلبى على ملابسها. كانت لديها صعوبة فى أن تتمالك نفسها، ومثل عدد كبير منا كانت تعانى من مشكلة فى مجاراة الموضة. وهى أيضا كانت مضطربة بشكل كبير بسبب عملها، فقد كانت تميل لأن ترى أن (تجاربها البينة) فى الأدب ستوضع جانبا مع بقية العجائب والغرائب والجهود الصغيرة التى توضع فى الأراشيف والمخازن. هذه ليست قصة غريبة: الفنان غير المقدر جيدا، والذى يقدر مع الوقت. ولكن تظل وولف المخلوق الجذاب غالبا والضعيف دوما، تميل إلى نوبات الاكتئاب، هى حذرة جنسيا ولا تلبس بشكل مناسب، وغالبا لا يقدرها الكثيرون ككاتبة كبيرة بما يكفى لتقف أمام القوة العاصفة للتاريخ. لا تقارن بشخص مثل جيمس جويس، الحداثى العظيم الآخر، الذى يطنطن بعبقريته لأى أحد يستمع له، والذى يخطط لخلوده بحرص كالمحارب الذى يخطط للهجوم. من بين الأسباب التى جعلت وولف تغرق نفسها من 70 عاما، فى سن التاسعة والخمسين هو ثقتها فى أن روايتها الأخيرة (بين الفصول) كانت فاشلة تماما. هناك كتاب مهمون قليلون نسبيا كانوا متشككين تماما فى حياتهم من إنجازاتهم. فى حين نشر روايتى (الساعات) التى ظهرت فيها وولف كشخصية، أصبحت بشكل غير متوقع عارفا إن لم أكن محيطا وخبيرا بحياتها وأعمالها. كنت أندهش حين يتكرر ويأتينى شخص ما ويقول: نعم، وولف رائعة، ولكنها ليست جويس، أليس كذلك؟ هى ليست جويس، هى نفسها، كتبت فقط عن أناس من الطبقة العليا، ولم تكتب أبدا عن الجنس. أعمالها الكاملة لا تحتوى سوى على قبلتين رومانسيتين – واحدة فى (رحلة إلى الخارج) وأخرى فى (السيدة دالواى)، وبعد هذين الكتابين المبكرين نسبيا، لا توجد مشاهد جنسية من أى نوع. ولكن فى الحقيقة فأنا أعتقد أنه مهما كانت التحفظات التى يطلقها الناس على وولف، فى مواجهة جويس، فعليهم أن يتعاملوا مع حقيقة أنها كانت تكتب عن الناس وعن التفاصيل الصغيرة التى كانت، فى هذا الوقت، تخص النساء وحدهن. جويس كان لديه حسا جيدا فى الكتابة غالبا عن الرجال. كامرأة كانت وولف تعرف إحساس العجز الذى يمكن أن يصيب المرأة التى ليس لديها الكثير لتفعله. وكانت تعرف، بل كانت تصر، أن الحياة التى تنقضى فى الاهتمام بالمنزل وإقامة الحفلات ليست بالضرورة حياة تافهة تماما. هى جعلتنا نفهم أنه حتى الحياة المتواضعة والداخلية تظل بالنسبة للشخص الذى يعيش فيها رحلة ملحمية، مهما كانت عاديتها بالنسبة لمن يلاحظها من الخارج. وهى رفضت أن تتجاهل الحيوات التى يميل معظم الكتاب الآخرين إلى تجاهلها. ربما يكون لديهم شىء ليكتبوه عن حالة وولف العقلية المضطربة، وخوفها أن تكون هى نفسها من الشخصيات الأقرب لأن تُنسى ويتم تجاهلها. إن انفعلت أو أستثيرت جدا فهى تقع فى حالة من اليأس تصبح كلمة اكتئاب معها غير كافية. فى فتراتها المستقرة، كانت رائعة فى الحفلات. أما فى الحالة الأخرى فتكون محطمة تماما. فهى تهلوس. وتهاجم أقرب الناس إليها، زوجها ليونارد تحديدا، وبحدة مميتة من تلك المتوفرة عند العباقرة، والتى كانت تتملكها عندما تفقد عقلها. فى هذه الحالة لم تكن فيرجنيا مرحة على الإطلاق. تلك الفترات السوداء كانت تمر دوما، غالبا فى خلال أسابيع، ولكن وولف لم تكن فقط خائفة من النوبة القادمة، وإنما كان قلقة أيضا من كون عدم استقرارها العقلى سيمنعها من الحفاظ على عملها ككاتبة. خوفها من الجنون قادها، عندما بدأت تكتب الروايات، لتكتب روايتين تقليديتين نسبيا: (رحلة إلى الخارج)، (ليل ونهار). أرادت أن تثبت لنفسها وللآخرين أنها عاقلة بما يكفى (ولمعظم الوقت) لتكتب روايات مثل تلك التى يكتبها الروائيون الآخرون. وليس مجرد هذيان وصراخ امرأة مجنونة. وهى كانت مدفوعة أيضا برغبتها فى أن تظهر بصحة جيدة أمام محرر كتبها جورج داكورث، أخوها من الأم، والذى تحرش بها عندما كانت فى الثانية عشر. وولف أرادت أن تظهر لداكورث أنه لم يسبب لها أى ألم مستمر. وليس من الصعب أن نتخيل أنه لا يوجد كتاب رجال كثيرون مروا بنفس الموقف. بعد نشر رواية (ليل ونهار) وبسبب الرغبة فى تجاوز نوبات وولف وللتقليل من استثارتها، انتقلت هى وليونارد لضاحية هادئة بريتشمند، وأسسا دار نشر فى قبو منزلهما. هنا كان ميلاد دار نشر هوجارث، التى كانت إحدى منشوراتها الأولى رواية وولف غير التقليدية (غرفة جاكوب). نشر كتبها بالاشتراك مع ليونارد أدى لاختلاف حاسم. وولف وبشكل مفاجئ أصبحت لا ترد على أحد، وأظهرت قدرتها على كتابة روايات تشبه بعضها البعض. حتى بدأت فترة كتابة أعمالها العظيمة والتى استمرت حتى موتها. فلم تعد تريد إثبات أى شىء لأى أحد. (غرفة جاكوب) تبعتها بـ (السيدة دالواى)، (إلى المنارة)، (أورلاندو).. إلخ. هذه الحرية الجديدة كانت محورية لوولف كفنانة، ولكنها لم يكن لها تأثير كبير على وقوعها المتكرر فى نوبات الاكتئاب، التى ابتليت بها طوال حياتها. العلاج النفسى لم يكن حتى قد بلغ طفولته آنذاك – فى هذا الوقت نشرت هوجارث أخيرا الكتب المبكرة لفرويد – ولم يكن هناك علاج متوفر لوولف. فى العشرينيات كان يقال إن الاضطرابات النفسية سببها تلوث الأسنان، هذا الذى يصل بطريقة ما إلى المخ. خلعت عدد من أسنانها، ولكن هذا لم يحل المشكلة. ورغم ذلك، وإن كانت وولف على علاقة وطيدة بالحزن العميق أكثر من معظم الناس، إلا أنها مع ذلك، بتجل غامض للإرادة، كانت أفضل من الكثيرين فى نقل البهجة الخالصة لكونها حية. اللذة العادية فى الوجود ببساطة فى العالم فى يوم ثلاثاء عادى فى شهر يونيو. وهذا واحد من الأسباب التى تجعلنا نحن الذين نحبها، نحبها بهذا الشغف. فكرة أن الأمور قد تكون أسوأ. ولكنها تظل مصرة على التأكيد على الجمال البسيط والدائم، وإن كان ملاحقا بالفناء كما يلاحق الجمال دوما. إعجاب وولف بالعالم، وتفاؤلها به، هما تأكيدان يمكننا أن نثق فيهما لأنهما أتيا من كاتبة رأت أعماق الأعماق. فى كتبها تظل الحياة عظيمة ورائعة واحتفالية؛ إنها تتجاوز أعمق الإحباطات. قرأت (السيدة دالاواى) لأول مرة وأنا طالب ثانوى بالمدرسة. كنت بطريقة ما متكاسل عن الدراسة، لم أكن صبيا من النوع الذى يختار كتابا مثل هذا ليقرأه (وأؤكد لك أننى لم أفعل هذا، لقد كان جزءا من المنهج فى مدرستى المتكاسلة بلوس أنجلس). قرأته فى محاولة يائسة لأثير إعجاب الفتاة التى كانت تقرأها فى هذا الوقت. أردت، لأغراض عاطفية تماما، أن أبدو أكثر ثقافة مما أنا عليه. (السيدة دالواى)، من أجل هؤلاء الذين لا يألفونها، تتعلق بيوم من حياة كلاريسا دالواى، سيدة المجتمع التى تبلغ من العمر 52 عاما. تخرج فى الرواية لتشترى احتياجاتها، وتقابل حبيبا قديما لم تعد مهتمة به، تنام القيلولة وتنظم حفلا. هذه هى الحبكة. على أى حال، نحن لسنا منحصرين فى الرواية عند وجهة نظر كلاريسا، فتيار الوعى ينتقل من شخصية إلى شخصية كما تنتقل العصا من عداء إلى عداء فى سباق الجرى. فندخل عقل بيتر وولش العاشق القديم، ونذهب فى رحلة التسوق مع إليزابيث ابنة كلاريسا. ونقضى وقتا معقولا مع سبتيموس وارين سميث، المقاتل الذى يعانى عصاب ما بعد الحرب (الحرب العالمية الأولى) وغير المتوازن عقليا. ونحن ندخل أيضا لأوقات قصيرة فى عقول شخصيات عابرة تماما؛ الرجل الذى يمر بكلاريسا فى شارع بوند، المرأة الكبيرة التى تجلس على مقعد بالهايد بارك. نحن نعود دوما لكلاريسا، ولكننا نرى وهى تمضى فى يومها المفرط فى عاديته أنها محاطة بتراجيديات وكوميديات متنوعة حولها. نحن نتفهم أن كلاريسا، وهى أى أحد، أثناء أداءها اليومى هى فى الحقيقة تتحرك داخل العالم الواسع، وتغيره بشكل محدود ببساطة عن طريق الظهور فيه. فى (السيدة دالواى) تؤكد وولف على أن يوم فى الحياة، حياة أى شخص، يحتوى، إذا نظرت له باهتمام كاف، على الكثير مما يحتاجه المرء ليعرف كل شىء عن الحياة الإنسانية، شىء أشبه بالطريقة التى تظهر لنا فيها خريطة الكائن الحى كله عن طريق شريط الدى إن إيه. فى (السيدة دالواى) والروايات الأخرى لوولف، نعرف أنه لا توجد حيوات تافهة، فقط طرق غير لائقة فى النظر إليها. لم أكن، وأنا فى الخامسة عشر، أفهم أى من ذلك. لم أفهم (السيدة دالواى) وفشلت تماما فى محاولاتى للظهور ذكيا أمام تلك الفتاة (ليباركها الله أينما كانت الآن.)، ولكن كان بإمكانى أن أرى، حتى وأنا طفل جاهل وكسول، كثافة وسيمترية وقوة جمل وولف. كنت أتعجب، أنها تتعامل باللغة بطريقة أشبه بتعامل جيمى هندريكس مع الجيتار[1]. أعنى بذلك أنها تتخذ طريقا ما بين الفوضى والنظام، هى تعزف، وفقط عندما يبدو أن الجمل ستشط نحو الفوضى، تعيدها مرة أخرى إلى النظام بشكل منسجم. كانت خبرتى الوحيدة مع الجمل قبل ذلك منحصرة على الجمل التقريرية. أما جمل وولف فقد كانت موحية. بدا أنه من الممكن أن تكون الكتب الأخرى محتوية على نفس العجائب. وكما اكتشفت فبعض الكتب تحتوى على ذلك بالفعل. قراءة (السيدة دالواى) غيرتنى، شيئا فشيئا، لأصبح قارئا. بعد عشرات السنوات من القراءة الأولى، التى جعلتنى مرتبكا ومندهشا، والتى غيرتنى، حاولت أن أكتب رواية عن وولف و(السيدة دالواى). وصلت للفكرة وأنا قلق بشكل مفهوم. من جهة فالمرء إذا وقف بالقرب من شخص عبقرى، فيكون أقرب إلى أن ينظر لنفسه كشخص أصغر مما هو عليه فى الحقيقة، ومن جهة أخرى فأنا رجل، ووولف ليست فقط كاتبة عظيمة ولكنها أيقونة نسوية، وهناك تأكيد طويل الأمد لإحساس أنها تنتمى للنساء. ما زلت أريد أن أكتب كتابا عن قراءة كتاب. (السيدة دالواى) على الرغم من عدم فهمى العام لأغراضه الكبرى، أظهر لى، فى سن مبكرة نسبيا، ما الذى يمكن فعله بالحبر والورق. يبدو أنه بالنسبة لبعضنا فقراءة كتاب بعينه فى وقت معين هو خبرة حياتية جوهرية، تتساوى هنا مع مصادرنا ككتاب بالخبرات الملهمة التى تقدمها الروايات التقليدية مثل الحب الأول وفقدان الأب، والزواج الفاشل.. إلخ. مع تشككى الكبير، قررت أنه من الأفضل أن تخاطر بالدخول فى نار محرقة من أن تكتب كتابا وأنت تعرف أنك قادر على كتابته. هكذا بدأت. روايتى (الساعات) أساسها هو إعادة سرد معاصرة لـ(السيدة دالواى)، أنا تساءلت كم ستتغير شخصية كلاريسا دالواى عن طريق عالم يكون لدى الناس فيه مدى واسع من الإمكانيات. هذه الفكرة أثبتت أنها مجرد فكرة جيدة ولكنها لم تدفعنى للكتابة، نحن بالفعل لدينا السيدة دالواى، سيدة دالواى الرائعة، من فى العالم يريد واحدة أخرى. ولكونى مصرا (والإصرار هو ميزة جوهرية لأى روائى) لم أمل لفكرة ترك الكتاب تماما. حاولت أن أكتبه بحبكة مزدوجة، أبدل فيه بين الفصول التى تتحدث عن السيدة دالواى المعاصرة والفصول المتعلقة باليوم الذى فى حياة وولف والذى بدأت فيه كتابة الكتاب؛ عندما بدأت وهى متشككة ومضطربة فى وضع الجمل الافتتاحية للكتاب الذى سيبقى إلى الأبد. أنا حاولت حتى كتابة قصة وولف فى الصفحات ذات الأرقام الفردية وقصة كلاريسا فى الصفحات ذات الأرقام الزوجية، بحيث يقبلان بعضهما فى كل مرة تقلب الصفحة. مثل هذه الأفكار يكون لها معنى أثناء الوحدة وأنت فى مكتبك أكثر مما تظهر للناس. ولكن رغم تضمين العنصر الثانى ظل الكتاب غير مضبوط. ورفض أن يتلاءم مع الأداء الأدبى. ظل بعناد فكرة رواية أكثر منه رواية بالفعل. عند هذه النقطة قررت أن أدع الكتاب، وأن أكتب بدلا منه كتابا آخر. وفى صباح أحد الأيام وأنا جالس على جهاز الكمبيوتر سمحت لنفسى أن أتساءل عما تعنيه وولف بالنسبة لى، بما يكفى لأقضى معظم العام فى كتابة رواية منحوسة عنها وعن عملها. بالطبع أنا أحببت (السيدة دالواى)، ولكن كل روائى أحب عددا من الكتب والقليل منهم شعروا بحاجة لكتابة كتب جديد عن تلك القديمة. (المثال الذى يأتى للذهن هو رواية جان ريس بحر سارجاسو الواسع، الذى كان يعيد، كما نعرف، سرد رواية جين إير من منظور بيرثا، زوجة روتشستر الأولى.) ما مشكلتى إذن؟ جالسا على الكمبيوتر، تخيلت كلاريسا دالواى، وتخيلت وولف صانعتها وهى تجلس خلفها، وتلقائيا تخيلت بعدها أمى وهى جالسة خلف وولف. كما فكرت فى الأمر، بدأت أتعامل مع أمى على أنها الشخصية المنطقية الثالثة. أمى كانت ربة منزل، من نوع النساء اللواتى دعته وولف بـ "ملاك المنزل"، وهى وهبت، مثل العديد من الملائكة، نفسها لحياة كانت صغيرة جدا عليها. كانت دائما تبدو لى كملكة أمازونية، أُسرت وأحضرت إلى الضواحى، حيث أجبرت على العيش فى سجن لم يكن ليحتويها، ولكنه احتواها جبرا. أمى كانت تتخلص من مشاعرها الغاضبة بالتركيز على كل تفصيلة ممكنة. كان يمكنها أن تقضى نصف نهارها لتختار مناديل المائدة المناسبة للحفل. كان تحضر كل وجبة بشكل رائع، ولكنها تظل قلقة إن كانت أخفقت. حتى أن الجراثيم قررت فى النهاية عدم دخول المنزل تماما، لأنها عرفت أنها لن تجد مكانا فيه. جالسا أمام الكمبيوتر، تساءلت؛ إن محوت الهدف الأعظم – بالنسبة لامرأة يكون رواية، وبالنسبة لأخرى يكون منزلا نظمته جيدا وحافظت عليه بحيث منعت التلوث والحزن من الوجود فيه – فأنت تقوم فى الحالتين بنفس الجهد. هذا هو الأمر. الرغبة فى إدراك المثل الأعلى، فى لمس المتعالى، فى خلق شىء أعظم مما يمكن ليد وعقل الإنسان أن تخلقانه، بغض النظر عن مدى موهبة تلك الأيادى والعقول. بدا بشكل أساسى أن أمى ووولف مرتبطتان بمهمتين متشابهتين؛ الإثنتان تسعيان نحو مثل مستحيلة، والاثنتان لم تشعرا بالرضا، سواء بكتاب أو بكعكة، فى الحالتين لم يرضيا رغبتهما فى الكمال، هذا المعلق بعيدا عن المتناول. هذا التشابه يبدو حقيقيا من خلال مضمون أعمال وولف، التى أصرت على أنه لا توجد حياة يمكن أن تهجر، وأن حيوات النساء تكون عرضة للرغبة فى الهجران أكثر من حيوات الرجال. وهكذا أعدت تسمية أمى بلورا براون (وفقال لمقال لوولف معنون بـ "السيد بينيت والسيدة براون")، أصبح الكتاب ذا حبكة ثلاثية، وانطلقت من هنا. ورغم أن الكاتب العظيم هو أولا وأخيرا كاتب عظيم، بغض النظر عن حياته أو حياتها أو أموره الذاتية، إلا أن وولف ربما تكون أعظم مؤرخة لحيوات النساء. نساءها لسن سيدات شهيرات لديهن سمعة. ومهاراتهن أقرب للمهارات النسائية التقليدية. السيدة دالواى مثل السيدة رمزى فى (نحو المنارة) هى مضيفة مثالية. الاثنتان لديهما موهبة كبيرة فى تنظيم حفل غداء، ويستطيعان مساعدة أى شخص ليشعر بالارتياح، ويتأكدان من كون الطعام وتنظيم الأطباق فى حالة مثالية. لعشرات السنوات بعد هذه الفترة، تحن نزدرى بشكل كبير هذه القدرات. والأفضال، كما يمكن أن يقال، التى للنساء اللواتى يعانون المشكلات العالمية، لا تزال حتى فى 2011 تنسب عموما للرجال. جزء من عبقرية وولف يكمن فى رفضها النزول متعاطفة مع شخصياتها، ورفضها لتعظيمهن. ولكن الرجال فى رواياتها هم الذين يبدون سخيفين بعض الشىء؛ ريتشارد دالواى وعمله الصغير بالقضاء، السيد رمزى وحاجته المستمرة لإعادة التأكيد على عبقريته وقوته وقدراته. فبينما يعمل الرجال ويعبرون عن قلقهم ويندبون حظوظهم فى العالم، تبث النساء الحياة فى الرجال وفى عائلاتهن وفى بيوتهن. النساء هن التيارات الكهربية التى تسرى فى الغرف. النساء ليسوا فقط مصادر الراحة بل أيضا الحياة والاكتمال. النساء يعرفن أنه فى النهاية، نحن نظل فى حاجة إلى الطعام والحب، حتى بعد أن يأخذ وظائفنا الشباب، وتنتقل أعمالنا الأرضية إلى رفوفهم. وولف كانت، وهذا لا يفاجئنا، غير واثقة مما تكتب، حتى لو كانت تكتبه بشكل رائع. هى كانت تعتقد أن أختها فانيسا التى كان لديها أطفال وعشاق وشعور عام بالحرية المهملة مع إخلاصها لنفسها ولرسومها هى الفنانة الحقيقية. وولف كانت تعرف أن أختها ربما لا تكون بالضرورة أعظم المثقفات، ولكننها ظلت تشعر بأن فانيسا ذات روح متوهجة فى حين أنها هى الخالة الثقيلة والنحيلة والعقيمة (زواجها بليونارد كان ودودا ولكنه لم يكن مفعما بالعاطفة) التى تقضى حياتها فى كتابة الكتب. هذه المهمة مثيرة للإعجاب ولكنها جافة جدا إن قورنت برعاية أسرة. كانت تشعر بهذا حتى وهى تكتب (غرفة تخص المرء وحده)، الوصايا النسوية القديمة. التى يبدو أنه ليس من السهل عدم تنفيذها بشكل أكبر مما نتصور. ربما يمكن أن تقول أنه من معايير العظمة هو قدرة الفنان على التعالى على نفسه وعلى شخصيته، على قلقه وعلى خطاياه. وولف كانت تطلب المساواة للنساء، وفى نفس الوقت، كانت قلقة لأن عقمها كان يعنى أن حياتها كانت عبارة عن فشل. (الساعات)، والذى كان العنوان المبدئى لرواية وولف (السيدة دالواى) فاجئت كاتبها وناشرها ومحررها، لأنها فرت مما كان يبدو المصير الواضح، وهى أن تُقرأ (غالبا بعدم رضا) من عدد قليل من معجبى وولف وبعدها تسير بما جمعته من كرامة نحو أرفف الكتب المهجورة. ولكنها باعت بشكل جيد (وفقا لقواعد الأعلى مبيعا) وبعدها وهى مفاجأة كبرى للجميع، تحولت إلى فيلم من المعروف أنه ناجح. حيث لعبت فيه نيكول كيدمان دور فيرجينيا وميريل ستريب كلاريسا، وجوليان مور دور لورا. عدد من الناس سألنى عما أعتقد أنه سيكون رأى وولف فى الكتاب والفيلم. أنا متأكد أنها كانت ستكره الكتاب، فقد كانت ناقدة حادة. وربما سيكون لديها تحفظات على الفيلم، وإن كنت أعتقد أنه كان سيسرها أن ترى نجمة سينمائية من هوليود تقوم بدورها. أمى، الشخص الحى الوحيد الذى ظهر فى الكتاب، لم يعجبها الكتاب، وإن كانت ادعت بشجاعة أنها تحبه. أنا، المخلوق الأنانى، اعتقدت أنها ستكون سعيدة لفكرة أننى اعتبرت حياتها مهمة بما يكفى لتوضع فى رواية. ولكن لم يكن يخطر ببالى أنها ستشعر بالاستباحة والخيانة، وأن حياتها لم تفسر بشكل صحيح. أيتها الأمهات، لا تنشئن أولادكن ليصبحوا روائيين. بعد عدة سنوات من نشر الرواية، وأثناء تصوير الفيلم، أكتشف أن امى مصابة بالسرطان. لم يكن هذا معروفا لمدة طويلة، وحينما عرفناه كان قد مر وقت طويل. عاشت لمدة أقل من عام بعد التشخيص. كنت فى لوس أنجلس معها، ومع أبى وأختى أثناء أيامها الأخيرة. اتصلت بسكوت رودين، منتج الفيلم، وقلت له: أنا لا أعتقد أن أمى ستكون قادرة على مشاهدة الفيلم، هل يمكن أن ترتب لها رؤية أى شىء جاهز منه؟ رودين كان لديه عشرون دقيقة من المشاهد يمكن أن تعرض على شريط فيديو، أحضره مندوب إلى منزل أسرتى، وضعته فى التلفزيون فى حين انتظر المندوب بهدوء فى غرفة أخرى. وجدت نفسى جالسا مع أمى المريضة والمحتضرة على أريكة كانت لدينا منذ كنت فى الخامسة عشر، نشاهد جوليان مور وهى تقوم بدورها، وكأن عملية تناسخها قد تمت وهى لا تزال حية. هذه حادثة صغيرة جدا بالنسبة لطبيعة الأشياء. إنها من مظاهر الرحمة الصغيرة. إلا أنه بعد عشر سنوات، ما زلت مذهولا من طبيعة الأحداث؛ فمن جهة لدينا وولف التى تبدأ روايتها الجديدة، قلقة من كونها لن تكون أكثر من كونها رغبة عن كتابة تجربة فاشلة أخرى لإنسان آخر، مكتوبة بواسطة امرأة غريبة الأطوار أكثر من كونها عبقرية، كاتبة متطلبة تهتم بحيوات نساء عاديات فى عالم محاصر بالمعارك والآلام، ومهدد بأن يفنى كله. ومن جهة أخرى، وبعد 70 عاما، لدينا أمى، المرأة التى ربما ومن الممكن أن تكون قد كتبت عنها، ترى ممثلة متألقة تقوم بدورها، وتعرف (على الأقل أتمنى أن تعرف) أن حياتها تعنى أكثر مما سمحت لنفسها أن تتخيل.

أضيفت في 12 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 116