بعد كتابي "تقاطع نيران" و"بوابات أرض العدم" اللذين صدرا في السنوات الأولى من الانتفاضة السورية، تطلّ علينا، سمر يزبك، في رواية "المشّاءة" (دار الآداب، 2017، 206 صفحات) التي تنقلنا إلى فضاءات سوريالية تتقاطع مع فضاءات الانتفاضة السورية. الأنا الساردة الرواية كلها عبارة عن سرد مكتوب بضمير المتكلم، يُنقل بصيغة حديث موجّه لشخص يبقى خافياً علينا حتى النهاية. تقول بطلة الرواية - وهي فتاة خرساء في التاسعة من عمرها، ويعتبرها الناس مجنونة، وتقيّد دائماً بحبل في معصمها - إنني "وُلدت وأنا لا أستطيع التوقف عن المشي. أقف وأنطلق بالمشي. أمشي وأمشي. أرى الطريق بلا نهاية. تقودني قدماي وأمشي. أنا ألحق بهما فقط". فلا علاقة لها إذن بالمدرسة المشائية الأرسطية ولا بالمشائين في الفلسفة. أبو الفتاة هجر زوجته وابنه سعد وبنته (التي لا نعرف اسمها) وهما صغيران، لأسباب تبقى مجهولة. وتروي الفتاة أن أمها كانت تصطحبها معها إلى المدرسة التي تعمل فيها كعاملة تنظيف. وكانت تقيّدها في مكتبة المدرسة كي لا تمشي حيث تسوقها قدماها. فحنّت عليها الست سعاد أمينة مكتبة المدرسة وعلمتها القراءة والرسم. وذات مرة دعت الست سعاد أمَ الفتاة وابنتَها لزيارتها في "ساحة النجمة" في دمشق. وكان على الأم، التي تسكن غرفة واحدة في مخيم جرمانا أن تأخذ باصين للوصول إلى قلب المدينة، وكان عليها أن تتوقف عند حاجز للمخابرات وجيش الدفاع الوطني. وعند تدقيق الهويات ينقضّ الأمن على شاب ويقول له: "انزل يا حيوان. من جوبر يا ابن الكلب". رُكل الشاب بشراسة، وأنزل باقي الركاب بعنف من الميكروباص. وأثناء فوضى التنزيل، انقطع قيد الفتاة، فوجدت نفسها حرّة. فراحت تمشي: "كنت أمشي، فعلاً كنت أمشي! ولا ألتفت! أسمع صراخاً وأمشي. أنا أمشي. أنا أمشي". فأمرها العناصر بأن تتوقف، ولكنها تابعت سيرها، فركضت أمها وراءها لتوقفها، ولكن أحد العناصر أطلق عليهما النار، فماتت الأم وجرحت البنت في كتِفها: "لم أفهم لماذا انهال ثقل أمّي فوق جسدي، ولماذا رمت نفسها عليّ، ووقعتُ أرضاً على الإسفلت الحار، ولم أحرك جسدي. وشعرت بأنفاس أمي وهي تضمّني [...] ورأيت أبواط العساكر المغبّرة، والمحيطة بي". وفي فرع فلسطين حيث تم توقيفها أتى عنصر وأخبر الممرضة أن الأم قُتلت خطأ، وأنهم ينتظرون "أخي لاستلامي". وسمعت الممرضة تقول لإحدى الفتيات اللواتي جُرح أخوها: "هذا جزاء الخونة ومن يهاجم ويتظاهر ضد سيادة الرئيس". وفي الفرع تتعرف على بعض المعتقلات اللواتي تمّ التنكيل بهنّ. وأفرج عنها بسبب بكمها، فاستلمها أخوها سعد وهربا على ظهر "طرطيرة" إلى الغوطة الشرقية، وتحديداً إلى "زملكا". "أخي ورث مهمّة أمي في عملية الفك والربط. لكنه لم يقيدني إلى يده. صار يحمل على ظهره سلاحاً ثقيلاً". وأودعت الفتاة في كنف عائلة طيّبة، وراحت تعلّم أطفال الحي أن يلوّنوا ويرسموا. وكانت ترسم لهم صوراً مستوحاة من روايتي "الأمير الصغير" و"آليس في بلاد العجائب"، وهما الروايتان اللتان تشكلان خلفية لافتة لرواية "المشاءة". وكطفلة، تقدم لنا الرواية، مشاهداتها عن الأجواء العسكرية والاجتماعية التي كانت سائدة في الغوطة الشرقية: قصف الطيران، المسلحون المعارضون، عائلاتهم وأطفالهم الذين كانت الراوية البكماء ذات التسع سنوات تعلمهم الرسم وترتل لهم القرآن [المحيّر في الرواية كيف تستطيع البكماء ترتيل القرآن وهي بكماء؟ ولكن للخيال دوراً لا يمكن إنكاره]. ورغم تقييدها كانت تمشي: "كنت أمشي في الحلم ولا أتوقف. أمشي ولا... أتوقف، وأسمع صوت أمي. وجهها لا يبدو أمامي، أرى شعرها فقط". وبسبب القصف الشديد وإلقاء السلاح الكيماوي على الغوطة، اضطر سعد إلى مغادرة المكان ليقاتل في مكان آخر، ولكنه أودع أخته لرفيقه في السلاح: حسن. وشاء القدر أن تبقى على قيد الحياة بعد سقوط الكيماوي على المنطقة. وتصف لنا الراوية الفظائع التي شاهدتها في مشفى عربين، وحالة المصابين بالكيماوي: "أمسك حسن برأسي ووضعه في حضنه وهمس: لا تموتي". وقال لي حسن لاحقاً: "إن الطائرات بعد أن ألقت الغاز، عاودت القصف من جديد، وأصابت سيارات الإسعاف التي جاءت لإنقاذ المصابين، والناس الذين هربوا من القذائف السامة، وصعدوا إلى الطبقات العليا، لأن الغاز يستقر في الطبقات السفلى، قد ماتوا في القصف". كانت الجثث تتكوّم حولها، وظن المسعفون أنها ميتة. وسمعت أحدهم يصرخ بطفله المدنف: "بابا لا تنام". أما حسن فصفعها قائلاً: "فيقي... لا تنامي". وتقول الراوية: "كان هذا تمريني الرابع على الموت. اكتشفت في الأيام الماضية أن الحياة هي تمارين على شعور الدخول في الموت. كل ما يحصل هو تمرين، مثل التمرين على الرسم والخطوط والألوان". وفكّرْت في رسم صورة الموت، ورأت أنه ورقة بيضاء تتحول إلى الأسود ثم تعود بيضاء خلال ثوان. "حتى فتحتُ عينيّ على سقف الغرفة التي بدت لوهلة تمطر بقشور الدهان، وهطل المطر من جديد، كانت هي اللحظة التي عدت فيها إلى الحياة". وينقلها حسن أو الشاطر حسن كما تقول، إلى أحد الأقبية "الآمنة" ويوثق ربطها كي لا يعاودها وسواس المشي، وترك لها كيساً من التفاح ووعدها بأنه سيعود قريباً. وأثناء غيابه كانت تهجس بالرسم والألوان واستذكرت - وهذا طبعاً من سمر يزبك - فصلاً من كتاب الثعالبي عنوانه "في ضروب الألوان والآثار" شرح فيه معاني الألوان: الأبيض "هجان، خالص، ناصع، يقق، بهق، واضح..."؛ الأسود "أدلم، ظل، أربد، آوى، أحوى...". وتقضم ما تبقّى من التفاحة الأخيرة التي تركها لها حسن. وتسبح في عالم الحروف والألوان؛ فتتصور الأبجدية كالتالي "الألف تنتهي بطير له جناح واحد. الباء تنتهي بجناحين. التاء تنتهي بعود ثقاب. الثاء فوق نقاطها الثلاث تضع مظلة. السين تنتهي بسرير بقوائم عالية. الجيم والحاء والخاء، تنتهي بأصابع كف..."، الخ. وخلقت أبجديتها السوريالية، كما خلقت ألوانها. ولكن "هل توجد جمل تستطيع وصف اللون الذي كانت تتركه القذائف الكيماوية؟ هل كان أزرق؟ رمادياً مائلاً إلى الزرقة؟ هل كان شفافاً وأزرق؟ أنا وصفت اللون بالبنفسجي. ولكن، هل هو تماماً هكذا؟". وتنتهي الرواية بتعداد الحكايات المتناسلة التي قَصّتها الراوية: "حكاياتي لم تنتهِ، وحكاية حسن لا تزال في البداية. حكاية أمي التي اختفت. حكاية الفتاة الصلعاء التي اختفت. حكاية أخي الذي اختفى. حكاية أم سعيد التي اختفت. حكاية حسن الذي اختفى... وأنا حكاية سأختفي [...]. لم أعد أركز في الحروف. وعليّ أن أصرخ". حكايات دائرية متداخلة ثمة لازمة لافتة في رواية "المشّاءة" ترجئ القصّ إلى زمن لاحق: "هذه قصة أخرى سوف أرويها لك لاحقاً"، "هذا غير وارد الآن"، "هذا ما سأحكيه لك لاحقاً"، "أفضل الاستمرار في حكايتي كما هي"... وهذا يخلق نصاً مليئاً بالتداعيات التي ينبغي على القارئ ربط تفاصيلها. وعندما تؤجل الكاتبة قصة من السرد، تستدركها لاحقاً، ولو بصورة ضمنية. إنها تقفز فوق حدث ما، وتنبّه القارئ إلى ذلك كي تحرّض عنده عنصر التّشويق. وهذا أشبه بالدمى الخشبية الروسية المتداخلة التي توقّف عندها طويلاً فلاديمير بروب في تحليله بنية الحكاية، ونجد نواتها في حكايات ألف ليلة وليلة. أجواء سوريالية "استيقظتُ في أحد الأيام ورأيت أنني ضوء معلق في السقف"؛ "أرى عيني أخي تكبران وتكبران وتتحولان إلى بالونين". ومن خلال الكواكب السرية المقتبسة فكرتها من رواية «الأمير الصغير» لأنطوان دي سانت اكزوبيري، تسبح الراوية في عالم فانتازي. فعندما كانت أمها تبقيها عند الست سعاد في مكتبة المدرسة كانت مخيلتها "تزدحم بحيتان بيض طائرة، وبنجوم ذات لون برتقالي تتحرك بين الصفوف، وشخصيات تختفي من وقت لآخر"، وكانت تظهر لها كائنات غريبة وتسمع أصواتها في رأسها: "حيتان بأقدام نعامة، وقرد برأس زرافة، وأرنب بريش نعام، أما الجمل فنبت له جناحان صغيران، مثل جناحي وطواط عند رقبته". وفي المكتبة، "كانت الدروب تحملني، لم أكن أمشي، كنت أبقى واقفة في مكاني، تمسكني بعض النباتات المتدلية من أغصان الأشجار، وتطوف بي العالم كله". وتصرّح قائلة: "صرنا أصدقاء، أنا والأمير الصغير. تعلمت منه، كيف أبني كواكبي، كما فعل هو، وكان عليّ بناء الكواكب". وتتصور أيضاً أنها استيقظت ذات يوم ورأت أنها "ضوء معلق في السقف، وكنت أتأرجح داخل ورق مقوى لونه أبيض، بياضه ناصع"، هذا ما رأته بعد أن أصيبت بالسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية. وتعود إلى حكاية "آليس في بلاد العجائب"، وتريد أن تضيف إليها بعض المخلوقات: "لو كنت أعيش في ذلك الزمن الذي كُتبت فيه الحكاية، لاقترحت على كاتبها أن يضيف مجموعة أسماك تطير في دروب الغابة التي تجتازها آليس. أسماك تظهر فجأة وتختفي، تدور حول رأس آليس مثل الجنيات، وتطلق فقاعات في سماء الغابة، وهذه الفقاعات يجب أن تكون ملونة، وكل سمكة لها فقاعاتها الخاصة بلونها، وهذه هي أنوار، أنوار الغابة التي كانت تنقص الحكاية...". كذلك تود لو أن أنطوان دي سانت إكزوبيري "أضاف مجموعة أخرى من الكواكب، مختلفة الحجوم، كواكب هي ساعات عملاقة تحيط بكواكب الأمير الصغير". * * * هذا الجو الاستيهامي الذي خلقته، سمر يزبك، في رواية "المشّاءة" هو الجو الذي عاشته وتعيشه سورية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ هو جو عبثي مثقل بالأحداث اللامعقولة وغير المتوقعة، التي لا تستشف حقيقتها إلا مخيّلة جبّارة كمخيلة الراوية "المشّاءة" المكبلة التي مشى بها الخيال بعيداً بعيداً. ألا تمثّل هذه الراويةُ المقيدةُ سورية في واقعها وتوقها الى الانطلاق من جديد؟

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 05:34 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
تتأسس رواية فوزي ذبيان «أورويل في الضاحية الجنوبية» (دار الآداب 2017) على بناء لغوي مختلط، يعتمد على مشاهد تجمع بين سرد السارد وحوار شخصيات يتحدثون لغة مطابقة لمكانتهم وحقلهم الاجتماعيين (الضاحية الجنوبية). وقد نتج عن ذلك استحواذ اللغة الدارجة اللبنانية السائدة في بيروت- الضاحية الجنوبية على اللغة الشعرية الفنية، ما أكسب الرواية بعدا واقعيا أكثر مما هو فني جمالي تخييلي، وهذه ليست علة أو عيبا أو عجزا على مستوى الكتابة الروائية، خصوصا أن ظهور الرواية في العصور الوسطى، كما جاء على لسان برنار فاليت ارتبط بداية بالإشارة إلى قصص شعرية ثم نثرية، مكتوبة بلغة عامية لا باللغة المخصصة للنصوص المقدسة، اللاتينية. ويكفي أن مفكرا من حجم عبد الله العروي، الذي يعد من أكبر المدافعين عن اللغة العربية الفصحى، خصص حيزا مهما من منجزه الروائي للغة الدارجة المغربية ونخص بالذكر روايات: «اليتيم»، «الغربة»، «الفريق». إن استعمال السارد لغة تخلط بين العربية الفصحى والعامية اللبنانية واللغة الإنكليزية في بعض الأحيان، ينم عن وعيه بأن اللغة العامية هي اللغة المشتركة التي تناسب نوعا من البشر يعتبر في أعين البعض متدنيا، وذلك راجع لتواجدهم في منطقة مهمشة من بيروت تدعى الضاحية الجنوبية، حيث الفئات المهمشة المقهورة التي يغتني على ظهرها أصحاب المشاريع الكبرى، مثل القائمين على بيع الماء الصالح للشرب و»الأراكيل» وغيرها، «لا توجد في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت رياحين ولا أسوار عليها زهور ترفرف فوقها الطيور والفراشات.. ومع هذا، كانت المدينة تتكلم عن هذه الأشياء. إنها الثانية بعد منتصف الليل وكآبة موحشة تلفّ الأرجاء». تعكس حياة حمودي بطل الرواية هذا الواقع الماحق، وهو شاب في مقتبل العمر يعيل أمه العجوز المقعدة لوحده، بعد أن توفي أبوه الذي لا يتذكر عنه الكثير، محروقا وحمودي في الرابعة من عمره، وتوفيت أخته الوحيدة التي كان يكن لها محبة خاصة بعد معاناة مريرة مع مرض السرطان، لكنه سرعان ما سيفقد عمله كمستخدَم يبيع الماء الصالح للشرب، مصدر رزقه الوحيد، تحت ضغط جماعة محلية، ليجد نفسه مجبرا على الالتحاق بعمل جديد يقدم فيه خدمة جديدة تتمثل في بيع «الأراكيل» ضمن مقهى يملكه شخص اسمه الحاج رضا، الذي كان يقوم بأعمال أخرى مشبوهة. عمل جديد سيمكن حمودي من الانفتاح على عالم جديد ونسج علاقات جديدة ومراكمة تجارب جديدة. يمكننا أن نصف رواية ذبيان بالمرآة التي تعكس صورة واقع الضاحية الجنوبية في بيروت، متخذا من السرد سلاحا لمقاومة التخلف والتعصب والتسلط والتطرف، الممارس باسم الدين والسياسة والقدامة، ومن ثمة يمكننا إدراج «أورويل في الضاحية الجنوبية» ضمن دائرة الرواية العربية المقاومة لكل أشكال الاستبداد سواء الذي يمارس باسم: *الدين: «الله يرحمها يا حجة ويجعل مثواها الجنة» قال أحد أعضاء الوفد، ليكمل الآخر: «يكفي إنّو ماتت يوم القدس»…»ما هي بدها تموت، بدها تموت قال آخر، بس الهيئة سبحانه وتعالى راض عليها لتموت اليوم مثل أي شهيد مظلوم… الله يرحمها». * السياسة: «تصور يا حمود شو عمل مصاري من هالشغلة. بس بالآخر زحّط الحمار»، قال شادي الذي أكمل أن الشحرور وفي إحدى الليالي، تردد في ركوب X5 ، لأن من كان يقوده كان شابا في مقتبل العمر لكن، وبسبب 500 دولار التي لوح بها صاحب X5 للشحرور صعد هذا الآخير إلى الجيب الذي طار إلى مارينا الضيقة، حيث وقع ما لم يكن في الحسبان. فقد جاء في التحقيق الذي عمله الدرك أن ابن أحد الوزراء تعرض للخطف من تحت جسر الدورة وبلا.. بلا.. بلا إلى آخره من التفنيصات، قال شادي الذي أنهى حديثه عن الشحرور، مستنتجا أن الفوفو الذي والده وزير زحط من القصة مثل الشعرة من العجين وركب الفيلم على الشحرور…». * المجتمع: «كان ما زال بين اليقظة والنوم عاملا على جمع شتات ذهنه لما انخلع الباب فجأة، وثمة أربعة أو خمسة أشخاص اقتحموا البيت، لم يبادر أي من هؤلاء، إلى سؤاله أي سؤال، كانوا كأن بهم مونة الدخول على بيته والعبث فيه كما يشاؤون. توجه أحدهم إلى المطبخ، بينما هؤلاء الآخرون جعلوا يجوبون بنظراتهم النارية أرجاء الغرفة مبعدين هذه الوسادة من هنا، مشقلبين تلك الطاولة إلى هناك..». تدعم رواية ذبيان الطرح الذي يدافع عنه الناقد جابر عصفور، الذي أكد في مناسبات عدة آخرها مصنفه الموسوم بـ»المقاومة بالكتابة»، أننا أصبحنا نعيش زمن رواية القمع، «قمع نجده حولنا أينما توجهنا بأبصارنا في أي ركن من أركان العالم العربي الذي يموج بالقسوة والعنف والإرهاب على كل مستويات القمع… فإذا كانت الكتابة الإبداعية عن القمع والمقاومة له بالقص هي فعل من أفعال المقاومة التي تنتزع بحيل القص الحرية من براثن الضرورة، فإن الكتابة النقدية في مجال القمع السياسي أو غيره، هي فعل مقاومة بالقدر نفسه، وفي الاتجاه نفسه، سعيا وراء تغيير علاقات الواقع الذي نعيشه لتحيل إلى واقع أفضل وأنبل وأكمل، فتلك هي وظيفة المبدع والناقد على السواء، يستوي في ذلك أن يكون القمع دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا». ويبدو جليا أن ذبيان اعتمد بناء روائيا مفتوحا بتعبير إمبيرتو إيكو، فاقتصاده في الوصف وفي رسم ملامح الشخصيات، بل حتى في رسم نهاية لعمله الروائي، إنما يدل من جهة على أن الرواية لم تكتمل بعد، أي أن هناك عملا مكملا مقبلا في المستقبل القريب، كما يدل من جهة أخرى على رفض الروائي تشييد بناء روايته على أشكال محددة، لتركيبة قاسرة تفسح مجالات ضيقة لحرية التفسير، بل جعل نصه على العكس من ذلك، عملا متعدد الدلالات، يتأسس على قول قابل لنقل دلالات مختلفة، بيد أن العمل الروائي كما يقول برنار فاليت: «هو رسالة منجزة بشكل صوري إلا أنها جزئية، ليس للرواية أي بنية محددة مسبقا، وهي قد تخلصت من أي منظورية، إلا أنها، كي تكون مفهومة، عليها أن تحترم عددا من الزخرفات أو أن تخلق عادات تؤسس معايير جديدة للمقروئية تدين بحداثتها المستقرة بين ترقب المتلقي وأصالة المرسل». في حين أن «العمل المغلق هو أحادي الدلالة ويرفض وجود تفسير أدبي. يرتكز كل عمل فقه اللغة على إنشاء فهم أحادي المعنى للنص، أما العمل المفتوح فهو متعدد القيم، ويفلت من كاتبه ويتخطى العصر وإطار المجتمع الذي تم تأليفه فيه وقد يأخذ على عاتقه دلالات جديدة غير قابلة للبت، وفي بعض الأحيان معارضة بشكل كلي للتصميم البدائي لمبدعه».

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 02:04 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
لدينا هنا وقبل كل شيء، متعة في القراءة. سلاسة بالغة في الإيقاع والمسار. كتابة بلا زوائد. نص روائي محموم، مباشر وحيّ. قسوة في الفضح وسخاء في التعاطف والدراية. ببساطة، "أورويل في الضاحية الجنوبية"(*) عمل واجب القراءة. تنتهي الرواية عند الساعة الخامسة من فجر 7 أيار 2008. وهو اليوم المشؤوم الذي يعرفه اللبنانيون جيداً، حين اندفعت جحافل الزعران والمسلحين، التي نظّمها "حزب الله" وعبأها في الضاحية الجنوبية، مقتحمة بيروت الغربية وبعض المناطق الجبلية. إذاً، ينتهي الأدب والتخييل الروائي عند لحظة انفجار الواقع، حين لا يعود ممكناً استيعاب الفوضى ولا ضبط الحقائق، وحين تذهب الوقائع إلى عبث أقصى، وتقع اللغة في العجز. هنا، يسكت فوزي ذبيان عن الكلام المباح وينتهي السرد. توقيت نهاية الرواية يتناسب مع الاقتباس الذي وضعه الروائي قبل بداية الرواية. عبارة جورج أورويل في روايته "1984": إذا أردت أن ترى صورة المستقبل، تخيّل صورة حذاء ضخم يسحق رأس رجل.. وإلى الأبد". كان هذا الاقتباس هو الإشارة الوحيدة إلى الروائي البريطاني في كل الرواية. مع ذلك، كان كافياً لأن يكون حاضراً في العنوان "أورويل في الضاحية الجنوبية"، طالما أن ذكر اسمه يحيلنا تلقائياً إلى "الأخ الأكبر" وإلى عوالم الطغيان والتسلط وشرور فكرة القائد المخلّص. بالطبع لا يغيب عن انتباهنا أن المشهد الافتتاحي للرواية، حين تقتحم مجموعة من الأوغاد التابعين للجهاز الحزبي المهيمن على ضاحية بيروت الجنوبية منزل بطل الرواية لتصادر منه زجاجات الكحول، هو أيضاً تحية لرواية "1948" وجورج أورويل. يتعمد فوزي ذبيان التأخر في تسمية بطل روايته: "لضآلة شأنه، ربما لن آتي على ذكر اسمه البتة" (ص9). ولن نعرف أن اسمه "حمّودي" حتى نهاية الصفحة 37، بعد أن انتهت محنته الأولى، عائداً من المعتقل الحزبي السري، متعهداً لهم بعدم تعاطي الكحول مجدداً. حمودي، الضئيل الشأن، شاب في مطلع العشرينات من عمره، توفيت شقيقته الشابة (الشاعرة الرومانسية) "آلاء" بمرض السرطان قبل شهر من بداية زمن الرواية. حزنه عليها لا ينتهي أبداً وهي حاضرة في وجدانه باستمرار، ودوماً يستعيد على امتداد الرواية مقاطع من كتاباتها الرومانسية الفصيحة والمترعة بالمجاز والرمزية. نصوص "آلاء" وشذراتها، التي تشكل عالماً حلمياً لحمودي، تبدو وكأنها حيلة روائية بارعة، طالما أنها من جهة تمنح البطل حياة متخيلة شاعرية شديدة السذاجة على نقيض حياته اليومية المدقعة والقاسية والخاوية في الضاحية الجنوبية، وهي من جهة أخرى تشكل ذريعة لفوزي ذبيان لـ"نقد" اللغة الأدبية الشاعرية والهزء منها وتهفيت مرجعيتها الثقافية، مقابل انحيازه في سرده وروايته للغة مسرفة بالعامية ولا تتورع عن البذاءة والسوقية، لغة الرعاع ولغة الشارع ولغة الزعران والأغاني المبتذلة و"الهابطة"..إلخ. ليست صدفة، أن الشقيقة التي "تكتب" وتبوح وتفكر ميتة، فيما الأنثى الثانية في حياة حمّودي، هي البنت المعتوهة "بتول"، ابنة الجيران (19 عاماً) "لا يهمها من الكون سوى الكعب العالي والهاتف الخليوي وأحمر الشفاه.. إذا كان المجال متوافراً" (ص 24). وبتول سقطت وهي في الثالثة من عمرها من الطابق الأول، ومع تقدمها بالعمر ظهرت عليها علامات الهبل والعرج و"النصف لسان"، فلا تلفظ حرفاً إلا ملدوغاً وغير مفهوم تقريباً. الأنثى الثالثة هي الأم المقعدة والمريضة دوماً وبالكاد تقول شيئاً في كل الرواية. هكذا، يكون حضور المرأة في الرواية متراوحاً بين الموت والخبل والعجز.. وفي كل الأحوال تكون اللغة معهن ممتنعة. فهي مع الأخت كتابة سرية خارج الحياة، ومع الأم صمت مطبق، ومع ابنة الجيران لعثمة بلهاء. هكذا لا يبقى في فضاء الواقع سوى لغة ذكورية فاحشة وعنيفة. مسار الرواية هي "رحلة" حمودي، موزّع الماء، من لحظة "اعتقاله" وخروجه راكباً "الفان" (باص نقل صغير يعتمده معظم الفقراء في بيروت وضواحيها)، ثم وصوله متأخراً عن عمله ليُطرد من هذه الوظيفة الوضيعة، إلى تحوله عاطلاً عن العمل يتسكع في سوق "صبرا" (قاع الضاحية ورمز الرثاثة الاجتماعية): "كل شيء في صبرا أرخص، بدءاً من حمالات الصدور والكلاسين وصولاً إلى التلفزيونات والستريوهات وحنفيات المياه والقساطل وكراسي الحمام والسجاد والعنب والبطيخ وأفلام السكس والكتب. كل شيء موجود في صبرا، حتى الأقدام الاصطناعية لها ركنها الخاص، والبوستيجات وأقلام الحمرا والجزادين والمعاطف والكوفيات الفلسطينية وصور ياسر عرفات وسماحة السيد وحافظ الأسد ونبيه بري والرئيس بشار وشاكيرا وهيفاء وهبي والسيدة العذراء وملكة بريطانيا ولينين وغيفارا وغاندي وراغب علامة ورونلدينو وبوستر فيلم الرقص مع الذئاب.." (ص 39). وفي صبرا، بمطعم "الانتفاضة" للفول والحمّص، سيلتقي حمودي بـ"شادي" أحد الشبان المهووسين بأفلام البورنو السادية، وعبره سيحاول إعادة التواصل مع شلة "الشحرور" الذي يقبع سجيناً بعد سلسلة من عمليات السرقة المسلحة لضحاياه من اللوطيين. لكن، وعبر شادي سيتواصل حمّودي مع أبو زهرة (الشهير بعضوه الكبير الطويل والمتبجح بمغامراته الجنسية) إذ كانت تربطه سابقاً علاقة تقوم على بيع النحاس والخرضوات، والذي سيدبر له عملاً كموزع "ديلفري" أراكيل (نارجيلة) في أحياء الضاحية عند دكانة الحاج رضا، حيث يعمل فتيان مثله بقيادة جعفر المعروف باسم "بنزاكسول". دكان يبيع الأراكيل (والمخدرات) ويوصلها إلى البيوت والمحال. هنا سيستقر حمّودي عملاً وانتماء وصحبة ومزاجاً. هذه الرحلة، هي ذريعة الروائي في الكشف عن عوالم شبان الضاحية ووصف سينوغرافية شوارعها والتقاط النبض الصاخب للأحياء العشوائية ومفارقاتها الاجتماعية والسياسية: اللصوصية، البورنوغرافية، التشبيح، الفقر المقترن بمظاهر العنف، التزمت الشكلي والتفلت السلوكي، انتشار المخدرات الرخيصة، البذاءة والرثاثة والفوضى، انعدام الذوق والفظاظة، اقتصاد التهريب والنهب و"الزعبرة" والتحايل على القوانين. وكل هذا بالتجاور مع صور الشهداء والرموز الدينية والشعارات الحزبية وصور حسن نصرالله الكبيرة التي تظلل البنايات.. يكتبها ذبيان بسرد لاهث وبسلسلة من المشاهدات التلقائية والعفوية، كشريط من تصوير وثائقي وقح ومباشر. وبعين واسعة تلتقط، بحنكة سينمائية وخبث أدبي، تناقض "الخطاب" السياسي والأيديولوجي المهين مع مجريات الحياة اليومية للمؤمنين بهذا الخطاب والمعتصبين به هوية لهم، والمتوسلين به قوة وغلبة بوجه الجماعات الأخرى. هذا التناقض سيكون واضحاً دوماً عند حمّودي، حين يكون وحيداً يتذكر رومانسيات شقيقته ورهافتها، وحين يكون منغمساً مع شلته في لغو السفاهة والعنف اللفظي والأعمال المشبوهة. أيضاً، سيعتمد ذبيان على حيلة روائية أخرى، لفك شيفرة هذه التناقضات وإبرازها، عبر منح كل شخصية في الرواية "رنّة هاتف" خاصة به. فلحمودي رنة هاتف هي مقطع من أغنية لفيروز: "طيري يا طيارة طيري يا ورء وخيطان..". أبو زهرة رنته هي عبارة لحسن نصرالله: "أعدكم بالنصر دائماً.. أعدكم بالنصر دائماً". أما قائد الشلة بنزاكسول فرنّته أيضاً مستلّة من إحدى خطب نصرالله النارية: "سوف نقطع أيدي وأرجل وعنق كل من يحاول المس بسلاح المقاومة..". هذا وقد تقبّل الشبان رنة حمّودي: "يللا، عكل حال فيروز بتضلّا أهون من هيدا صاحبو لحسين.. شو إسمو.. هاني شاكر". الجميع بسبب ذلك لا ينادوه حسين الهقّ، بل "هاني الفوفو" أو "فوفو شاكر". سيخصص فوزي ذبيان نصف روايته لما سيدور في عالم دكان الحاج رضا. وفي الأثناء ستموت "بتول" المخبولة برصاصة طائشة من إطلاق نار في الهواء ابتهاجاً بخطبة حسن نصرالله التلفزيونية، وسيُقتل إبن عم "فوفو شاكر" أثناء دورة تدريبية لـ"حزب الله"، وستتحول أرض البور المقابلة للدكان الفائحة دوماً برائحة البول إلى أرض ممتلئة بالإطارات المطاطية المستعملة التي يأتي بها الحاج رضا برفقة أشخاص يركبون السيارات المموهة الرباعية الدفع والخالية من لوحة الأرقام، تحضيراً ليوم مهم وخطير. فصول دكان الأراكيل تسرد التحول السريع لحمّودي واندماجه في الشلة المتصلة بالشبكة الحزبية نفسها التي اعتقلته مطلع الرواية. اندماج مصحوب بتعاطي المخدرات على أنواعها وبتجارة الكحول المغشوش وبتدخين أسطوري للأراكيل وبمشاركة حماسية ومحمومة بمهرجانات "حزب الله". هكذا، في الفصل الأخير، ستتغير رنّة هاتف حمّودي من "طيري يا طيارة طيري.. يا ورء وخيطان" إلى "لبّيك يا نصرالله.. لبّيك نصرالله". ليستيقظ على هذه الرنّة فجر 7 أيار 2008، بعد سهرة ويسكي وحشيش وأراكيل وعقارات هلوسة (غبرة الخشخاش مع ترامال ممعوس على شويّة ليغزوتانيل على بروزاك، يقوم بنقعهم مع معجونة سرية في تنر مخفف بالماء..) وبكاء عاطفي مرير انخرط فيه هو وحسن النووي وبنزاكسول والشحرور والصندل وفوفو.. يستيقظ حمّودي ليلبي نداء نصرالله يوم 7 أيار. نداء "المقاومة في يومها المجيد". والبقية تعرفونها خارج هذه الرواية.

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 02:03 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
يـلفت في رواية «أورويل في الضاحية الجنوبية» للكاتب اللبناني فوزي ذبيان (دار الآداب،2017)، لـغـتُـها المتعددة المستويات واستـيـحاؤها فئاتٍ بشرية مـهمشة في بيـروت، تعيش متوارية وراء العمارات العملاقة ومظاهر العيش المُـتـرفة الزاعقة. وشـكل بـناء الرواية يـصـلـُنا من خلال أربـعٍ وأربـعين فـقرة أقـرب ما تكون إلى شكل سـيناريو سينمائي، يـعتمـد على مشاهـد تـصاحبُ الفـعلَ والوصف وتسـتـعمل الحوار بلـغة الكلام المُـتداولة في الضاحية الجنوبية، بما هي عليه من هجنـةٍ تخلط الدارجة بالكلمات الإنكليزية، وتجـعل السـرد أفـقـيـاً يـتـمدّد لـيلتقط تفاصيل الحياة لـفـئاتٍ تعيش في الهامش، وتـتـعـيّش من خـدمةِ مَـنْ لـهم إمكانات الإنفاق على ما يُـعـدّل الـمزاج ويـؤمن بعض الحاجيات اليومية. بعبارة ثانيـة، لا تـقوم الرواية على حِـبْكة عـمودية تـنطوي على مفاجآت، وإنـما هي بـنـيـة مـفــتوحة تـتـوخى الإطلالة على شـرائح من هذه الفـئات المهمشة التي تـعمل لمصلحة مَنْ يملكون مشاريع لها علاقة بالخدمة العامة، مـثل بيـع المياه الصالحة للشـرب، أو تـأجـيـر الأراكيل وتوصيلها إلى البيوت والدكاكين، أو بيع البـيـرة الحلال... والشخوص الأساسية التي تـؤثث هذا الفضاء في أطـراف الضاحية، هي من فـئـة شـبانٍ يعملون في مثل هذه المـهـن الخدماتية التي لا تـتوافـر على أي ضمان اجتماعي أو حقوق ثابتة. ويحــتـل حـمودي موقعاً بارزاً في الـنـصّ، لأنه يعيش مع أمـه العجوز بعد أن ماتت أخته العزيزة وتـركت جـرحاً غـائـراً في نفسه، وهو يسعى إلى أن يجد عملاً يخرجه من دائرة البؤس ويحقق من خلاله ما تطمح إليه نفسـه الـشابّة ... لكن مجموعة مـتنـفــذة أرغمته على تـرك عمله في توزيع المياه الصالحة للشـرب، فـاضـطـرّ إلى الالـتـحاق بـدائرة الحاجّ رضــا صاحب مقهى تُـؤجّـر الأراكيل وتقدم خدمات أخـرى غـيـر مـنظورة. وفي فضاء عمله الجديد، يـلتقي حمودي بـزملاء في الخدمة لهم ملامح مختلفة، وممارسات تـتـوخى نسـيان الوضعية الـبائسة، والتـهميش المـطارد لـهـم. وإلى جانب الحاجّ رضا، هناك الريّس البـنـزاكسول المشـرف على المقهى وتوزيع الشغل على الشبان، وتـلـقـّي طلبات الـزبائن. ومن حين لآخـر، يـلـتئم الشبان العاملون في سهرة «عـرمـرمية» يـتصدرها «أبو زهرة» ضيف الشـرف الذي يُـفيض في سـرد أسـراره الجنسية مع إيـفا الأرتيـرية، ويشجعهم على بــلـْـع الأقراص المخدرة التي اخـترعها حـسن الـنووي... قــد تـبدو هذه المشاهـد عادية ومـألوفة بالنسبة إلى شـبانٍ يـعيشون على هامش المجتمـع، لـولا أنهم، هنا، يعيشون في الضاحية الجنوبية، وفي فـضاء تـحرسه عـيون سماحة السيد وخـُـطبه النارية، وصـور شـهداء المقاومة: «بـالإضافة إلى الصورة الضخمة لـسماحة الـسيـّد، والمـمتدة على طول أربعة طوابق في أحد الأبـنية المــتـاخمة لـمبنى حـمودي، شـدّت نـظـره أرتال صور الشهداء المعلقة على أعمـدة الكـهرباء. فهو حفِظ تـقاسيمَ هذه الوجوه الجميلة وملامحها أكـثـر من وجـهه هـو، حتى إنه لطالما شـاهد أصحاب هذه الوجوه في مـناماته» ص.50. X by Counterflix هذا العنـصر في تكوين الرواية، أي الفضاء الذي يُـحيـل على أجواء إيديولوجية معينـة في لبـنان، هـو ما يـعطي لـ «أورويل في الضاحية الـجنوبية» أبـعاداً دلالية قائمة على المفارقة والتـناقض، سـنـتـوقف عندها بـعـد حـيـن. ونـجد أن الشخصيات كثيرة في الرواية؛ إلا أن الكاتب يـرسمها بـاقتصاد وتـركيـز لـيدفع القارئ إلى استـكمالها، على نحو ما يطالعنا به عندما يتحدث عن «بـتول» جارة حمودي ذات السلوك الغرائبي: «من يَــرَ إلى بـتول وهي تتكلم على التلـفون يـصدق أن كونـداليسـا رايسْ هي على الخط الآخـر. ولا مـرة كانت بتول منـشغلة عــبـر اتصالاتها الهاتفية دون هذا المستـوى العالمي، إنما فقط مع النساء. حتى إنها، في إحدى المرات، استعارت الهاتف وظلت حوالى الساعتيْن تحادث أنجــيلا ميـركيل بـأمـرٍ مّــا». ص. 33. لـكـن «حمودي» يـستــأثـر باهتمامنا لأنـه يـظل من بـداية الرواية إلى نهايتها، حاضناً لجُـرحـه السـرّي المتـصل بفقدان أخته «آلاء» أولاً، ثم موت جارته بتول بـرصاصة طائشة. وهذا ما يـبـرر الـفـقـرات المكثفة ذات اللغة الشعرية في النص، كلما تعلق الأمـر باستحضار الأخت في ذاكرة حـمودي من خلال ما كانت تكتبه: «لـم أشـرّع أبوابي يوماً إلا أمام عـيْـنـيكَ...أعـذر كـآبـتي ومـسَّ الجنون. وإذا ضحكتَ في العشايا لا تــخبـئ بـين كـفـيْـكَ ابـتـسامة تـشبه الـبدايات الـمـباغتة، ابتسامة تشبه أسعد النهايات». ص61. عنفٌ مستـتر وَمكشوف يـبدو جـلياً، بعد إبـراز طـريقة الـسـرد السيـنمائي وعناصـر الشكل القائم على المـشـهدية والشـخوص الـمـنـتـسـبة إلى فـئات مُـهمشة داخـل فضاء إيديولوجي مُـهيـمِـن، وتناقض سلوكِ الشخصيات مع أخلاق ومبادئ سـدنةِ الـضاحية الـغـربية، أن عـنـصـر المُـفارقة والتناقض يضيء تــأويـل الدلالة في الـرواية. وإذا كان العنوان يُـخصص الضاحية الجنـوبية من بـيروت، فـإن الـدلالة لا تـسـتـقيم من دون استحضار الكـليّـــــة المجتمعية التي يـنـتـسب إليها الجزء الـمقتطـَع، الـمُـوظف في الـتمثيـل الـروائي. من هذه الـزاوية، نسجل أن سـيـطـرة الإيديولوجيات الطائفية سمـــة ٌعامة في لـبنان، ضـمن نـظام سـياسي يـدّعي الديموقراطية ويـنـتـحل مظاهرها. والمـفارقة بارزة داخـل كل طائفة، بـين النــخَـب القيادية وعامة المواطنين الـمـنضوين ضـمن الطائفة. ولعـل الـتـنـاقض هو أوضح في الضاحية الجنوبية لأن الـمرجعية الدينية الـداعـمة للخطاب الإيديولوجي تـتـطلع إلى الشـمولية الـمـتـخـطية لـلقـطر أو الـبلـد الواحد. ومن ثـم، تـبـدو لـنا شـخوص «أورويـل في الضاحية الجنوبية» كاشفة لـتـناقــــضٍ مـزدوج: الـعنـف الذي يخضع لـه أتـبـاع الـطائفة/الإيديولوجية من خلال الـخُـطب والصور والـتـأطير السياسي الأحــادي. وفي المقابل هناك عـنف مكـشوف يتـمـثل في نوعية الاستـغلال الذي يمارَس على نماذج من الفـئات الـمهمشة التي لا تـستـطيع أن تكسب عيشها في شـروط تحفظ الكرامة، فـتـتــظاهـر بالانتماء إلى مـبادئ الطائفة الـمـهيمنة، فـيمـا هي تمارس سـلوكاً مـخالفاً للتعاليم الإيديولوجية السـائدة: «ثـمة على جدران المحلّ الكـثـيـر من الصور والعبارات التي تحثّ على الصـبر والتواضع، بـالإضافة إلى بـيْتـيْن من الشـعر لـلإمام عـلـيّ، علقـهما الحاجّ رضا على الجدار المواجه لمكتبه فوق مدخل المحل بالتحديد: السيف والخنجـر ريْـحاننا/ أفٍ على النرجس والآسِ / شـرابنا من دم أعدائـنا/ وكأسنا جمجمة الـراسِ» ص 75. لـكن هؤلاء الشبان المحاصرين داخل سـياج الوعظ والإرشاد، لا يـتـرددون في انتهاك التعاليم عندما تستـبد بهم شهوة الحياة، فنـجد حمودي يـنـقاد إلى مشاهدة أفلام الجـنس التي أعطاها له صديقه شـادي، ونجد الشلة في سـهـرتها تـقبل على الشرب والمخدرات لـتـحـمّــلِ وطأة التهميش وأخطار البطالة التي تـتــهدّدهم في كل حيـن. وهو ما نجد له تعبيراً قوياً وجميلاً في نهاية الرواية، بعد سهرة شـبان المقهى ووُرودِ خـبرٍ عن تـوقف الشغل في دائرة الأراكيل لمدة ستة أشهـر: « ...ساد الصمت في الغرفة إلا من بعض الـنـهنهات التي كان كل واحد من الأولاد يحاول كـتـمـها على طريقته الخاصة ويــفشـل ... خالـطتْ ابتـساماتهم الدموعُ وقد تـواطأ كل منهم أن يسـتقبل دموع الآخـر بـدون أن يـنـبس بـحرف» ص 140. لـقد استطاعتْ «أورويل في الضاحية الجنوبــية»، إلى جانب تـمثيل حـيواتِ مـهمشين غائـصـيـــن في تـناقضات الواقع والإيديولوجيا، في شــكـل روائي تـجريبي لـه جماليـتـه، أن تـقدم في الآن نفـــسه، نـوعاً من الشهادة عن فئات واسعة من المجتمع اللبناني، مُـصادَري الصوت والحقوق، وذلك من خلال لـغة تمتح من مـعجم هـجين يـنطوي على أبعاد فكرية وشعـورية كاشــــفة لـوجود أولائك المـتـروكين على الحساب. ومـــن هذا المنظور، تـنـدرج رواية فـوزي ذبيان ضـمـــن إبـداع الروائيـيـن العرب الشـباب الذين يستـوحون الـواقع المـتـردّي المطبوع بالعنف والإرهاب والصـخب الإيديولوجي الـعـقـيـم.

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 02:02 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
يمكن وضع رواية "خان الشابندر"، للقاص والروائي العراقي محمد حيّاوي، ضمن الروايات القليلة التي تذهب لكتابة ووصف الكابوس العراقي المتواصل، من دون أن تهتمّ بشرحه؛ فالحكايات والشخصيّات الفقيرة والمهمّشة والأماكن المدمّرة، والآيلة جميعها، الحكايات والشخصيات والأماكن، إلى خرائب وركام هي التي تحتلّ الدرجة الأولى لدى حيّاوي هنا. وإذا استطردنا قليلاً، في وصف نهائيّ، يمكن القول بأنّها، قبل كلّ ذلك، رواية ممتعة! قبل "هروبه" من بطش النظام العراقي في عام 1992 أصدر حيّاوي روايتين هما ثغور الماء (1983) وطواف مُتصل (1988)، وخلالهما أصدر مجموعة قصصية بعنوان غرفة مُضاءة لفاطمة (1986). بينما نشر مجموعته القصصية الثانية، نصوص المرقاة (1996)، في العام الذي خرج فيه من الأردن، الذي ظل فيه أربع سنوات، إلى هولندا. في هولندا أصدر حياوي قصصا قصيرة للكبار وأخرى للأطفال باللغة الهولنديّة، ولكنّه انشغل هناك في مجالات فنيّة تتعلّق بالتصميم والغرافيك. ومع صدور "خان الشابندر" يكون الكاتب العراقي قد كسر تلك السلسلة الطويلة من التوقف عن الكتابة، القصصية والروائية، التي قاربت العشرين عاماً. العمل الفنّي ذاك أعاد حيّاوي إلى العراق في عام 2012 كي يكتب هذه الرواية. تدور رواية خان الشابندر في حيز ضيّق من بغداد، عدّة شوارع وأزقة، وفي مساحة زمنيّة ضيّقة، ناقلة حكايات بعض الشخصيّات التي "لجأت" إلى بيت "أم صبيح"، وهو بيت للمتعة، بعد أنواع من الشقاء المختلف الذي عانته تلك الشخصيّات في الحياة غير الممتعة خارج ذلك البيت. ومن خلال الذهاب إلى ذلك البيت، الذي من غير المعقول تخيل وجوده بين تلك الخرائب والبيوت المتهالكة والمهجورة المجاورة لخان الشابندر، ينقل حيّاوي حكايات أخرى، تبدو هامشيّة وهشّة في بداياتها، ولكنّها سرعان ما تحصل على قوّتها ومركزيّتها. وذلك يحدث بسبب الإمساك الواعي من قبل الكاتب لعصب الرواية الأساسي؛ وهو اللعب على ثنائيّة الواقع والخيال. يورد حيّاوي كل تلك الممنوعات في الحياة الواهنة في بغداد، وفي الكتابة في هذا الشرق العجيب، من دون أن يبتلي بشرح تلك التابوات، أو الركض وراءها ووراء شعاراتها؛ بل يبقى مخلصاً للحكايات وفنيّة السرد وبنيان العمل الروائي. يتحدث عن صراع المليشيات الطائفيّة في ما بينها، والخطر الكبير في النهار بسبب التفجيرات، وفي الليل بسبب قطاع الطرق، وعن الحواجز الأمنيّة وخوف الاعتقال، كجانب سياسي ودينيّ، وعن بيت المتعة من خلال المعاناة الخاصة وأفكار كلّ شخصيّة، كجانب جنسيّ ودينيّ. وهي الممنوعات الثلاثة التي يصفها حيّاوي دون أن يشرحها ويفكّكها، بل يذهب إلى شخصيّاته وحكاياتهم التي تبدو أكثر أهميّة من الخوض في الذي خاض فيه الكثيرون، مُديرين ظهورهم للقصة أو الرواية التي يكتبونها، أو منساقين بعيداً عنها. الراوي "علي موحان" يقودنا من كابوس إلى كابوس. وبرواية الحكايات تتسع القماشتان المكانيّة والزمانية؛ فيذهب بنا إلى الكثير من الأمكنة والأزمنة، الخياليّة والواقعيّة بتلك السلاسة التي تجعل القارئ مستنفراً طوال الوقت، وملاحقة الراوي وشخصيّاته وحكايتهما وألعابهما في القصّ والروي. وخلال ذلك لا ينتبه لتعدّد الرواة، وهو ما نفتقده في كثير من الأعمال الروائيّة، طالما الحكايات تبقى مشدودة ومتينة ضمن مكان وزمان غير مشدودين وغير متينين. تعدّد الرواة يجعل كلّ ذلك السرد الخياليّ بسيطاً وممتعاً، ورغم تعدّد طبقات الرواة إلا أنّ اللغة اليوميّة والبسيطة تبدو "شاعريّة" في نهاية الأمر؛ وهي، اللغة الشاعرية، مبذولة بسخاء، ولتمتين البناء والسرد الروائيين. الشيء الذي أقصده من هذا السرد ومن هذا البناء المتينين هو أنّهما يجعلان الأشياء الواقعيّة شديدة الخياليّة، ويجعلان من الأشياء الخياليّة شديدة الواقعيّة! طوال الوقت يبدو الراوي غير مصدّق لما يراه ويسمعه، وحين يروي الأحداث لـ "نيفين" تبقى محدّقة فيه غير مصدّقة؛ لدرجة أنّها تمدّ يدها إلى جبينه كي تستكشف وجود الحمى من عدم وجودها، بينما هو يصرّ على أنّها جرت معه وحقيقيّة. وفي النهاية يذهب بها إلى تلك الخرائب كي ترى بنفسها بيت أم صبيح. ويقودهما "مجر"، ذلك الرجل العابر للزمن، إلى الخراب الذي بدا أنه جاثم على المكان منذ عشرات السنين، رغم أنّه كان موجوداً قبل أيام، ليحكي لهما كيف ذبح المسلحون، من المليشيات الطائفية، كل الفتيات اللواتي حاولن الهرب من الاشتباكات حول بيوتهن فوقعن في كمين حتفهن النهائي، وبقيت الأمطار تغسل جدائل رؤوسهن المعلقة على الأسوار لثلاثة أيام. الخراب في كل مكان. التفجيرات التي تحدث بشكل اعتادت عليه الناس بشكل غريب؛ ينظفون المكان من الأشلاء والدماء ويعودون لأعمالهم وعيشهم. يعدّون عدد التفجيرات اليوميّة وكأنهم يعدّون أشياءهم الشخصية. بينما شخصيّات الرواية، الأساسية وغير الأساسية، تبدو ميّتة في حوادث سابقة مختلفة؛ وتقول ذلك بشكل عرضي أو واضح في الرواية للراوي، ولكنّها تبدو أكثر عيشاً من الناس الأحياء. لذلك تبدو الرواية غير واقعيّة في جزء كبير منها، ولكن هذا، ربّما، آخر ما يُفكّر فيه القارئ وهو مسترسل ومستنفر في نفس الوقت. يمكن القول ببساطة أنّ أرض "ألف ليلة وليلة" الخياليّة هي أرض هذه الرواية ولكن الأبطال هنا مهمّشون ومُهشّمون وميّتون ولا يغادرون المكان. أناس بسيطون تجري الحياة من حولهم مسرعة، من دون أن تلتفت لهم. ويبدو "حنان" الراوي، ومساعدته لبعض الشخصيّات مادياً ونفسيّاً وعاطفياً، مثل تذكّر الحياة لهؤلاء الناس فجأة والمرور عليهم ولو بعد موتهم. للأسف جاء حجم رواية "خان الشابندر"، الصادرة عن دار الآداب البيروتيّة، في 170 صفحة تقريباً، وهو تحسّر يشعر به القارئ كلما ذهبت الرواية إلى أعماق تلك الكوابيس. "خان الشابندر" من تلك الروايات التي لا نتركها إلا بصعوبة من بين يدينا. هي من الروايات التي نريد قراءتها، في جلسة واحدة، حتى نهايتها.

أضيفت في 28 يونيو 2017 | 01:44 م تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1