ترجمة مبدعة لرواية ليست من أفضل اعمال جلال آل أحمد

أضيفت في 14 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 38
رواية الأمير احتجاب تعود بنا إلى عصر الدولة القاجارية التي حكمت إيران ما بين (1789- 1925م) وينبري هوشنك كلشيري في هذا العمل الأدبي إلى توجيه سياط النقد اللاذع إلى طبقة الأشراف والأمراء (النبلاء) من خلال وصف حياة الفساد (الاسراف في شرب الخمر - ممارسة الجنس - القمار... ) التي كانوا يعيشونها والانحلال الأخلاقي...ولا يقف الكاتب عند هذا الحد، بل يضع الأصبع على بعض القضايا السياسية لتك الفترة عبر إشارته للقمع والتقتيل والتنكيل الذي كان يمارسه آباء وأجداد الرواي الأمير احتجاب، أي حكام الدولة القاجارية تجاه معارضيهم وعامة الشعب (الرعايا)... تميّز الكاتب الآخر يكمن في أسلوبه الذي يجري على تيار الذهن السيّال في اوروبا ويعتبر هوشنك كلشيري من الأوائل الذي أفاد من التقنيات الحديثة في كتابة الرواية.. يبدو لي أن المترجم الأستاذ المرحوم سليم عبد الأمير حمدان بذل جهداً مضنياً في ترجمة هذه الرواية، ولعلي أرجع بعض الهنات في ترجمته إلى صعوبة اللغة في الأصل الفارسي، كون هوشنك كلشيري استخدم لغة قريبة إلى العصر الذي تتحدث عنه أي العصر القاجاري، وهم ما ذكره الروائي والمترجم. من هنا حاول حمدان أيضاً أن تكون عربيته قريبة من هذه الفترة التاريخية، وأظنه لم يوفق كثيراً في هذا المسعى إذ جاءت الترجمة في بعض المواضع ركيكة...

أضيفت في 14 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 46
السرد المتقطع والمتناثر على شكل قطع معزولة بثلاث نجمات يُلزمك أن تبذل جهداً يماثل جهد تجميع لعبة البازل لتكوين مجموعة كبيرة من الصورة المحصورة ضمن إطار واسع.. تبدو اللعبة لطيفة عندما يساعدك الكاتب بالعثور على القطعة المناسبة حين يقاطع نفسه كثيراً بما يشبه الاعترافات أو ربما الإفادات. يلعب دور شاهد العيان الذي يتطوع ليروي تلك الأحداث التاريخية حتى التي سبقت ميلاده في مزجها مع راهن فج لتتشكل الصورة التي يرغب في إظهارها. يضع الناشر توصيف "رواية عربية" على نص ابراهيم الجبين المسمى "عين الشرق"، لكن الكاتب نفسه غير مكترث بالتسمية ولا يبالي إن لم يكن العنوان يشابه ما كتبه بل كان حريصا أكثر على توصيل شهادته بتفريغ تجاويف ذاكرته المليئة بالأسماء والصور والتقاطعات والأخيلة على شكل سرد قصير مركز، بأسلوب صحافي مع جرعة تشويق عالية الشحنة يسارع الكاتب إلى قول ما يعرفه قبل أن يندثر وكأنه الشاهد الأخير. كان الجبين ملهوفاً لاطلاعنا على مجموعة من الحقائق ذات الشكل التاريخي ولكنها لازمة في الوقت الحاضر لترسيخ حقائق أخرى أو لجلاء ما طمس أو ما أريد له أن يكون غامضاً. يختلط الوطني بالشخصي وتتبعثر الأسماء المشهورة والمغمورة على صفحات الرواية ويعيد الكاتب توصيفها أو اتهامها ويعيد تسميتها وإدراجها تحت عناوين جديدة مستنداً إلى ذاكرته وأحياناً "جراب" مليء بالوثائق أقرب إلى قبعة لاعب الخفة الذي يخرج منه التاريخ على شكل بوالين صغيرة تفقع في وجهك أو ترتطم بالأرض محدثة قرائن جديدة، كل ذلك يحدث داخل الحضن الكبير الذي يحفظ الكاتب تفاصيلة والمسمى دمشق أو عين الشرق كما يقتبس الكاتب من الرومان. الكاتب المريض بذاكرته التي ترفض أن تتجاهل كل ما يمر بها، يصادق رساماً عجوزاً يحمل ذاكرته في كيس، يخرج منه الأشياء فيتغير الواقع، الشاعر المرموق المرشح لجائزة نوبل كان عنصراً في الشعبة الثانية وهي جهاز القمع سيئ الصيت المعروف بالمخابرات، والجاسوس الذي سارعت السلطات إلى شنقه مجرد مبعوث، يعرض الإعلام الرسمي جزءاً من سيرته، أما الجزء المهم فموجود داخل كيس الذكريات، كان هذا المبعوث يبحث عن أحد رجال هتلر الموجود في عين الشرق، مابين إبقاء القارئ متربصاً ومنتظراً، وبين الإدلاء بالحقائق يقدم الجبين هذه المعلومات حيث الزمن هو الثابت الوحيد، فالذاكرة المثخنة بالوقائع كالكيس المتين الذي لا يسرب شيئاً. يرفض الجبين أن يقول كل شيء دفعة واحدة، يعتصر نفسه قطرة قطرة، ويحافظ على أيقونة الثلاث نجمات، وتأتيك المعلومات وكأنها تتسرب من شخص يُحتضر يحتاج إلى حقن مقوية ليكمل اعترافاته، تتكاثر الحكايا وتتقاطع، والأسماء تولد أسماءً جديدة، وتشعر أن الكاتب يبطئ سيره عند نقاط محددة يريد أن يسهب عندها، لا يخونه تدفق الذاكرة ولكنه يرغب في إعادة عرض بعض أجزائها مرة ثانية. تتقاطع سيرة مجموعة "حراس الأرض" العلوية وهي ثلة من المدعين ممن عرفهم الكاتب مع حادثة سجن الشيخ ابن تيمية، يدخل الكاتب إلى سجنه ويحاوره منتزعاً منه براءة لم يستطع الإثم الباطني أن يطمسها، يتحيز للسجين صاحب المواقف الجريئة ويحرص أن يفند آراءه كلها ولا يستثني فتاويه المثيرة للجدل والتي تدين "حراس الأرض" حتى قبل أن يولدوا. يظهر العشق الكامن لعين الشرق أو دمشق عند الكاتب وهو يلاحق سيرة الأمير عبد القادر الجزائري، ويتوقف حيث يجب أن يقف عند "طوشة النصارى"، حيث كان الأمير أميراً، هنا لا ينبش الكاتب ذاكرته بل ينبش الجدران والأرصفة والحارات القديمة التي سالت فوقها دماء النصارى، وحيث أثر دعسات أقدام الأمير، ويجد وقتاً لينحي ذاكرته جانباً ويستدعي حلاً أشبه بنظرية المؤامرة عندما يصر على أن "الطوشة" كانت مكيدة أريد بها ضرب صناعة النسيج الدمشقية الناشئة، وقد تم ذلك بنجاح بتحطيم أجهزة إنتاج البروكار والأقمشة الفاخرة، وقتل الصناعيين المهرة أو إجبارهم على الرحيل، ثم بث الذكر بالمستثمرين ليحملوا روؤس أموالهم ويغادروا البلاد، وقد تم كل ذلك بسلاسة حل لعبة سودوكو سهلة. لم يعتمد الكاتب على ذاكرته لابتكار هذا الحل كان الأمر بحاجة إلى استقراء اقتصادي ذي طبيعة صناعية، ودون الالتفات إلى بنية الشارع في أواسط القرن التاسع عشر ولا إلى إرث ابن تيمية الذي خرج بريئا بأثر رجعي من محكمة الكاتب. لا نستطيع أن نطبق على هذا النص مقولة رولان بارت بتنحية الكاتب عن نصه فور إنجازه، إذ يبدو النص كفتاوي ابن تيمية تحمل نكهة عصرها وثقافة كاتبها، ولا يمكن فصلها عنه أو فصله عنها، وهو مليء بلواعج شخصية معذبة بذاكرة ترغب أن تلفظ ما تحتويه، والمشاعر الخاصة طاغية في العلاقة مع الشخصيات والأحداث والأشياء وحتى الاستنتاجات، ولم يكن الكاتب بحاجة إلى جهد تبرئة ابن تيمية فالرجل بريء فقد كان محكوما بقوانين ظرفية أراد أن يحطم بعضها كما يفعل كل المبدعين، ولكن الجبين أراد أن يسبغ عليه شرعية معاصرة، وبدا متعلقاً بالأمير الجزائري أكثر من دمشق، عندما لاحقه وحاول التقرب من أحفاده ليتعرف على تفاصيل الأمير الدقيقة. ملأ الجبين صفحات مدونته بالأسماء وبالأحداث بطريقة صحف التابلويد، عناوين مثيرة تثير شهية التعمق، ولكن الكاتب توقف عند العنوان ليعرض الذي يليه. كان مثيراً عندما عرَّفنا على صداقة الأسد الأب بأحد مهندسي الهولوكوست، وكان صادماً عندما قرأ علينا سيرة جديدة للجاسوس إيلي كوهين، وكان فضائحياً عندما عرفنا أن في دمشق أو "عين الشرق" مسبحاً للعراة رفض الكاتب دعوة للتمرغ في مياهه كل ذلك كان موجودا في ذاكرة الكاتب "الكاش". للكاتب الحق في أن لا يسمي هذا النص رواية، رغم وجود ملامح حكائية وطغيان سيمياء الرواية، فقد لجأ إلى تقطيع السرد، على شكل منولوجات منفصلة يمكن أن تكون بعضها فقرات حرة مقطوعة العلاقة بما يحيط بها، واضطر أن يكون إخبارياً أحياناً محافظاً على صيغ التقارير مع محاولة إثارة الدهشة والإعجاب بطرافة المعلومة، ودمشق التفاصيل والجغرافيا كانت ملمحاً مهماً وحاضراً ولكن كوعاء حيادي لكل المزيج التاريخي الذي نشره أمامنا، فلم يظهر من عين الشرق إلا الاسم وولع الكاتب. كان الحضور الأكبر لإعادة ترتيب بعض المشاهد المهمة وإدانة الديكتاتور والإثم الذي اقترفه بحق المدينة. بدأ الكاتب نصه غاضباً ومتحمساً ومتعجلاً أيضا وقال معظم ما يعرف فيما هدأ في القسم الثاني وحرك شخصية الأمير عبد القادر الجزائري كثيراً، وفقد حسه الصحفي وكاد أن يقطع علاقاته مع كيسه الإخباري المثير. كانت رواية "عين الشرق" (الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 2016)، نصاً يسهل التعامل معه، ويمكن أن تجد بين شخصياته وأسراره ما تتفق معه دون أن يأخدك بعيداً أو يدلك على مصدر أكثر عمقاً، يكتفي بتلاوة عناوينه ولا يجبرك على تصديقها، ولا يلزم نفسه بتسليم وثيقة واحدة من وثائق الكيس عليك أن تثق بذاكرة ابراهيم الجبين ولو كانت "مريضة" بالهايبرثيميسيا.

أضيفت في 12 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 81
صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر العمل الروائي الجديد للكاتب والإعلامي السوري المقيم في ألمانيا، إبراهيم الجبين، بعنوان «عين الشرق ـ هايبرثيميسيا21». رسم له الغلاف الفنان السوري يوسف عبدلكي. شخوص الرواية تعبر الأزمنة المتراكمة على الأرض السورية، من أبطالها ابن تيمية سجين قلعة دمشق الأبدي. والرئيس المستبد العجوز معزولاً في غيبوبته، تركة الأميرعبدالقادر الجزائري في دمشق والعالم، كاسر وعبدالله أوجلان وسلمى المكونة من خليط من روزموند بايك ومونيكا بيلوتشي، ستناي الشركسية فتاة الليل التي تعتد بجدها المدفون في أحد جوامع دمشق. قصص حب وكراهية، شاعر تحول إلى بائع نحاس وشعراء آخرون ذبحهم «داعش»، مظفر النواب في أصعب أيامه في دمشق قبل أن يتآكله الباركنسون، شاعر مولع بالتصوير الفوتوغرافي في طريقه من القامشلي إلى المنفى البعيد، حنا يعقوب القادم من ماردين في تركيا، مؤسس المدرسة السريانية الأولى في عامودا وحفيده الذي سيعرفه الجميع بعد سنوات، شاعر دمشقي بجناحين وشقيقه البعيد في بيروت وأصقاع الأرض، يوميات السجن وظلام لياليه وعلاقات المعتقلين بعضهم ببعض. تبدأ الرواية بعلاقة جمعت الراوي مع رسام عجوز في مرسمه في التكية السليمانية في دمشق، مهووس بجمع الأشياء القديمة، كان قد عمل في الشعبة الثانية (المخابرات السورية) في الخمسينيات، وأطلق بيده رصاصة الرحمة، كما يقول، على الكثيرين من معارضي السلطات التي حكمت سوريا وبلاد الشام. صور شتى في رواية «عين الشرق»، وملل ونحل من مشارق الأرض ومغاربها تلامحت وجوهها في الازقة قديمة ومحدثة، لكن البطل هو المدينة. دمشق، فهي «عين الشرق». كثيرون سيعرفون أنفسهم في «عين الشرق». ولربما تغيرت، أحيانا، أسماء وملامح، إلا أن اللحظة الطويلة التي سبقت انفجار الجسد السوري، لم تكن بلا مقدمات ولا أبطال ساهموا في زيادة تلك التضاريس وعورة، وكانوا من بين أسباب كتابة هذه الرواية. يقول إبراهيم الجبين عن روايته الجديدة: إن دمشق التي سمّاها الرومان «عين الشرق» تختزل المشرق كلّه. وفيها تدور كل القصص السرية، من اليومي البسيط، إلى المخططات الكبرى التي عادة ما تغيّر وجه المنطقة. وفي هذه الرواية، رصدتُ يوميات عشتُها في دمشق، ما بين الخيال والواقع، وربما بهما معاً، وقد لا أميز مرات، أيّ منهما هو الواقع، الخيال أم الواقع ذاته. مبتدئاً من مدن سورية عديدة، أشخاص قدموا من ثقافات عديدة، محملين ببضائعهم الإنسانية والوحشية معاً، فاخترقوا عوالم الفكر والأدب والفنون، مغرقين المدينة في التهتك، مواصلين رجم المجتمع السوري العريض الذي اشتهر بتعدده وبساطته وتعقيده في الوقت ذاته، وهو ذاته المجتمع الذي سمّاه النظام السوري لاحقاً «البيئة الحاضنة للإرهاب» مبرراً كل أشكال الإبادة التي طبقها على سكّانه في مدنه وأريافه. لا تكاد الرواية تخلو من مقاطع تعكس مناخ دمشق وشوارعها فنقرأ على لسان الراوي «ما زلتُ أمشي في دمشق. الشوارع تتغير كل لحظة أمام عينيّ. تتبدل الأزمنة، تختفي مبانٍ وأخرى تعلو شاهقة، تظهر تلالٌ، وتتدفق أنهار، وتتكسر جسور، وتمتد أخرى. تشتعل حرائق، ويندفع شجر سريع النمو. أمشي الطريق من القنوات، منحدراً نحو الحلبوني، أرصفة باعة الكتب، والجامعة القديمة، طاحون ماء هائل يرتفع في أرض منبسطة على ظهر التلة، رائحة البارود العثماني تفوح من ثكنة صارت جامعة في ما بعد، بستان مسوّر، تقف فيه الأشجار العالية، تميل مع الشمس، وتميل مع هواء بردى». «عين الشرق» هي الرواية الثانية للكاتب، بعد «يوميات يهودي من دمشق» التي أثارت الكثير من الجدل بسبب تناولها لموضوعين اعتبرا حين صدورها في عام 2007 من المواضيع المحرمة؛ يهود دمشق، وعلاقة قادة تنظيم «القاعدة» مع الأجهزة الأمنية السورية.

أضيفت في 12 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 77
في نهاية رواية «يوميات يهودي من دمشق» الصّادرة عن دار خطوات في سوريا، التي تمّ منعها من قبل وزارة الإعلام السورية، يُشير الكاتب إبراهيم الجبين إلى أن اليوميات لم تنتهِ «ولكن تدوينها النهائي يكتمل الآن في مكان آخر» هكذا خَتَمَ روايته في شبه نبوءة عن تحقّق واكتمال اليوميات في أماكن أخرى غير التي بدأت فيها، لكنّه لم يكن يدري أنّ شخصية الدكتور أبو المحجن الذي كانت أقصى أمانيه العريضة أن يكون إمامًا في إحدى القُرى النائية لنشر الدعوة وصحيح الدين، سيصبح نموذجًا دالّا وفاضحًا لنموذج رجال الدين، الذين تستروا بعباءة الدين لأغراض خاصّة بهم، وهو الكأس الذي نتجرع ويلاته الآن في نماذج وسمت نفسها بأنها ظل الله في أرضه، بدون أن يغفل رحلة التبدُّلات التي لحقت بالشخصية مثل، قصّ اللّحيّة وترك الجلباب إلى الزّي الإفرنجي والسيّارات الفارهة والمطاردات البوليسيّة، وهو الشخص الذي استسلم لمن كان يستمع لخطبه في المسجد ودعاه لأن يتزوج من ابنته، فَقَبِلَ. اللافت للنظر أنّه صار رمزًا لعصرنا هذا، ويفاجئنا باجترار شخصيات كثيرة على شاكلته، كانت ومازالت سببًا لأزمتنا وأزمة دمشق، المدينة التي أراد الراوي أن يستعيدَ جُزءًا من تاريخها وتفاعّلها وانصهارها مع الآخر الذي قبلته في عهودها القديمة ثمَّ نبذته في عصورها الآنية عندما طغت السياسية والطائفيّة على كلّ شيءٍ. رواية الحِجَّاج تميل الرواية عبر شخصياتها الإشكالية، خاصّة شخصيتي الصحافي إبراهيم المولع بالتاريخ والمكان الدمشقيّ على وجه الخصوص، وإخاد اليهودي الصديق الذي يتبّنى مواقف من اليهودية لا تجد قبولاً عند كثيرين، إلى الحجاج الثقافيّ والفكري حول إشكاليّة تاريخيّة تتمثّل في علاقة اليهود بالعرب. الرواية في بحثها عن هذه العلاقة الشّائكة والمربكة وعبر حِجاج الشخصيتيْن ومحاولة كلّ منهما إثبات فرضيتها، طغت المادّة التاريخيّة على كثير من أجزائها، فمال السّارد إلى التوثيق والاستشهاد بما يُدعِّم أفكار شخصياته، وهو ما جعل الرواية أشبه بوثيقةٍ تاريخيّةٍ حيّة ونابضة، نقبَّت في المدونة التاريخيّة واستجلت رحابة فكر مؤلفيها وأيضًا رحابة البلدان واتّساعها للجميع، بدون الأخذ في الاعتبار للهُويّة الدينيّة أو حتى العرقيّة الإثنيّة، وإن كان هذا مع الأسف جاء في غير صالحها، حيث تمّ تأويل هذه الفرضيات والخروج بها إلى سياق آخر غير الذي سَعَى إليه الرَّاوي، فتمّ اتّهامه بأنّه يدعو إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي لم يكن في الأساس واردًا في ذهن كاتبها أو حتى راويها المتماهي مع المؤلف الضمني، حيث كانت شخصية إبراهيم على طول خط الرواية ترفض آراء إخاد الجانحة ونقيضة له في أفكاره، وتحاججه مظهرة خطأ ما يتبنى، بل إن النهاية التي رسمها السّارد لشخصية إخاد الذي كان مُتشبثًّا بالمكان ورافضًا مغادرته ثم ّتخلّى عن تشبثه ورَحَلَ عنه ليس هو فحسب بل رحل عنه الجميع، خيرُ دليلٍ على تشتّته وتبعثُّر أفكاره. لكن هذا لا ينفي أن الراوي لم يغمط التاريخ حقّه ولم يغفل مدوناته في تأكيدهما على تكامُّل الأديان في إطارها الثقافي والفكري، عبر إشارتهما في سياقات مختلفة إلى عربيّة القبائل اليهوديّة، كما أكّد السياق التاريخي، بما ذكره جواد عليّ في كتابه «المفصل في تاريخ العرب» حول هذه المسألة، ثم ما ذكره آخرون مِن أجيال لاحقة كعبد الوهاب المسيري وأحمد شلبي وعبد العظيم رمضان وسيدة الكاشف وغيرهم، علاوة على تأكيده بأن ثمة ثقافة يهودية عربية مشتركة، تضمّ في طياتها أفضل الشعراء من الحاخامات، كيهودا هاليفي الذي يُعرف باسم أبو الحسن اللاوي، وقد عاشَ في الأندلس وكَتَبَ في مختلِف أغراض الشّعر، وأيضًا الحاخام شالوم شبازي الذي يعد من أشهر شعراء يهود اليمن. دمشق المدنيّة تُقدّم الرواية صورة عن دمشق المدنيّة، التي كانت مفتوحة على الآخر، وقابلة للتعايش معه، فالجامع الذي أسّسه عثمان أغا التركي يقبع في حي يسكنه اليهود، ويتردّد منه الأذان في داخل المدينة، والأكراد يعيشون في حيّ ركن الدين، ويُمارسون لغتهم وتقاليدهم بحرية. والفلسطينيون تُجاور بيوتهم بيوت اليهود المميّزة بنجمة داوود على أبوابها، وإن كان الأطفال يعيشون معًا. وكأنّ الرّاوي يريد أن يقدم لنا شكلاً من أشكال المعايشة بين الطوائف الدينيّة في إهاب المدينة، وهو ما يعدُّ سمّة من سمات المدينة التي رحبّت بكافة الأطياف وانصهرت في بوتقتها. ولم تقتصر المعايشة على الإطار الشكّلي فقط، بل تجسّدت في ممارسة حيّة، فالأب اليهودي يُسمي ابنته (زينب) على اسم ابنة جاره المــُسْلم، في صورة باذخة من حالات التسامح والتسامي التي كانت تسود المدينة، التي في أحد مراحلها طردت اليهود كما في حالة والد إخاد، الذي طلبت منه السُّلطة السياسيّة الرحيل، وامتثّل رغم رفض الأبناء لهذا القرار وتشبثهم بالبقاء، كما إن الأب نفسه مع يهوديته رفض مغالاة اليهود، فكان يرفض احتكاك ابنه بالحاخامات و«يبقيه بغير الثياب السوداء، وبدون ضفيرتين تتدليان بالقرب من طرفي أذنه». كما أن اليهود أنفسهم كان منهم الرّافض لسياسة الصهيونية وسَعى لمحاربتها، كما تجلّى في صورة شخصية اليهودي المصريّ (شحاتة هارون) الذي كان ينتمي لحزب سياسي مُعارض ويتبّني سياسات ضدّ اليهود، فعارض اتفاقية كامب ديفيد 1979، وعندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي الكنيس اليهودي في القاهرة اعترضه وأبدى حنقه، ورغم خروج اليهود من مصر إلا أنّه رفض وقال: «لن أتركَ مصر ولو قطعوا رقبتي إنّها وطني»، بل انخرط في التيارات السياسية المعارضة في ذلك الوقت، وتمّ القبض عليه أكثر من مرّة، كما خضع مكتبه للحراسة، ثم خضع هو للاعتقال في مرحلة لاحقة، وعند وفاته رفض السّفير الإسرائيلي أن يُصلّي عليه واستأجرت أسرته حاخامًا من فرنسا. ومن ناحية أخرى تعكس لنا الرواية صورة لمدَنيَّةِ المدينة ونهضتها، التي كانت حاضرة عبر حديث السّارد عن أوّل قصر رئاسيّ في سوريا وهو قصر هولو باشا العابد، وتاريخ هذا القصر الذي هو في أصله بيت تيمورلنك الذي دخل دمشق غازيًّا، ثمّ التحولات التي أصابته، فصار منزل كاتب السُّلطان العثماني في مرحلة، ثمّ المدرسة الأمريكية في دمشق في مرحلة أخرى، وبالمثل الحديث عن أحمد عزت باشا ومشاريعه التي فعلها إبّان الدولة العثمانيّة، بل إنّ الدور الثقافي والحضاري لا يقتصرُ على الرّجل فكانت المرأة شريكًا وصنوًا للرجل، كما تمثّل في شخصيّة نازك العابد ودورها في إنشاء أوّل جمعية نسوية بعنوان نور الفيحاء عام 1914، كما تعاونت مع عدد مِن سيدات دمشق وأسّسن مدرسة بنات الشهباء العربيات، ثمّ أسّست أوّل مجلة عام 1920 بعنوان نور الفيحاء، إضافة إلى دورها في إنشاء فرع الصليب الأحمر الدولي في سوريا. التقطيع السينمائي يميل السّرد إلى المراوحة بين التاريخ والتخييل والواقعيّ المرجعيّ، كما ثمّة تداخلات في السّرد بين زمن الحاضر الذي يسرد منه إبراهيم، وزمن الماضي الذي يعود إليه إخاد، والواقع الراهن بأحداثه الشائكة من غزو العراق، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، عبر لغة تمزج بين لغة شعرية تتناثر عبر سرود متدفقة ومنثالة، مُقِلَّة في أوصافها مفسحة للوصف الداخلي والنفسي للشخصيات ليعبر عن الداخل والانكسارات، وبين لغة الحوارات الحاوية لكثير من المفردات العامية التي تُناسب السياق. وقد اعتمد الكاتب في هذا على نظام التقطيع السينمائي والوحدات السّردية المستقلة التي تترابط في ما بينها حتى بَدَتْ أشبه بلوحة من فسيفساء تقدِّم بجزيئاتها الصُّورة المتكاملة للمشهد، فثمَّة تقطيع وتداخلات وعودة إلى الجزء المقطوع، كما هو ظاهر في سرده عن لقائه بمحمد شوق وكيف وصل إليه عبر سلسلة من المغامرات ثمّ ينقطع السّرد ليعود يحكي عن علاقة إخاد بالمكان ثم يعود مرة ثانية ليستكمل الفجوات السردية، ويستأنف مرة ثالثة سرده الأول عن لقائه بمحمد شوق الذي طلبه على عجل، وفي بعض منه يعود لعلاقته لصديقته نور. تكسر الغنائية التي يعمدها السّارد التساؤلات التي يطرحها فتصير جزءًا من السرد، وتميز السَّرد والشخصية السّاردة أيضًا، فيتساءل عن بيروت التي يعرفها، ولا يجد سوى بيروت المــُشتاقة للحرب بدون بندقية في الرقص والشراب وفي السرير أيضًا، وهو ما يعكس جانبًا من شخصية الراوي القلق الذي يعود على مثقف رومانسي حالم في بعضٍ من أطوار حياته في أن يكون مخرجًا، أرقته المدينة وهو مهموم بها إلى حدِّ أنه أراد كتابتها ففشل، على نحو ما حدث مع بيروت. وتتكرّر التساؤلات عن مصائر الشخصيات وأزماتها. كما يزاوج السّرد بين السرد المتدفق، والحوارات والاقتباسات التاريخيّة والشّعريّة ومقاطع الأغنيات، وهو ما أكسب النص زخمًا، وإن كانت المادة التاريخية أثقلت النص الذي لم يزد عن 140 صفحة، سيطر عليها راوٍ شخصيّ، كان يسرد عن قُرب وبشكل محايد، فسمح لشخصياته بأن تسرد عن نفسها كما في حالتي أبو المحجن وإخاد. الجامع المشترك بين الشخصيات هو الهزيمة، باستثناء شخصية أبو المحجن (محمد شوق) الذي فرّ إلى أمريكا باسم جديد وشخصية جديدة «بوستموديرنيست تيروريست» متحدثًا عن الإخاء العالمي والتعايش والموسيقى والرقص. أمّا إخاد فقد غَادرَ بعدما فُجع بانتحار إحدى أختيه وهروب الثانية إلى الحاخام نجيب سركيس مقدسي الذي كان مِن قبل أكثر الشّباب زعرنة بتعبير الراوي، لكن ما أن عاد «بعد سنة 67 مِن أرض الرب والحرب والخراب»، حتى توحّد واعتزل في غرفة قديمة في دير الملائكة، لا يأكل إلا من يديه ولا يستخدم الكهرباء نهائيا. وبالمثل ليندا الفتاة الحيويّة تضيع بين التشكيل المديني لدمشق «فقد صارت ليست يهودية الآن وليست أي شيء آخر تتوهج في قبو الطبيب قرب المشفى الفرنسي»، الشيء نفسه يتكرر مع شخصية نور الفتاة الحيوية التي التقاها إبراهيم صُدفة تتخلّى عن هوايتها ورقصها المائي، لم تعد ترقص في الماء ولا تقلد حركات الشخوص المرسومة على جدران الكنيس في دورا أوروبوس، وإخاد الذي كان يرفض الهُناك، يذهب إليه ويصير الهُنا هُناك، في تحوّل مثير يكشف عن أحد أوجه المدينة التي صدمت أبناءها والتصقوا بها فنالهم ما نالهم. هُزمتِ الشخصيات وهزمت المدينة التي عبّرت عن هزيمتها ليندا، ومع الأسف لم تَعُدْ إلى ما كانت عليه، كما تنبّأ الراوي حيث اليوميات ممتدة، والهزائم متلاحقة، وهذه المرة شملت البشر والحجر في آنٍ.

أضيفت في 12 نوفمبر 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 71