برع الكاتب في استلهام أحداث تاريخية كأساس لبناء هذه الرواية وشخوصها، فمزج ما بين شخصيات حقيقية وأخرى تاريخية بأسلوب ممتع. من البداية يشدك عنوان الرواية فتتسائل: كيف وصل دروز لبنان الى بلغراد؟

 

الرواية تعيدنا في التاريخ الى الاشتباكات الطائفية ما بين الدروز والمسيحيين المارونيين والتي بدأت عام 1840 حتى 1845. ويقال أنه بداية هذه الاشتباكات كانت بسبب طفلين أحدهما درزي وآخر ماروني اختلفا على لعبة ما،  ثم امتد الخلاف الى العائلتين ومن ثم الطائفتين. لم تلبث أن خمدت هذه الاشتباكات فترة قصيرة حتى عادت أقوى من قبل في عام 1860، حين ارتكبت مجازر فظيعة بين الطائفتين.

 

وكالعادة، امتدت تلك الأيدي الخفية لتغذي مثل هذه الصراعات الطائفية في المنطقة، فقد استغلت  أوروبا هذه الأحداث كمبرر للتدخل  في شؤون الإمبراطورية العثمانية. فبينما اعترضت فرنسا بشدة على مقتل الآلاف من الموارنة، كانت بريطانيا تلعب دورا” آخر في دعم الدروز وتسليحهم. حتى روسيا حاولت أن تلعب دور ما وتتدخل عن طريق دعمها للطائفة الأرثوذكسية.  وقد قامت فرنسا في ذلك الوقت بنشر قوة مؤلفة من 6000 جندي تساهم في حفظ الأمن، ويمكن اعتبارها أول قوة بمسمى “قوات حفظ السلام” في التاريخ.

 

البداية صاعقة صاخبة، قدر أسود يلاحق حنا يعقوب، بائع البيض المسيحي، فيضعه مكان سلمان الدرزي الذي تقوم السلطة العثمانية بنفيه مع 550 درزيا” آخر الى طرابلس الغرب وبلغراد. هي رحلة الى الجحيم، متعددة المحطات، يتنقل خلالها الدروز المنفيين من قبو الى سجن ومن قلعة الى غابة. عذاب لم يكن يظن حنا البيروتي  يوما” انه قادر على أن يصمد خلاله ويبقى على قيد الحياة.

 

بالرغم من البحث المكثف والواضح من خلال تصوير الكاتب لجغرافيا الأمكنة والأحداث التاريخية، إلا أن رحلة العذاب هذه طالت علينا، وتشعبت محطاتها وتشابهت أحداثها، فوجدت فيها تكرار ممل لا يرقى الى تلك البداية المثيرة. وبذات الوقت، كنت أتوق الى تطرق الكاتب الى شرح  أوفى للأحداث المصاحبة لتلك الأعوام الطويلة ولكن في لبنان. مثلا” ماذا حدث من أحداث سياسية فيها خلال تلك الحقبة الزمنية، وكيف تصرف الحاكم العثماني ليساهم في وأد الفتنة أو إشعالها، والى أي مدى استمر التدخل الأوروبي في تلك المنطقة، ثم ماذا حدث مع زوجة حنا وابنته، وغيرها من الأحداث التي لم يتطرق لها الكاتب إلا بشكل مختصر جدا”.

 

النهاية جاءت سعيدة متوقعة، بعودة حنا المسكين الى بيته وزوجته، ليكون الناجي الوحيد من هذه المأساة هو المسيحي، بينما الدروز كلهم لم يخرجوا منها أحياء، وكأن القدر لعب لعبته ثانية، وكأن لعنة حنا المسكين انقلبت عليهم.



أضيفت في 06 يناير 2013 الزوار : 404

عندما يتعلق الموضوع في تناول الوعظ الديني وتحويله الى سوط على رقاب من يتجرأ على التفكير، يصبح تناول موضوع كهذا شديد الحساسية، لكن الكاتب تناوله وحلله بأسلوب راقي جدا” وبلغة جميلة تبتعد عن التعقيد والتفخيم، وتسلسل واضح، مما أنتج رواية مشوقة، مهما اختلفت معه في بعض الأفكار والنهايات، لا يمكنك إلا أن تتمتع بكتابته، وتقتبس الكثير من مقولاته.

 

يقول: “حين تصبح الأفكار سلطة فإنها لن تكون أفكارا”، ستكون سياطا” وعصيا” وأكثرها إيلاما” هو ما كان باسم القداسة والدين والأخلاق.”

 

يرتمي زاهي مراهقا” ثائرا” في أحضان جماعات متطرفة تحاول أن تشوه تفكيره، وتجعل الخوف من التمتع بأبجديات الحياة كفرا” وخروجا” عن الصحيح. تملأ صدره بمشاعر الكراهية ضد كل شيء وأي أحد خارج نطاق تلك الجماعة، حتى إن كان ذلك الأحد هو عائلته. باسم الدين، يحاولون أن يسيطروا على هذه الأرواح الصغيرة.

 

عندما يبدأ بالتفكير والتحليل، محاولة الفهم والاعتراض، يبدأ أقرانه بدس الدسائس واتهامه بأخلاقه، ليدفعوه للعودة كما يريدونه ومثلما يقررون له فقط في الجماعة…. فيرفض. خصلة التمرد التي بداخله هي ما تنقذه وتنتشله من هوة الإرهاب.

 

في النهاية يصف هذا الصراع الذي بقي طرفا” فيه، ولكن في الطرف المقابل الآن، طرف الحدثيين مقابل السلفيين الذين يكفروه علنا”، ويدعون عليه من فوق المنابر. يقول: “للقتلة ملة واحدة ولسان واحد … كلها تفوح برائحة الدم … كلهم تفوح منهم رائحة الآلاف من الجثث، لكننا، أيتها الشعوب المغفلة والساذجة، ميالون لتقبيل الأيادي التي تصفعنا، ونعشق صناعة أساطير وآلهة في أذهاننا، حتى لو كانت المادة التي نصنعها منها مادة سامة وقاتلة وشريرة.”

 

ويقول كمحصلة لكل ما مر به: ” آخر ما يعنيني من أي أحد هو أفكاره، وأول ما يعنيني من أي أحد هو إنسانيته التي أقتسمها وإياه … بالرغم عنه وعني!


أضيفت في 06 يناير 2013 الزوار : 234

ما يعجبني في روايات ربيع جابر هو ذلك الجهد الواضح المبذول في تقصي الحقائق واستناده في ذلك الى وثائق وأبحاث عديدة ليوفر للقارئ رؤية واقعية لحقبة تاريخية محددة. وهو بمثل هذه الروايات يؤرخ لتلك الحقبة التاريخية بحيث ترسخ أحداثها في الأذهان.

 

ودائما” في البداية، هناك تلك الحبكة الأساسية للرواية التي تجذبك لمتابعة الأحداث المتتالية وبلغة سلسة واضحة. ولكن فيما بعد، تكثر التواريخ والفصول والشخصيات التي لا تضيف الى الرواية كرواية، ولكن تدخلك في متاهات تحاول أن تتنصل منها حتى تعود الى بطلة القصة التي جذبتك في أولى الفصول ، تريد عنها المزيد، مشاعرها، أحاسيسها، مخاوفها، ضعفها، قوتها، تريد الكثير، ولكن مع هذا الكم من المعلومات لا تجد إلا القليل.

 

هكذا هي هذه الرواية، حيث تجذبك تلك المرأة القوية صغيرة السن من بداية الرواية، فتعجب بإصرارها وكبريائها وطهارتها التي لم تتغير كما تغير شكلها ولسانها.  نفاجئ بقرار “مارتا حداد” الشجاع في البداية بخوض هذه الهجرة المجنونة، تقطع المحيطات وتعبر القارات من أجل البحث عن زوج لم تعرفه كثيرا”، ولكنه يبقى زواج مقدس في نظرها، حتى وإن قررت إلا تعود إلى زوجها بعدما اكتشفت خيانته.

 

ثم يبدع في وصف نماذج عديدة من المهاجرين السابقين واللاحقين، الذين مهما ابتعدوا عن وطنهم، بقي الوطن بروائحه ونكهاته حيا” في قلوبهم. يقول أحدهم في وصف أبيه المهاجر السوري القديم: “جيل الآباء يبدو لي منفصم الشخصية، يتصرف بحسب دفترين، وكأنه صاحب وجهين، إنه هنا وليس هنا في الوقت ذاته. أنا لا أقول إنهم كذبة وأدعياء، لكنهم يضعون قدما” هنا ويتركون القدم الأخرى هناك، وراء المحيط، في البلاد التي خرجوا منها.”

 

كما يتناول بوصف مؤلم تلك الأنفلونزا القاتلة التي اجتاحت الولايات المتحدة عام 1981، حيث تعبر شاحنات مخصصة لحمل الموتى كل يوم وهم ينادون بين الأبواب المؤصدة ‘bring out the dead”  ثم يدفنوهم جثثا” مكومة دون توابيت أو أكفان.

 

ربما نقل لنا تواريخ ووقائع وأحداث، ولكني لم أجد أمريكا كمكان، لم أجد الأمريكان، بل وجدت  فقط مهاجرين محملين بالهموم والأحلام.

 

حلم الهجرة حتى اليوم كما هو لم يتغير، حلم الثراء السريع بعد الفقر المدقع، حلم لا يزال يغزو أجيالنا العربية جيل بعد جيل، فأين أخفقت أوطاننا؟



أضيفت في 06 يناير 2013 الزوار : 244

ليس كم المعلومات وحده هو ما يجذبك للمتابعة، ولا هذه الثورة الفكرية التي يطلقها الكتاب داخلك ويفتح أمامك أبواب التحليل المنطقي لوقائع تاريخية كنت تعتبرها بديهية، بل أضف الى كل هذا أسلوب الكاتب الممتع والسهل الذي يدفعك الى القراءة، وأنت تشعر أنك تمسك بمفاتيح فصول وفصول من التحليلات والتساؤلات والوقائع، التي يظهرها أمامك الكاتب بأوجه أخرى لحقيقة غير مجردة.

 

وكأنه في تحليله لهذه الأحداث التاريخية يعيش معنا واقعنا الحالي، اليوم وليس البارحة، وكأن التاريخ لم يعد تاريخا” بل حاضر يعتصرنا. هل يعقل أننا أمة لم تتعلم شيئا” من أخطائها عبر هذا التاريخ الدموي؟ هل نعيد مرة بعد مرة ذات المآسي ونحن على يقين بأنها تؤدي بنا الى التهلكة؟

 

يقول الوردي: “إن الفجوة لا تكاد تظهر بين الحاكم والمحكوم حتى تأخذ بالتوسع يوما” بعد يوم. وكل فجوة تؤدي حتما” الى ثورة.” وها هي الفجوات والثورات تمتد في عوالمنا العربية، وتتحول الى بركان هائج لا ندري ماذا سيحرق في طريقه بعد.

 

ويقول أيضا”: “الواقع أن الوعاظ والطغاة من نوع واحد. هؤلاء يظلمون الناس بأقوالهم، وأولئك يظلمونهم بأعمالهم.” وها هي الفتاوي تؤكد مقولته، فتنهمر علينا اليوم كالمطر الغزير من كل صوب، وتضيع بين طياتها الحقيقة البسيطة.

 

أما في وصفه للثورات، فهو كأنه يعيش ثوراتنا الحاضرة في كتابه اليوم، فيقول: “كل انتفاضة اجتماعية يعزوها أعداؤها الى تأثير أجنبي. إن المترفين يودون من صميم قلوبهم أن يكون الناس محافظين لا يعرفون من الآراء إلا ما ورثوه من الآباء والأجداد، فإذا نهض من بينهم ناهض قالوا عنه أنه عميل للأجانب.”

 

والثائرون اليوم هم بنظر الكثير جواسيس أو خونة أو شبيحة، وبالغالب، هم ليسوا سوى حفنة من الأبطال أرادوا محاربة ظلم وفساد يفترسهم وهم على هامش الحياة.

 

ويصف الكاتب واجب الانتخاب والتصويت في هذا العصر تطبيق حي لمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالتصويت واجب على كل مواطن، ومن خلاله يستطيع أن يساهم في منع منكر يراه في مرشح ما، أو تشجيع مرشح آخر يرى فيه خيرا” لوطنه. ومن هذا المنطلق، يكون صوت المواطن هو ضميره، ومن خلاله، إما يحافظ على وطنه أو يبيعه.

 

وفي وصفه للنزاع الطائفي الذي يعيد فرض سيطرته بقوة اليوم على الساحات العربية،  يقول الوردي: “إن النزاع الطائفي، وما فيه من سخف وتخابث، يرزح تحت أعبائه الثقيلة المجتمع بينما ينهمك أهله فيما لا طائل وراءه من جدل عقيم.”

 

هو كتاب يستحق أن نعيد قراءته عدة مرات، وكل مرة نخرج منه عطشى للمزيد.



أضيفت في 06 يناير 2013 الزوار : 246

هي ليست رواية فقط، هي قطع شعرية تارة ونثرية تارة أخرى تبقي القارئ معلق على أوتارها، مستمتع بأنغامها، متعب من أحاسيسها، مثقل بهمومها، متألم من انعدام الإنسانية في طياتها، فالحياة حقا” تستعصي على التبسيط.

 

هل نقول أدب العودة، أدب الفراق، أدب المنافي أم أدب الهجرة، هي كلهم وأكثر، هي الألم الفلسطيني الذي ترسم السياسة في حياته شكل حياته، تحددها وتقيدها وتبرمجها حتى تخلو من نكهة الحياة، ليجد أنه حتى وهو يمشي فوق تراب وطنه، هو لا يملك هذا التراب … كل ما ملكه بعد المفاوضات والتنازلات والنكبات والهزائم هو سراب … سراب دولة فلسطينية.

 

يصف الوجه الأبشع للاحتلال، الحقيقة المجردة التي خلقها بعد سنوات طويلة والتي يعيشها اللاجئ والنازح والمبعد والمنفي وأجيال ولدت في هذه المنافي والمخيمات، فيقول: “الاحتلال خلق أجيالا” بلا مكان تتذكر ألوانه ورائحته وأصواته، خلق أجيالا” عليها أن تحب الحبيب المجهول ..النائي ..العسير .. المحاط بالحراسة وبالأسوار وبالرؤوس النووية والرعب الأملس.  الاحتلال الطويل استطاع أن يحولنا من “أبناء فلسطين” الى أبناء “فكرة فلسطين”.

 

يصف ألم الفلسطيني المتكرر، حتى أصبح هذا الألم بحد ذاته روتين طبيعي يتقبله العالم حوله كواقع لا مفر منه، فيقول: “فواجعنا ومواجعنا تتكرر وتتكاثر يوميا، حتى أصبح كل يوم يمزق يوما” غيره…  حتى أصبح الزمان الفلسطيني نفسه أضغاثا” من النقائض والفكاهات التي لها طعم العلقم، ورائحة الإنقراض.”

 

معه عشنا ألم المنافي، وجع الفراق، شوق الوطن، معه رأينا رام الله!


أضيفت في 06 يناير 2013 الزوار : 225