العبوديه مثال منعزل شاذ في عالم مبدؤه الرائد هو المساواة البشرية

أضيفت في 21 يوليو 2017 | 02:56 ص تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
يضعنا الكاتب البحريني عبد الله خليفة في روايته الجديدة "الأقلف" في إشكالية الصراع العقائدي - الديني - مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق ، وأغلب تلك الإرساليات جاءت على شكل بعثات صحية وتعليمية لمساعدة السكان العرب ومن خلال عملها ذلك كانت تحتك بهم فكريا وعقائديا لتغيير قناعاتهم الدينية والفكرية ، بالرغم من أن القائمين على تلك الإرساليات - كما يخبرنا الروائي في متنه الروائي - غير مؤمنين بما يقومون به من فعل عقائدي وأن عملهم كان ستارا لتكريس وجود دولهم الاستعماري في المنطقة من خلال البحث عن أتباع محليين يمكن تجنيدهم بمختلف وسائل الإغراء ، ومن بين تلك الإغراءات ، استخدام الجنس من خلال توظيف الممرضات الأوربيات الجميلات للتأثير على الشباب المحليين من السكان العرب وتغيير قناعاتهم الدينية ، كما في حالة علاقة يحيى - بطل الرواية - و"ميري" الممرضة في مستشفى الإرسالية الأمريكية واللقاءات الغرامية التي كان يشجعها تومسون الكنائسي والطبيب بالمستشفى بيحيى المشرد الذي لا أصل له ولا عائلة ، فتجد فيه "ميري" النموذج الأمثل ، للتنصير ، وتأتي الرمزية العالية في الرواية عندما يشير الروائي إشارة دالة إلى هذا النموذج الروائي ، الطفل يحيى الذي وجد نفسه بحالة لم تكن مألوفة في مجتمعه ، فهو لم يختن كباقي الأطفال في الحي الذي يعيش فيه ، فهو أقلف ، لا ينتمي إلى ميثولوجيا وعقائد - أهل حيه - الذين يعتقدون بنجاسته بسبب ذلك وتعود سنة الختان إلى النبي إبراهيم عليه السلام ، والختان ميثاق بينه وبين الخالق ، وقد ورد ذلك الميثاق في التوراة في النص القائل : - وقال الله لإبراهيم : أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم ، يخـتـتن كل منكم ، فتختنون في لحم غرلتكم ، فيكون علامة عهد بيني وبينكم ، فيكون عهدي في لحمكم عهد أبيا-* vالتطرف الديني وعبد الله خليفة عندما اختار بطله من عامة الناس ومن أكثر الطبقات بؤسا فقد كان يختار النموذج الذي يصلح لممارسة التغيير الديني عليه (التنصير) ، فيحيى لقيط وجدته عجوز صماء وبكماء - والكاتب هنا يشير إلى أن لا تأثير للتربية العائلية على بطله - وأننا أمام (نموذج خام) يمكن أن يقع تحت تأثير جميع المؤثرات الفكرية المستقبلية ، وحدبت عليه هذه العجوز بعطفها وأطعمته مما تلتقط كل يوم من المزابل ، وكبر يحيى في كوخ يقع بين أكواخ تمتلئ بعبيد سابقين ، وفرق الرقص ومنازل الشاذين وشلل القمار والرجال "الازكرت" ليتراءى له البحر من الشرق وإلى غرب كوخه تمتد مستنقعات وأكواخ متناثرة وبنايات قليلة ومقابر غريبة - ص 5 - وبالرغم من أن دولة البحرين ، جغرافيا ليست لها مساحة كبيرة وشعبها قليل العدد ، وعادة تكون البلدان الكبيرة هي الأكثر مادة للروائي حيث يكون متنه الروائي غنيا بالأحداث والشخصيات والصراعات وتشابك المصالح ، إلا أن -عبد الله خليفة - استطاع أن يجد مادة مضطرمة بالتصادمات الفكرية كصراع الأديان من جهة ، وصراع الدين الواحد من خلال معتنقيه ، وعادة يكون الصراع بين المتطرف دينيا وبين معارضيه من الديانة ذاتها ومعاناة الإنسان العربي بسبب تراكم أحقاب من التخلف ، الثقافي والسياسي ، والكبت العام الذي يعانيه الشاب العربي في حاجاته الجسدية والنفسية ، وبالرغم من محدودية الأجواء التي ينتقل بها بطل الرواية ، والتي لا تتعدى الأميال القليلة ، التي هي مساحة عالمه الجغرافي إلا أننا شعرنا - بسبب استخدام الكاتب للغة شعرية في السرد وحتى في الحوار - إننا إزاء مساحة جغرافية مترامية الأطراف ، وفي مجتمع ضاج بالمتغيرات والصراعات والحيوات والمستجدات السريعة وصرخة البطل ، توضح لنا مدى الأزمة التي عاناها الكاتب ليكتب لنا نصا "كالأقلف" يعتمد الكثير من وجهات النظر المتعارضة ، واستمع إلى صرخة البطل ، التي هي في وجه من الأوجه صرخة الكاتب ذاته : "أنا لا أنتمي إلى هذا الخوص الكالح ، ولقضاء الحاجة في الخلاء ، وللأبواب الواقفة على زجاجات تئن ، ونهارات رمضان المقفرة ، ولحرق جثث الأطفال بالأسياخ" - ص 85 - ويصاب سكان الحي الذين يعيش بينهم يحيى بالذهول عندما يعرفون بتنصيره ، فتسأله عائشة المبروكة مدهوشة : - هل سيعطونك أرضا وبيتا عندما تصير نصرانيا ؟ - أبــدا ! ! - إذن لماذا تعذب نفسك ، الناس هنا لا يفهمون ! - ص 90 - ومن محاسن المصادفات إني وقعت على بحث قيم كتبه الروائي عبد الله خليفة بعنوان "تطور الوعي الديني في المشرق القديم"*عالج فيه تطور الوعي الديني في المشرق القديم الذي صار فيما بعد وعينا العربي ، وقد تناول جوانب البنى الاجتماعية والفكرية وتداخل الظروف الجغرافية بالسيسوتاريخي ، ولقد أضاء لي البحث جوانب من أسئلة فكرية كنت أواجهها وأنا أقرأ نصه الروائي -الأقلف- فمثلا كانت هناك معركة فكرية خفية تقع بين (تومسون) مدير المستشفى والذي كان غارقا في جداول خسائر المستشفى المتفاقمة ، فعطايا الكنائس البعيدة والمؤمنين فيما وراء البحار شحيحة والمرضى يتدفقون ولا أمل لبروز صور ساطعة لمسلمين يتنصرون وإيمان (ميري) التي كرهت أن يتسرب الإيمان من جداول الربح والخسارة ، وأن الحب العميق الذي تعتقده في الإيمان المسيحي غدا سلعة ! والسلعة في العادة تشترى وتباع... والمتابع يرى هنا ثمة مشكلة حقيقية في فهم البعض للهدف الحقيقي من وراء التنصير للشعوب الأخرى التي لها إرثها الديني والعقائدي ، وهنا اجتزئ هذا النص من البحث الذي نشره مؤلف الرواية ، كأنما يقدم للقارئ الجانب النظري الذي أقام عليه عوالم روايته الإشكالية ، فهو يقول فيما يشبه السرد التاريخي لأصل الصراع بين أصحاب الديانة الواحدة : وقد استمر الغليان المسيحي في المشرق ، مركز إنتاج الفكر الديني ، وظهرت حركات المعارضة المسيحية الكبيرة فيه ، مما يعبر عن صراع المصالح ، صراع الطبقات ، لم توقفه المظلة التسامحية ، وعبرت السنطورية عن مهاجمة قلب العقيدة الرسمية التي شكلتها الدولة ، فألغت التثليث الإلهي ، وهذا ما فعلته الفكرة الأريوسية بإنكار أن يكون المسيح إلها*. -وللظاهرة أسبابها التاريخية ، فهي كما جاء في كتاب العصور الوسطى للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور "إن حرية الفكر كانت معدومة في الغرب الأوربي في القرن الثاني عشر أو في العصور الوسطى ، فالواقع أن هذه الحرية ظلت أقل مما تصورها البعض عليه ، وكل ما هنالك هو أن الناس كانوا أحرارا في تفكيرهم وكتاباتهم داخل نطاق تعاليم الكنيسة"* vلمـاذا ؟ لمـاذا ؟ تتشابك المصائر في رواية الأقلف إلى حد أن ميري التي تحمل من يحيى تقرر ترك مستشفى الإرسالية لتعيش مع يحيى في كوخ خاص بهما ، رافضة إملاءات تومسون عليها بالرغم من أنها في البداية كانت مشاركة رئيسية في المؤامرة التنصيرية ليحيى ، واستمع إليها تأمر يحيى ص 71 : "ستحمل الصليب في رقبتك وتجهر بدعوتك.. ولن نتحمل نحن أية مسؤولية ، لم نخدعك ، لم نغرك ، وقد تخرج من المستشفى ومن الكنيسة ولا تراني ..." ، وقد أصابته هذه الكلمات بالوجع ، مما اضطرته أن يصرخ : لماذا ؟ لماذا ؟ فهو من جهة يريد (ميري) ولا يريد أن يكون أي شيء في الدنيا حاجزا بينهما ، وهو مستعد لدفع الثمن المطلوب لذلك ، فهي صارت تعني له الحياة بمباهجها الحسية والدنيوية الأخرى : كالمأكل والمشرب والملبس ، وكان ثمة فكر معارض في أعماقه يرفض الذي تطلبه منه ميري ، كأنما كان يستمع لمن يتلو عليه آية القرآن الكريم التي يقول فيها الله تعالى : "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين"*، لذلك جاءت (لماذا) على لسانه شديدة المرارة والإدانة لما يحدث ، وبالرغم من مواقف (يحيى) كانت رخوة أمام الإغراءات إلا أنه ولأسباب غير واضحة في النص الروائي أثر بميري أكثر مما أثرت هي به ، فهي لم تتخلص من حملها منه بالرغم من الشروط القاسية التي وضعوها لها لتمارس عملها في مستشفى الإرسالية ، اسمع تومسون يخبرها بواجباتها ص 111 : - أنت يا ميري راهبة قبل أن تكوني ممرضة ، لم نحضرك هنا لتقيمي علاقات غرامية فاضحة وشائنة ! منذ أن جيء بهذا الشاب وأنت ملتصقة به.. يمكن أن أبرر علاقتك به قبل أن يتحول ، ولكن ما فائدة ذلك الآن ؟ - لقد تعرض (يحيى) للاغتيال من قبل صديقه (إسحاق) بعد أن طعنه بالسكين لأنه بدل دينه ، وصار نصرانيا ، وهذه التضحية لم تحرك شيئا في نفس تومسون ولكنها غيرت ميري ، وفضحت دعاة التنصير أمامها ، فالغاية لم تكن دينية خالصة ، إنها شيء آخر ، إنها مزيج من ترسيخ الاستعمار في البلدان المستعمرة واستغفال الناس في عقائدهم ، اسمع يحيى يعاتب ميري ص 129 : - ثمة أفكار غريبة شكاكة رهيبة تدور في ذهني لقد صدقتك وإلهك.. ولكنني الآن أشك في كل شيء... أنت لست راهبة الآن.. أنت عشيقة رجل شكاك ، لديه كلمة طيبة للبشر - لقد لخص العلاقة بينهما ، فهي ليست مخلصة لروحه ، إنها ليست إلا عشيقة تنام في حضنه... لم تفهم التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ، ومثلها مثل جماعة المستشفى الذين قال فيهم القرآن الكريم - مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين-** vمستويـات الروايـــة الأقلف رواية مبنية على عدة مستويات ، المستوى الأول يقارن الروائي فيه بين اهتمامنا كمسلمين بحياة القطيع وتمجيدها ومنع من يحيد عن القطيع من دون الاهتمام الإنساني بالفرد وبين الغربيين الذين يرون أن القطيع لا يأتي إلا من وحدات بنائية مفردها -الفرد- الذي يجب أن ينال عنايتهم ، والمستوى الثاني يأتي من العلاقة المتشابكة التي إحدى بؤرها حاجات الإنسان وفكره من جهة ومصيره المرتبط بحالة وطنه ، ومستوى الصراع الثالث في الرواية يركز على إدانة التطرف بكل أنواعه ، فهو يدين ما فعله المتطرفون حين أحرقوا كوخ يحيى لأنه صار نصرانيا ، فلم يصاب ولكن جدته (مربيته البكماء) تعرضت لإصابات خطيرة بسبب الحريق المدبر ص 118 - جدته كتلة من الفحم والجمر والألم ، آهاتها تكهرب جسمه كله والمستشفى كائن عليل عاجز - ويدينهم بشخص صديقه إسحاق الذي حاول قتله قبل ذلك طعنا بالسكين فأصابه بجروح خطيرة ، أما المستوى الأخير في المعالجة الروائية فقد جاءت من خلال متابعة ما يحدث في الشارع من أحداث ونقرأ عن ذلك في ص 161 - البذلة تتحد بالرماد ، والوجه يسبح في الدخان ، والروح تتشكل من الحزن الجارف ، والقدمان تتسربان بعيدا عن الحشود الهائجة.. الجسر الرابط بين المدينتين ممتلئ بالعابرين والهاربين والجرحى - وفي هذه الفوضى يضطر إلى ترك ابنته من (ميري) لمصيرها ويتساءل متألما ص 168 - كيف يتخلى عن صغيرته الآن ، ويدعها مثلما تركته أمه للصدفة ، وللأيدي العابرة وللمحطات غير المرئية المتوقعة للزمن - رواية الأقلف للروائي البحريني عبد الله خليفة إعادة تشكيل لماضي وحاضر البحرين و ليس فقط لواقع الإنسان المحبط الذي لا يملك شيئا لمصيره بل وحتى لأولئك الذين يعتقدون أنهم ملكوا مصائر وأرواح الناس وأفكارهم واكتشفوا في النهاية أنهم ساهموا في لعبة الحياة خيرها وشرها فقط من دون أن يغيروا شيئا في حيوات غيرهم...

أضيفت في 19 يوليو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
الرواية عند "عبدالله خليفة" تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بفلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ، عوالم البشر والطبيعة ، عوالم الزمن والمكان الذي يشتغل برمزيته على الأحداث ويؤطرها وفق فترة زمنية وحقبة تحكي بشخوصها وملامحها ملامح عصر ربما عفت عليه الأيام لكنه يعيد تشكيل ذاته من جديد وبشكل مغاير يختلف بطريقة ما عن سابقه ولكنه يعتصر من الماضي مقومات حضوره . هكذا كانت هي رواية (الأقلف) ل"عبدالله خليفة" رؤية تسرد حكاية من لا يعرف لذاته طريقاً ، ومن يجهل ملامح صورته ومن يسأل عن جذور هويته ولكن لا سبيل للوصول فالحقيقة تظل سراباً والواقع أكبر من ان نفهمه . من أنا ؟ ومن أكون ؟ ما هي ديانتي وهويتي ؟ أسئلة كثيرة في حياة " يحيى" هي من أسس لبداية بناء العقدة في خط السرد الروائي لرواية (الأقلف) فالوطن والحب والأثنية ثلاثي أنتج قلقة مبعثرة هادئة لكنها صاخبة ، مسالمة لكنها قوية ، حالمة لكنها مستاءة وحزينة ، مجهولة لكنها موجودة صامتة لكن ملامحها تحكي عنها ، شخصية شكلت في غرابتها وبساطتها رواية من لا يعرف لذته طريقاً ومن لا يجد لأسئلته مجيباً ومن لا يكف عن البحث عن السكون إشكالية الوجود وعبر إشكالية الذات تتمحور إرهاصات الحياة وتبرز ثنايا النفس وعيوبها . vالحبكة الروائية : من الملفت في رواية (الأقلف) أن القاص "عبدالله خليفة" عن المألوف ويحفز لبناء حدثه بإسلوب جديد ، فالعقدة في الرواية عادةً تتدرج لذروة التعقيد وتنهار بتدرج أيضاً النهاية السردية ولكن في رواية (الأقلف) تظل العقدة قائمة وأزلية تغادر ساحة الورق إلى أرض الواقع وبقاء عقدة البحث عن الذات وانتماءها عقدة لا تنتهي فالرواية تبلغ ذروتها عند تخلي "يحيى" عن ديانته لكنها في حالة الوصول هذه لا تتراجع نحو حالة الهبوط المتوخاة ولكنها تظل في صعود وشد مستمرين . الأحداث في جوهرها متشابهة ولكن الشخوص مختلفة ، البدايات ظاهرة ولكن نهاياتها مجهولة المشكلة واحدة ولكن حلولها لا تلتقي ، الصور والوجوه متعددة (يحيى ، إسحاق ، ميري) ولكن الموجهات والظروف متضاربة .، الإحساس واحد لكن التعبير عنه غير متجانس . هكذا كان السرد في رواية (الأقلف) يدور في خط سردي روائي واحد ولكنه متشعب عبر ثلاثة شخوص محورية تدرجت في تعاملها مع الموقف وفقاً لرؤية الراوي العالم بتلك الشخصيات وتصوره المنحاز نحو شخوص روايته . vالرؤية العامة للرواية : تدور الرواية في رؤيتها العامة حول قضية (الأقلف) الذي لا يعرف لذاته طريقاً ، الإنسان الذي يولد عبثا ويظل طوال عمره يبحث عن نفسه ولكن دون جدوى فذاكرته ممحية وماضية مجهولة وواقعية لا شئ لأن لا جذور له .(الأقلف) رواية تجسد في رؤيتها العامة حالة القلق والبحث ليس عن جذور الأهل ولكن عن كل انتماءات الذات (الوطن ، الدين ، الهوية) (يحيى الفتى الذي ولد في عالم المجهول دون هوية معروفة ، وتحت وطأة الذل والتشرد والجوع والعطش والمجتمع المنسي الذي لا يشكل سوى ذات فارغة من إنسانيتها ولا تملك سوى جسد مفرغ من كل حقوقه يجد نفسه مجروراً وراء إغراءات الإرسالية الأميركية التبشيرية بدين الحق والخلاص والنجاة المزعوميين . يستسلم (يحيى) ويعتنق المسيحية التي تتمثل بالنسبة له النجاة والسلام ، والحياة الكريمة التي قدمت له كل شئ (العلم ، الاستقرار، العمل) وفي طيات هذا الصراع تتسرب عاطفة الحب التي قادته وراء مشاعره وأحاسيسه وتغيب عاطفة الصداقة المتضاربة مع هويته الجديد . شيفرات رمزية : شكلت شبكة المفاهيم المشفرة لـ عبدالله خليفة لائحة من الرموز التي يستتر وراءها معنى بعيد لذلك المعنى الذي جاءت فيه . wفالصليب الذي ارتداه "يحيى" لم يأت فقط ليشير إلى أن يحيى غير ديانته ولكن كي يكشف لنا مدى الاضطهاد والنبذ اللذين سيعترضان حياة يحيى جراء جريمة اعتناق المسيحية وارتداءه لهذا الصليب . w الثوب الأبيض للممرضة "ميري" رمز يكشف ذلك الفارق ما بين المعنى الظاهر للون الأبيض الساتر والطاهر والشفاف وما تخفيه شخصية ميري في حقيقتها من روح ضعيفة ومنساقة وراء أهواءها ورغباتها التي برغم أنها تحاول كبتها تعيد فرض ذاتها . wكذلك الوصف الموجود لتقارب المقابر المسيحية واليهودية الإسلامية إيحاء يرمز إلى ما كانت عليه البحرين في تلك الحقبة الزمنية من روح حوارية وقبول تعددي بات في عصرنا هذا مغلقاً لحد النزاع الطائفي . w الخرس البشري المتمثل بعجز الجدة عن الكلام إنه يعدو كونه خرساً وظيفياً في عضو من أعضاء الجسد إلى كونه نوعاً من الخرس النفسي والمجتمعي الرافض للإجابة عن كل تلك الأسئلة المتعلقة بسؤال الهوية . wأكواخ الدعارة وفتيات الهوى في مجتمع قروي بسيط كشف فاضح لحالة الكبت والقمع التي تعانيها المرأة فترتكب جراءها أبشع الجرائم بحق نفسها لتؤكد أن محاولة خنقها خلف العباءة السوداء أو البرقع ليس إلا مظهرا لا جوهر . wالوضع الاجتماعي رؤية واقعية : قلنا منذ البداية أن الرواية لدى "عبدالله خليفة" تمتزج بواقعيتها وتستلهم من الماضي حضورها ، وهكذا كانت هي بالفعل فالوضع الاجتماعي الذي طرحته الرواية هو واقع السبعينات الذي عاشه أهل الخليج العربي بكل عمقه وسطحيته حياة ريفية بسيطة ، صيادون معدمون ، عمال منهكون ،نساء مغطيات وأطفال حفاة ، زوجة مظلومة وفتاة مغصوبة رجل قوي ومسيطر وآخر تعب ومستغرق في البحث عن لقمة العيش ، حياة صعبة و واقع من الجهل والعتمة التي تظل أفرادها ،إرسالية أمريكية وأخرى بريطانية والهدف تبشيري مقنع ومستتر خلف أقنعة الحب والعطاء ، العم والنور ولكن الغاية مسمومة والهدف مجهول لا تراه سوى عيون الضحايا الواقعة تحت قبضته ن فالموت والحياة العلم والجهل ، الحب والنبذ ،الاستقرار والتشرد ، الوطن والدين ثنائيات لا تكف عن حرق الزمن وكي البشر منشار يشطر ذواتنا تحت عجز الاختيار . أخيراً … هل من يولد من فراغ يظل بلا هوية وهل كان لابد (لميرى الصغيرة)أن تلاقي المصير الذي لاقاه أبوها لتظل يتيمة ووحيدة تعيد حكاية الماضي أفليس (الأقلف) من لا يعرف لذاته طريقاً ، ومن لا يعرف لنفسه انتماء ؟؟! . كيف تتجلى له ميري الآن مرسومة بخطوط الألعاب والمأساة النارية؟ كيف يتخلى عن صغيرته الآن ويدعها مثلما تركته أمه للصدفة وللأيدي العابرة وللمحطات غير المرئية المتوقعة للزمن؟ من سيراها في علبة كرتونية ملقاة عند أحد الأزقة أو في سرير ملجأ تصرخ من أجل معرفته وتلعن خطيئته .

أضيفت في 19 يوليو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1
منذ عمر السادسة عشرة، ولج برنار فيربير (المولود سنة 1961 في مدينة تولوز) عالم الأدب. فكتب قصصاً قصيرة، وسيناريوهات، ومسرحيّات. وبعد أن أنهى دراسته في علم الجريمة والصحافة، عمل محرّراً في الصحافة العلميّة. أصدر سنة 1991 روايته الأولى (النمل) التي حظيت بنجاح منقطع النظير، وهو لم يتجاوز بعد الثلاثين من عمره. يقترح برنار فيربير في أعماله نوعاً جديداً من الكتابة الأدبيّة يدعوها "الخيال الفلسفيّ"، والتي هي مزيج من الخيال العلميّ والفلسفة والمعتقدات الروحيّة. يصبو فيربير إلى فهم مكانة الإنسان داخل هذا الكون عبر وجهات نظر، متعدّدة وغريبة، خارجة عنه: حيوانات، أشجار، آلهة قديمة، وحتّى سكّان محتملون من خارج الكوكب. تستقبل أعمال برنار فيربير بحفاوة ليس في فرنسا فحسب، وإنّما في العالم. غير أنّ ثلاثيةّ النمل -والتي تشكّل هذه الرواية كتابها الأوّل، إذ لحقها يوم النمل 1992، وثورة النمل 1996 -تبقى هي الجوهرة في تاجه الإبداعي، والسمة التي منحت تجربته النكهة الفريدة التي اختصّ بها، وألهمت كتّاباً آخرين.

أضيفت في 16 يوليو 2017 الزوار : 1
بعد إنتظار وترقب دام سنوات طويلة لظهور أي عمل روائي له، أصدر الروائي السوداني الطيب صالح مجموعة كتب تحت عنوان رئيسي (مختارات)، وهي مجموعة تتأرجح الكتابة فيها بين أجناس متعددة تبدأ من الخاطرة والمذكرات ولا تنتهي والسرد والرواية فحسب، بل تتخطاها إلى كتابة حرة عن مشاهداته وتأملاته في رحلة الحياة، وقد بلغت المجموعة تسعة أجزاء كل في كتاب مستقل (منسي. المضيئون كالنجوم. للمدن تفرد وحديث. في صحبة المتنبي. في رحاب الجنادرية. وطني السودان. ذكريات المواسم. خواطر وترحال) والرواية التي يبدأ بها مجموعته - ليس لها سياقه الروائي المعتاد - عنوانها (مختارات باسم منسي)، صدرت عن دار رياض الريس. ويبدو أن المختارات قد إقتطفها من مقالات عديدة استمر يكتبها أسبوعياً في إحدى المجلات السعودية - العربية، وقد حرص القارئ على متابعتها منذ نحو خمسة عشر عاماً أو يزيد. ومن المعروف أن روايات الكاتب السابقة كانت تدور عن الحياة في القرى السودانية خاصة تلك الواقعة في شمال السودان، حيث يكون مسقط رأسه في تلك البيئة الممتزجة عرقياً بين الأفريقي والعربي والنوبي، ومثلت رواياته في مجملها عن صراع الهوية بين مهاجر إلى بلاد الضباب بكل صخب حياتها وعائد إلى ريف بسيط متقشف راضخ لروتين الحياة البسيط، كما في «موسم الهجرة إلى الشمال» ومجموعة «دومة ود حامد» القصصية. من خلال احتواء عنوان الكتاب الجديد على اسم (منسي)، يخيّل للأذهان أنه ربما يدور في مناخ مشابه لرواياته السابقة، إلا أن القارئ يكتشف، ومن الصفحة الأولى أن «منسي» هذا ما هو إلا بطل الرواية أو المختارات، فالإهداء جاء فيها الى روح «أحمد منسي» أو يوسف مايكل بسطاوروس. وهو شخص متفرد أو إنسان نادر على طريقته، كما جاء على الغلاف، فرأى الطيب صالح أن يكتب عنه ويسجل حياته ليدهش القراء كما أدهشه منسي لسنوات طويلة ظل فيها صديقاً حميماً للكاتب وملازماً له في معظم تنقلاته. وقد يثار التساؤل: هل منسي يمثل رمزاً أم متخيلاً أم شخصية أسطورية أم هي فعلاً حقيقية؟. فلم يكن متوقعاً بعد طول انقطاع عن الكتابة أن يخرج الطيب صالح هذا النوع الجديد من البيوجرافيا إذا ما صحت التسمية، والتي جاءت في أسلوب سردي صحافي رشيق، أشبه بكتابة المذكرات اليومية. كما أن منسي هذا ليس شخصية سياسية بارزة أو فنية أو ثقافية أو دينية، وليس لها أي توجه يميزها عن غيرها، ليكتب عنها، بل هي شخصية فطرية التفرد، لفتت نظر الكاتب المتحفظ والدقيق، فصادقها بعمق، وفقاً لقانون تجاذب الأضداد. إن منسي النادر على طريقته، رجل قبطي من صعيد مصر يدعى مايكل بسطاوروس، يختزل كل الحياة والألقاب والمراسيم والمناصب بكلمة «طز»، - كلمة طز تعني في اللغة التركية «ملح» وتقال للاستخفاف في دلالة على رخص الملح الطعام وتوفره - فمنسي القبطي له شخصية تفتح بشجاعتها وجسارتها كل الحواجز، وتذلل كل الصعاب وأحياناً تعقّد السهل على الآخرين. صادقه الطيب صالح في بداية عمله بلندن، بهيئة الإذاعة البريطانية عندما كان منسي يعمل ممثلاً ثانوياً بالإذاعة، فقد كان يجيد بأونطجيته - كما يقول الطيب - كل شيء في الحياة إلا الفن، الذي لا تفلح فيه الأونطة. وكوّن الاثنان ثنائياً طريفاً، يكتب عنه الطيب صالح واصفا: (كنت أباً روحياً له، كما كنت أقوم في الوقت نفسه بدور الممثل المساند في العروض الكوميدية، كما عند لوريل وهاردي، تجد شخصين في هذا النوع من الكوميديا، بينهما تباين واضح جسمياً وعقلياً، فالنحيل إزاء السمين والطويل إزاء القصير. واحد ذكي واسع الحيلة يخرج من المشاكل مثل الشعرة من العجين، الثاني أهبل يتعثر فيقع، ويرتطم رأسه في الحائط، وهو الذي تقع على رأسه المشاكل عموما). والكتاب يحكي بأسلوب طريف وبحس فيه الكثير من الدعابة، عن غرائب منسي. فهو ينجح في كسر حصن الكاتب المنعزل صمويل بكيت ويؤانسه، وينازل السياسي همرشولد ويهزمه، ويجادل المؤرخ توينبي بل ويخترق حاجز الملكة اليزابيث نفسها، فهو لا يهاب شيئاً، ويصادق نصف سكان بريطانيا بمختلف الطبقات، والطيب صالح من ورائه يتعجب ويسجّل، وإن أوقعه في عدة مقالب بلندن وبيروت والهند وأستراليا. . ثم يموت منسي في أميركا داعية إسلامياً ثرياً، وقد ولد وعاش معدماً. وكما يتضح في الرواية أن الطيب صالح يمارس تأملاته الفلسفية في الحياة بين السطور ويسجل الوقائع التاريخية المهمة في حياة الأمة العربية في فترتي الخمسينات والستينات، ويكاد يكتب أوتوبيوجرافيا أيضاً في هوامش حياة منسي، فهو دائماً يعيش مسانداً له حسب قوله. ونتعرف من خلال الرواية على عشق الطيب صالح وارتباطه بعدة مدن كبيروت التي حل فيها هو وصديقه منسي ليلة الحرب وأنها أول من أخرجت مؤلفاته إلى النور، ثم الدوحة، وعمله كمستشار لوزير الثقافة هناك، وبالطبع لندن حيث عاش معظم حياته وتزوج فيها. يوثق الطيب صالح أيضاً - لنفسه ربما - عن أفكاره، فرغم سنواته الطويلة التي قضاها في الغرب وما زال، إلا أنه يتساءل، كيف نحن العرب نرى أن الغرب هو كل العالم ولم نهتم بمد جسور الصداقة والتفاهم مع الشعوب الشرقية، فهذه لها حضاراتها وثقافاتها الزاهرة أيضاً، وربما يكون توجهاً يسعى إليه الآن بعض المثقفين العرب والدوريات العربية.. وجاءت دعوته هذه بعد زيارات له ولصديقه منسي لدلهي وطوكيو.. وكيف أن مسؤولي تلك الدول مستعدون ومتجاوبون للتفاهم والتعاون مع العرب من دون أي خلفيات تاريخية تشوّش الرؤية.. مختارات «منسي» للطيب صالح، طريفة وسريعة الإيقاع، وهي متعة للقراءة. يزعم بعض الإنجليز أن مفردات لغتهم مصادرها ثلاثة: الإنجيل وشكسبير ولعبة الكركت. من بين مصطلحات لعبة الكركت: «All Rounder» وتعني اللاعب «الشامل» وتطلق على اللاعب المكتمل اللياقة والذي يجيد اللعب بمهارة في كل موقع. الطيب صالح - في رأيي- كاتب «شامل» مكنته ثقافته العميقة والمتنوعة وإطلاعه الواسع باللغتين العربية والإنجليزية على علوم اللغة، والفقه، والفلسفة، والسياسة، وعلم النفس، وعلم الأجناس، والأدب، والشعر، والمسرح، والإعلام، أن يروي، ويحكي، ويخبر، ويوصف، ويحلل، ويقارن، وينقد، ويترجم بأسلوب سهل عذب ينفذ إلى الوجدان والفكر كما تشهد هذه المجموعة من «مختارات من الطيب صالح».

أضيفت في 13 يوليو 2017 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 1