thumb
يذهب المهاجر. إلى أين؟ يعود المهاجر. إلى أين؟ ما من نقطة واضحة، لا في المكان ولا في الزمان، ليس هناك ميزان جاهز لقياس حجم الخسائر. الخسارة الغامضة تكون أقسى دائمًا. خسارة هي مزيج من البشر والمشاهد البصرية واللحظات العاطفية والأوهام والتداعيات والأغاني والتأملات الصامتة والأسرار العائلية وعواصف القسوة والشقاء والفقر ورائحة التراب وحفيف أوراق أشجار اليوكالبتوس والمشي على ضفاف دجلة والمقاهي والأصدقاء ومواء القطط العراقية و(الله بالخير) التي يسمعها العراقي ترحيبًا به والشاي المعتّق، كما لو أنه استورد لتوّه، وحياء العراقيات الذي يرسم على الحجر شفتين والنوم على سطح الدار وظلال الأزقة القديمة وصبر الأمهات في حروب لا فرق فيها بين ابن وآخر. المهاجر لا يفكر إلا في خسائره وهو الذاهب إلى جهة يعرف أنه سيكون آمنًا فيها. في لحظة الاطمئنان تلك لا يكفي الشعور بالأمان، يتذكر المهاجر حينها أن هناك شيئًا ما لا يزال مفقودًا في حياته، لو سئل عنه فإنه سيعجز عن تسميته.

thumb
ما يعرفه المتعبون
لأنني وحدي
إذا استيقظتُ لا أضطر إلى "صباح الخير" أو "لو سمحت"،
ولا أُغضِبُ أشباهي إذا تأخرتُ وتلعثمت،
ولا أُرغِمُ نفسي على التصفيقِ والتلويحِ وتبادل الضحكات؛
لا أرسمُ بسبابتي على شفتيّ المطبقتين صليباً يُسكِتُ طفلاً،
لا يقلقني كسلي الذي يستفزُّ كلَّ من يراني،
لا يقلقني عجزي عن فراقِ السرير، وتعبي لأنني سأرتدي ثياباً أكرهُها،
لأنني وحدي
باشمئزازي من كلِّ سرٍّ
أرى الخزيَ الذي يتوّجُ كلَّ عملٍ يخدِّرُني في انتظاري:
ابتسامةَ الطبيب وأناقةَ موظف البنك وشتائمَ سائقِ الباص وحِيلَ المراهقات......
جئتَ إلى هذا العالم فلا تتوقّعِ الكثير، واهدأ وانتظرْ.
كلُّهم مرضى، الجدوى تُحيِّرُ الوجود، وشيخوخةُ المهانين أسرعُ من القتل.
هذا هو العالم، ضياؤهُ الحمّى،
السجناءُ فيه يقرؤون الفلاسفة ويتقنون لغاتٍ لن يستخدموها،
دُعينا إلى وليمتهِ
فقط لأن الكثيرين اعتذروا أو ماتوا،
ولكنّ أشباحهم توافدتْ من كلِّ مكانٍ عشنا فيه
وأهانتنا بين الغرباء.

فلا تقُلْ: لماذا ناديتُموني حين كنتُ عاجزاً عن النهوض؟ لماذا استثقلتموني واحتقرتموني وأوشكتُم دائماً أن تطردوني؟
الشمسُ مجنونة تعلو عارَ نومك وتنحتُ قناعَكَ الذي تعبده؛ العالم ذكيٌّ وأنت نائم، إنه يفاجئك دائماً في كمينٍ تجهلهُ في حربٍ لن تشاركَ فيها، ولا يفوّتُ أيةَ فرصةٍ كي يفزعَك، أنتَ الهلوع بلا سبب، وقبل أن ينسى يُهرعُ كي يهنّئكَ على النجاة، فتستغربُ كيف يخاطبنا الآخرون بأسمائهم حين يُصرَخُ بك: هنيئاً، أنتَ ميتٌ الآن...
**
العصفورُ الذي رفرفَ عن سلكِ الغسيل تعرّفَ إليّ دون أن يعرفَ اسمي. كانت ساقاه أنحلَ من السلك؛ ضعيفتان و لكنهما تخدمان حياته جيداً. أفزعتهُ بظهوري فأطلقَ الفزعُ جناحيه عالياً. لا فرقَ لديه بين سائر الأشكال التي يُطْلَقُ عليها اسمُ البشر؛ سيانِ أنا أو سواي، فعيناه البراقتان لا تستأمنان أحداً. أما أنا فأكره إني أحرسُ اسمي الذي وُهِبْتهُ كي يأسرَني، أجرَّه ويجرَّني، فالتصقَ بوجهي وصار جزءاً من نبرة صوتي ، أستغربه أحياناً إذا قرأتهُ أو سمعته، أو أضجر منه وأمقته. كالآخرين جميعاً، أمضيتُ وقتاً طويلاً كي أسجنَ نفسي في اسمي، إذ كلُّ امرئ يُدفَنُ حياً في اسمه: قبرٌ من الخوف و المتعة وسوء الفهم.
**
أُخفي جحيماً و أنا أبتسم: هذا ما أمثّله طوال الوقت، حتى لو كنتُ وحدي.
لو قتلتُ حقاً كلَّ ما لا أحبُّهُ لبقيتُ وحيداً وميتاً، ففي شرودي قتلتُ الجميع ثم قتلتُ نفسي .
وأنا الآن أمقتُ ما أتذكّرُ في السر، وأحنُّ إلى ما يفزعني. آنذاك كانت تستهويني جرعةُ الحياة الأخيرة في فمِ الهالك وأنا أقول: رعبي يتنفّسُ الهواءَ ذاتَه