thumb
والإسلاميون الذين يصرون على أن يبقوا إسلاميين ولا ينتقلون للتماهي المطلوب= يختلف منهج التعامل معهم بحسب الموازنات النفعية. وطبيعي جداً ألا تتساوى درجة التعامل والمواجهة مع كل تيار من تيارات الإسلاميين، وطبيعي جداً أن المتغيرات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية سوف تتحكم في درجة ومنهجية التعامل، خاصة مع المرونة الشديدة التي تتيحها السياسة الحديثة وفق أسسها البراجماتية.

فالقوى المهيمنة غربياً، والحكومات المركزية بشبكات علاقاتها= قد تقرب هذا الإسلامي وتباعد ذاك الإسلامي، في خطوات محسوبة بدقة وفق المقتضيات المصلحية لإدارة الصراع؛ فسترى التيارات القتالية وقد تم تقريبها في ثمانينات الأفغان، والتيارات السياسية وقد تم تقريبها في ألفية الأتراك، وعقب ثورة تونس ومصر، والتيارات الدعوية المجتمعية يتم تقريبها في أوقات متفرقة لمنع تمدد التيارات السياسية مجتمعياً، ولمواجهة تيارات العنف فكرياً= إلا أن الجميع بالنسبة لهم يمثل خطراً، سواء كان الإسلامي الذي يمثل خطراً؛ لأنه مسلح وعنيف، أو كان الإسلامي الذي يمثل خطراً؛ لأنه يصارعهم على السلطة بأدواتها، ويزاحم شرعيتهم السياسية، أو كان الإسلامي الذي يمثل خطراً؛ لانشغاله بسؤال المجتمع بصورة تهدد التجانس الثقافي المجتمعي الذي تدير الدولة خيوطه حتى لا يشكل المجتمع وثقافته تهديداً لمصالحها.

. هناك ثابت واحد خلف مظاهر التغير في سياسات التعامل والمواجهة، هذا الثابت الواحد هو: ليس ثمة إسلامي يمكن الرضى عنه إلا حين يكف تماماً عن أن يكون إسلامياً.

thumb

thumb
قابلت يوماً طالباً أزهرياً يدرس في الصف الثالث في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر، ودار بيننا حديث حول النحو وتكررت مقابلاتنا= فوجدته متقناً جداً يسيل النحو منه تنظيراً وتطبيقاً.
وسألته يومها نفس الأسئلة التي تنهال علينا اليوم عن الكتب والمنهج المقترح إلى آخره، وأريته يومها مكتبتي في النحو وكانت كبيرة.
قال لي: إنه منذ عرف شرح ابن عقيل في الثانوية الأزهرية، وهو لا يعرف غيره، ولا يملك في بيته من كتب النحو إلا نسخة الشيخ محمد محيي الدين من هذا الكتاب، لكنه قرأه كاملاً أكثر من مائة مرة.
كان هذا اللقاء من قرابة عشرين عام، وصاحبنا هذا من قرية من قرى محافظة كفر الشيخ.
ودرست مرة الصرف عند رجل فلاح فوق الخمسين كنت آتيه في قريته بعد انتهاء عمله في الحقل، ولم يكن يعرف من كتب الصرف كلها غير شذا العرف.
وشيخي الذي تخرجت به وما كنت لأكون شيئاً لولا أن الله يسره لي= لا يملك من الكتب إلا ما يملأ جدران غرفة صغيرة جداً.
كل مجال من مجالات الاشتغال العلمي يحتاج إلى طبيعة علاقة معينة مع الكتب، وما يحتاجه المشتغل بالحديث يختلف عن احتياج المشتغل بالنحو= لكن الذي أريد قوله هنا: إن الناس أحوج إلى الصبر على القليل وإتقانه من حاجتهم إلى تفريق الهم والعزم، ولست أحب لوم من يستكثر من الكتب كما هي عادة الناس، فليس هذا اللوم حسناً، فإن جمع الكتب خير لا يعدم صاحبه فائدته، لكن حديثي هنا عن باب آخر وهو خطر هذا الجمع؛ إذ يتحول إلى بديل لتحصيل المعرفة الحقيقي، ويتحول إلى نوع من جمع الضرائر بلا عدل بينها، ولا قيام بحقها.
والسبيل في هذا ليس نهي الناس عن الجمع، وليس الباب هنا مما يرشد بترك الجمع، وإنما الباب هنا من بابة الإنفاق في الخير، لا يُنهى الرجل عن الإسراف فيه، وإنما ينهى عن الجور على حقوق الغير، فلا يُنهى الناس عن الجمع إلا إذا جاروا على حقوق أهليهم والناس، وإنما يؤمر الناس بجمع العلم والانتفاع منه معًا