مقتطفات من الكتاب


إنَّ صَمْت هذه الفضاءات التي لا تتناهى ليجعل الرعب ينتابني".
هذا يومَ أن كان قومه، في القرن السابع عشر، يؤمنون بأن ربَّ هذه السماء أنزل إليهم ديناً، وأن هذا الدين وضع الحدود لحياتهم، حفظاً لها من المروق، ووضع الأسس لأخلاقهم، حفظاً لها من الشرود.
ثم، في القرن الذي يليه، خلف من بعدهم خَلْف من أهل ملّتهم كان فيهم الفيلسوف الألماني "إيمانوئيل كانط" الذي حذا حذو سابقه؛ فنظر في مُلْك السماء العظيم، ثم رجع إلى نفسه، ليقول غير قول "باسكال"، إذ قال:
"أمران اثنان يملآن قلبي إعجاباً وإجلالاً لا يزالان يتجددان ويزدادان بقدر ما يتعلّق بهما فكري متأمّلاً لهما، ألا وهما: "السماءُ المزيَّنة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في نفسي!" وذلك يومَ أن صار مواطنوه يؤمنون بأن أخلاقهم لا يَحدًّها نازلُ دينهم، وإنما يَحُدّها راشدُ عقلِهم، متخذين الفصل بين الأخلاق والدين لاحِبَ طريقهم.
وما كان القرن التاسع عشر يستشرف نهايته حتى ظهر في هؤلاء القوم من يحمل إليهم خبراً عجيباًً عن السماء ليس كمثله خَبَر، إذ نظر وكرَّر، ثم فكَّر وقدَّر، فقال:
"لكنه [أي الشيء الذي اتخذه إلها] كان ينبغي أن يموت؛ فإنه، بأعينه التي كانت تُبصر كل شيء، كان يرى من الإنسان أغواره، [بل] غور أغواره؛ [ويرى] ما خَفي من خِزيه وقبحه، فلا حياء [يَحُدّ] من رحمته، [إذ] يتسلّل إلى أنجس خبايا [النفوس]؛ [ولَمّا] كان أكثرَ من غيره استطلاعاً وفضولاً ورحمة، كان ينبغي أن يموت؛ فقد ظلّ ينظر إليَّ على الدوام، وكنت أريد أن أنتقم من هذا الشاهد أو أن أترك الحياة؛ إن الإله الذي كان يرى كل شيء، حتى الإنسان، كان ينبغي أن يموت؛ لأن الإنسان لا يحتمل أن يبقى مثلُ هذا الشاهد على قيد الحياة".
وما هذا المُخبِر بموت الشيء الذي اتخذه إلهاً وبفراغِ السقف الذي اتخذه سماء إلا الفيلسوف الألماني "فريدرك وليام نِيتشه" الذي توفي في مطلع القرن العشرين؛ إذ حمل إلى قومه خبر فراغ السماء من الإله بوصفه شاهداً.
وهذه الصورة من الإنكار، أي "إنكار الشاهدية الإلهية"، تتعدى صورة الإنكار التي اختصت بها "الدهرانية"، والتي هي، كما وضحنا ذلك في كتاب بؤس الدهرانية، إنكار الآمرية الإلهية؛ وأثَرُ هذا الإنكار الأخير هو خروج الأخلاق من الدين، والخروج من الدين يُسمَّى "مروقاً"؛ أما إنكار الشاهدية، فإنه يُخرج من الأخلاق نفسها، بحيث يتعيّن أن نضع لهذه الصورة الثانية من الإنكار اسماً خاصاً يفيد أنها تتجاوز طور الدهرانية؛ وهو: "مابعد الدهرانية"! فالمراد إذن بـ "مابعد الدهرانية" هو، على وجه الإجمال، الخروج من الأخلاق بإنكار الشاهدية الإلهية أو ما يمكن أن نسميه بـ "الدخول في حال الشرود"، فوضعُ الإنسان ما بعد الدهراني إنما هو وضع الشارد، أي وضعُ الخارج من الأخلاق.
35-37