الكتب أنقذت حياتي

عندما حزمت حقيبتها متجهة إلى المستشفى وقفت أمام مكتبتها تختار الكتب التي ستصحبها معها في رحلة علاجها من مرض السرطان.. حرصت أن يكون مؤلفيها المفضلين برفقتها في ليالي الألم والوحدة الطويلة التي تنتظرها على السرير الأبيض، كدانتي وتولستوي وبيكيت وديكنز. فبعد أن أمضت الروائية والأكاديمية الاسترالية (بريندا والكر) حياتها مع الكتب والقراءة، أصيبت سنة 2004 بسرطان الثدي فكانت الكتب هي العزاء الوحيد لها والصديق الذي قدم لها الدعم والمساندة وأنقذها من المعاناة والخوف وانتظار الموت، ليس بالهرب من الواقع كما تقول، وإنما بالانغماس أكثر في الحياة.

تماماً كما كان يحدث مع بطل سيرفانتس (دون كيخوتة) عندما يكون في أشد الظروف ويدرك أن أحلامه على وشك الانهيار يتذكر لحظتها مقطعاً من كتاب كان قد قرأه ويمثل تماماً مشكلته الراهنة فيخفف عنه معاناته وحزنه، يقول سيرفانتس في رواية "دون كيخوته": "وجد دون كيخوته إذن نفسه غير قادر على الحركة، فقرر اللجوء إلى دوائه المعتاد، وأعني به التفكير في فقرة من فقرات كتبه".. من خلال القراءة لا يحارب دون كيخوته طواحين الهواء الوهمية، وإنما يحارب اللامبالاة والبرود والسلبية والقبح في الواقع.

 كتبت (بريندا والكر) عن تجربتها مع المرض برفقة الكتب بلغة شعرية وقراءة عميقة للكتب التي قرأتها خلال رحلة العلاج وذلك في مذكراتها التي نشرتها تحت عنوان: "القراءة على ضوء القمر: كيف تنقذ الكتب حياة". في هذا الكتاب تقول والكر أن عملية القراءة ترافق عملية الشفاء من المرض وأن القراءة يمكن أن تكون عنصر جوهري في الحياة، لا تقل أهمية عن الماء والهواء والغذاء:

"عندما أقول لنفسي أن الكتب يمكن أن تنقذ حياة، فلا أعني أنها تستطيع تأخير الموت؛ فذلك عمل الدواء. لكني أعني أنه يمكن لكتب معينة أن تنقذنا من النظرة المحدودة لأنفسنا وللآخرين".

إن من اعتاد على رفقة الكتب لن يتخلى عنها حتى في أصعب مراحل حياته لهذا لا يمكن للكتاب أن ينفصل عن أي مرحلة من مراحل حياتنا.. سواء كنا مرضى أو نشعر بالحزن أو السعادة أو الوحدة.. لكل مزاج كتاب، ولكل بيئة كتاب، ولكل عمر كتاب.. ولو عدت بالذاكرة إلى الوراء قليلاً ستلاحظ أنك في كل مرحلة عمرية كنت تقرأ نوعاً معيناً من الكتب.. فهناك "الكتب الرومانسية" التي لا بد وأن كل منا قرأها في مرحلة مبكرة من حياته مثل: "سارة" للعقاد، "الأجنحة المتكسرة" و"الأرواح المتمردة" و"دمعة وابتسامة" لجبران خليل جبران، "زينب" و"دعاء الكروان" و"شجرة البؤس" و"المعذبون في الأرض" و"الأيام" لطه حسين، و"مجدولين" للمنفلوطي، ومن الأدب الغربي روايات شارلوت برنتي وجين أوستن وفيكتور هوغو.

بعض الكتب يمكنك أن تصنفها تحت قائمة "كتب روحانية" تعيد قراءتها عندما تحتاج لدفعة معنوية، لتجدد حياتك من خلالها، لتستعيد الابتسامة والأمل، لتتنفس الحياة بملء رئتيك بعد الانتهاء من قراءتها.. فاستمع لجبران خليل جبران مثلاً وهو يحدثنا عن الصداقة في كتابه "النبي":

"إذا صمت صديقك ولم يتكلم فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه.

إذا فارقت صديقك فلا تحزن على فراقه.

لأن ما تتعشقه فيه، أكثر من كل شيء سواه ، ربما يكون في حين غيابه أوضح في عيني محبتك منه في حين حضوره.

ولا يكن لكم في الصداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم".

أما في مراحل متقدمة من نضجنا الفكري فإن قراءاتنا تبدأ بالتنوع والتشعب، فنقرأ في التاريخ والسياسة والنقد والفلسفة ونبدأ بتحديد مؤلفينا المفضلين ونميل لقراءات دون سواها.

ويبقى هناك "قائمة كتب عملاقة" يرعبنا حجمها وعدد صفحاتها فنؤجل دائماً قراءتها وقد لا نقرأها أبداً رغم احتفاظنا بها فقد نقرأ ملخصاً لها أو أجزاء منها ونعتقد أن ذلك يكفي.. كثير منا يتمنى لو يحصل على النسخة الأصيلة والكاملة لكتاب "ألف ليلة وليلة" لكن أحداً لن يقرأه كاملاَ.. لكن عندما نمر بمرحلة انتظار ما حيث تسير الحياة ببطء قاتل، ربما نستطيع حينها أن نقرأ كتاباً يتجاوز عدد صفحاته 1600 صفحة "كالحرب والسلم" لتولستوي، "قصة الحضارة", "مقدمة ابن خلدون", "البيان والتبيين".

ولأن متعة الإنجاز عند إنهاء كتاب ما تغمرنا، فإننا نحب الكتب الصغيرة التي يجعلك حجمها وأناقتها تصطحبها معك لأي مكان، فعندما تكون مسافراً أنت تفضل الكتاب صغير الحجم، خفيف الوزن، غني المضمون حيث يمكن لهذا الكتاب أن ينزلق بسهولة في أي زاوية من حقيبة السفر.

كل هذه العوامل تؤثر في اختيارنا للكتاب، سواء حالتنا النفسية أو بيئتنا أو ظروفنا، أما في الحالات العادية فأجمل ما نقرأه هو ما لم نخطط له أو نضعه ضمن قوائم.. فالقراءة كما تؤكد والكر هي من صميم الحياة، هي كالطعام والملابس فأنت لن تأكل ما لم تشتهيه نفسك ولن ترتدي إلا ما يناسب مقاسك وذوقك.. كما أن كل كتاب نقرأه يعتبر مرشداً للكتاب الذي يليه فهو يدلك على مسار جديد ويضعك أمام كم هائل من الخيارات والمفاجآت الجديدة.

كثيراً ما نردد عبارة الكتاب خير جليس وخير صديق وغالباً ما نستخدمها في كتابة المواضيع الإنشائية، لكن من جرب امتحان هذه الصداقة مرة سيتأكد أنه ليس مجرد كلام إنشائي.. فحتى أولئك الذين لا يقرؤون عندما يمرون بأي أزمة نفسية أو ضيق أو عسر فالجميع متفق أنه لن يجد الهدوء والسلام إلا في قراءة القرآن.. وبهذا يكون فعل القراءة بحد ذاته علاجاً نفسياً ومصدر راحة واستقرار.

يمكن للكتب إذاً أن تنقذ حياة فعلاً، ليس من الموت كما تقول بريندا والكر، وإنما من الفراغ والوحدة واليأس والفشل.