مواطنة متلبسة بالقراءة


 مواطنة متلبسة بالقراءة

"قرأت من الكتب أكثر مما يتسع له عمر واحد .. وكل كتاب أنجزه، يذكرني بعشرات الكتب الأخرى التي لما أطلع عليها. القراءة كالمقامرة. كلما أخذت منها، كلما أحسست بالحاجة إلى المزيد. القراءة كمدن الأساطير، دروب لا تنتهي. القراءة مثل حكايات الجدات عن الجان، كل حكاية تقود إلى أخرى، حكاية داخل أخرى.. وهكذا إلى ما لا نهاية".

هكذا تصف "غادة السمان" تلك "المواطنة المتلبسة بالقراءة" متعة القراءة وهكذا تشعر بالفعل عندما تبدأ القراءة لها.. فأمام غزارة إنتاجها تقف حائراً بأي الكتب تبدأ، بمقالاتها الساخرة، أم أشعارها العذبة المتهكمة، أم برواياتها وقصصها الآسرة.

ولأنك مع كل كتاب لها ستتورط أكثر في عالمها وستبحث في سيرتها الذاتية لتعلم إلى أي مدى استقت غادة قصصها ورواياتها من عالمها وشخصيتها الحقيقية.. لهذا ستجد من الممتع أكثر أن تقرأ الحوارات واللقاءات الأدبية التي أجريت معها والتي جمعتها في كتابين هما: "القبيلة تستجوب القتيلة" و"البحر يحاكم سمكة". هذين الكتابين هما الأقرب إلى قلب غادة لأنهما كما تصفهما:

"سجل إنساني للحظات من الصدق المتبادل المكثف، المحرض والخلاق: لحظات الحوار. كأن كل حوار صحافي ناجح حكاية حب بالمعنى الجوهري للكلمة: لغة مشتركة. لحظة تفرغ مطلق متبادلة. محاولة التقاء. محاولة معرفة. وكل حوار صحافي ناجح هو كالحب: كسر للوحشة وتدمير للغربة وعلى الأقل خلال الفترة التي يستغرقها الحوار. فالحوار الصحافي الحقيقي حكاية حب لا تعقبها المرارة وإنما ترفد الفن وتساهم في بلورة الإبداع".من خلال هذه الحوارات تتعرف على غادة الإنسانة والكاتبة والقارئة والأم والزوجة ولا سيما عندما يصل بها الحوار إلى ذلك التدفق الصادق في التعبير عن نفسها:

"أهم ما في حياتي أنني أطالع كثيراً وبالإنكليزية بصورة خاصة. أقرأ أكثر مما يحق لامرأة تحرص على جمال عينيها. أعشق السباحة صيفاً، حتى لأكاد أؤمن بأن أصل الإنسان سمكة. ألاعب ابني حازم وأدخل معه مجاهل الاستفهامات وأجيبه عنها. أهوى قيادة السيارات بسرعة، بأسرع من أنفاسي. أعشق لبنان الجغرافي، فطبيعته جميلة، وطقسه خرافي. وأركض في جباله وشطآنه حتى صرت أعرف ما يؤهلني للعمل كدليل سياحي. في روايات شكسبير الطبيعة الجغرافية امتداد وانعكاس للطبيعة البشرية وأتمنى ذلك للطبيعة البشرية في لبنان".

بدأت غادة السمان القراءة منذ طفولتها عندما كانت تنبش كالفأرة الصغيرة في مكتبة والدها الضخمة. كان والدها رجلاً مثقفاً ترك أثراً كبيراً في حياتها وقد تحدثت عنه كثيراً في حواراتها كما جعلته شخصية أساسية في روايتها المستحيلة، تلك الفسيفساء الدمشقية التي تذكرك بمغامرات "توم سوير" و"هكلبري فن" للكاتب الساخر مارك توين عندما يصور المجتمع ويسخر منه بعيني طفل، كذلك نجد "غادة السمان" تجعل بطلة روايتها فتاة صغيرة متمردة على البيئة الشامية المحافظة التي ولدت فيها والتي تسعى من خلال سيدات العائلة إلى تطويعها وإخضاعها لتقاليدها وأعرافها.

وقوانين العائلة العريقة التي ولدت فيها لتجد أن والدها هو تماماً كما وصفته في روايتها ذلك الرجل المثقف الذي دعمها ووقف إلى جانبها ومنع سيدات العائلة المحافظة من تحويلها إلى "اللا شيء".

"من الضروري منح المرأة حريتها كاملة كي تكون قادرة على أن تصنع بها فضيلتها.. فالمرأة التي تمنع من حرية الدخول والخروج ليست فاسقة بالطبع ولكنها ليست فاضلة بالمعنى الأخلاقي الحقيقي. إنها اللاشيء، لأنها لم تختر شيئاً.. إن المسؤولية هي الشيء الوحيد الذي يعطي الأحكام الأخلاقية قيمتها الانسانية الحقيقية".

رفض والدها تحويلها إلى "اللا شيء" وعلمها كل ما يتعلمه الصبيان في عمرها، علمها القراءة والسباحة والصيد والتحليق في الوقت الذي كانت الفتيات فيه تتعلم الخياطة والحياكة فقط.

"والدي هو الشخصية الطاغية في طفولتي ومراهقتي الأولى. كان رجل علم قضى حياته في محراب الكتاب. وإلى جانب عشقه للكتب كان عاشقاً للموسيقى العربية القديمة وللطبيعة، منفتحاً على الموسيقى الكلاسيكية. تثقيف والدي لي كان شديد التنوع على الطريقة الدمشقية: علمني الفرنسية أولاً كي (ألثغ) كأبناء "نهر السين" ثم القرآن الكريم كي يستقيم لساني، وأغرقني بقراءات التراث العربي والشعر الانكليزي فيما  بعد".

فماذا تقرأ غادة السمان إذاً؟ هذه الفتاة التي ألفت الكتب وعاشت معها طفولتها ومراهقتها وقضت شبابها في التسوق من المكتبات بدل دور الأزياء كما تفعل غيرها من النساء:

"كم جئت إلى لندن من أجل التسوق في مخزن فويلز فقط، حيث أحس أمام هذا الخزان الهائل من الكتب بما تحسه النساء عادة أمام الفراء والمجوهرات في مخازن هارودز وسيلفريدج مثلاً! وكم عدت من فويلز لندن بحقائب وتبدو الدهشة على وجوه رجال الجمارك، وهم يتأملون بنطلوني الجينز وحقائبي الخالية من الثياب، المحشوة بالكتب".

هل شعرت يوماً أن لكل كتاب وقت يناسبه للقراءة وأن هناك كتب مناسبة للصباح وأخرى للظهيرة وأخرى مسائية؟! عندما تذهب في عطلتك الصيفية ألا تقف لتختار الكتب المناسبة لرحلتك وهي لا شك تختلف تماماً عن الكتب التي ستقرأها شتاء.. هذا ما تعتقده غادة عندما سئلت لمن تقرأ؟

"القراءة كما الموسيقى. لكل مناخ كتابه.

أنا مثلاً لا أستطيع الاستماع إلى بيتهوفن صباحاً فهو يدمرني ويسحقني ويزلزل روحي. الأمر ذاته ينطبق على مسرحيات شكسبير. لا أستطيع مثلاً قراءة "ألملك لير" صباحاً. إنها حفلة تعذيب. في الصباح أفضل القراءات النظرية التي تهذب العقل دون أن تفجر اللاوعي. شيء نقدي مثل كتابات دكتور جونسون مثلاً من القدماء ومارتن ايسلر من المعاصرين. تستطيعين قراءة مارك توين وحتى برناردشو صباحاً ولكن ليس فرجينيا وولف. قراءات فترة العصر إلى ما بعد الغروب هي قراءاتي الجادة، ألتهم فيها تلك الكتب التي تخترقك حتى العظم وتستخرج إلى ضوء القمر مخاوفك السرية، وتقددها، وتجدينها عند الصباح جالسة تنتظرك إلى جانب عقد ياسمينك الذي جف.

بين العصر وما بعد الغروب يأتي زمن دوستوفسكي ومارلو وفولكنر ودون وبليك وغوته وتشوسر وميلتون ودرايدن وجيمس جويس وكافكا وفلوبير واناتول فرانس وسارتر ولورانس وتوماس مان وميللر ومايلر وتنيسي وليامز وهنري جيمس.. واذا تابعت فالقائمة لا تنتهي.. أما من حيث القراءات العربية، فأنا أحرص على قراءة كل ما يصدر بغض النظر عن قيمته الفكرية.

حقل آخر ألاحقه: الأدب المعاصر. وأجد صعوبة في الحصول على الكتب.

هنالك قراءات غير أدبية أنا مولعة بها حقاً. قراءات في علم الحيوان، والنبات. قراءات عن كائنات هذا الكوكب وحياتها وطباعها وعن النبات ككائن حي أثبتت الدراسات الحديثة أن له هو أيضاً حياته النفسية التي نجهل حتى الآن كل شيء عنها ما عدا تأثرها بالكهارب العاطفية المحيطة بها وبصوت الموسيقى.. من يدري قد ينجح العلم ذات يوم في مخاطبة النبات والتواصل معه. ونكسب حليفاً جديداً هائلاً.

أحب أيضاً القراءات الفنية حول الفن التشكيلي ولا أحب القراءات حول الموسيقى أو شرح السيمفونيات لكنني أحب الاطلاع على سيرة حياة الفنانين".


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 2
  • 0
thumb
قطع أكثر من 480 ألف ميل طيرانا في مقعد الدرجة السياحية دون ربط حزام الأمان. مايزال يقرأ منذ أن دخل في

جاري التحميل...