ماذا لو قرر الجميع أن يصيروا كُتّاباً؟



لن نختلف في أن مشاكل القارئ تكاد تتموقع كلها بين حديّ الشحّ والوفرة. أن لا تجد ما تقرأه، بحيث تصير محكوماً بشكل أبدي بقراءة وإعادة قراءة ما قرأته مراراً، أو أن تزدحم عندك الكتب بحيث تفقد القدرة على القراءة تدريجياً وتتحول إلى مجرد مقتني كتب. بالطبع الوفرة أخطر من الندرة. فقانون الندرة يحفز حواسك القرائية كلها، بينما تُلقي بك الوفرة تدريجياً إلى مهاوي الخمول. لكن ثمت ما هو أخطر من الوفرة والندرة معاً: الاجتياح التام للكتب. أن تفيض الكتب بحيث تجتاح العالم بأكمله وتغطي المساحات التي كانت حتى تلك اللحظة مخصصة لأشياء أخرى!

اجتياح الكتب للعالم وتضاعف أعدادها بشكل لا يعرف التوقف ينطوي في العمق على مسألة أخطر، وهي تضاعف عدد الكُتّاب بشكل مريع، وتضاؤل نسبة القرّاء، حتى ليكادون يصيرون جنساً عزيز المنال!

ماذا لو قرر الجميع أن يصيروا كتّاباً؟

سيتضاءل بالطبع عدد القراء إلى أن ينعدم، فالكتّاب لا يمكن التعويل عليهم في الاضطلاع بدور القرّاء، هم في الغالب الأعم قراء سيئون، وغالباً ما لا يقرؤون إلا أنفسهم. وحاجتهمم إلى القرّاء تفوق بكثير حاجة القرّاء لهم، حتى وإن تحصنوا خلف ادّعاءات من قبيل: أكتُب لنفسي! أفضّل أن يقرأني شخص واحد أو اثنان على أن تقرأني الجماهير الغفيرة!... بالطبع، وعلى خلاف الوهم الشائع، مهنة القارئ أصعب وأشقّ وأخطر من مهنة الكاتب، وضرورة القرّاء تفوق الحاجة إلى كتّاب، لهذا كلما تضاءل عدد القرّاء، سيسارع الكتّاب إلى ابتداع طرقٍ أعقد فأعقد لاستجلاب القرّاء. لن تنفع الإهداءات التعميمية على الصفحات الأولى للكتاب _(من قبيل: إلى القارئ، وإلى القرّاء، وإلى قرّائي...) سيضطر كل كاتب إلى إيراد لائحة مفصلة بقرائه، أو اسم قارئه مشفوعاً بعبارات التقدير والإعجاب، وستنشط سوق خاصة بالقراء، وتُفتتح وكالات متخصصة في الوساطة بين الكتّاب والقرّاء، وتملأ الإعلانات كل مكان: لدينا قرّاء متمرسون من سبع مناطق جغرافية وأربع لغات! كاتب جاد يبحث عن قارئ (يستحسن إضافة تاء مربوطة بعد الهمزة)، تود تحسين دخلك، انضم إلى دورة تكوين القراء السريعة، مدربونا كلهم مؤهلون ومعترف بشهاداتهم. ثم سيصير الأمر إلى دفع النقود للحصول على قرّاء: تريد أن تُقرأ، عليك أن تدفع، بعض الكتّاب سيتعرضون لعمليات نصب واسعة النطاق مشترين أصوات قراء وهميين لا وجود لهم، والبعض الآخر قد يبيع صوته كقارئ لكتاب آخرين، معطياً كل الضمانات الأكيدة بأنه لن يغش ويقرأ لنفسه!

ومع التضاؤل المريع لعدد القراء، وقد صاروا الآن حفنة من البوهيميين المتناثرين على امتداد خريطة العالم، هاربين من ملاحقة الكتّاب لهم، ستنشط عصابات دولية متخصصة في اختطاف القراء وعائلاتهم، لتجبرهم تحت التهدد بالتصفية على قراءة من يدفع أكثر... سجون الحكّام وقد صاروا هم أيضاً كتّاباً معاقل لتعذيب القراء الذين ما يزالون يملكوون ضميراً ويصرون على التمترس خلف مبدأ قديم لا يكاد يذكره أحد، مبدأ يسمى "الذائقة الأدبية".

بالموازاة مع الحركة الشاهدة على اختلال توازن العالم، والتي يتضاعف بموجبها عدد الكتّاب ويتضاءل عدد القرّاء ستجتاح الكتابة كل شيء، منذرة بالغزو الذي  تنبأ به كاتب أرجنتيني ينتمي إلى الزمن البائد الذي كان ما يزال يحتفظ بقدر ولو يسير من النظام: "خوليو كورتثار". سيستنزف الكتّاب كل الورق، ثم يقطعون كل الأشجار ليحولوها إلى ورق، وتتضاعف المطبوعات (شأنها شأن الأرانب في شقة الصديقة الباريسية) لتجتاح كل مساحة اليابسة، كل شيء قابل لأن يصير ورقاً (خشب، خرق، تبن، روث بهائم...) يتم تحويله إلى ورق، ومطبوعات سرعان ما تمتلئ بدورها. ولأنها لا تُعرض للبيع ولا للقراءة العمومية (من سيقرؤها والجميع كتّاب؟)، يُضطّر سريعاً إلى التخلص منها بإلقائها في المياه: ملايير الأطنان من الورق الذي تعجّن وصار كالأسمنت واصلاً بين قسمَيْ العالم (الغامر والعامر) في كتلة واحدة يجوبها الكتاب حاملين أقلامهم يملؤون بها كل شبر فارغ من أطلال العالم الذي غدا مجرد قرطاس مهولٍ يحمل في كل ميليمتر منه آثار الكتابة التي لا أحد يعرف جدواها، ولا الدافع لها في زمن ألقي فيه إلى مهاوي النسيان بشخص كان يدعى ذات زمن: القارئ!

..
من كتاب: "مكتباتهم"

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...