صداقات الأدباء وعداواتهم




الخلافات والعداوة والغيرة والخيانة كلها قد تكون صفات سيئة لو حدثت بين أناس عاديين، إلا أنها عندما تقع بين أدباء ومؤلفين تصبح صفات إيجابية وخلاقة إذ قد تدفع الطرفين لكتابة التعليقات أو الرسائل أو المقالات أو حتى الكتب رداً على بعضهما. وقد يكون انفصال صديقين أمر محزن وإنما عادي، لكن انفصال أديبين حدث مفصلي في مسيرة حياتهما سيقرأ عنه القراء لأجيال لاحقة بمتعة فائقة..

جان بول سارتر وألبير كامو*


"لم تكن صداقتنا بالأمر الهين، بيد أنني سأفقدها، إذ أنهيتها أنت في اللحظة التي سمحت فيها الإساءة المباشرة لي، فذلك يعني دون شك أنه كان ضرورياً أن تنتهي، أمور كثيرة جذبتنا كلينا للآخر وقليل منها فرق بيننا، ولكن هذا القليل على قلته كان ولا يزال كثيراً جداً".

هذه الرسالة التي أرسلها ألبير كامو إلى سارتر عام 1951م أنهت صداقة بين اثنين من أشهر فلاسفة القرن العشرين ومفكريهم. بدأت علاقتهما بقراءة كامو رواية "الغثيان" لسارتر وإعجابه بها، الأمر الذي دفعه بعد عامين لكتابة أولى رواياته "الغريب" ولتبدا علاقة صداقة متينة مع سارتر.

بدأت المشكلة بينهما عندما أصدر كامو كتابه "الإنسان المتمرد" وقام أحد محرري مجلة الأزمنة الحديثة التي يرأسها سارتر بكتابة هجوم عنيق ضد كتاب كامو مما أغضب كامو لاعتقاده أن سارتر وراء هذا الهجوم. شعر كامو بالخيانة وقد كان الخلاف بين المعلم وتلميذه حديث باريس، فقد هاجم كامو تعاطف سارتر مع الحملة الستالينية ورأى أن المتمرد لديه عقل مستقل في حين أن الثوري هو شخص تسلطي يعقلن القتل دائماً، وقد حاول أن يبرهن أن العنف دائماً غير مبرر حتى إذا كان وسيلة لغاية.

منذ عام 1951 لم يتحدث سارتر ولا دي بوفوار مع كامو، لكنهم كتبوا عنه يوم وفاته بحادث سيارة مقالين منفصلين كانا غاية في الرقة والوفاء لصديق سنوات الخوف والحرية والبهجة، كما وصفه سارتر في نعيه.


آرثر رامبو وبول فرلين
مبدعين من شعراء القرن العشرين. علاقتهما من أكثر العلاقات إلهاماً وتشجيعاً وتدميراً لبعضهما البعض، شاعرين فرنسيين شابين هربا من باريس وعاشا في منزل بائس في إحدى ضواحي لندن. أطلق فرلين النار على صديقه رامبو عندما رفض الأخير التخلي عن قراره في العودة إلى باريس. قد لا تكون المشاجرة هي السبب في هجر رامبو للشعر نهائياً، ولكنها جعلته يتخلى عن حياة الشاعر الفوضوية في العشرين من عمره ليصبح تاجراً في افريقيا.

إرنست همنجواي وفيتزجيرالد
كان همنجواي معروفاً بخشونته وعدم لطفه مع فيتزجيرالد فرغم أنهما كانا صديقين مقربين في البدء إلا أن صداقتهما تمزقت في النهاية بمزيج من الغيرة والكحول والمال. في روايته "وليمة متنقلة" تكلم همنجواي بصراحة عن مشاكل فيتزجيرالد الزوجية ومصاعبه الفنية ناعتاً إياه بالمخنث والجبان، فعلق فيتزجيرالد قائلاً: "من فضلك دعني وشأني في الكتب". وهكذا اقتصرت علاقتهما على المنافسة الأدبية.

كما تنازع همنجواي مع قامة أدبية أخرى هي ويليام فوكنر الذي قال عن همنجواي إنه لم يعرف عنه أبداً أنه استخدم كلمة تجعل القارئ يعود إلى القاموس، فأجابه هنجواي إجابة لاذعة: "مسكين فوكنر، هل يعتقد حقاً أن المشاعر الكبيرة تأتي من الكلمات الكبيرة؟".

جابرييل جارسيا ماركيز وماريو بارغاس يوسا
كانا صديقين مقربين إلى أن وجه يوسا لكمة إلى وجه ماركيز ، ورغم رفض الاثنين الافصاح عن سبب المشاجرة، يشاع أن ماركيز نصح زوجة يوسا بأن تطلقه لأنه كان يخونها مع امراة أخرى.

فلاديمير نابوكوف وادموند ويلسون
اختلفا هذين الصديقين حول ترجمة نابوكوف لكتاب بوشكين "يفغيني اونيغين" إذ قال ويلسون بأن الترجمة كانت سيئة ومنمقة والمفردات غير دقيقة، فرد نابوكوف مندداً بحس صديقه العامي وافتقاره للذوق وبكونه قارئ عادي حصيلته من المفردات لا تتجاوز 600 كلمة أساسية!
ليس نابوكوف الروسي الوحيد الذي كان يتشاجر مع آخرين، وإنما أغلب الأدباء الروس مثل تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف كانوا يتشاجرون فيما بينهم فقد انتقد دوستويفسكي تورجنيف وتحدى تولستوي تورجنيف ودعاه إلى مبارزة.


ويليام وردزورث وصموئيل تايلر كوليردج
كانا صديقين يقرأ كل منهما أشعاره للآخر ويتبادلان النصائح والنقد ويتشاركان الإلهام والطموح. عندما أصدرا كتاباً مشتركاً بعنوان "الأناشيد الغنائية" وهو جهد مشترك بين مؤسسي العهد الرومانسي وضعا فيه أسس الحركة الرومانسية في الأدب الإنجليزي، أصر وردزورث أن يطبع اسمه فقط على عنوان الكتاب، ورغم الموافقة الظاهرية لكوليردج إلا أنه شعر بالإهانة وكتب لويليام غودوين يقول: "بعد أن أظهر لي ما هو الشعر الحقيقي، أثبت لي وردزورث أنه هو نفسه لم يكن شاعراً".
..

ترجمة وإعداد فريق رفـّي

* من كتاب: في صحبة الكتب لـ علي حسين


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...

بين الكتب والقرّاء


المزيد »