أدباء جيدون.. رجال سيئون!



أيمكن لإنسان سيء أن يكتب أدباً جيداً؟

أيمكن لإنسان لا أخلاقي، أن يكون مبدعاً وفناناً ومنتجاً لفن رائع؟ 

لو تأملنا في سير المبدعين عبر العصور لوجدنا أن الأشرار، أو أولئك الذي يفكرون ويتصرفون بطريقة قد يجدها معظمنا بغيضة، ينتجون فناً جيداً..

الموسيقي والكاتب المسرحي الألماني ريتشارد فاغنز كان معاد للسامية، كذلك كان الشاعرين تي إس اليوت وعزرا باوند، جان جينيه كان لصاً ورامبو مهرب بضائع، بايرون يرتكب زنا المحارم، وفلوبير يمارس المثلية الجنسية مع القاصرين. ميشيل ويلبك الكاتب الفرنسي المعادي للإسلام، يكتب رواية يحذر فيها الفرنسيين من خطر المسلمين على بلاده. جون شتاينبك الكاتب الأمريكي الأشهر يؤيد الغزو السوفياتي لفنلندا كما كانت له مواقف مشينة من الحرب الأمريكية في الفيتنام. جان جاك روسو صاحب المؤلفات في التربية يتخلى عن تربية أبناءه الخمسة تاركاً إياهم في ملجأ للأيتام!

بيكاسو يتصدر قائمة المبدعين الذين أساءوا معاملة النساء، فمن بين نساءه السبعة، أصيبت اثنتان منهن بالجنون، وانتحرت اثنتان. أما نورمان ميللر فقد قتل إحدى زوجاته في نوبة غضب. الرسام الإيطالي كارافاجيو والكاتب المسرحي بن جونسون كلاهما قتل رجلاً في مبارزة.

وهكذا نرى أن الشذوذ، السرقة، إساءة معاملة النساء، العنصرية، معاداة السامية، الإسلام_فوبيا، الإجرام، الإدمان، والكثير من الرذائل قد وصمت حياة الكثير من المبدعين ممن تركوا فناً جيداً.

لماذا نعتقد إذاً أن على الفنان أن يكون إنساناً أفضل منا؟ بالنسبة للفنان الصلاح والفساد صفات أخلاقية، أما بالنسبة لفنه فالصلاح والفساد مجرد مصطلحات تعبر عن قيم جمالية لا علاقة لها بالفضيلة. بل إن الفصل بين الفن والفضيلة يذهب أبعد من ذلك، إذ ليس فقط الشخص السيء يكتب رواية جيدة أو يرسم لوحة جيدة، وإنما الرواية الجيدة واللوحة الجيدة يمكن أن تصور شيئاً سيئاً، كما فعلت لوحة بيكاسو "غرنيكا" أو رواية فلاديمير نابوكوف "لوليتا".

يمكن للفن أن يطهرنا، يلهمنا، يبهجنا، يصقل إدراكنا، ويوسع فهمنا وتعاطفنا. بسببه نشعر أننا أناس أفضل. فإذا كان الفن يحدث هذا الأثر فينا لمجرد أننا نقيمه، فكيف لا يعكس شيئاً أفضل وأكثر صدقاً وإلهاماً في حياة الشخص الذي أنتج هذا الفن؟

لنعكس السؤال قليلاً: هل يمكن لشخص طيب أن ينتج أدباً جيداً؟ هل يمكن لأناس أخيار أن ينتجوا فناً عظيماً؟ 

لا شك أن هناك الكثير من الفنانين والمبدعين قد عاشوا حياة أخلاقية فلم يضربوا زوجاتهم ولم يضطهدوا اليهود ولم يتعصبوا ضد الأديان الأخرى ولم يتهربوا من الضرائب، ولكن الفن العظيم يتطلب درجة عالية من التركيز والالتزام وتكريس الذات، أو الأنانية، مما يجعل الفنان ليس شخصاً خارجاً عن القانون، بل شخص له قانونه الخاص.

ولأن الفنان يعيش لفنه أكثر مما يعيش من أجل الآخرين، نجد السير الذاتية لمعظم مبدعي القرن العشرين مليئة بقصص الزيجات الفاشلة والأبناء المهملين. وهنا يبرز الكاتب الأمريكي إرنست همنجواي كمثال حي على ذلك، فبعد أربع زيجات وولدين عاقين نجد أن حياته كانت أقل إلهاماً من أعماله، يكتب له ابنه جريجوري، الابن الأكثر موهبة بين أبناء همنجواي الثلاثة، في عيد ميلاده الحادي والعشرين قائلاً: "عندما يسجل كل هذا يا أبي ستكون: كاتب بعض القصص الجيدة، لديه رواية وطريقة فهم جيدة للواقع، ومدمر لخمسة أشخاص- هادلي، بولين، مارتي (زوجة همنجواي الثالثة) باتريك، وربما أنا نفسي. من تعتقد أنه الأهم في حياتك؟ هراء أنانيتك وقصصك أم البشر؟".

مات جريجوري ابن همنجواي بالتسمم الكحولي ومازال سؤاله حول علاقة الفن بالحياة بلا جواب واضح ، إلى أي حد تستحق هذه القصص مهما كانت جيدة ، الألم والتعاسة الذي تسببه للآخرين. بالطبع لم تكن القصص وحدها هي من أنزل هذا الدمار بعائلة همنجواي، فهناك الإدمان والشهرة ومغازلة النساء وحادثين في الطائرة خلفا أضراراً جسدية وربما عقلية على همنجواي الذي لا شيء يمنحه الأعذار سوى قصصه!

في حالة أخرى أكثر تعقيداً من حياة همنجواي، نجد تشارلز ديكنز الذي يعتبر أعظم من همنجواي كفنان وأفضل منه كإنسان على كافة المقاييس التقليدية. فقد كان ديكنز مصلحاً اجتماعياً، وبطلاً للفقراء والمحتاجين، بنى مدرسة للأطفال ومأوى للمشردين، وكان الشخصية المحبوبة والأكثر احتفاء في انكلترا أكثر حتى من الملكة.

قضى ديكنز طفولة بائسة فقرر أن ينشى أطفالاً أفضل حالاً، لكنه أثبت نفسه كزوج سيء ووالد مهمل، فبعد عشرة أطفال أصبحت زوجته سمينة ومريضة مما جعله يشعر بالملل والامتعاض منها فنفاها من حياته وأقام علاقة مع ممثلة ناشئة في الثامنة عشرة من عمرها. كتبت ابنته كاتي تقول: "لا شيء يفوق بؤس وتعاسة منزلنا" في الوقت الذي كان فيه ديكنز يكتب روايات لا مثيل لها عن الحب والدفء والسعادة الأسرية. كان رجلاً ذو طاقة هائلة فبعد نهار طويل من العمل، يشعر بالأرق فيخرج ليلاً ليمشي 20 ميلاً أو أكثر. هذا الرجل الذي نحبه قام بإرسال ابنه إدوارد وهو في السادسة عشر من عمره في الباخرة إلى استراليا لأنه كان ولداً صعب المراس وغير مؤهل لمهنة مناسبة في لندن، ولم يره بعد ذلك أبداً.

فهل كانت القصص بالنسبة لديكنز أيضاً أهم من البشر؟ لا أحد لديه الجواب، فالشيء القاسي في طبيعة الفن، أنه يتطلب من ممارسيه استغراقاً تاماً في ذواتهم لدرجة تجعلهم يبدون لا إنسانيين.

..
ترجمة وإعداد فريق رفـّي

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 1
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...