الأدباء والحزن الخبيث!



يقول لويس ولبرت في كتابه "الحزن الخبيث": يتحول الاكتئاب أحياناً إلى مرض قاتل إذا بدأت فكرة الانتحار تراود المريض، وهو أمر شائع بين المصابين بالاكتئاب، إذ يقدم على الانتحار شخص من بين عشرة أشخاص مصابين بالاكتئاب الحاد.

الاكتئاب هو "فقدان الروح"، هو الشعور بالخوف والقلق والعزلة والحزن دون سبب واضح، هو كآبة عميقة ومستمرة، كما وصفه كوليردج في قصيدته(انقباض):

"حزن دون ألم، فارغ، موحش، مظلم

يخنقني، يكبتني، ولا أجد متنفساً

في الكلمات أو الآهات أو الدموع"

ويرى أرسطو أن الكآبة سمة المبدعين من الفنانين والكتاب، فقد كان الاعتقاد السائد أن الإفرازات السوداء هي المحفز على الإبداع، لهذا نجد معظم المبدعين والنابغين في مجالات الفلسفة والسياسة والفن والشعر مصابين بالكآبة. وقد عبّر الكثير من الكتّاب عن مشاعرهم ورغبتهم في الانتحار ومنهم الشاعر بيرسي بيش شيلي الذي قال:

"هل لجسدي الواهن الضعيف

أن يستريح أخيراً في ظلال هذه الغابة الكئيبة

فتنطفئ شعلة الحياة وتخبو روحي

وأغلق عيني للأبد

وتحلّق روحي إلى المجهول

بعيداً عن الألم الذي خطّ

على وجهي الذابل قصة الجنون"

أما الأديب ليو تولستوي فقد حاول الأديب تولستوي الانتحار كذلك قبل ارتداده إلى الدين عندما كان في الخمسين من عمره، ووصف تجربته في كتابه "اعترافاتي"، حيث يقول في الكتاب إنه كان سعيداً ويتمتع بصحة جيدة، بيد أنه فكر في الانتحار مراراً، وهو أمر محير دون شك، وهذا بالطبع أحد المتناقضات التي تميز الاكتئاب: "لا أجد أي معنى لحياتي، فكل يوم وكل خطوة تقرّبني من الهاوية وأرى نهايتي أمام عيني، فلا أستطيع التوقف أو التراجع ولا يمكنني التعامي عما ينتظرني من عذاب حتى الموت الذي سيتكفل بمحو كل شيء، وهأنذا الرجل السعيد، سليم البدن لا أملك من أمري شيئاً، تجرني قوة طاغية إلى هلاكي غير أنني لا أنوي الانتحار، لكنها قوة عظيمة وطاغية تلك التي تسحبني بعيداً عن الحياة، قوى توازي تعلقي بالحياة وتشبثي بها فلا أملك حيالها إلا التمني. لقد راودتني فكرة الانتحار وظلت تلح عليّ حتى إنني أحاول خداع نفسي وإبعادها عن هذه الفكرة، فأنا لا أريد أن أتسرع، وأحاول تنظيم أفكاري قبل أن أقتل نفسي، لقد كنت سعيداً، ومع ذلك فقد أخفيت حبلاً كان موجوداً في غرفتي لأتجنب شنق نفسي به بين رفوف الكتب في غرفة مكتبي حيث كنت أقف وحيداً وعارياً كل ليلة، تتجاذبني الرغبة في الانتحار بعد أن نحيت جانباً فكرة استخدام المسدس، لأنه طريقة أسهل من اللازم للتخلص من حياتي. لم أكن أعرف ما أريد، وكنت خائفاً من الحياة، ومع ذلك فقد كان هناك بصيص من الأمل يجذبني إليها".

والكثير من الأدباء قد أقدم على الانتحار فعلاً. لقد فسروا العالم لنا، وأخبرونا عن تقلبات الحياة ولكن عندما تعلق الأمر بهم، وجدوا أنه من الصعب التأقلم مع الواقع.

1

آن سكستون

الشاعرة التي عانت من اكتئاب هوسي وانتحرت عندما كانت في السادسة والأربعين من عمرها، بعد أن تركت عددا من القصائد التي تصف ألمها ومعاناتها، ومنها هذه القصيدة بعنوان "مرض حتى الموت":

تخلى الرب عني

وجفّ البحر وبهتت الشمس

تسرب الرب من أصابعي فصارت حجراً

وظلّ جسدي ذبيحة معلقة في المسلخ

جاءني زائر بحبة برتقال

منعني يأسي من تذوقها

رأيت الرب فيها، فلم أمسسها

جاء القس وقال:

الرب موجود للجميع حتى لهتلر

فلم أصدقه

لأن الرب تخلى عني

لم أعد أسمع غناء الطيور

تخلت الطيور عني

لم أعد أرى الغيوم الخرساء

لكنني رأيت يقيني

يتحطم على فوهة البركان 

سأتشبث بالحياة، قلت لنفسي

جاءوني بالأناجيل والصلبان

جاءوني بزهرة أقحوان صفراء

لم ألمسها

كنت مشوهة، أطفح قذارة

حاولت الزحف نحو الرب

لكنني تجمدت ولم آكل خبز الرب

فأكلت نفسي

قضمة تلو الأخرى

وغسلتني الدموع

موجة بعد موجة

وأطل عليّ يسوع من علاه

واقترب مني ضاحكاً

وفي فمي نفخ من روحه

فقلت أنت أخي ورفيقي

وتركت الأقحوانة الصفراء

لجارتي المختلة في السرير المجاور

.

آن سكستون انتحرت بنفس الطريقة التي وصفتها في كتبها، ارتدت معطف أمها الفرو، ملأت لنفسها قدحاً من الفودكا، أغلقت على نفسها الكراج، شغلت محرك سيارتها واستنشقت اول اكسيد الكربون.

2


ريونوسكيه اكوتاجاوا

أقدم الكاتب الياباني راينوسوك أكوتاجاوا على الانتحار عام 1927 عندما كان في الخامسة والثلاثين من عمره، وترك لنا في كتابه "حياة الأحمق" بعض التفاصيل عما كان يعانيه: "لم تعد لدي القوة الكافية لمواصلة الكتابة، فحياتي سلسلة من الآلام المتواصلة، ألا يوجد من يتكرم علي بقتلي بهدوء في أثناء نومي؟".

3


سيلفيا بلاث

منذ كان عمرها 11 عاما، شكلت الكلمات بالنسبة لها درعاً. فمن خلال الكلمات فقط تخطت محنة موت والدها واكتئابها وخيانة زوجها. كانت طموحة، فمنذ سني مراهقتها واصلت مراسلة دور النشر رغم تلقيها رسائل الرفض من الناشرين، وشيئاً فشيئاً بدأت بالانزلاق في نوبات الأرق والاكتئاب.

تقول:"أريد أن أقتل نفسي، للهرب من المسؤولية، لكي أزحف عائدة باستسلام إلى رحم أمي". تدل قصائدها ويومياتها على كونها شخصية عصابية، إذ لم تكن قادرة على التواصل مع الواقع، كانت ممزقة بين حبها لزوجها تيد هيوز وبين اشمئزازها من خيانته لها، وبين فرحها لرؤية نجاحه الأدبي كشاعر، ويأسها من فشلها الأدبي.

في النهاية حتى كلماتها المفضلة لم تستطع انقاذها. الشتاء الانكليزي الكئيب، ضغط تربية طفلين، العمل كربة منزل، حبها لزوجها، كلها أدت لانهيارها. وهي على أعتاب الشهرة وضعت رأسها في فرن مطبخها وماتت مختنقة.

4


جيرار دي نيرفال

كان رومانسياً حقيقياً. والعالم بالنسبة له جحيم لا يطاق: "هذا العالم كوخ حقير، ومكان سيء السمعة. أشعر بالخجل من أن يراني الله هنا". وكرومانسي حقيقي وقع بجنون في الحب وكان عصابياً. أحب المثلة جيني كولون لكنها تزوجت غيره وتوفيت بعد فترة وجيزة. حدث له أول انهيار عصبي حاد في عام 1841، وعانى خلال حياته انهيارات ونوبات عصبية اضطر خلالها لدخول المصحة إلى أن أنهى حياته بشنق نفسه بواسطة قنديل الشارع.

5


فرجينيا وولف

تنتمي للطبقة الأرستقراطية، نشأت في بيئة محاطة بالأدباء والمثقفين أمثال برتراند راسل وفيتجنشتاين. كانت فيرجينيا تعاني من الهوس الاكتئابي الذي قد تكون ورثته عن عائلتها التي كان يعاني بعض أفرادها من الاضطرابات، إضافة لتأثرها بوفاة والداها المبكر والتحرشات الجنسية التي تعرضت لها من قبل أخيها غير الشقيق والأوضاع الاجتماعية السائدة وقتها حيث عاشت بين الحربين العالميتين. في النهاية ملأت جيوبها بالحجارة وسارت باتجاه النهر تاركة رسالة لزوجها:

«أشعر بأنني سأصاب بالجنون مرة أخرى، وأعتقد بأنه لا يمكننا أن نمر بفترة من تلك الأوقات الرهيبة مرة أخرى. لقد بدأت أسمع أصواتاً ولا أستطيع التركيز. وعليه فها أنا أفعل ما أعتقد بأنه أفضل ما يمكنني القيام به... لست قادرة على المقاومة بعد الآن، وأدرك بأنني قد أُفسد حياتك وبأنك ستحظى بحياة أفضل من دوني. أنا متأكدة من ذلك».

6


آرثر كوستلر

واحد من القلائل الذين تمتعوا بهدوء فكري ومنطقي عندما قرر الانتحار. ترك ملاحظة يقول فيها:" إن الغرض من هذه الرسالة هو أن أوضح بما لا يترك مجالاً للشك أنني أعزم على الانتحار عبر تناول جرعة زائدة من المخدرات دون علم أو مساعدة أي شخص آخر". كان كويستلر أحد أبرز المثقفين المناهضين للشيوعية في العالم، لم يكن يرغب بأن يكون شخصاً لا فائدة منه في سن الشيخوخة إذ كان يعاني من مرض باكنسون والسرطان

7


فلاديمير ماياكوفسكي 

أعاد تعريف دور الشاعر في المجتمع. كان يريد كسر أغلال التقليد وكان يؤيد البلاشفة لكن بيروقراطية ستالين خيبت أمله، وبعد يأسه من الناس الذين خانوا الثورة، لعب الروليت الروسي ففاز مرتين وخسر في الأخيرة وللأبد!

8


إرنست همنجواي

الكاتب الذي يمثل القوة الذكورية والذي أحب الملاكمة ومصارعة الثيران والصيد والابحار، هل كان يقاتل الشياطين داخل راسه أيضاً؟ أم كان لديه استعداد وراثي للانتحار باعتبار أن والده وأخوته وحفيدته من بعده كلهم انتحروا؟

9


يوكيو ميشيما

أهم روائي ياباني في القرن العشرين. كان يعاني من التناقضات الجنسية والاجتماعية والساسية. زخرت أعماله اللاحقة بالدم والموت. خطط لموته لأكثر من عام، بعد أن أنهى روايته الأخيرة ورتب أموره المالية أقدم على الانتحار بالطريقة اليابانية التقليلدية احتجاجاً على حالة التأمرك التي تعيشها اليابان.

10


جاك لندن

أول كاتب ملياردير في العالم. عندما كان في رحلته عبر الحيط الهادئ أصيب بمرض استوائي فوجد العلاج في مواد كالأفيون والهيرويين والزئبق مما سبب له فشلاً كلوياً فيما بعد. لا يزال أمر انتحاره مثيراً للجدل، إذ يعتقد الكثيرون أن محاولاته السابقة ومواضيعه الانتحارية في كتبه تجعلنا نشك في أنه قتل نفسه عمداً.

كان رجلا شرساً غريباً ذو مثل اشتراكية، عندما كانت والدته حامل به حاولت الانتحار ولم تنجح، كبر جاك ليصبح قرصان محار، ومنقب عن الذهب وثوري محرضاً على الاغتيالات السياسية وداعياً للإبادة الجماعية لمختلف الاجناس وفقاً لمزاجه. يعتقد أنه كان ثنائي القطب (هو الحالة التي ينتقل فيها المريض بين تقلبات مزاجية متناقضة وحادة) كما كان مدمناً على الكحول وانتحارياً، يشبه أنه قتل نفسه بجرعة زائدة من المورفين.

11


ستيفان زفايغ

كان في المنفى يائساً محبطاً لما وصلت إليه الحال في أوروبا ولم يعد يحتمل خيبة الامل فانتحر في ريو دي جانيرو مع زوجته تاركاً رسالة يقول فيها: "تعلمت كل يوم أن أحب هذا البلد أكثر، ولن يطلب مني أن أعيد بناء حياتي في أي كان آخر، بعد أن غرق العالم الذي تنتمي إليه لغتي وبعد أن قام وطني الروحي، أوروبا، بتدمير نفسها".

12


والتر بنجامين

عندما كان في منفاه في باريس لكونه رجلاً يهودياً، احتل الألمان فرنسا واقتحم الجنود النازيون منزله. انتحر بنيامين في بورت بو على الحدود الإسبانية الفرنسية، بينما كان يحاول الهرب من النازيين.

13


تشيزاري بافيزي

من أهم الأدباء الإيطاليين في القرن العشرين. أسهمت قصة حبه الفاشلة بالإضافة إلى الإحباط السياسي بدفعه إلى الأنتحار عبر تناول جرعة مفرطة من الباربيتورات في عام 1950م .

..

ترجمة وإعداد فريق رفـّي

اقرأ أيضاً: شهقة اليائسين ووجع المنتحرين..


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...