حسن فتحي.. فيلسوف العمارة وشاعرها



ومات حسن فتحي.. أحد المصريين العظماء.

رفيق سيد درويش ومحمود مختار وسلامة موسى وطه حسين ومحمود سعيد وعبد القادر المازني وحسين فوزي وغيرهم من رحيق ثورة 1919، ومفجري الوعي القومي.

عاشق برامز، وعازف الكمان، حيث تتلمذ على يد أستاذه ساندي روزدون عازف الكمان الأول في أوركسترا فيينا عندما جاء إلى القاهرة للعلاج في الثلاثينيات!

مؤسس قرية (القرنة) وباريس بالواحات الخارجية، ومنقذ بيوت النوبة الطينية، وصاحب أول ميثاق لتعمير العالم الثالث من خلال كتابه الفذ "عمارة الفقراء".

ابن الأرستقراطية المصرية الذي أحب الفقراء، وظل يعمل ويحلم من أجلهم تسعين عاماً!

هجر حياة القصور، وأقام في درب اللبانة، في بيت بناه الأمير المملوكي "ملطيلي" منذ ثلاثمائة عام من القباب والحجر.

حصل على أرفع الأوسمة والجوائز العالمية، وقال عنها "مجرد خيبة فلست في حاجة إلى جوائز، بل أريد أن أعمل في وطني"!

عرضت عليه أنديرا غاندي الجنسية الهندية- كنوع من التكريم- إلا أنه رفض شاكراً لاعتزازه بمصريته التي لا تقبل شريكاً!

عمارة الفقراء

في عام 1925 سوف يرى حسن فتحي أول قرية في حياته بمركز طخا: "رأيت أول قرية، وكان منظراً بشعاً! وبدأت أفكر في أمر آخر كيف نبني قرى أفضل".

وكان لا بد من التعرف على أسباب هذا البؤس وعلاقته بهذه الحظائر التي يعيش فيها الفلاحون.. لم تكن بيوتاً!

تساءلت: لقد شهد الريف عمارة جميلة في عصور ماضية مثل مدينة رشيد التي احتفظت بطابعها الإسلامي، وقرية نقادة في صعيد مصر التي احترف أهلها صناعة النسيج، وفي النوبة كان الناس يبنون بيوتهم بأيديهم من الطين، وهو ما نسميه بالنظام التعاوني في البناء! فماذا جرى؟!

جاء محمد علي، وانتزع الأرض من الفلاحين، فأصبحوا أجراء وحدث تغيير هائل (اقتصادي واجتماعي) فذهبت الحرف، ودخلت عمليات البناء في النظام النقدي، ودخلت المواد الصناعية مثل الخرسانة المسلحة وحلت محل الطين والطفلة الحجر. وهكذا لم يعد المالك هو الذي يبني بيته بيديه، ويعاونه أهله، بل أصبح المقاول هو الذي يفعل ذلك، ولم يعد للمستأجر رأي في اختيار شكل وهندسة المنزل.

وبذلك دخل الإسكان في نظام الاستثمار وأصبح سلعة رأسمالية يتم تداولها في الأسواق، ومن هنا بدأ الانهيار والتشويه.

إنهم لا يقيمون بيوتاً، بل علباً من الأسمنت الساخن!

العمارة شخصية مصر!

وصفه "ريفيور" أستاذ العمارة بجامعة أريزونا قائلاً: "حسن فتحي شاعر العمارة الإنسانية وفيلسوفها".

فالعمارة لدى حسن فتحي ليست مجرد بيوت يعيش فيها الناس.

لكنها كما يقول في كتابه "عمارة الفقراء": "تجليات لثقافة الشعب وخصوصيته فهي مكون من مكونات الشخصية الوطنية، وملمح أساسي من ملامحها".

ويروي حسن فتحي في حديث طويل مع الكاتب الكبير محمد عودة:

كان المعماري في مصر القديمة أحد أعمدة الحضارة والمدنية المصرية وكانت المعرفة الكاملة لأسرار الكون والطبيعة شرطاً لا بد من توافره لكي يصبح مهندساً يسند إليه تصميم معبد أو قصر.

وبهذه المعرفة الكاملة وصل الثلاثة الكبار من المعماريين القدامى وهم: "أمحوتب معمار زوسر.. سنحوت معمار الدير البحري.. امنحتب ابن هابو معمار الأقصر" إلى مرتبة القداسة كحملة أسرار الكون، فمصر ليست خالدة لمجرد بقاء أحجارها وأبنيتها، لكنها خالدة للتراث الحي الذي تحمله هذه الأحجار، وستظل تحمله.

رؤية أم نزوة معمارية!

إن فرداً واحداً لا يستطيع بناء بيت واحد، لكن عشرة أفراد يستطيعون بناء عشرة بيوت.

كان هذا هو شعار حسن فتحي، إنه العودة للنظام التعاوني حيث يشارك صاحب البيت في البناء ويساعد "المعلم" وذلك باستخدام المواد المحلية مثل الطين والطفلة وليس الاسمنت أو الخرسانة.

وبالفعل، اصطحب حسن فتحي عا 1943 معلماً واحداً و46 صبياً وقاموا ببناء قرية القرنة، وهنا تنبه المقاولون للخطر الجديد، فقاموا بإغراق القرية ثلاث مرات، وراحوا يسبون حسن فتحي، ويتهمون أفكاره بأنها "نزوات معمارية" ونجحوا في عرقلة مشروعاته ففر إلى اليونان مهزوماً وأقام بها خمس سنوات، ولم يستطع البقاء أكثر من ذلك فغلبه الحنين وعاد ليكتب كتابه "قصة قريتين"!

منزل عمي سام

في رواية "القلعة" للأديب الفرنسي أنطوان دي سان كزوبيري يقول أحد أمراء المغرب: هنا منزل أبي الذي فيه كل خطوة لها معنى.

ويقول حسن فتحي ساخراً: نحن أدرنا ظهورنا لمنزل أبي هذا، لم يعد منزل أبي، وإنما منزل عمي سام الذي كان كل خطوة وراءها دولار!

فالعمارة الأمريكاني هي النمط السائد الآن، بحيث أصبح البيت غربياً.. والإنسان غربياً.

لذلك تركت خطيبتي!

في نهاية العشرينيات يخطب حسن فتحي فتاة مصرية، لكن سرعان ما تفشل الخطوبة بسبب العمارة!

لقد أرادت الفتاة أن تؤسس بيتها على الطراز الأوروبي، لكنه أبى واستنكر!

فقد خشي فتحي أن يشب أولاده في هذه الفوضى المعمارية، لأن البيوت والأثاث تشكل وعي الطفل وشخصيته القومية.

ولعل ذلك الخوف كان وراء عزوفه عن الزواج والإنجاب طيلة حياته، واكتفى بالعيش مع 15 قطة.

يقول حسن فتحي: "عندما انقطعنا عن تراثنا حدثت الفوضى، فالإنسان المصري العربي لونه أسمر، وشعره أسود، وعيناه سوداوان.. إلا أن ابنته لون شعرها أصفر وعيناها زرقاوان، فمن أين ذلك؟ إنه التأثر بالبيئات الغربية والانقطاع عن التقاليد الثقافية والحضارية، لقد فعل الاستعمار بنا ما لم يفعله في أي بلد آخر، فقد ترك لنا مسخاً مشوهاً من الأفكار وطرائق الحياة.

الموت بالخرسانة!

ولقد مات الأطفال في كوم أمبو عندما تم استخدام الخرسانة المسلحة في البناء، لأن العمارة ليست نابعة من البيئة.

فالأبحاث أكدت أن الحرارة الداخلية في المساكن الخرسانية أعلى بعشرين مرة من الحرارة الخارجية، لذلك كان لا بد من استخدام الحجر أو الطفلة باعتبارها مواد البيئة السائدة، ولا بد في التصميم من مراعاة مسألة الحرارة حتى لا يموت الأطفال.

لو تركوني أعمل!

لماذا يفر المصريون من بيوتهم؟ ولماذا يعانون جميعاً قلقاً عصبياً في داخلها؟

يجيب حسن فتحي:

لأن هندسة البيت المصري في المدينة لم تبن لمصريين ولم تكن ملائمة حتى تسكن إليها أرواحهم.

انظر إلى هذه الأبنية القبيحة، إنها تشويه معماري وثقافي، وخيانة لتراثنا وحضارتنا المصرية.

آه لو تركنا المقاولون ومهندسو الحظائر والجراجات لنبني قرانا ومدننا المصرية بمواد مصرية خالص على طرز مصرية وعصرية خالصة لو تركنا هؤلاء الخونة لنوقظ في أصبع الفلاحين عبقرية البناء المتوارثة.. لو.. لو..

إن أفكاري تفضح خيانتهم لذلك حرص المقاولون والمستوردون تجار الحديد والاسمنت على محاصرتها حتى لا ترى النور.

وللأسف نجحوا في ذلك.

..

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...