بطاقة الأحوال "الشعرية"



ما هو الشعر؟

كان ذلك في صيف عام 1975 عندما وجه إليه أحد الصحفيين سؤالاً عن معنى الشعر، وتوقف أمل دنقل عن مداعبة خصلة شعره الجانبية، واتسعت حدقتا العينين فجأة، وقال له" الشعر يا سيدي هو بديل الانتحار"! هكذا ظل أمل دنقل يموت كل يوم عبر ثلاثين عاماً من الشعر..

..

محل الإقامة: المقاهي والفنادق!

لم يعرف أمل دنقل معنى الاستقرار طيلة حياته، ولم يفعل شيئاً سوى كتابة الشعر. فمنذ غادر قريته - قادماً إلى الإسكندرية ثم القاهرة. عاش حياة البسطاء، وظل عنوانه "مقهى ريش- ميدان سليمان باشا" لا يحمل أوراقاً، ولا يحلم بغير الشعر. ولا يمتلك بيتاً حتى بعد زواجه في عام 1978. وظل ينتقل بين الفنادق والحجرات المفروشة حتى استقر على سريره الأبيض في معهد السرطان.

كان يقول: إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين.

..

المهنة: شاعر!


لم يعرف الوظيفة أبداً، ومن المفارقات العجيبة أن يوسف السباعي أصدر قراراً بتعيينه في مؤسسة "دار الهلال" كاتباً وصحفياً عام 1974، لكن أمل لم يذهب قط، ولم يتسلم وظيفته الجديدة.. ورغم العروض التي قدمتها العديد من المجلات والصحف العربية كي يعمل بها، كان يقول ساخراً: "إنني لا أفهم كيف أكون شاعراً وشيئاً آخر!"

..

الانتماء: ظاهرة محيرة!

ظل أمل دنقل ظاهرة محيرة لأجهزة الأمن الرسميةفي بلادنا! فقد اعتبرته في مرحلة مبكرة شيوعياً وقامت بفصله من الاتحاد الاشتراكي بالإسكندرية عام 1964، والطريف أن أمل لم يكن عضواً بالتنظيم في هذه الأثناء. ثم في مرحلة متقدمة اعتبرته أحد دعاة القومية العربية ومنعته من التعامل مع الإذاعة والتليفزيون ومنعت أشعاره من النشر في المجلات والصحف الرسمية. وفي عام 1977 كتب في أحد تقارير أجهزة الأمن "إن أمل دنقل ينادي بضرورة العنف الاجتماعي، وهو الأمر الذي يهدد السلام الاجتماعي واستقرار الطبقات".. كان أمل دنقل يرى أن الشعر هو "العالم الجميل والموازي لذلك الواقع القبيح".

..

الهواية: قراءة شعر الآخرين!

كان يحفظ أشعار الآخرين ويتلوها في جلساته وكأنه قائلها.. كان لا يحب أن يقرأ أشعاره للآخرين ويحب أن يقرأ أشعار الآخرين فقط. كان يتنفس الشعر ويعيشه، وعندما يكتشف قصيدة لشاعر يحرص أن يقرأها لكل أصدقائه، وذات مرة رأيته سعيداً ومبتهجاً وعندما سألته السبب، راح يقرأ لي قصيدة بعنوان "خلاسية" لشاعر سوداني يدعى "محمد إبراهيم مكي وقال لي تمنيت لو أكتب هذا المقطع:

"أواه.. يا خلاسيه

يا نصف عربية

ونصف زنجية

وبعض أقوالي أمام الله

من اشتراك اشترى للحزن غمداً

وللأحزان مرثية!"

والخلاسية تعني المرأة الملونة، وظل أمل مفتوناً بهذه القصيدة حتى النهاية.

..

العلامة الفارقة: الكبرياء!


كان يكره الشكوى، والتعري والضعف، ويعشق الكبرياء والجسارة والفروسية. كان يأبى أن يتألم من مرضه.. وفي إحدى الليالي طلبت منه أن يصرخ بأعلى صوته وكان الوجع يفتك بخلاياه وأحشائه، فابتسم لي قائلاً: "يجب أن تحمل عذابك وحدك، لأن الصراخ يعني دعوة الآخرين للمشاركة"! كان يعتبر مرضه مسألة خاصة به وكان لا يتكلم عن ذلك المرض اللعين.

..

حالة الوفاة: مثل السيف فردا!

قبل موته بيوم واحد.. كنت بجوار سريره وكان قد تغير تماماً، وتسلل الشلل إلى نصفه السفلي ويجاهد أن يكمل مرثيته في الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل وهي آخر ما كتب. ودنوت بوجهي منه وسألته: كيف حالك يا أمل؟.. أجاب: "ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فرداً.." ولا أظن أنه قال شعراً بعد ذلك، لأنه فارق الحياة بعد ساعات قليلة.

..

من كتاب: عن الحب والسجن والتسكع العاطفي


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...