روح الحياة والجمال قابعة في المطبخ تقطع الباذنجان


 

"إذا أرادت امرأة الكتابة فعليها أن تمتلك غرفة تخصها وحدها وبعض المال"

هذا ما حاولت فيرجينيا وولف شرحه في كتابها "غرفة تخص المرء وحده" وهو عبارة عن محاضرات طلب منها إلقاءها حول موضوع "الكتابة والنساء"  فراحت تستعيد مسيرة النساء في الكتابة التي لم تظهر بشكل واضح إلا في القرن الثامن عشر، مع روايات الأخوات برونتي وجين أوستن وجورج إليوت، وهي هنا تقارن بين صورة النساء المتخيلة في الأدب ووضع المرأة الواقعي في العصر الإليزابيثي حيث كتب شكسبير أعظم مسرحياته:

..

إنه أمر مستغلق ولغز أزلي ألا تكون امرأة كتبت كلمة واحدة من الأدب في ذلك العصر، عهد الملكة اليزابيث الأولى، الذي أفرز أدباً فوق العادة، وبدا أن ما من رجل عاشه إلا وكان في مقدوره كتابة أغنية و قصيدة.

ما الظروف التي عاشت تحتها النساء آنذاك؟ يقوم البروفيسور ترافيلون في "تاريخ انجلترا: حول ضرب الزوجات: كان حقاً معترفاً به للرجال ، وكان ويمارس بلا تحفظ أو خجل في جميع الطبقات على اختلافها  ..والابنة التي كانت ترفض الزواج من رجل اختاره لها أبواها، كانت تحبس، وتضرب وتعامل بعف دون أن يكون في ذلك أي شيء يصدم الشعور العام.

لكن حتى والأمر هكذا، يقول البروفيسور ترافيلون: فلا نساء شكسبير ولا النساء اللواتي يظهرن في المذكرات واليوميات التي وصلتنا من القرن السابع عشر كانت تنقصهم قوة الشخضية.

فبالتأكيد، لو أننا تأملنا هذه المقولة لوجدنا أن كليوباترا كانت امرأة لا تعدم الوسيلة، وكانت ليدي ماكبث ذات إرادة قوية ومستقلة وكذلك فيدرا وكراسيدا وروزالندا وديدمونة ودوقة مالفي، هذا فيما يخص الدراما أما فيما يخص كتاب النثر فلدينا: ميلامانت وكلاريسا، وبيكي شا وآنا كارنينا وإيما بوفاري ومدام دي جيورمانت - إن الذهن ليزدحم بأسمائهن وليس بينهن من تنقصها "قوة الشخصية والعزيمة".. والحق يقال : إن النساء لو لو لم يكن لهن وجود سوى في الأعمال الإبداعية الدرامية والروائية التي كتبها الرجال لظننا أن المرأة في غاية الأهمية، فهي تظهر في مظاهر البطولة والدهاء واللؤم والبهاء والخسة، متناهية الجمال ومتناهية القبح، في عظمة الرجال بل إن بعضهم يضعها، في مرتبة أعظم.

يظل أمراً مستغرباً وغير مبرر أنه في مدينة أثينا كانت النساء في وضع أقرب إلى أوضاع القمع الشرقية، يعاملن بقسوة بوصفهن خادمات أو محظيات ومع هذا تنتج الدراما شخوصاً مثل كلايتمنسترا وكاسندرا اتوسا وأنتيجون وفيدرا وميديا وكل البطلات الأخريات اللواتي يهيمن على مسرحية تلو المسرحية من أعمال يوريبيدس "كاره النساء" ولم يتم تبرير أو شرح ذلك التناقض على نحو شاف. ففي الحياة كانت النساء المحترمات بالكاد يظهرن في الشوارع أو يظهرن وجوههن، وفي المسرح كن أنداداً للرجال بل قد يتفوقن عليهم. وفي الدراما المعاصرة نجد الشيء نفسه، ففي كل الأحوال وبإلقاء نظرة سريعة على أعمال شكسبير ، وإن لم ينطبق الأمر على مارلو وجونسون، يستمر تصوير النساء بوصفهن مبادرات من روزالند وحتى ليدي ماكبث وكذلك لدى راسين، فتحمل تراجيدياته أسماء بطلاتها ولا نستطيع مقارنة أبطاله من الرجال بهرميون أو أندوماكي أو بيرينيس أو روكساني، أو فيدرا أو أتالي. وكذلك الأمر مع إبسن، أي رجل يرقى أن يكون نداً لسلوفييج أو نورا أو هيدرا أو هيلدا وإنجل. وكذلك ربيكا وست؟

ولكن، يظل هذا الوضع داخل حدود الأعمال الإبداعية (التأليفية). أما في الواقع فيؤكد لنا البروفيسور ترافاليون: أن المرأة كانت تحبس وتضرب ويلقى بها في قسوة على أرضية الغرف.

وبذا يبرز إلى الوجود كائن مركب: في حيز الإبداع هي كائن غاية في الأهمية أما في الواقع العملي فلا أهمية لها على الإطلاق. الشعر يعج بها من الجلدة للجلدة ولكنها تكاد تكون لا وجود لها في التاريخ. إنها تهيمن على حيوات الملوك والغزاة في الروايات المسرحيات وفي الواقع كانت أم لأي صبي أجبرها أبواها على أن تضع خاتم الزواج منه في إصبعها. إن بعضاً من أكثر الكلمات إلهاماً ومن أعمق الأفكار في الأدب تخرج من بين شفتيها، ولكنها في واقع الأمر كانت بالكاد تقرأ ونادراً ما تستطيع التهجي وكانت ملكاً لزوجها.

كان وحشاً غريباً ذلك الذي يظهر للمرء بعد أن يكون قد قرأ المؤرخين أولاً، وتبعهم بقراءة الشعراء، دودة لها أجنحة النسر، روح الحياة والجمال قابعة في المطبخ تقطع الباذنجان.

من حين لآخر يظهر اسم امرأة بعينها: إليزابيث أو ماري أو سيدة عظيمة ما. ولكن لا تظهر امرأة واحدة من الطبقة الوسطى لها عقل راجح و شخصية قوية وقد أسهمت في الحركات الكبرى (أي ما يؤلف رؤية المؤرخ عن الماضي).

..

من كتاب: غرفة تخص المرء وحده


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 2
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...