محطات في حياة مالكوم إكس



يعد من أشهر المناضلين السود في الولايات المتحدة وهو من الشخصيات الأمريكية المسلمة البارزة في منتصف القرن الماضي، والتي أثارت حياته القصيرة جدلاً لم ينته حول الدين والعنصرية، حتى أطلق عليه "أشد السود غضباً في أمريكا". 

 

..

تفاحة مالكوم التي غيرت قوانين حياته!

شهد مالكوم الصغير كيف أصبح الأطفال السود أطفال الدولة البيضاء، وكيف تحكم الأبيض في الأسود بمقتضى القانون. وكأي طفل بعد مقتل والده وتشتت العائلة شعر بالضياع والغربة، ولكن هذا لم يمنعه من أن يظل كما هو في السابق من جد واجتهاد في المدرسة، ولكنه بات يكره البيض عكس ما كان عليه في السابق من تعامل عادي معهم. ويقول مالكوم إن عام 1934 كان أسوأ أعوام حياته هو وإخوته، حيث الأزمة الاقتصادية الطاحنة آنذاك التي زادت من مرارة أيامهم، وعرفوا فيها معنى الفقر الحقيقي، وكيف يمكن للإنسان أن يبيت جوعاناً، ويحرم من أبسط حقوقه. ويقول مالكوم إنه في تلك الأيام عرف السرقة، حيث بدأ يصطحب أخاه فيلبرت إلى محلات البقالة، ويتحين الفرصة كي يسرق شيئاً يسد به رمقه هو إخوته، وأن أول شيء سرقه كان تقاحة!

 

..

 

لا يحق لك أن تحلم.. فأنت أسود!

يقول مالكوم: كنا في بداية السنة الثالثة ثانوي، وكنت في الصف مع مدرس يدعى مستر ستراوسكي، أستاذ اللغة الإنجليزية، وكان رجلاً طويلاً، محمر البياض، ذا شارب كثيف، والذي كنت قد حصلت منه على أفضل وأعلى درجاتي، واستشعرت أنه يحبني، وكان يغالي في إسداء النصح لنا فيما يجب أن نقرأه أو نفعله أو نعتقده. ويضيف مالكوم: حدث أن قدم مستر ستراوسكي نصيحة غيرت مجرى حياتي، ولم يقصد بها إهانتي أو إحراجي، وإنما نبعت من كونه في النهاية رجلاً أبيض، فرغم كوني أفضل تلاميذه إلا أنه كان من خلالها يتنبأ كما يتنبأ البيض للسود فيما يتعلق بمستقبلهم في دولة عنصرية!

يقوم مالكوم: في نهاية اليوم الدراسي طلب المدرس مستر ستراوسكي من طلابه أن يتحدثوا عن أمنياتهم في المستقبل، وجاء دوري فتمنيت أن أصبحت محامياً.. فماذا حدث؟

يستطرد مالكوم: غير أن مستر ستراوسكي نصحني ألا أفكر في المحاماة لأنني زنجي وألا أحلم بالمستحيل، لأن المحاماة مهنة غير واقعية لي، وأن علي أن أعمل نجاراً، وكانت كلمات الأستاذ ذات مرارة وقسوة على وجداني كشاب، لأن الأستاذ شجع جميع الطلاب على ما تمنوه إلا أنا صاحب اللون الأسود، لأنني في نظره لم أكن مؤهلاً لما أريد وأتمنى!

 

..

 

الزنوج فئران تجارب في مختبرات البيض!

لا تزال الدراسة الشهيرة باسم "دراسة توسكيجي لمرض الزهري" تعتبر نقطة شائنة في التاريخ الأمريكي. فقد بدأت هذه الدراسة المأساوية عام 1932 كمشروع للصحة العامة في ولاية ماكون واستمرت على مدى 40 عاماً، وارتكزت على أساس ترك حوالي 400 أمريكي من أصل أفريقي من الطبقة الفقيرة يعانون من مرض الزهري دون علاج ودون إعلامهم بذلك. وكان هدف الباحثين مراقبة كيفية تطور المرض لدى الرجال من العرق الأسود في مراحله الأخيرة، وفيما إذا كان يختلف عن تطوره عند الرجال البيض، وفحص آثاره المخيفة من خلال إجراء تشريح لجثث المصابين بعد الوفاة. إلا أن هذه الفضيحة لم تكن الأولى ولا الأخيرة في استغلال العنصر الإفريقي الأسود كفئران تجارب في الأبحاث الطبية في الولايات المتحدة.

في عام 1855 روى أحد العبيد الفارين وكان اسمه جون براون، كيف أن الطبيب الذي كان يملكه أحدث قروحاً في جسده ليراقب إلى أي عمق كان جلد الأسود يمتد. ومن الواضح أن غاية ذلك الطبيب وغيره من الذين كانوا يقومون بتجارب مماثلة، لم تكن علاجية، بل مجرد فضول لمعرفة طبيعة المظهر الخارجي للسود. وكان أحد حوافز استخدام السود في التجارب الطبية أيضاً حماية العرق الأبيض من الخضوع لمثل هذه التجارب الخطيرة والمؤلمة والقاتلة في كثير من الأحيان. فقد طور الدكتور مارين سيمز، مثلاً، وهو أحد كبار الأخصائيين في أمراض النساء في القرن التاسع عشر، الكثير من علاجاته النسائية من خلال إجراء تجارب على نساء سود من العبيد، كان يحرمهن من أي مسكنات أو تخدير للتخفيف من آلامهن.

وفي عام 1945 أصيب إيب كايد، وهو سائق شاحنة أمريكي أسود، بجروح خلال حادثة في ولاية تينيسي نقل على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم، لكنه وضع دون علمه ضمن تجربة للتلوث الإشعاعي كانت تجري تحت إشراف لجنة الطاقة الذرية الأمريكية. وكان سكان فلوريدا من السود يعرضون عمداً لأسراب من البعوض الذي يحمل الحمى الصفراء وأمراضاً أخرى خلال تجارب كان الجيش الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية يجرونها في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين. وخلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي استخدم السجناء السود في سجن فيلادلفيا هولمسبورج كفئران تجارب في أبحاث كانت تجريها جامعة بنسلفانيا لاختبار علاجات جلدية وأدوات تستخدم للنظافة الشخصية، ولا يزال بعض أولئك السجناء يشتكون من آلام وأعراض جانبية نتيجة تلك التجارب حتى الآن.

 

..

 

الفرق بيننا وبينهم أنهم لم يقعوا بيد العدالة بعد!

في عام 1947 تأثر بأحد السجناء ويدعى بيمبي الذي كان يتكلم عن الدين والعدل فزعزع بكلامه ذلك الكفر والشك من نفس مالكوم، وكان بيمبي يقول للسجناء: إن من خارج السجن ليسوا بأفضل منهم، وإن الفارق  بينهم وبين من في الخارج أنهم لم يقعوا في يد العدالة بعد، ونصحه بيمبي أن يتعلم، فتردد مالكوم على مكتبة السجن وتعلم اللاتينية.

يحكي مالكوم اكس في مقاله "تعلم أن تقرأ" عن تجربته داخل السجن الذي دخله قبل أن يتم عامه الحادي والعشرين، وهناك عرف عجزه عن كتابة بعض الخطابات، ولذلك قرر أن يعلم نفسه بنفسه، يقول مالكوم إنه كان محبطاً جداً عندما اكتشف أنه لا يستطيع التعبير عن نفسه أو عما يريد قوله في خطاباته.. ولكن الناس الذين سمعوه بعد ذلك يتحدث في محاضراته أو في التليفزيون لم يكونوا ليصدقوا أنه لم يكمل تعليمه، وأن كل هذا العلم قد تعلمه خلال 7 سنوات قضاها بالسجن.

 

..

 

كتب مليون كلمة في السجن!

في البداية كانت محاولاته في القراءة تبوء بالفشل، فهو لا يعرف معظم الكلمات المكتوبة وكأنها باللغة الصينية، ولكن هذا خلق لديه دافعاً قوياً ليدرس اللغة عن طريق القاموس، لذا طلب قاموسا وبعض الأوراق من سجانه، وعندما جاء القاموس ظل ليومين يقلب في صفحاته مندهشاً، فلم يكن يصدق أن هناك هذا العدد الهائل من الكلمات، ولم يكن يعرف أي الكلمات أكثر أهمية ليدرسها، لذا بدأ في كتابة القاموس، فقام بنسخ الصفحة الأولى كما هي تماماً، وقد أخذ هذا منه يوماً كاملاً، بعدها بدأ في قراءة ما خطه بيده بصوت عال، مرة تلو الأخرى لنفسه، وفي اليوم التالي لم يكن سعيداً فقط بالتعرف على كلمات جديدة، ولكنه كان سعيداً لاكتشافه معاني هذه الكلمات، فقد فتح له بحوراً جديدة من المعرفة. ويوماً بعد يوم بدأ يعرف مالكوم إكس عالماً جديداً من خلال الكلمات، أماكن وأحداثاً وأشخاصاً.. وصفحة بعد صفحة وقسماً بعد قسم، ومع الممارسة أصبحت العملية تتم بشكل أسرع، ويقول مالكوم إنه بكتابته للقاموس وللخطابات يكون قد كتب أكثر من مليون كلمة داخل السجن. وبعد أن درس مالكوم هذا العدد الهائل من الكلمات استطاع ولأول مرة أن يلتقط كتاباً ويقرأه بشكل كامل، ومنذ ذلك الوقت وبعد خروجه من السجن كان يقضي كل أوقات فراغه في القراءة، والتي يقول عنها: "إنها جعلت الشهور تمر بدون حتى أن أشعر انني مسجون، في الحقيقة إنني لم أكن حراً في حياتي مثلما كنت في ذلك الوقت".

..

عندما يصبح السجن واحة بفضل الكتاب!

بدأ في تثقيف نفسه فبدأ يحاكي صديقه القديم بيمبي، ثم حفظ المعجم فتحسنت ثقافته، وبدا السجن له كأنه واحة، أو مرحلة اعتكاف علمي، وانفتحت بصيرته على عالم جديد، فكان يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة، وعندما تُطفأ أنوار السجن في العاشرة مساء، كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح فقرأ قصة الحضارة وتاريخ العالم، وما كتبه الأسترالي مانديل في علم الوراثة، وتأثر بكلامه في أن أصل لون الإنسان كان أسود، وقرأ عن معاناة السود والعبيد والهنود من الرجل الأبيض وتجارة الرقيق، وخرج بآراء تتفق مع آراء إليجا محمد في أن البيض عاملوا غيرهم من الشعوب معاملة الشيطان.

وقرأ أيضاً لمعظم فلاسفة الشرق والغرب، وأعجب بـ سبينوزا لأنه فيلسوف أسود، وغيرت القراءة مجرى حياته، وكان هدفه منها أن يحيا فكرياً لأنه أدرك أن الأسود في أمريكا يعيش أصم أبكم أعمى، ودخل في السجن في مناظرات أكسبته خبرة في مخاطبة الجماهير والقدرة على الجدل، وبدأ يدعو غيره من السجناء السود إلى حركة "أمة الإسلام" فاشتهر أمره بين السجناء.

..

مالكوم إكس يؤدي فريضة الحج..

تأثر مالكوم بمشهد الكعبة المشرفة وأصوات التلبية، وبساطة وإخاء المسلمين، يقول في ذلك: في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس، إن أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام، لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية فيها". وقضى 12 يوماً جالساً مع المسلمين في الحج، ورأى بعضهم شديدي البياض زرق العيون، لكنهم مسلمون، ورأى أن الناس متساوون أمام الله بعيداً عن سرطان العنصرية.

وفي مكة عرف إكس الكثير عن الإسلام الصحيح دين محمد صلى الله عليه وسلم. فغير كثيراً من اعتقاداته ودخل في الإسلام، ويروي لنا إكس لقاءه مع الملك فيصل بعد أداء فريضة الحج فيقول: دخلت عليه فقام من مكتبه وجاء نحوي. أي للسلام، وكان طويلاً ووسيماً، أشار إلى مقعد مواجه لمقعده فجلست، حاولت أن أعبر له عن امتناني لما لقيته من تكريم فحرك يده قائلاً: ما ذلك إلا كرم مسلم مع مسلم آخر، ثم قال له الملك فيصل:إذا كان كل ما كتبته الصحف صحيحاً فإن ما يتبعه المسلمون السود ليس هو الإسلام الصحيح، قال إكس: فقلت له إن هدفي من الزيارة معرفة الإسلام الصحيح، فقال الملك: هذا جيد، واصل إكس تنقلاته بين الدول الإسلامية لمعرفة الإسلام وأحوال المسلمين السود ثم رجع لبلده ونتيجة للشهرة التي اكتسبها ولفضحه لأكاذيب إليجا محمد وادعائه أنه نبي الإسلام، أمر إليجا محمد بقتله على حد قوله قبل أن يردى قتيلاً بعد وقت قصير.

 ..

 

اقرأ أيضاً: لمحات من حياة مالكوم إكس


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 1
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...