بماذا يتشاطر الكُتاب؟

  • أضيف بواسطة: رماء ذكرالله
  • 06 أغسطس 2017
  • الوقت المقدر لقراءة التدوينة:


بَيْنَ قِرَاءَاتِي الْمُتَنَوِّعَةِ ، كُنْتُ دَائِمًا أَبْحَثُ عَنْ مَا يَتَقَاطَعُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالْمُؤَلِّفِينَ الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرِينَ وَالْمُخَضْرَمِينَ . . . لِلْفَلَاسِفَةِ وَالرِّوَائِيِّينَ وَالْمَسْرَحِيِّينَ حِينَمَا قَدَّمُوا أَعْمَالًا اسْتَطَاعَتْ جَذْبَ انْتِبَاهِنَا وَاحْتَلَّتْ مَكَانَةٌ فِي أَفْكَارِنَا لَمَّا كَانَتْ تَحْوِيهِ تِلْكَ الْكِتَابَاتِ مِنْ حَقَائِقَ أَحْيَانًا وَتَوَقُّعَاتٍ صَائِبَةً فِي الْغَالِبِ .فقد نجد ذلك واضحاً في مسرحية رأس المملوك الجابر لسعد الله ونوس التي تحمل إسقاطات على الواقع السياسي الراهن الذي نعيشه لتجعلنا نعتقد أنها كتبت للتو، أما غوستاف لوبون قام بدوره بتحليل نفسية الجماهير حينما قدّم علماً مغايراً لعلم النفس الفردي والذي يتحدث فيه عن انصهار الفرد بالجماعة من حيث أرائه وتأثير الغالبية على رأي الفرد ما يكون سبباً في تجمع المظاهرات رغم اختلاف المطالب الفردية  وهنا تترسخ الفكرة لدى القارئ حينما يجد نفسه مضطراً للمقارنة بين ماقدمه الكاتب من أكثر من مائة عام وبين مانعيشه في زمننا الحالي.

أننا نقرأ لعرافين من نوع أخر ، يقدمون لنا تنبؤاتهم المختلفة بقوالب روائية  أو فلسفية أو تحليلية تختلف عن تنبؤات الفلكيين -الذي يتسابقون للظهور على شاشات الفضائيات-  لملء عقل المشاهد بما لايُطعم من جوع. فمن أكثر ما تقاطع فيه هؤلاء الكتاب، سردهم لتاريخ الإضهاد الفكري وقمع المفكرين على مر العصور، كما فعل برادوي الأمريكي في روايته الشهيرة فهرنهايت ، والتي تُرجمت أيضاً إلى عمل سينمائي في ستينيات وسبعينيات القرن الحالي،  حيث رسّخ فيها تجربة القمع الفكري أو الإرهاب المعرفي من خلال إحراق الكتب والذي يهدد بدوره أهداف السلطة القمعية بتوطيد ديكتاتوريتهم  على العامة كما حدث أيام الخلافة الأندلسية حينما أ ُحرقت مكتبات قرطبة التي كانت أول من صنع الورق في أوروبا الأندلسية، حيث شهدت الأندلس في القرنين الخامس والسادس للهجرة إحراق الكتب بأمر من أمراء الطوائف ، كما أحرقت كتب الإمام ابن حزم الظاهري وفي عهد دولة المرابطين يوسف بن تاشفين ، أُحرقت كتب الإمام الغزالي  , ولم يخل عهد الخلافة الأموية  من إحراق الكتب أيضاً وكذلك إبان الثورة الايطالية والفرنسية .ولم يكن عهد هتلر النازي أقل حظاً في قمع الفكر والمعرفة ، فمع كل جبروته العسكري ، لم يكن يخاف شيئاً كخوفه من الفكر الحر المستقل، حيث قام من خلال وزير إعلامه جوبلز الذي يؤمن إيماناً أعمى بالمنطق النازي- بمحكامة كل ما صدر قبل عصره من كتب وأراء وأفكار، وكان يرى في معظم الإنتاج السابق على العصر النازي جريمة فكرية كاملة تستحق العقاب والمقاومة. فقد أصدرت الحكومة النازية مرسوماً وصفته بأنه إجراء دفاعي ضد الأعمال الشيوعية التي تهدد الدولة. وينص هذا المرسوم على فرض قيود على الحق في حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة ، بالإضافة إلى المرسوم الذي ينص على مراقبة الرسائل والإتصالات التليفونية والبرقية، كما أباح للسلطة الحق في تفتيش البيوت بدون أمر القضاء.  وقد شهدت برلين عام 1933 حادثاً فريداً في تاريخ ألمانيا وهو حريق الثقافة الذي أُقيم وكأنه احتفال وطني برعاية الدولة النازية وإشرافها حين تم حرق كتب عدد من المؤلفين ذوي الشهرة العالمية أمثال توماس مان ، وهنيريخ مان ، وألبرت أينشتاين وغيرهم ,وكان هذا الحريق رمزاً لكراهية العقل الشجاع والرفض الكامل للتفكير المستقل والدعوة المتعصبة للتخلص من الاختيار الحر الذي تقوم عليه الثقافة الحقيقة العميقة والاستسلام للفكرة الواحدة والرأي الواحد. وبذلك أثبت هتلر بطريقة مباشرة أن بغض الثقافة  والفكر هي السمة الأساسية لكل طاغية لأن الطغاة بطبعهم لا يحبون الفكر ولا المفكرين ،فكل عقل حر يؤدي إلى تنوير العقول وتحريض الناس على الفهم والمعرفة وقيادتهم بالتالي إلى الاعتراض على الإنحراف والخطأ الذي يتمتع به الطغاة ، صوّر ذلك شكسبير أيضاً في مسرحيته يوليوس قيصر حينما جاء في حوار له مع انطونيو يقول: لوكان لقيصر أن يخشى أحداً ويتجنبه، فليس هناك أحد أجدر بهذا الأمر من ذلك النحيل كاسيوس ، إنه عاكف على القراءة ولا يخفى عليه شئ وهو كثير التفكير، ومثل هذا الرجل لا يمكن أن يأمن الإنسان جانبه أبداً...) أما طغاة اليوم فإنهم يمارسون ذات القمع عبر سياسة تكميم الأفواه وتقييد حرية التعبير في وسائل التواصل الاجتماعي لذا لانجد الفارق الكبير سوى بطريقة التنفيذ.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...

بين الكتب والقرّاء


مما قيل في الحب..

05 أغسطس 2017
المزيد »