عندما تصبح القراءة.. حياة



دونالين ميلر، معلمة لمادة القراءة في إحدى المدارس الأمريكية، تتحدث في كتابها "الهامسون بالكتب" عن تجربتها في تحفيز الطلاب على القراءة لتكون جزءاً من حياتهم كما كانت القراءة بالنسبة لها دوماً.. أسلوب حياة.. تتحدث عن ذلك فتقول:

.

يمثل تعلم القراءة إحدى ذكرياتي المبكرة. كانت والدتي تملك شركة مقاولات كهربائية، ونظراً لكونها أماً عزباء، كانت تضطر أحياناً لاصطحابي معها في رحلات برية، وفي أثناء رحلاتنا على الطريق السريعة بين تكساس وأركنساس، كانت تقرأ لي لافتات الطرق، وتشيد بي كلما "قرأت" لافتة ماكدونالدز أو تكساكو. وبما أنني كنت أبلغ بالكاد ثلاث سنوات آنذاك، كنت بلا شك أردد الألوان وأشكال اللافتات التي تعرفت عليها، لكنني سرعان ما تمكنت من القراءة بنفسي. كانت أمي هي كل عالمي، وهي التي أدخلت القراءة إلى هذا العالم. وعندما أسترجع كيف قضيت طفولتي منكبة على قراءة الكتب على الدوام، أتساءل أحياناً إن كانت أمي قد ندمت على أنها حفزتني على القراءة في هذه السن المبكرة للغاية.

.

كانت والدتي تخشى من أن أصبح غير ناضجة اجتماعياً بسبب انهماكي في القراءة وحدي في غرفتي، لكن القراءة- على العكس من ذلك- كانت تربط بيني وبين أهم أشخاص في حياتي. فزوجي، دون، قارئ. وقد أيقنت أنه مقدر لنا الحياة معاً للأبد عندما اكتشفت في موعدنا الثالث أنه قد قرأ- وأحب- أحد كتبي المفضلة آنذاك، وهو كتاب ستيفن كينج "الصمود"، الذي يتناول الصراع بين الخير والشر في أعقاب انتشار وباءٍ ما. يسير دون عادة بخطى بطيئة أمام خزانة الكتب في غرفة معيشتنا، وينادي عليّ متسائلاً: "ماذا لديك لي لأقرأه." إن الكتب خطابات حب (أو اعتذار) نمررها بيننا، مضيفة مستوى آخر من الحوار يتجاوز كلماتنا المنطوقة. ولا يستطيع أي منا تخيل قضاء حياته مع شخص لا يقرأ.

.

تدور بعضٌ من ذكرياتي المفضلة مع ابنتينا أيضاً حول الوقت الذي قضيناه معاً في تشارك الكتب، فقد قرأنا- أنا ودون وسيليست- معاً سلسلة هاري بوتر كاملة بصوت مرتفع، حيث كنا نقرأ كل كتاب من السلسلة بمجرد أن يُنشر، وقد بدأنا قراءة أول كتاب من هذه السلسلة عندما كانت سيليست في التاسعة من عمرها، وبعد انتهائنا من آخر كتاب منها كانت قد بلغت السابعة عشرة. بكيت آنذاك، ليس فقط لأن ملحمة رولينج قد انتهت، وإنما لأنني رأيت أن رحلة تنشئة طفلتنا الجميلة قد أوشكت على الانتهاء. وعندما انقطع التيار الكهربي عن منزلنا لمدة ثلاثة أيام خلال عواصف الربيع الأخيرة، توسلت إلينا ابنتنا سارة البالغة من العمر تسعة أعوام لكي نقرأ لها قصص الأشباح على ضوء الشموع، مشيرة إلى أن هذه القصص هي- على حد قولها- "أفضل" خيار للقراءة في منزل مليء بالصمت المخيف والظلال المريبة.

.

حتى صداقاتي تحمل في جوهرها حب الكتب، فقد توثقت أواصر الصداقة بيني وبين ماري- أفضل صديقاتي- لكوننا والدتين وقارئتين عندما كنا نصطحب أطفالنا إلى المكتبة العامة كل يوم أربعاء على مدار إجازتين صيفيتين. كنا المستعيرتين الوحيدتين بالمكتبة اللتين كانتا تحتاجان إلى عربة تُجر باليد ماركة راديو فلاير لحمل جميع الكتب التي كنا نستعيرها كل أسبوع. نتحدث أنا وماري عن كثير من الأمور الرائعة- مثل أبنائنا وآبائنا وزوجينا والسياسة وما نسمعه بالإذاعة الوطنية العامة- لكننا دائماً ما نخصص وقتاً للحديث عن الكتب المحببة إلى قلبينا أيضاً.

.

إنني قارئة أنتمي إلى تلك الفئة من القرّاء الذين يقرؤون على ضوء مصباح الجيب تحت الأغطية، ويحملون كتاباً معهم أينما ذهبوا، ولا ينظرون إلى فاتورة موقع أمازون الإلكتروني خاصتهم. وأختار حقائب اليد على أساس إن كان بإمكاني حشر كتاب ذي غلاف ورقي فيها أم لا، وتكون كتبي أول الأشياء التي أحزمها في حقيبة السفر. وأنا ذلك الشخص الذي يتصل به أفراد الأسرة والأصدقاء عندما يحتاجون إلى ترشيح لكتاب يقرؤونه، أو عندما لا يمكنهم تذكّر من كتب رواية "هايدي" (كتبتها يوهانا شبيري)

.

إن هويتي الشخصية شديدة التداخل مع محبتي للقراءة والكتب لدرجة أنني لا أستطيع الفصل بين الاثنتين. وشخصيتي هي نتاج الجمع بين كل شخصيات الكتب التي أحببتها بقدر ما هي نتاج الأشخاص الذي التقيت بهم، فأنا لن أتسلق جبل إيفرست أبداً، لكنني رأيت قمته المخيفة المهيبة بعيون جون كراكور وبيك مارتشيلو. أما زيارتي لمدينة نيويورك للمرة الأولى وأنا في الأربعين من عمري، فكانت أشبه بزيارة صديق قديم عرفته من رواية الكاتبة الين لوبل كونيجسبرج "من الملفات المختلطة للسيدة بازل إي فرانكويلر"، ورواية ارك هلبرين "حكاية شتاء". أردت أيضاً الذهاب إلى متحف متروبوليتان للفنون، والاختباء في دورة المياه حتى يغلق المتحف أبوابه، ثم أبحث عن الملائكة. وأعرف من واقع خبرتي الشخصية أن القراء يعيشون حياة أكثر ثراء، بل ويعيشون حيوات أكثر من هؤلاء الذين لا يقرؤون.



  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...

تدوينات أضيفت مؤخراً


حقوق القارئ!

16 يونيو 2017

كافكا العربي!

12 يونيو 2017