كافكا العربي!



كرّس بعض المترجمين حياتهم لترجمة الأعمال الكاملة لمؤلف أحبوه ووجدوا فيه مشروع حياتهم الفكري.. كما فعل جورج طرابيشي مع أعمال فرويد، وسامي الدروبي مع أعمال دوستويفسكي. كذلك فعل المترجم السوري المقيم في ألمانيا، إبراهيم وطفي الذي كان فرانز كافكا مشروع حياته حيث ارتبط به في علاقة روحية وفكرية وصداقة امتدت لأكثر من أربعين عاماً..

يتحدث إبراهيم وطفي في كتابه "اعبد الحياة/رواية حياة في رسائل" عن علاقته بفرانز كافكا وعن معنى الترجمة لمؤلف تعشقه فيقول:


أقرأ وأدرس آثار كافكا والدراسات عنها منذ أربعين عاماً، وأترجمها منذ ستة عشر عاماً دون انقطاع، باستثناء ستة أشهر بسبب مرض. طوال هذه المدة لم يمر يوم لم أعمل فيه شيئاً مع كافكا، سبعة أيام في الأسبوع. رفّ الكتب في مكتبتي المنزلية الذي يحوي آثار كافكا والكتب عنها يبلغ طوله نحو أربعة أمتار. وهناك الكتب الكثيرة باهظة الثمن التي قرأتها بعد استعارتها من المكتبات العامة. كما إن مقالات الصحف والمجلات عن كافكا تملأ عدة مصنفات كبيرة في مكتبتي. ومراسلاتي بالألمانية عن كافكا تملأ عدة مصنفات أخرى. كنت قد أحببت كافكا من الكلمة الأولى، ولو عشت في زمانه ومكانه، لكنّا أصدقاء. هذا ما أحس به بقوة. بل أحس أننا الآن أصدقاء. لقد تعلمت منه الكثير، وعملت من أجله الكثير. كل ساعة أمضيتها معه، كانت وما زالت متعة خالصة.

.

تعلمت من كافكا أكثر مما تعلمت من أي إنسان آخر، وفهمت نفسي وأسرتي والمجتمعين العربي والغربي من كتاباته أكثر ما فهمت من أي كاتب أو مصدر آخر. قرأت، أكثر من مرة، كل كلمة نشرت له، قرأت نحو مئتي كتاب عنه وعدة آلاف من المقالات. ونشرت من كتاباته وعنها نحو ألفي صفحة. وهنك كتاب عرب يعتبرونني المرجع العربي عن كافكا.

.

إن رسائل كافكا إلى فيليس وميلينا هي أكثر رسائل حب في العالم "غرابة". تشعر القارئ أن كافكا إنما هو الشاعر الأعظم للحب. أن تجد كل صباح على طاولة الفطور رسالة كتبها كافكا قبل نحو قرن من الزمان، تقرأها وتشعر بطزاجتها وكأنها وصلت لتوها هذا الصباح.. هذا شعور جميل، ومهما بدا "غرائبياً"، وكأنه من عالم آخر، فإنه شعور حقيقي، واقعي. إنه شعور "كافكاوي" بامتياز. هذا ما كنت أشعر به طوال نحو عامين. كنت صباح كل يوم أثناء تناولي، وحدي، طعام الفطور أقرأ، بدلاً من جريدة، رسالة أو رسالتين من رسائل كافكا. بهذا اكتسبت عادة لم أتخل عنها بعد ذلك الوقت: مع كل تناول طعام فطور أقرأ شيئاً ما عن كافكا. من كتاب أو، بين كتاب وكتاب، أقرأ مقالات تأتيني كل يوم من محرك البحث وأنسخها على ورق.

.

الشرط الأول من شروط الترجمة هي أن يختار المترجم بنفسه الكتاب الذي يترجمه. على المترجم أن "يعشق" الكتاب الذي يترجمه. عليه أن يشعر بقرابة روحية مع الكتاب. من يترجم كتاباً كلِّف بترجمته، يستشعر أثناء الترجمة مذاق نشارة الخشب، ولا يمكنه أن يقدم للقارئ سوى المذاق نفسه. والقارئ الكفء يستشعر هذا المذاق لدى القراءة. ترجمة كتاب حدده شخص آخر غير المترجم لا يمكن أن تكون أكثر من ترجمة تجارية، وغير قابلة لاعتمادها أدبياً. كما إنه لا يمكن تصور تكليف كاتب بكتابة كتاب إبداعي محدد، فإنه لا يجوز تكليف مترجم بترجمة كتاب معين ترجمة إبداعية.

.

لم أعرف مثل هذا التماهي مع شخص آخر أو حالة أخرى. إني أشعر بقرابة روحية مع كافكا. قرابة في التفكير والإحساس بالأمور. إنه أقرب شخص إلي من تعرفت عليهم طوال حياتي، شخصياً أم قرائياً. أشعر أن ثمة حالات وتصرفات أنقلها عنه: في حالات معينة تفضيل الكتابة إلى حبيبة على لقائها. رسائل عديدة مني إلى أهلي نشأت بالطريقة والأوضاع النفسية نفسها التي نشأت فيها "رسالة إلى الوالد".

.

ومع كل قارئ لكافكا أشعر بقرب، بغض النظر عن البعد المكاني. وكل قارئ لكافكا العربي يستحق الذكر، ومني الشكر.

..
إعداد فريق رفـّي

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...

تدوينات أضيفت مؤخراً


حقوق القارئ!

16 يونيو 2017

كافكا العربي!

12 يونيو 2017