في مذكراته "عشت لأروي" يروي جابرييل غارسيا ماركيز سيرة حياته منذ الطفولة وحتى حصوله على جائزة نوبل في الأدب، ويذكر جميع الكتب التي أثرت في تكوينه النفسي والثقافي والتي ترك الدراسة في الجامعة من أجل أن يتفرغ لقراءتها وللعمل في الصحافة. وقد استعار معظم هذه الكتب إما من مكتبة المدرسة أو المعهد أو من أصدقائه الذين يدفعونه لقراءة كتبهم المفضلة. ففي الثالثة والعشرين من عمره كان قد قرأ الكثير من الكتب: "كنت آنذاك هجرت كلية الحقوق بعد ستة فصول دراسية، أمضيتها، قبل أي شيء آخر، في قراءة كل ما يقع تحت يدي، وفي ترديد أشعار العصر الذهبي الإسباني الفريدة من الذاكرة. كنت قد قرأت، مترجمة وفي طبعات مستعارة كل الكتب التي تكفيني لتعلم تقنية قص الروايات: وكنت قد نشرت ست قصص قصيرة في ملاحق صحفية، استحقت حماس أصدقائي واهتمام بعض النقاد. وكنت سأكمل الثالثة والعشرين من عمري في الشهر التالي".

.
"كنت في فترات ما بعد الظهر، بدلاً من أن أعمل لأعيش، أظل أقرأ في غرفتي أو في المقاهي التي تسمح بذلك. كانت قراءاتي في كتب يوفرها الحظ والمصادفات، تعتمد على حظي أكثر من اعتمادها على مصادفاتي، ذلك أن الأصدقاء القادرين على شرائها يعيرونني إياها لفترات محدودة، فأقضي الليالي ساهراً كي أتمكن من إعادتها إليهم في الموعد المحدد".

.

وهذه بعض الكتب التي تذكرها غارسيا بعد مرور خمسين عاماً على قراءته لها..

.

 ذو القناع الحديدي لـ ألكسندر دوما


ما يميز غابرييل غارسيا ماركيز أنه بدأ القراءة في سن مبكرة جداً، وأنه قرأ في كتب الأدب أكثر مما درس في الكتب المدرسية فيقول: "تعلمت من الحياة، أكثر مما تعلمته في المدرسة، وأفضل مما في المدرسة." ، ففي الثانية عشر من عمره عندما كان في الصف الرابع الابتدائي كما يروي لنا:

"جزيرة الكنز" و"الكونت دي مونتكريستو" هما المخدر السعيد في سنوات الأعاجيب تلك. كنت ألتهمهما حرفاً حرفاً، متلهفاً لمعرفة ما الذي سيحدث في السطر التالي. ومتلهفاً في الوقت نفسه إلى عدم معرفة ذلك، حتى لا أكسر السحر. وقد تعلمت منهما، مثلما تعلمت من ألف ليلة وليلة ما لن أنساه أبداً، بأنه يجب أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها.

.

وفي مرحلة تعليمه الثانوي يقول:

لقد كان ذاك هو جوي المثالي، فمنذ مدرسة سان خوسيه، تجذر لدي إدمان قراءة كل ما يقع بين يدي. وصرت أشغل وقت فراغي وكل وقت الدروس تقريباً، في القراءة. وفي السادسة عشرة من عمري، كنت قادراً، بنطق إملائي سليم أو من دونه، على ترديد القصائد التي تعلمتها في مدرسة سان خوسيه، دون أن ألتقط أنفاسي. كنت أقرؤها وأعيد قراءتها، دون مساعدة أو ترتيب، وخفية في معظم الأحيان خلال الدروس. أظن أنني قرأت كامل مكتبة المعهد التي لا يمكن وصفها، والمؤلفة من فضلات مكتبات أخرى قليلة الجدوى: مجموعات كتب رسمية، وميراث أساتذة فقدوا الشهية إلى القراءة، وكتب لا ريب في أنها وصلت إلى الشاطئ من سفينة غارقة لم يدر بها أحد. لا يمكنني أن أنسى مجموعة "المكتبة الريفية" التي أصدرتها دار نشر مينيرفا، بإشراف دون دانييل سامبر أورتيغا، ووزعتها وزارة التربية على المدارس والمعاهد. لقد كانت مجموعة من مئة مجلد، تضم كل ما هو جيد، وأسوأ ما كتب في كولومبيا حتى ذلك الحين. فقررت قراءتها، وفق تسلسلها الرقمي، إلى حيث سمحت به روحي. والأمر الذي ما زال يرعبني حتى الآن، هو أنني كنت على وشك الانتهاء منها خلال السنتين الأخيرتين، ولم أستطع خلال حياتي التالية، أن أحسم إذا ما كانت قد أفادتني في شيء.

وكانت قراءته لـ  كوخ العم توم لـ هارييت بيتشر ستو قد أنقذته في امتحان القبول في السنة الثانية من دراسة الحقوق.

أما بعد دخوله الجامعة فيحكي لنا عن سعادته بالحصول على كتب حديثة لم يكن يحلم بقراءتها سابقاً: صرنا نقرأ الآن كتباً حديثة، كأنها خبز طازج، مترجمة لتوها ومطبوعة في مدينة بوينس آيرس التي عرفت حياة نشر طويلة، خلال الحرب الأوربية الثانية، وهكذا حالفني الحظ في اكتشاف من هم مكتشفون جيداً منذ زمن، مثل خورخي لويس بورخيس، ودي.آتش. لورانس، وألدوس هكسلي، وغراهام غرين، تشيسترتون، ويليام إيريش، وكاترين مانسفيلد وغيرهم.

.

 الجبل السحري لـ توماس مان

أفضل ما في المعهد، هو القراءات بصوت عال، قبل النوم. بدأت القراءات بنصف ساعة كل يوم. فكان الأستاذ المناوب يقرأ من حجرته جيدة الإضاءة الموجودة عندم مدخل قاعة النوم العامة، وكنا في أول الأمر، نسكه بشخير ساخر، حقيقي أو متصنع، ولكنه يستحقه دوماً. ثم امتد وقت القراءة فيما بعد، إلى ساعة، حسب أهمية القصة. وبدأ الطلاب يحلون محل الأساتذة، في مناوبات أسبوعية. وقد بدأت الأزمنة الطيبة، عند قراءة "نوستراداموس" و"ذو القناع الحديدي"، التي أعجبت الجميع. أما ما لم أستطع تفسيره حتى الآن، فهو النجاح المدوي الذي لقيته رواية "الجبل السحري لتوماس مان، والتي تطلبت تدخل المدير لمنعنا من قضاء الليل مستيقظين، بانتظار قبلة هانز كاستروب وكلوديا تشاوشات. أو ترقبنا الفريد جميعنا، ونحن جالسون في الأسرّة، كيلا نضيّع كلمة واحدة من المبارزة الفلسفية المبهمة، بين نابثا وصديقها ستيمبريني. وقد استمرت القراءة، في تلك الليلة، أكثر من ساعة. واحتُفي بها في قاعة النوم، بعاصفة من التصفيق.

.

يوليسيس لـ جيمس جويس

خوسيه ألفارو إسبينوسا، وهو طالب حقوق، جاء في أحد الأيام، ووضع على المنضدة أمامي سفراً ضخماً مرعباً، وأًصدر حكمه بسلطة مطران:

هذا هو التوراة الجديد.

وقد كان ذلك الكتاب، وكيف لا، هو "أوليسيس" لجيمس جويس، فقرأته في نتف متقطعة وبتعثر، إلى أن لم يعد الصبر يسمح لي بالمزيد. لقد كان رعباً مبكراً. بعد سنوات من ذلك، حين صرت ناضجاً منقاداً ، عكفت على قراءته بجد. ولم تكن تلك القراءة مجرد اكتشاف لعالم خاص لم يخطر لي يوماً وجوده في داخلي، وإنما كان كذلك، مساعدة تقنية لا تقدر بثمن، في حرية اللغة، والأفضل في لعبة الزمن والبناء لكتبني

.

 عقدة أوديب لـ سوفكليس

لم أكن أنا نفسي، أتصور آنذاك، أنني سأكون عما قريب، طالباً أفضل مما كنته في أي وقت آخر، في مكتبة غوستافو إيبارا ميرلانو، وهو صديق جديد، عرفني عليه ثابالا وروخاس هيراثو بحماس كبير. كان قد رجع لتو من بوغوتا، بشهادة من دار المعلمين العليا، وانضم فوراً إلى مسامرات الأصدقاء في الأونيفرسال، ومناقشات الفجر في شارع الشهداء. وبين طلاقة لسان هيكتور البركانية وارتيابية ثابالا الخلاقة، أسهم غوستافو بإضافة الصرامة المنهجية التي كانت تفتقدها كثيراً، أفكاري المرتجلة والمشعثة، وخفة قلبي. وكل هذا وسط رقة كبيرة وطبع حديدي.

منذ اليوم التالي، دعاني إلى بيت أبويه على شاطئ ماربيييا، حيث يشكل البحر الفسيح فناء خلفياً. وكانت فيه مكتبة تغطي جداراً كاملاً طوله اثنا عشر متراً، جديدة ومرتبة، تحفظ فيها الكتب التي لا بد من قراءتها من أجل عيش الحياة دون تأنيب ضمير. كانت هناك طبعات لأعمال الكلاسيكيين الإغريق، واللاتينيين، والإسبان، معتنى بها جيداً كما لو أنها لم تُقرأ، لكن هوامش صفحاتها تحمل خربشة ملاحظات حكيمة، بعضها باللاتينية. وكان أكثر ما أقلقه بشأني، هو ازدرائي للكلاسيكيين الإغريق واللاتينيين الذين يبدون لي، مملين وغير مفيدين، باستثناء الأوديسة التي كنت قد قرأتها وأعدت قراءتها، متفرقة، عدة مرات في المعهد. وهكذا، وقبل أن يودعني، اختار من المكتبة، كتاباً مجلداً بالجلد، وقدمه إلى بنوع من الوقار قائلاً: "يمكن لك أن تصير كاتباً جيداً، ولكنك لن تكون جيداً جداً على الإطلاق، ما لم تتعرف بعمق، على الكلاسيكيين الإغريق". كان الكتاب هو الأعمال الكاملة لسوفوكليس. وكان غوستافو، منذ تلك اللحظة، أحد الأشخاص الحاسمين في حياتي، لأن أوديب ملكاً تكشفت لي من القراءة الأولى، عن أنها العمل كامل الإتقان.

.

 ليالي عربية: حكايات من ألف ليلة وليلة

اليوم بينما أنا أسترجع حياتي، أتذكر أن مفهومي للقصة القصيرة، كان بدائياً على الرغم من كثرة القصص التي قرأتها، منذ انبهاري الأول بقصص ألف ليلة وليلة. حتى إنني تجرأت على التفكير في أن العجائب التي ترويها شهرزاد، كانت تحدث فعلاً في الحياة اليومية، في عصرها. ولم تعد تحدث بسبب عدم تصديق الأجيال التالية، وجبنها الواقعي. وكان يبدو لي أنه من المستحيل للسبب نفسه، أن يعود أحد في عصرنا إلى تصديق أنه يمكن الطيران فوق المدن والجبال، على متن حصيرة، أو أن يعاقب عبد من كارتاخينا دي إندياس بالعيش، مئتي سنة، داخل قارورة، اللهم إلا إذا كان مؤلف القصة قادراً على جعل قرائه يصدقون ذلك.

.

 التحول لـ فرانز كافكا

كان أحد زملائي في الحجرة هو دومنغو مانويل بيغا، طالب طب تربطني به صداقة منذ وجودنا في سوكري، ويشاطرني نهم القراءة. وقد رجع في إحدى الليالي، ومعه ثلاثة كتب اشتراها لتوه، فأعارني واحداً لا على التعيين منها، مثلما كان يفعل بكثرة ، لمساعدتي على النوم. ولكنه توصل، في تلك الليلة، إلى عكس ما يريده تماماً: إذ لم أعد قط، إلى النوم بالوداعة السابقة. كان الكتاب هو "المسخ" لفرانز كافكا، في ترجمة بورخيس المزيفة التي نشرتها دار النشر لوسادا في بوينس آيرس. وقد حدد ذلك الكتاب مساراً جديداً لحياتي منذ السطر الأول، وهو اليوم أحد رايات الأدب العالمي: "حين استيقظ غريغوريو سامسا، في صباح أحد الأيام، بعد حلم مضطرب، وجد نفسه في السرير، وقد تحول إلى حشرة هائلة". كانت كتباً غامضة، فتعرجات دروبها لم تكن مختلفة وحسب، وإنما في أحيان كثيرة، مناقضة لكل ما كنت أعرفه حتى ذلك الحين. فإثبات الأحداث ليس ضرورياً فيها: يكفي أن الكاتب قد كتبها لكي تبدو حقيقية، دون أي دليل آخر سوى قدرة موهبته وسلطة صوته. إنها شهرزاد من جديد، ولكن ليس في عالمها القديم، حيث كل شيء كان ممكناً، وإنما في عالم آخر لا خلاص له، ضاع فيه كل شيء. حين انتهيت من قراءة "المسخ" بقيت لدي لهفة لا تقاوم إلى العيش في ذلك الفردوس الغريب. وفي اليوم التالي، فاجأني دومنغو مانويل بيغا نفسه بالآلة الكاتبة النقالة التي أعارني إياها، لكي أحاول شيئاً يشبه موظف كافكا المسكين المتحول إلى صرصار ضخم. لم أذهب في الأيام التالية إلى الجامعة، خوفاً من كسر ذلك السحر، وواصلت تعرق قطرات من الحسد إلى أن نشر إدواردو ثالامبا بوردا، على صفحات ملحقه الأدبي، ملاحظة متفجعة، يتحسر فيها من أن جيل الكتاب الكولومبيين الجدد يفتقر إلى أسماء يمكن تذكرها، وأنه ليس هناك ما يلمح في المستقبل، ويمكنه التعويض وتعديل تلك الحال. لا أدري بأي حق أحسست أنني المعني، باسم أبناء جيلي، بما تتضمنه الملاحظة من تحد..

.

 السيدة دالاواي لـ فيرجينيا وولف

(خلال زيارة غارسيا لأصدقاءه خيرمان بارغاس وألفارو سيبيدا الصحفيين الذين يعملان في جريدة الناسيونال في كارتاخينا): أصر ألفارو على أن يأخذني إلى بيته، لكي أتعرف على مكتبته التي تغطي ثلاثة جدران، من حجرة النوم، حتى السقف. وقد أشار بسبابته إلى الكتب بحركة دائرية كاملة، وقال لي:

- هؤلاء هم الكتاب الوحيدون في العالم الذين يعرفون كيف يكتبون.

كنت في حالة انتشاء، جعلتني أنسى ما كان يعنيه الجوع والنعاس بالأمس. أراني ألفارو كتبه المفضلة، بالإسبانية والإنكليزية. وكان يتحدث عن كل واحد منها بصوته الصدئ، وشعره المشعث، وعينيه الزائغتين أكثر من أي وقت آخر. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها باسم فيرجينيا وولف. وكان هو يسميها العجوز وولف، مثل العجوز فوكنر. وقد استثاره ذهولي حتى بلغ حد الهذيان. تناول كدسة الكتب التي أراني إياها، على أنها كتبه المفضلة، وضعها بين يدي قائلاً:

- لا تكن أبله، خذها كلها، وعندما تنتهي من قراءتها سنذهب لإحضارها أينما تكون.

لقد كانت تلك الكتب بالنسبة لي، ثروة لا يمكن تصورها، فلم أتجرأ على المجازفة بأخذها، وأنا لا أملك حجرة صغيرة بائسة أضعها فيها. واكتفى أخيراً بأن يهدي إلي الترجمة الإسبانية لرواية فيرجينيا وولف "السيدة دلووي" مرفقاً ذلك بنبوءة لا تقبل الاستئناف، بأنني سأحفظها عن ظهر قلب.

.

 المنزل ذو الجملونات السبعة لـ ناثنيال هوثورن

ومرة ثانية عن غوستافو إيباراً يحكي غارسيا: "برؤيته المشفقة كقلب كاريبي، قدم لي جرعات أكثر فأكثر حكمة من الشعراء الإغريق، مع الاستثناء الواضح وغير المفسر أبداً، لأعمال يوريبديس. كشف لي عن ملفيل: مأثرة "موبي ديك"، والموعظة العظيمة حول يونس، من خلال صيادي الحيتان المجربين في كل بحار العالم، تحت القبة الهائلة المشيدة من أضلاع الحيتان. وأعارني "البيت ذو الأسقف السبعة لناثانيال هوثورن الذي أثر بي مدى الحياة. وحاولنا معاً، التوصل إلى نظرية حول حتمية الحنين في تيه أوليسيس الأوديسي، وضربه في الآفاق، حيث ضعنا ولم نجد مخرجاً. ولكنني وجدته محلولاً بعد نصف قرن من ذلك، في نص لميلان كونديراً.

.

 الصخب والعنف لـ ويليام فوكنر

أدركت أن مغامرتي في قراءة "يوليسيس" وبعد ذلك "الصخب والعنف" في العشرينيات من عمري، كان جرأة سابقة لأوانها ومغامرة فاشلة لهذا قررت إعادة قراءتهما بنظرة أقل انحيازاً. وفعلاً ما بدى لي في القراءة الأولى أنه مستغلق وشديد التحذلق، قد تبدى في القراءة الثانية عن بساطة وجمال مرعب.

.

في الإجازة التي قضاها في منزل والديه خلاله سنته الثانية من دراسة الحقوق وصله صندوق من أصدقاءه مليء بالكتب، يقول عن ذلك:

كان أول ما فعلته هو عرض الكتب على منضدة غرفة الطعام، بينما كانت أمي ترفع بقايا الفطور. وكان عليها أن تتسلح بمكنسة، لإبعاد أبنائها الصغار الذين أرادوا قص الصور بمقص لتقليم الأشجار، والكلاب الشاردة التي راحت تتشمم الكتب، كأنها شيء يؤكل. وأنا أيضاً، كنت أشمها، مثلما أفعل دوماً بكل كتاب جديد. تصفحتها جميعها، دون تعيين، لأقرأ منها بانتباه فقرات متفرقة. بدلت مكاني ثلاث أو أربع مرات، في الليل، لأني لم أكن أجد الراحة أو لأن ضوء ممر الفناء الشاحب كان ينفد، واستيقظت، وقد أصبت بالتواء في ظهري، ودون أن تكون قد تشكلت لدي أدنى فكرة بعد، عن الفائدة التي يمكن لي أن أجنيها من تلك المعجزة.

كانت ثلاثة وعشرين عملاً مميزاً لمؤلفين معاصرين، كلها بالإسبانية، ومختارة بنية واضحة، وهي أن تُقرأ من أجل هدف وحيد: تعلم الكتابة، وبينها ترجمات حديثة جداً مثل "الصخب والعنف" لوليم فوكنر، لقد صار من المستحيل، بعد مرور خمسين سنة، أن أتذكر القائمة الكاملة. كما أن الأصدقاء الأبديين الثلاثة الذين يعرفونها، لم يعودوا هنا ليتذكروها. كنت قد قرأت اثنين منها فقط: السيدة دلووي للسيدة وولف، و"مباراة شعرية" لألدوس هاكسلي. والكتب التي أتذكرها أكثر من سواها، هي أعمال وليم فوكنر: البيت الريفي، والصخب والعنف، بينما أرقد محتضرة ، والنخلات المتوحشات. وكذلك مانهاتن ترانسفير، وربما كتاب آخر لجون دوس باسوس، وأورلاند لفيرجينيا وولف، وفئران ورجال، وعناقيد الغضب لجون شتاينبيك، وصورة جيني لروبيرت ناثان، وطريق التبغ لإرسكين كالدويل، وبين العناوين التي لا أتذكرها عن مسافة نصف قرن، كان هناك، على الأقل، كتاب لهيمنغواي، ربما هو قصص قصيرة، لأنها كانت أكثر أعماله محطاً لإعجاب أصدقاء بارانكيا الثلاثة. وكتاب آخر لخورخي لويس بورخيس، لا شك في أنه كتاب قصص قصيرة أيضاً. وربما كتاب آخر لفيليسبيرتو هيرنانديث، القصاص الأرغواني الوحيد الذي كان أصدقائي قد اكتشفوه للتو بإعجاب، قرأتها جميعها في الشهور التالية. بعضها بصورة جيدة وأخرى أقل من ذلك. وبفضلها استطعت الخروج من الليمبوس الإبداعي الذي كنت عالقاً فيه.

..

جمع وإعداد فريق رفـّي عن كتاب "عشت لأروي" لجابرييل غارسيا ماركيز