هكذا قرأت "مئة عام من العزلة"



لن أدّعي أني قرأت الكتاب بسهولة، وأعني القدرة على متابعة القراءة وعدم التخلي عنه في الجزء الأول منه بسبب تعدد الأسماء وصعوبة التركيز مع أحداثه وشخصياته.
حصلت على هذا الكتاب عام 2010. كنت سعيدة بالحصول على نسخة جديدة لمؤلف شهير ومترجم معروف وطبعة بغلاف جميل وحجم  كبير، فاحتل منذ ذلك الوقت مكاناً مميزاً بين كتبي. لا أقلق عادة من وجود كتب لم أقرأها بعد في مكتبتي أو حتى ليس لدي عنها أدنى فكرة، بل على العكس أعتبرها مفاجآت مخبأة وسعادة تنتظرني في أي وقت أحتاجها.
خلال سنوات الحرب تنقل الكتاب معي لعدة أماكن، كان أكثر ما يرعبني أن تحترق كتبي أو تسرق أو تضيع قبل أن أتمكن من قراءتها، لهذا لم أعد أقتني أي كتاب ورقي، فالحروب تبيد الكتب الورقية كما تبيد البشر.
قرأت الربع الأول من "مئة عام من العزلة" أكثر من خمس مرات وفي كل مرة أعيد القراءة من البداية، إلى أن جاء ذلك اليوم من شهر أكتوبر لعام 2016، كان شهراً للقراءة بحق، قرأت خلاله هذا الكتاب خلال أسبوعين متواصلين ودون الانتقال لأي نشاط أو كتاب آخر، كنت أقرأ ببطء ومتعة، لم أعد أشعر بحجم الكتاب ولم أعد أحسب كم تبقى لأعرف النهاية ففي هذا الكتاب لا تهمك النهاية بل تتمنى أن لا تصل إليها أبداً، وكأنك تقرأ ألف ليلة وليلة، قصة تولد من آخرى وهكذا إلى ما لا نهاية من الليالي المبهجة.
ولكن كل محاولات القراءة المتأنية لم تفلح، فلا بد لكل كتاب من نهاية، لهذا كانت المشكلة التالية هي ما الذي سأفعله الآن؟ كيف يمكنني أن أقرأ شيئاً جديداً.. من الصعب الخروج من هذه الرواية والدخول بعالم كتاب آخر وكأنها شيء عابر بين قراءاتك.. شعرت أنه أمر مهين أن أقرأ شيئاً بعدها، لذلك حاولت البقاء في عالم الكتاب أطول فترة ممكنة وذلك من خلال القراءة عنه هذه المرة، فرحت أقرأ عنها كل ما كتب، بحثت عن مؤلفها وقرأت عن حياته ومرحلة تأليفه لهذه الرواية وما أحدثته من أثر في الأدب وكيف تلقاها الناس وكيف قرؤها ويقرؤنها حتى اليوم، كنت أريد أن أعرف إن كان انطباعي حولها يتشابه مع ردات فعل بقية القراء، هل أحبوا مثلي آمارانتا؟ هل تعاطفوا مع عنادها وانتحارها المعنوي وكبرياءها، هل ضحكوا لعبارات أورسولا اللاذعة عندما تنتقد وتسخر من أبناءها وأحفادها وزوجات أبناءها، هل حزنوا لمصير الكولونيل أوريليانو وعزلته في محترفه، هل صدمتهم فكرة التكرار العبثي الذي يقع فيه أبناء بوينديا، في صناعة الأسماك الذهبية أو التطريز أو استعادة الذكريات، هذه الدائرة المفرغة من الانتظار والعزلة التي يعيشونها.. هل عرفوا يوماً شخصية تشبه شخصية فرناندا المصابة بجنون العظمة والتي جلبت معها من منزل والديها مبولة من الذهب؟ هل ضحكوا من جنون أوريليانو الثاني والرحلات التي قطعها صندوق ملابسه بين منزل زوجته وعشيقته؟
أكثر ما أثار دهشتي وحيرتي هو زوجة الكاتب، التي تحملت مسؤولية وحاجات أسرتها خلال 18 شهراً اعتكف فيها زوجها لكتابة عمله الذي لا تعرف بعد إن كان سينجح أو سيفشل.. كيف استطاعت أن تؤمن به وتصبر على رجل مجنون لا يختلف عن خوسيه أركاديو الذي يعتزل في مختبره محاولاً تركيب الذهب واكتشاف المعادن، هل كانت واثقة أن ما يكتبه سيتحول يوماً إلى ذهب حقيقي؟ وسواء كانت مؤمنة بموهبة زوجها أو تعتبره مجنوناً فشكراً لمرسيديس التي منحتنا هذه المتعة.

..
سأضيف هنا ما كتبته على هوامش كل فصل من فصول الكتاب، وأهم الأحداث التي يتناولها كل فصل والأشياء التي استوقتني فيها:

.
الفصل الأول

.

"بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد". أجمل وأكثر البدايات الأدبية غموضاً.
قرية ماكوندو: مؤسسها خوسيه أركاديو بوينديا وزوجته أورسولا، أنجبا ولدين فقط هما: خوسيه أركايو (الرجل العملاق) والكولونيل أوريليانو، وابنة واحدة هي آمارانتا التي تعيش وتموت عزباء. نتعرف في هذا الفصل على شخصية الأب خوسه وهو رجل مهووس بالتجارب ومحب للعلم ومتابع لكل ما يجلبه الغجر من اختراعات وأدوات حديثة، رغم طموحه ومحاولاته لا يحقق شيئاً مما يحلم به، يتجول مستاء في أنحاء منزله مخاطباً أورسولا زوجته: "تحدث في العالم أشياء لا تصدق، فهناك بالضبط، على ضفة النهر الأخرى، توجد كل أنواع الأجهزة السحرية، بينما نواصل نحن العيش كالحمير". إنه ككل رجل يتوق للسفر والمغامرة والبحث عن الجديد والمثير في العالم، فيه شيء من أوديسيوس الذي لا يعود لوطنه أبداً إلا لكي يسافر من جديد، ولكنه لم يستطع تحقيق طموحه هذا رغم محاولته إقناع أورسولا بالهجرة معه بحثاً عن مكان جديد تصله الاختراعات العظيمة فتجيبه رافضة:
-    لن نذهب سنبقى هنا، لأننا أنجبنا هنا ابناً.
-    لكن أحداً لم يمت لنا بعد. والمرء لا ينتمي إلى أي مكان، ما دام ليس له فيه ميت تحت التراب.
-    ردت أورسولا بحزم لطيف: "إذا كان لا بد من أن أموت كي تبقوا هنا، فإنني سأموت.
وينتهي به الأمر إلى فقدان عقله ورفض التحدث سوى باللاتينية فيُربط حتى نهاية حياته إلى جذع شجرة كستناء ضخمة. أورسولا هي أيضاً كزوجة أوديسيوس، التي تنتظر عودة الغائبين والمجانين والثوار والمهاجرين من أبناءها.

.
الفصل الثاني

.

يعود بنا الراوي هنا لنتعرف على قصة زواج أورسولا وخوسيه أركاديو، وهما أبناء عم، فيحكي لنا عن النبوءة التي خافت أورسولا تحققها في أبناءها، وهي انجاب طفل بذيل خنزير وكيف ارتكب زوجها بسبب مخاوفها هذه وسخرية الآخرين وانتقاصهم من رجولته، جريمة قتل كانت السبب في هجرته مع زوجته وبحثه عن مكان يؤسس فيه قرية ماكوندو.
وفي أثناء بحثها عن ابنها خوسيه الذي هرب مع الغجر تعود أورسولا وقد اكتشفت الطريق الذي يربط ماكوندو بالعالم بعد أن فشل زوجها في اكتشافه أثناء بحثه المحبط عن الاختراعات الكبرى.. لطالما استطاعت النساء ببساطة إيجاد الأشياء التي يضيعها الرجال ويقلبون الدنيا بحثاً عنها بينما هي في متناول أيديهم.. فعادة لا يرون الأشياء البسيطة الموجودة حولهم في سعيهم للحصول على الأشياء الكبيرة.

.
الفصل الثالث

.

مع مجيء فتاة مجهولة الوالدين، هي ريبيكا التي تتبناها عائلة بوينديا وتربيها مع أبناءها، يجتاح ماكوندو وباء الأرق، فيكافح خوسيه لمقاومة النسيان بتدوين الملاحظات على كل الأشياء التي يستخدمونها في حياتهم اليومية.

.
الفصل الرابع

.

مجانين الحب
يكبر أبناء بوينديا وينتقلون إلى منزل جديد كبير، ويعيشون فيه مراهتهم وجنون الحب الأول وغيرته. فأوريليانو عاشق لفتاة لا يتجاوز عمرها 12 عاماً هي ابنة أبولينار موسكوتي المبعوث الحكومي إلى ماكوندو. وآمارانتا وريبيكا تقعان في غرام معلم البيانو الايطالي الذي يأتي إلى ماكوندو لتعليهم استخدام البيانولا، فيقع هو في حب ريبيكا بينما تشعل الغيرة قلب آمارانتا التي تنغمس أكثر فأكثر في جلسات التطريز والتفكير فتقرر أنها لن تسمح لهما بإتمام الزواج بينما لا تجد ريبيكا مخرجاً من توترها واكتئابها سوى بأكل التراب. وأرويليانو يحاول استدعاء حبيبته بقوة التخاطر ويرجو لقاءها وهكذا "فاض البيت حباً" وعبر أوريليانو عن ذلك بأشعار لا بداية لها ولا نهاية. كان يكتبها على رقاق خشنة، يهديه إياها ميلكيادس، وعلى جدران الحمام وعلى جلد ذراعيه، وفيها جميعاً تظهر ريميديوس متجلية: ريميديوس في هواء الثانية بعد الظهر المنوم، ريميديوس في تنفس الورود الصامت، ريميديوس في الساعة السرية للعث، ريميديوس في رائحة الخبز عند الفجر، ريميديوس في كل مكان، وريميديوس إلى الأبد.

.
الفصل الخامس

.

زواج أوريليانو من ريميديوس الصغيرة وموتها المبكر الذي يؤجل زواج ريبيكا من الغندور الإيطالي وغيره آمارانتا التي تقسم أن لا تسمح لهما بالزواج. بموت ريميديوس يغلق أوريليانو قلبه في وجه النساء والناس جميعاً، كما يغلق صندوقه على الأشعار التي كتبها لريميديوس ويتجه للحياة السياسية والمعارك والثورات وينتمي لأحد أطراف الحرب رغم عدم اقتناعه بجدوى الحرب ولا بأهمية الانتماء إلى أي حزب سوى لأن عليه أن يكون بصف أحدهم: "إذا كان لا بد أن أكون شيئاً، فسوف أكون ليبرالياً، لأن المحافظين جماعة من المحتالين". ويتساءل كيف يمكن للحرب أن تستمر لعقود كاملة من أجل أسباب تافهة. "ولكنه لم يفهم، في كل الأحوال، كيف يمكن الوصول إلى حد خوض الحرب من أجل أشياء لا يمكن لمسها بالأيدي".
يعود خوسيه أركاديو الذي هرب مع الغجر وقد تحول لرجل عملاق تملأ الوشوم جسده الضخم، فيتزوج من ريبيكا رغم معارضة أمه وطردهما من البيت خوفاً من تحقق النبوءة.

.
الفصل السادس

.

بعد سنوات من محاولتها منع ريبيكيا من الزواج من معلم البيانو وبعد أن نجحت في جعله يحبها ويطلبها للزواج، ترفض الزواج منه فينتحر بيترو كريسبي ويتركها أرملة طيلة حياتها، حيث تحرق يدها في الفرن وتلفها بقماش أسود كدليل على حدادها وندمها وعقابها لنفسها وعنادها، بينما تمضي وقتها جالسة على كرسيها تطرز طيلة الوقت: "كان يمكن القول إنها تطرز في النهار، وتفك ما طرزته في الليل، لا لتهزم الوحدة بهذه الطريقة، وإنما على العكس تماماً، لتحافظ عليها".
 فما هي مشكلة نساء بوينديا.. الأم أورسولا تؤمن بنبوءة وتعيش حياتها متخوفة من تحققها في ذريتها، وابنتها الوحيدة تنذر نفسها للعزلة والوحدة وترفض جميع المتقدمين لخطبتها، أما ريبيكا الابنة المتبناة فبعد موت زوجها تحكم على نفسها بسجن انفرادي لا تخرج من منزلها المتهالك إلا وهي جثة متفسخة، وريميديوس الجميلة التي تصيب الرجال بلعنتها دون أن تفهم سبب ذلك، وميمي المتمردة التي عندما أحبت وتمردت على إرادة أمها نفيت حتى بقية حياتها إلى دير بعيد، وآمارانتا أورسولا التي تتحقق بسببها النبوءة وتموت بعد إنجاب ولد بذيل خنزير. جميع نساء بوينديا منذورات للوحدة والجنون والخراب والعزلة..

.
الفصل السابع

.

خوسيه العملاق الذي سلب الفلاحين أراضيهم وكوّن لنفسه أقطاعية، يقتل في منزله بطلقة رصاص في رأسه، وربما تكون زوجته هي التي قتلته واعتزلت العالم بعد ذلك. والكولونيل أوريليانو ينجو من الإعدام ويتابع القتال ثم يعود إلى ماكوندو فاقداً روحه ويتحول لرجل بلا مشاعر فتقول أورسولا عنه: "إنه يبدو الآن رجلاً قادراً على فعل أي شيء".

.
الفصل الثامن

.

17 ولداً للكولونيل أويليانو أنجبهم خلال سنوات حروبه يظهرون في منزل أورسولا واحداً تلو الآخر ، وأوريليانو خوسيه يقع في حب عمته ويحاول الهرب بعد أن صدته إلى الحياة العسكرية والعيش مع رفاقه في الثكنة. وأورسولا الحاضرة دائماً في كل الأجيال تتحسر على مصير أبناءها: "جميهم سواء. يكونون في البدء جيدي التربية، مطيعين وجديين، يبدون عاجزين عن قتل ذبابة، ولكنهم ما إن يظهر الشعر في ذقونهم، حتى يرموا بأنفسهم إلى الضياع".
والكولونيل أوريليانو يصدر حكماً بالإعدام على صديقه الجنرال خوسيه راكيل مونكادا. ويزوره في سجنه ليخبره "تذكر يا صاحبي أنني لست من يعدمك، وإنما الثورة". فأجابه الجنرال مونكادا: "إذا واصلت بهذه الطريقة، فلن تصير أشد الديكتاتوريين طغياناً ودموية في تاريخنا وحسب، وإنما سيصل بك الأمر إلى إعدام أورسولا كي تهدئ ضميرك". في الصفحتين رقم 196-197 يلخص ماركيز بسخرية مصير الثورات المسلحة وسياسة قادتها، وعبثية الحروب واختلاف أسباب المشاركين فيها: "وجد بينهم من كل شيء: مثاليين، وطموحين، ومغامرين، وحاقدين اجتماعياً، وحتى مجرمين عاديين. بل كان بينهم كذلك موظف سابق من المحافظين لجأ إلى الثورة هرباً من محاكمة بتهمة اختلاس الأرصدة. كثيرون منهم لم يكونوا يعرفون لماذا يقاتلون".

.
الفصل التاسع

.

هل الحرب تدمر فعلاً أرواح البشر أم أن من يشاركون فيها بلا روح أساساً؟ تفكر أورسولا بمصير ابنها أوريليانو وهل الحرب حقاً دمرت روحه وتعاطفه مع الناس أم أنه لم يحب أحد يوماً؟ من يعود من الحرب لا يستطيع أن يعيش حياة طبيعية، لا يستطيع أن يعود للحياة وكأن شيئاً لم يكن، وكأنه لم يقتل ولم يرى رفاقه يقتلون.. وأرويليانو كذلك قد "تعب من شكوكه، ومن الحلقة المفرغة لتلك الحرب الأبدية التي تجده دائماً في المكان نفسه، ولكنه أكثر شيخوخة في كل مرة، أكثر تلفاً، وأكثر جهلاً بلماذا، وكيف، وإلى متى".
حاول الانتحار ولم يفلح فأحرق كل ذكرياته وأشعاره رغم محاولة أورسولا منعه، لكنه أخبرها: "أعذريني فقد قضت هذه الحرب على كل شيء". "لقد وجد نفسه مضطراً إلى إشعال نيران اثنتين وثلاثين حرباً، واضطر إلى خرق كل عهوده مع الموت والتمرغ كخنزير في مزبلة المجد، كي يكتشف، بتأخير يقارب الأربعين عاماً، امتيازات البساطة". ولكنه حتى عندما حاول إيقاف الحرب كان عليه أن يحارب أيضاً ولم يتصور أن بدء الحرب هو أسهل بكثير من إنهائها.
بعد ذلك قرر العودة لمحترفه، حاول عدم الوقوع في أفخاخ الحنين وعدم استعادة أي ذكرى جميلة تربطه بالماضي، فكر ماذا لو أنه تزوج من امرأة أحبها "لكان رجلاً بلا حرب ولا أمجاد لكان حرفياً بلا اسم، حيواناً سعيداً". هكذا يفكر وهو يصنع أسماكه الذهبية هذه الحرفة اليدوية التي حققت له أخيراً طمأنينة الروح وصفاء الذهن، وحتى عندما أرادو تكريمه أصرّ "على أنه ليس شخصية بارز في الأمة، مثلما يقولون، وإنما مجرد حرفي بلا ذكريات، حلمه الوحيد أن يموت من التعب، في نسيان وبؤس أسماكه الذهبية".

.
الفصل العاشر

.

يبدأ الفصل بملاحظة ذكية لأورسولا حول صفات أبناءها: "في تاريخ العائلة الطويل، أتاح لها تكرار الأسماء اللجوج، استخلاص نتائج بدت لها قاطعة. فبينما كان من يدعون أوريليانو منغلقين على أنفسهم، ولكنهم ثاقبو الفكر، كان من يدعون خوسيه أركاديو نزقين وجسورين، ولكنهم موسومون بسمة مأساوية".
وريميديوس الجميلة: فهل هي بسيطة أم بلهاء أم بريئة، الكولونيل أوريليانو وحده لم يراها متخلفة ذهنياً بل كان يقول عنها "كأنها عائدة من عشرين سنة من الحروب". فقد باءت كل محاولات النساء لترويضها وتدجينها وإكسابها آداب السلوك بالفشل، فهي تتصرف ببراءة تصل حد البلاهة. فعندما يموت العشاق بسببها تعلق ببلاهة: "لاحظي كم هو بسيط. يقول إنه يموت بسببي، وكأنني مغص معوي". نساء ورجال بوينديا كما تعبر أورسولاً "إنهم جميعهم هكذا، مجانين منذ الولادة".
ورغم أن الرواية كلها أشبه بألف ليلة وليلة حيث تقرأ فيها حكايات عن أكياس ذهب مخبأة ومؤامرات ولصوص وغجر وسحر وبساط سحري، إلا أن أحد الأوريليانات كان يقرأ فعلاً في كتاب قديم بلا غلاف يحكي عن مصباح يلبي الرغبات وسمكة ببطنها ماسة وسجاجيد تطير، وعندما سأل جدته إن كان ذلك حقيقياً أجابت أورسولا متنهدة: "نعم، وما جرى هو أن العالم أخذ بالضياع شيئاً فشيئاً، ولم تعد هذه الأشياء تأتي".
أوريليانو المبذر الشره الذي يقيم ولائم ومسابقات للأكل ويربي هو وعشيقته بيترا كويتس الماشية التي تتكاثر بشكل غير طبيعي ويعزي ذلك إلى علاقة حبه ببترا التي تؤثر على تكاثر الحيوانات، فينفق ببذخ جنوني لدرجة أن يغطي جدارن المنزل بأوراق النقد أمام رعب أورسولا التي تدعو: "رباه، أعدنا فقراء مثلما كان حين أسسنا هذه القرية حتى لا تحاسبنا في الحياة الآخرة على هذا التبذير".

.
الفصل الحادي عشر

.

أوريليانو الثاني بين زوجته وعشيقته ، تقرأ هنا من أمتع أحداث الكتاب الفكاهية ولا سيما قصة انتقال صندوق ملابسه بين منزل زوجته وعشيقته، والشرط التي تضعه فرناندا الزوجة المتزمتة، بألا يموت إلا في فراش الزوجية، فتكون حياته لعشيقته وموته لزوجته.

.
الفصل الثاني عشر

.

الغرباء يجتاحون ماكوندو بعد تأسيس شركة الموز، ومقتل أبناء أوريليانو السبعة عشر. وتأثير ريميديوس الجميلة على الرجال، التي تذكرنا برواية العطر لباتريك زوسكيند: "وما لم يعرفه أي من أفراد العائلة قط، هو أن الغرباء أدركوا سريعاً، أن ريميديوس الجميلة تطلق رائحة تشوش الذهن، نفثة عذاب، تظل عابقة في الجو بعد عدة ساعات من مرورها. وقد أكد رجال خبراء في اضطرابات الحب، ومجربون في العالم كله، أنهم لم يعانوا قط جزعاً شبيهاً بذاك الذي تحدثه رائحة ريميديوس الجميلة الطبيعية. فسواء في ردهة أزهار البيغونيا، أم في صالون الاستقبال، أم في أي مكان من البيت ، كان بالإمكان تحديد المكان الذي كانت فيه بالضبط، والوقت الذي انقضى منذ أن غادرته. لقد كان أثرها محدداً، لا يمكن الخطأ فيه، ولا يمكن لأحد من أهل البيت أن يميزه، لأنه كان قد اختلط، منذ زمن بعيد، بالروائح اليومية المعهودة، لكن الغرباء يتعرفون إليه فوراً. ولهذا كانوا هم وحدهم من يدركون أن قائد الحرس الشاب قد مات حباً، وأن سيداً قادماً من بلاد أخرى، قد أسلم نفسه لليأس. وغير واعية لأجواء القلق التي تتحرك فيها، والبلاء العميق الذي يسببه مرورها، كانت ريميديوس تعامل الرجال دون أدنى خبث، وتجهز على عقولهم بلطافتها البريئة".

.
الفصل الثالث عشر

.

أورسولا الرائعة تفقد البصر لا البصيرة، وفي فراغ وهدوء شيخوختها تراجع حياتها وتعيد تقييم نظرتها لأبناءها. " فرأت بوضوح، لأول مرة، الحقائق التي حالت مشاغلها دون رؤيتها في أزمنة أخرى.. فانتبهت إلى أن الكولونيل أوريليانيا لم يفقد محبته للعائلة بسبب قسوة الحرب، وإنما لأنه لم يحب أحداً قط، واستشفت أنه لم يخض كل تلك الحروب لدوافع مثالية، وإنما بدافع الغطرسة المحضة والأثيمة.. هو بكل بساطة رجل غير قادر على الحب".وموت الكولونيل ميتة بائسة في مختبره الذي كان يدور فيه في حلقه مفرغة مأساوية: "واصل صنع سمكتين كل يوم، وكلما صار عددها خمساً وعشرين، يعيد صهرها في الحوجلة، ليبدأ بصنعها من جديد". لترعبنا حقيقية ما يمكن للحياة أن تفعله بنا.

.
الفصل الرابع عشر

.

آمارانتا التي لم تتح لها فرصة أن تحضر ثوب عرسها، تحضر كفنها وطقوس موتها بكل تفاصيلها بعد أن أخبرتها ملاك الموت بموعد موتها بالتحديد. وضحية عشق جديدة من بنات آل بوينديا، إنها ميمي ابنة الصاخب محب الحياة أوريليانو، التي تعشق الميكانيكي في شركة الموز وتقابله خفية حتى تكتشف أمها ذلك فتضع نهاية مأساوية لهذا الحب وتنفي ابنتها إلى دير تعيش فيه حتى نهاية حياتها.

.
الفصل الخامس عشر

.

ولادة ميمي التي تنفيها أمها إلى دير وتعتبرها ميتة، وإرسال الطفل إلى أمها لتربيه معزولاً مخفياً عن أعين الناس. ووقوع مجزرة ضد العمال المحتجين في شركة الموز.

.
الفصل السادس عشر

.

هطول المطر لأكثر من أربع سنوات متواصلة أعاد ماكوندو إلى زمن وباء الأرق والخوف من النسيان ومحاولة مقاومته. وانفجار المدّعية فرناندا في شكوى ضد زوجها وأسرة بوينديا بأجمعها خلال ثلاث صفحات متتالية بعد أن رأت زوجها يركب مقابض الأبواب ويفكك الساعات، "تساءلت إذا لم يكن قد بدأ يصاب بآفة فك الأشياء وإعادة تركيبها، مثلما كان يفعل الكولونيل أوريليانو بأسماكه الذهبية، وآمارانتا بأزرار ثيابها وكفنها، وخوسيه أركاديو الثاني بالرقاق، وأورسولا بذكرياتها".

.
الفصل السابع عشر

.

أوريليانو يعود إلى منزل عشيقته رجلاً هرماً بعد أن توقف المطر، ويحاولان استعادة أملاكهما بالعمل في اليانصيب إلى أن يصاب بسرطان الحلق ويموت وتسافر ابنته الصغرى للدراسة وحفيده، ابن ميمي، يتعلم القراءة في غرفة ميلكيادس.

.
الفصل الثامن عشر

.

صوفية قديسة الرحمة تترك المنزل كما دخلته بلا ضجة، بعد أن هرمت وأمضت عمرها في خدمته. وفرناندا تعيش عزلتها في المنزل وحدها مع حفيدها دون أن يتقاسما العزلة.

.
الفصل التاسع عشر

.

عودة آمارانتا أورسولا مع زوجها إلى ماكوندو وترميم المنزل وقصة زواجهما. بينما ابن أختها ميمي، يعيش منعزلاً بين رقاقات ميلكيادس يقرأ بنهم ويتعلم اللغات، دون أن تعرف حقيقة القرابة بينهما. "لم يكن مفهوماً كيف أمكن لامراة لها تلك الروح، أن تعود إلى قرية ميتة، يثقل عليها الغبار والحر". فهي آخر حفيدة في عائلة بوينديا ورغم دراستها في الخارج وتعرفها على العالم الحديث المتطور إلا أنها تصر على العودة إلى ماكوندو حيث مصيرها ونهايتها المحتومة ككل أنثى في عائلة بوينديا.

.
الفصل العشرون

.

النهاية. تحقق النبوءة وانقراض سلالة بوينديا: "وقبل أن يصل إلى بيت الشعر الأخير، كان قد أدرك أنه لن يخرج أبداً من هذه الغرفة، لأنه مقدر لمدينة المرايا (أو السراب) أن تذروها الرياح، وتنفى من ذاكرة البشر، في اللحظة التي ينتهي فيها أوريليانو بوينديا من حل رموز الرقاق، وأن كل ما هو مكتوب فيها لا يمكن أن يتكرر، منذ الأزل إلى الأبد، لأن السلالات المحكومة بمئة عام من العزلة، ليست لها فرصة أخرى على الأرض".

.

رانيا منير


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 6
  • 5
thumb
الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

جاري التحميل...