جنون آل بوينديا في 100 عام من العزلة!



كيف بدأ ماركيز هذه الأسطورة؟

.

يقول ماركيز: عندما كنت في الثامنة والثلاثين، ولدي أربع كتب منشورة، جلست أمام الآلة الكاتبة وبدأت: "بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد". لم يكن لدي فكرة عن معنى ذلك ولا عن منشأ تلك الجملة أو إلى أين ستقودني. لكن ما أعرفه اليوم أنني لم أتوقف عن الكتابة يوماً واحداً ولمدة 18 شهراً متواصلاً حتى أنهيت الكتاب.

في عام 1966 كان ماركيز صحفياً متواضعاً، وكان يتجه في سيارته مع عائلته إلى شاطئ أكابولكو لقضاء عطلة. كان طوال حياته يفكر بالكتابة عن نشأته في منزل جديه، ولكن البداية لم تكن واضحة لديه ولا كيف يصنع مزيجاً من الخرافة والمعرفة والدين والقصص الشخصية والتاريخ الكوني. فجأة خطرت له الفكرة: بلدة منعزلة، وعائلة تتكرر للأبد، وتدور وتنغمس في شؤونها الخاصة، وفوق ذلك  لا يقدم الراوي أي تعلقي أخلاقي حول جنون الشخصيات أو الأشياء الخيالية والمحرمة والغير طبيعية التي يصفها في روايته.

عندها استدار ماركيز بسيارته عائداً إلى المنزل وقام ببيع السيارة للحصول على المال من أجل إعالة أسرته في فترة عزلته الإبداعية.. وهكذا ظهرت "مئة عام من العزلة" أحد أهم كتب القرن العشرين والذي نال بسببه جائزة نوبل في الأدب وترجمت لجميع لغات العالم وجعلت من كاتبها أشهر كتاب العالم المعاصرين.


رواية مستعصية على الشرح!

.

ليس من السهل أن تصف تقنيات الرواية ومواضيعها دون أن تجعلها تبدو معقدة وغير مفهومة وصعبة القراءة. ليس من السهل أبداً أن تلخص الرواية وتعدد أسماء شخصياتها وزواجاتهم وعلاقاتهم دون أن تشعر أنك قمت بتسطيحها وتقديمها بشكل فج قد لا يشجع الآخرين على قراءتها.. لأن جمال "مئة عام من العزلة" يكمن في رحلة القراءة نفسها، وليس في الأحداث، جمال الرواية يستمد من تعدد شخصياتها، من اختلافهم وتشابههم ومواقفهم وتصرفاتهم وجملهم العابرة واللاذعة في حياتهم اليومية المملة والعادية جداً.. 

إنها رواية ماركيز المذهلة التي يعتمد السرد فيها على خدعة الساحر التي من خلالها يخلط الذاكرة بالنبوءة، الوهم بالحقيقة، والخيال بالواقع. كان غارسيا يحلم دائماً بالكتابة عن البلدة التي نشأ فيها في منزل جديه حتى التاسعة من عمره، وهكذا بنى قرية ماكوندو في مخيلته ليروي من خلالها أحداث حياة خمسة أجيال من أبناء خوسيه أركاديو بوينديا وزوجته أورسولا اللذين في وقت مبكر من القرن التاسع عشر أسسا قرية ماكوندو على نهر من المياه الصافية في مكان ما من أمريكا الجنوبية.  وعدم تحديد المكان والزمان بدقة هو انعكاس عبقري للحالة الفكرية والنفسية لسكان ماكوندو.


في "مئة عام من العزلة" هناك شخصيتين فقط!

.

رغم العدد الهائل للشخصيات ورغم ما يحدث من ارتباك وتداخل في أسماءهم المتكررة دائماً بين أوريليانو وخوسيه، فإن العدد الحقيقي لشخصيات الكتاب في واقع الأمر لا يتجاوز شخصيتين اثنين فقط، هما خوسيه وأرسولا. بينما جميع أولادهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم ما هم إلا مجرد تنويعات على شخصيتهما تتأرجح بين درجات القوة والضعف.


آل بوينديا مزيج من المثالية المطلقة والتطبيق العملي!

.

الأب والمؤسس خوسيه ذلك المجنون المنبهر دائما بالجديد وبالعلم وبما يجلبه الغجر لدرجة أن قطعة مغناطيس تعتبر اكتشافاً ومعجزة رائعة، يتخذ لنفسه مشروعاً إثر مشروع، وإختراعا إثر اختراع، حتى أنه يبدد ثروة زوجته ليطارد أحلامه وأوهامه، فيحاول صنع الذهب واكتشاف المحيط وتصوير الله، ليصاب في النهاية بالجنون ويكسر أدوات مخبره ويرفض الحديث سوى باللاتينية فيضطرون إلى ربطه إلى شجرة ضخمة في حديقة منزل العائلة حتى موته.

أورسولا هي تجسيد لقوة التحمل العملي والارادة المطلقة. إنها هي من تصلح الأمور وتكنس المنزل بعد الكوارث، إنها هي من يستمر في تربية الأولاد جيلاً بعد جيل، إنها هي التي تبقى قوية وصافية الذهن وقوية الذاكرة حتى في عمر 114 أو 122 لا أحد حتى يدري عمرها على وجه الدقة، وعندما تصاب بالعمى تماماً ترفض إخبار أحد بعجزها وتحاول التغلب عليه بالاعتماد على ذاكرتها ومعرفتها بمكان الأشياء وتفاصيل المنزل من حولها. هذا المزيج من هوس المثالية والتطبيق العملي هو ما شكل حياة آل بوينديا.


صخب الرجال وجنون النساء!

.

جميع الذكور في العائلة يحملون اسم أركاديو أو أوريليانو، جميعهم يخوضون البحر أو يشعلون الثورات أو يتبعون الغجر أو يقعون في حب كارثي مع أخواتهم أو عماتهم باستثناء واحد منهم أحب فتاة عمرها 12 عاما! ورغم ذلك لا تطغى شخصيات الرجال الصاخبة على شخصيات النساء في الرواية. فهنا تجد امرأة تأكل التراب عندما تصاب بالاكتئاب، وأخرى تحرق يدها في الفرن وتلفها بقطعة قماش أسود طيلة حياتها حداداً على انتحار حبيبها، وأخرى تدعى ريميديوس الجميلة التي تصعد للسماء مع شراشف الأسرة.. مع قصص حب وموت وانتحار لعدد كبير من العشاق على امتداد الرواية.


لا أعذار ولا ندم في أرض "النيفرلاند"!

.

مهما أخطأوا ومهما فعلوا لن تجد تبريراً أو أعذاراً، لن تجد تعليقاً من الراوي على تصرفات الشخصيات أو شذوذها حتى، فما هي ماكوندو أصلاً؟ إنها أرض المستحيل، أرض النيفرلاند؟ حيث الشخصيات تبدو وكأنها نصف تحلم ونصف تتذكر قصصها وحياتها، فلا داعي للأعذار إذاً.. إنهم يعانون، يكبرون، يهرمون، ويموتون بطريقتهم الخاصة. حتى في تفسيرهم للحقائق الكبرى كالموت والولادة والحرب والمرض والطقس لهم طريقتهم الخاصة.  فعندما يضرب ماكوندو موجة من الحر، يصاب الناس والحيوانات بالجنون وتهاجم الطيور المنازل وتصطدم بالنوافذ لتموت. وعندما يهطل المطر يستمر أربع سنوات و11 شهراً ويومين. وعندما يهاجم الوباء المنطقة فإنه كما يدّعون "وباء الأرق" الذي يسبب نسيان كل شيء حتى أسماءهم واستخدامات الاشياء الاعتيادية من حولهم لهذا راحوا يقاومون النسيان بكتابة الملاحظات فعلقوا على البقرة لافتة تقول: "هذه بقرة. عليك أن تحلبها كل صباح لكي تنتج الحليب، والحليب يجب أن يغلى ويخلط مع القهوة لتصنع القهوة بالحليب!".


صمود العزلة في وجه الاختراقات الخارجية!

.

رغم ما أصاب ماكوندو من كوارث طبيعية كالأحوال الجوية وداء الأرق، إلا أن الأخطر على عزلتهم كان الاقتحام الذي يحدث للقرية من الخارج، سواء من خلال زيارات الغجر أو مسؤولي الحكومة الفاسدين، أو الجنود المتوحشين المحافظين والأحرار على حد سواء، أو معلم البيانو الغندور الإيطالي، أو العاهرات الفرنسيات البارعات، وأخيرا سكة الحديد وشركة الموز. يبدو في الظاهر أن هؤلاء الغرباء القادمين من شمال أمريكا سيندمجون في حلم ماكوندو، لكنهم في نهاية المطاف يبنون قرية نظيرة لها في صفوف مرتبة نظيفة مع ملاعب تنس وحمامات سباحة. مما جعلهم مجرد دخلاء وجعل وجودهم مجرد مرحلة أخرى في حياة ماكوندو لا تختلف عن كل الأحداث الزائلة مثل الثورات والمعارك الأهلية وداء الارق، فجميعهم سيرحلون في النهاية وتعود ماكوندو لعزلتها الأبدية.

إنها القرية الحلم، الأرض المستحيلة، لهذا لا يمكن لأي حدث فيها أن يستمر للأبد لأنها كما يقول الراوي عن ماكوندو "إنها الحساء المقعد من الحقيقة والسراب".  إنها رواية مليئة بالفكاهة والتفاصيل الغنية والتشويه المذهل لأسرة تجد المتعة في الاختلال والعقل في العيوب الجوهرية ويستمر الجنون فيها عبر الآباء والأشقاء والعمات وأبناء الأخوة والأجداد.. إنها نسخة خاصة من جنون بوينديا.

..

ترجمة وإعداد فريق رفـّي


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...