أرتور شوبنهاور (1788-1860) أحد أعظم التشاؤميين في تاريخ الفلسفة يقدم لنا عزاء بشأن انكسارات القلب:

شوبنهاور والحب:

عام 1821 وقع شوبنهاور في غرام كارولين ميدون، وهي مطربة في التاسعة عشرة من العمر. استمرت العلاقة عشر سنوات على نحو متقطع، ولكن لم يكن لدى شوبنهاور نية لجعل الارتباط رسمياً: "أن تتزوج يعني فعل كل ما يمكن ليصبح كل طرف موضع اشمئزاز الآخر".

وفي الثالثة والأربعين من عمره فكر بالزواج مجدداً ، لكن الفتاة التي لفتت أنظاره شعرت بالنفور منه، ليجد شوبنهاور أنه "ليس للحياة قيمة جوهرية أصيلة، ولكنها تستمر بغعل الرغبة والوهم".

الضجيج عدو الفلاسفة:

كان الفيلسوف يتّبع روتيناً يومياً صارماً. كان يكتب ثلاث ساعات في الصباح، ثم يعزف على الفلوت لساعة، ثم يضع ربطة عنق بيضاء لتناول الغداء في المطعم الإنكليزي في ساحة روسماركت بفرانكفورت. كان يرفض التعرف إلى الزبائن الآخرين أثناء تناول الطعام، ولكن يشارك في محادثات أحياناً على فنجان قهوة. بعد الغداء، يرتاح شوبنهاور في مكتبة ناديه المجاور كازينو سوسايتي، حيث يقرأ التايمز- الجريدة التي يعتبر أنها أفضل من تخبره بمآسي العالم. مساء يذهب إلى الأوبرا أو المسرح حيث غالباً ما يغضبه ضجيج المتأخرين، ومن يثيرون الفوضى أو يسعلون: "لطالما كنت من أصحاب رأي أن كمية الضجيج التي يمكن لأي شخص احتمالها تتناسب عكساً مع قواه العقلية.. فالشخص المعتاد على صفق الأبواب بدلاً من إغلاقها بيده. ليس مجرد سيء السلوك، بل هو جلف ومحدود التفكير أيضاً.. ولن نصبح متحضرين تماماً إلا حين لن يعود من حق أي شخص التشويش على وعي أي كائن مفكر عبر الصفير، الصياح، الجأر بالصوت عالياً، الطرق المتكرر، الفرقعة بالسوط.. وما إلى ذلك".

شوبنهاور محباً للعزلة والنوم:

كان يقضي فترات متزايدة من الوقت وحيداً. وكانت أمه تبدي قلقاً بشأنه: "شهران في غرفتك دون رؤية أي شخص، هذا ليس جيداً يا بني، ويحزنني، إذ لا يمكن للإنسان ولا يتوجب عليه عزل نفسه بهذه الطريقة". ويستغرق بالنوم فترات متعاظمة خلال النهار: "لو كانت الحياة والوجود وضعاً قابلاً للاستمتاع، سيتجنب الجميع من الاقتراب من الحالة اللاواعية للنوم ليصحو مجدداً بسعادة. ولكن العكس تماماً هو الوضع الفعلي، إذ يتجه الجميع بتلهف شديد إلى النوم غير راغبين بالاستيقاظ مجدداً".

الفلاسفة والحب:

لم يكن الفلاسفة ميالين عادة لأن تأخذهم المشاعر: بدت مآسي الحب شديدة الصبيانية بحيث لا تستحق الدراسة، ومن الأفضل ترك الموضوع للشعراء والهستيريين.. ليست مهمة الفلاسفة تأمل الرسائل المعطرة المحمولة باليد. وقد كان شوبنهاور محتاراً بفعل هذا التجاهل:

لا بد أن نكون متفاجئين لأن مسألةً تلعب عموماً دوراً مهماً في حياة الإنسان قد تم تجاهلها على نحو كليّ تقريباً حتى الآن من الفلاسفة، ولا تزال معروضة أمامنا كمادة فجة لم يتم التعامل معها بعد".

بدا التجاهل نتيجة لإنكار مختال لجانب من الحياة اخترق الصورة الذاتية العقلانية للإنسان. وقد شدد شوبنهاور على هذا الواقع الغريب:

الحب... يقاطع في كل ساعة أكثر الأعمال جدية، ويعكر حتى أعظم العقول أحياناً. إنه لا يتردد.. في التدخل في مفاوضات السياسيين واستقصاءات المتعلمين. كما يعرف كيف يسرّب رسائل الحب وتفاصيله حتى إلى الحقائب الوزارية والخطوطات الفلسفية.. ويستلزم أحياناً التضحية.. بالصحة، أو الثروة، أو المكانة والسعادة.

إرادة العيش مقابل الحب:

أعطى شوبنهاور اسماً لقوة توجد داخلنا أحس أنها تتفوق دوماً على العقل، قوة شديدة بما يكفي لإحباط جميع خطط العقل وأحكامه، وقد سمّاها إرادة العيش- التي تعرف بكونها دافعاً كامناً داخل البشر لإبقائهم أحياء وقادرين على التناسل. وقد تسببت إرادة العيش حتى للاكتئابيين الانتحاريين بالقتال من أجل حياتهم حين تهدد بفعل تحطّم سفينة أو مرض خطير.

ويدافع شوبنهار عن الحب قائلاً: "الهدف الأسمى لجميع علاقات الحب أكثر أهمية فعلياً من جميع الأهداف الأخرى في حياة الإنسان، ولذا فهو جدير حقاً بالجدية الكبيرة التي يسعى من خلالها الجميع نحوه". وما الهدف؟ ليس التشارك أو الراحة الجنسية، التفاهم أو التسلية. يهيمن العامل الرومانسي على الحب لأن: "ما يتم إقراره عبره ليس أقل من تشكيل الجيل التالي الوجود والتكوين الخاص للجنس البشري في الأزمنة القادمة".

وعبر فهم الحب بكونه مفتاحاً حتمياً من الناحية البيولوجية لاستمرارية النوع، تدعونا نظرية شوبنهاور عن الأراددة إلى تبني موقف أكثر تسامحاً تجاه السلوك الغريب الذي يخضعنا إليه الحب أغلب الأحيان.

لسنا أحراراً عند الوقوع في الحب!

أحد الألغاز العويصة في الحب هو "لم هو؟" و"لم هي؟". لم استقرت رغبتنا بقوة، من بين جميع المرشحين الآخرين، على هذا الكائن؟ لم عمدنا إلى تفضيلهم فوق الجميع مع أن حديثهم على العشاء لم يكن الأكثر إمتاعاً دوماً، وعاداتهم ليست أكثر تناسباً؟ ولماذا، برغم النوايا الطيبة، كنا عاجزين عن تنمية ميل جنسي تجاه آخرين ممن كانوا، ربما، جذابين على نحو أكبر بل لعلهم كانوا الأكثر ملاءمة للعيش معهم؟

آلية الاختيار لم تفاجئ شوبنهاور. نحن لسنا أحراراً أثناء الوقوع في الحب مع الجميع لأننا عاجزون عن إنجاب أطفال أصحاء مع الجميع. تدفعنا إرادة العيش الخاصة بنا باتجاه الناس الذين سيرفعون فرصنا في إنتاج ذرية جميلة وذكية، وتبعدنا عمن يقلل تلك الفرص ذاتها. الحب ليس سوى التجلّي الواعي للاكتشاف الخاص بإرادة العيش بشأن الشريك المثالي: "اللحظة التي يبدأ فيها شخصان بتبادل مشاعر الحب- أن يتولع كل منهما بالآخر، بحسب التعبير الإنكليزي الأكثر ملاءمة- ينبغي اعتبارها تماماً التشكيل الفعلي الأول لفرد جديد.

في اللقاءات الأولى، وتحت غطاء الثرثرة العادية، سيقدّر لا وعي كلا الطرفين ما إذا كان ثمة طفل ملائم سينتج يوماً ما عن هذه العلاقة:"ثمة ما هو فريد في الجدية اللاواعية العميقة التي يقيّم عبرها اثنان من الشباب، من جنسين مختلفين، بعضهما بعضاً عندما يلتقيان للمرة الأولى، وفي البحث والنظرات المستقصية التي يتبادلانها، والتدقيق الحريص في جميع ملامح وأجزاء كل منهما. هذا التدقيق والتفحص يعني تأمل عبقرية النوع المتعلقة بالفرد الذي يمكن أن ينتج عن علاقتهما.

السعادة الشخصية أم إنجاب الإطفال!

يسعى الجميع، من خلال الفرد الآخر، إلى إلفاء نقاط ضعفهم، وعيوبهم، وتشوهاتهم عن الشكل النموذجي، كيلا تستمر لديهم أو ربما تتنامى لتصبح تشوها كاملة عند الطفل الذي سينجبونه.

للأسف، قادت نظرية الانجذاب شوبنهاور إلى خلاصة شديدة الكآبة، حيث يعتبر شوبنهاور الشخص الذي يكون شديد الملاءمة لطفلنا لن يكون، في الغالب الأعم من الحالات، شديد الملاءمة لنا (بالرغم من عجزنا عن إدراك هذا في الوقت المناسب لأن إرادة العيش كانت تعمينا).

"أن تتلازم الملاءمة مع الحب المتقد لهي أندر ضربة حظ جيد على الإطلاق". فالعاشق الذي ينقذ طفلنا من امتلاك ذقن كبيرة أو نزعة مخنثة، نادراً ما يكون هو الشخص الذي يجعلنا سعداء طوال حياتنا. فالسعي وراء السعادة الشخصية وإنجاب أطفال أصحاء مشروعان متعارضان على نحو جذري. يربكنا الحب بخبث ليدفعنا إلى اعتبارهما مشروعاً واحداً لعدد كبير من السنوات. ولا ينبغي أن نفاجأ بالزيجات بين أشخاص لم يكونوا أصدقاء في يوم من الأيام.

فالإنسان لا يسعى في نهاية المطاف إلى مصلحته، بل إلى مصلحة شخص ثالث سيأتي إلى الوجود، بالرغم من انغماسه في وهم أن ما يسعى إليه فعلياً هو مصلحته الخاصة.

عزاء انكسارات القلب..

ربما كان الفيلسوف سيقدم تفسيرات صارمة عن أسباب وقوعنا في الحب، ولكن ثمة عزاء بشأن الرفض- عزاء معرفة أن ألمنا طبيعي. لا ينبغي أن نشعر بالارتباك بسبب فداحة الانزعاج الذي قد ينتج عن بضعة أيام من الأمل فحسب. سيكون من غير المنطقي أن يكون بإمكان قوة شديدة بما يكفي لدفعنا باتجاه انجاب الأطفال- لو أخفقت في تحقيق هدفها- أن تتلاشى من دون إحداث خراب. لا يمكن للحب أن يحثنا على تكبد عناء زيادة النوع عبر التناسل من دون أن يعدنا بأقصى سعادة يمكن لنا تخيلها. وأن نصدم بسبب مدى الألم الذي يخلفه الرفض يعني تجاهل ما يتضمنه القبول. يجب ألا نسمح لمعاناتنا أن تترافق مع الإشارات أن ثمة ما هو غريب في المعاناة الشديدة. إذ لا بد من أن هناك أمراً غريباً يحدث لو لم نعان.

ليست المسألة أننا غير جديرين بالحب ، وليس ثمة ما هو خطأ فينا بذاتنا. شخصياتنا ليست منفرة، ووجوهنا ليست بغيضة. انهار الاتحاد لأننا كنا غير ملائمين لإنجاب طفل متوازن مع شخص بعينه. ليس ثمة حاجة كي نكره أنفسنا. ويوماً ما، سنضادف شخصاً يمكن أن يجدنا رائعين وسيشعر أنه طبيعي بدرجة بدرجة استثنائية ومنفتح معنا (لأن ذقننا وذقنه ستشكلان اجتماعاً مرغوباً من وجهة نظر إرادة العيش).

ولا بد أن نتعلم، خلال الوقت، التسامح مع من رفضنا. لم يكن الانفصال خيارهم. قد يكون عقلهم قد قدّر مزايانا، فيما لم توافق عليهم إرادة العيش.. ولو انجذبوا إلى أشخاص أقل ذكاء منا، لا ينبغي أن نتهمهم بالضحالة. ولا بد أن نتذكر، كما يفسّر شوبنهاور، أن:

ما يتم البحث عنه في الزواج ليس المتعة على المستوى الفكري، بل إنجاب الأطفال.

ينبغي أن نستقي العزاء من التفكير بأن الافتقار إلى الحب: بين رجل وامرأة يعني التصريح أن ما سينجبانه لن يكون أكثر من كائن تعيس مشوّه السمات، مفتقراً إلى التناغم بحد ذاته.

الفيلسوف أكثر سوداوية هو الأكثر مؤاساة!

ربما كنا سعداء مع أحبائنا، ولكن الطبيعة لم تكن كذلك- وهذا سبب أكبر يدفعنا إلى إرخاء قبضتنا عن الحب.

لم يكن شوبنهاور يقصد دفعنا إلى اليأس، بل تحريرنا من التوقعات التي تفضي إلى المرارة. ومن المعزي، حين يخذلنا الحب، أن نسمع أن السعادة لم تكن جزءاً من الخطة. ولعل من المفارقة أن أشد المفكرين سوداوية هم الأكثر مؤاساة:

ثمة خطأ متأصل وحيد، ألا وهو فكرة أننا نعيش كي نكون سعداء.. وطالما أننا نصرّ على هذا الخطأ المتأصل سيبدو العالم مليئاً بالتناقضات. إذ في كل خطوة، في الأشياء الكبيرة والصغيرة، نحن مقيدون باختبار أن العالم والحياة ليسا موجودين بهدف الحفاظ على وجود سعيد بكل تأكيد ولذا نجد أن ملامح جميع العجائز تقريباً تحمل التعبير الذي يمكن أن ندعوه خيبة الأمل.

لم يكونوا ليصبحوا خائبي الأمل في شيخوختهم لو أنهم دخلوا الحب بالتوقعات الصحيحة: ما يسبب انزعاج وتعاسة سن الشباب.. هو السعي وراء السعادة بناء على الافتراض الأكيد أننا سنجدها في الحياة. انطلاقاً من هذا، سينبع الأمل المنغمس في الوهم، عدا عن عدم الرضا. فالصور الخداعة لسعادة غامضة في أحلامنا تحلق أمامنا بأشكال عشوائية، لذا نبدأ بحثاً عبثياً عن أصلها، سيكتسب الشباب الكثير لو تمكنوا عبر النصح والإرشاد الدائمين، من تخليص أذهانهم من الفكرة الخاطئة القائلة إن لدى العالم صفقة عظيمة سيعرضها علينا.

..

تم اختياره من كتاب: "عزاءات الفلسفة: كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة"