من النادر أن تجد طبيباً يكره المدرسة، ربما لأن ما يتعلمه لا يمكن اكتسابه ذاتياً، بينما نجد العديد من الفيزيائيين والعلماء التجريبيين والأدباء يمقتون النظام المدرسي ويتوقون للتحرر  والاتصال بالطبيعة واجراء التجارب بأنفسهم.  هنا نقرأ مواقف وآراء سلبية لبعض الحائزين على جائزة نوبل حول المدرسة والتعليم النظامي:



رابندرانات طاغور (1861-1941) نال جائزة نوبل في الأدب عام 1913

في محاضرة ألقاها في أمريكا عام 1921 يتحدث طاغور عن المدرسة قائلاً: "تنتزع المدرسة الطفل بعيداً عن عالم كامل من الغموض والصنع الإلهي، إنها مجرد نظام صارم يرفض الأخذ بعين الاعتبار الطلاب كأفراد. إنه مصنع مصمم لطحن وإخراج المنتجات الموحدة.. لم أكن يوماً صنيعة المدرس، فمجلس التعليم الحكومي لم يكن قد شكل بعد عندما خلقت أنا، فهل كان ذلك سبباً كافياً لينتقموا مني لأن عقلي لم يلتزم بالقوالب الضيقة التي توفرها المدرسة؟ والتي تشبه أحذية النساء الصينيات الضيقة، والتي تقوض وتوقف طبيعة الكائن الحي وتمنعه من النمو وتضغط عليه من كل جانب ومع كل حركة؟!. لقد كنت محظوظاً إذ نجوت من هذا النظام من اللا إدراك. وعندما أصبحت شاعراً كان المثقفون في بلدي متأثرون بالأدب الإنكليزي، لذا أعتبر نفسي محظوظاً لأني لم أحصل على أي تعليم نظامي مما أبعدني عن التأثيرات التي تخضع لها عقول الشباب في هذه الأيام. جهلي مع هرطقتي جعلت مني خارجاً عن القانون الأدبي.



ألبرت أينشتاين(1879 - 1955 ) نال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921

"كنت معظم الوقت أعمل في المعمل في معهد البوليتكنيك في زيوريخ، مفتوناً باتصالي المباشر مع الخبرة والتجارب. وما تبقى من الوقت كنت أدرس فيه في المنزل أعمال كيرتشوف وهلمهولتز وهيرتز في الفيزياء، وسرعان ما بدأت أشتم رائحة كل ما من شأنه أن يقودني إلى الأساسيات وأعرض عن كل ما من شأنه أن يثير الفوضى في عقلي ويجرفني بعيداً عن الجوهر. السيء في المدرسة أنه عليك أن تحشو كل تلك الأشياء في عقلك من أجل الامتحانات سواء أحببتها أم لم تحبها. وكان ذلك يشكل عامل إعاقة وتأخير بالنسبة لي، فبعد كل امتحان كنت أشعر بالنفور من النظر في أي مشكلة علمية لمدة عام كامل. إنه لخطأ كبير أن نظن أن متعة البحث والاكتشاف يمكن أن تعزز عن طريق الإكراه والشعور بالواجب". 

يقول كاتب سيرة ألبرت أينشتاين أن أينشاين سجل في المدرسة قدرات عالية بشكل عام  ولكنه كان ينفر من الفروض والواجبات ويميل لفعل الأشياء على طريقته الخاصة. كان يتذكر حياته المدرسية في ألمانيا وسويسرا كتجارب غير سعيدة خلافاً لذكريات العديد من زملائه الأقل شهرة. ومع ذلك فقد كان يحصل على علامات جيدة في المواد الدراسية عندما يريد ذلك، لكنه يقضي معظم وقت فراغه في بناء نماذج أبنية مصغرة وقراءة الكتب العلمية وهو يعزي معظم مشاكله في المدرسة لعدم رغبته في تنفيذ المهام الموكلة إليه من قبل معلميه.


جورج برنارد شو (1856 - 1950) نال جائزة نوبل في الأدب عام 1925

"لا يوجد على وجه الأرض شيء فظيع مخصص للبشر الأبرياء كالمدرسة. بادئ ذي بدء، إنها سجن. وهي في بعض النواحي أشد قسوة من السجن. ففي السجن لست مجبراً مثلاً على قراءة الكتب التي يكتبها السجّان، (وهو بالمناسبة لن يكون سجاناً أو حاكماً لو كان بإمكانه أن يكتب كتباً جيدة) كما أنك لا تتعرض هناك للضرب أو التعذيب لأنك لا تستطيع تذكر محتويات تلك الكتب التي لا يمكن تذكرها أبداً. في السجن أيضاً لن تكون مضطراً للجلوس والاستماع لحديث السجان الممل حول مواضيع لا يفهمها هو أو لا تثير اهتمامه وشغفه على الإطلاق. في السجن قد يعذبون جسدك ولكنهم لا يعذبون دماغك، وهم يحمونك من عنف واعتداء زملاءك السجناء. بينما في المدرسة ليس لديك شيء من هذه المزايا. فمع كل الكتب الممتعة والرائعة والملهمة التي تكتظ بها رفوف المكتبات، عليك في المدرسة أن تقرأ كتباً بشعة يطلق عليها اسم "الكتاب المدرسي" كتاب لا يمكن أن تتعلم منه شيء أو تقرأه قراءة مثمرة ولكن إلزامك بقراءته ستجعلك تكره رؤية الكتب حتى بقية حياتك".



سيغريد أوندست ( 1882 - 1949 ) نالت جائزة نوبل في الأدب عام 1928

"لقد كرهت المدرسة بشكل كبير. فهي تقيد حريتي. وكنت أتغلب على الانضباط بتقنية متطورة بأن أكون غائبة الذهن أثناء الحصص الدراسية!".


تشاندراسيخارا فينكاتا رامان (1888- 1970) عالم فيزياء هندي نال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1930.

كان التعليم الأساسي الذي ناله رامان تحت إشراف والده الذي علمه الحساب واللغة الانجليزية في المنزل حتى السابعة من عمره وحتى في الثانوية كان والده نائب مدير المدرسة وأحياناً المعلم، كانت حماسة الوالد لتعليم ابنه كبيرة وأقرب ما تكون للظاهرة الفريدة، فلم يكتف بنقل ما يعرفه لابنه، إذ علمه الانجليزية والجبر والهندسة وعلم المثلثات والجغرافيا الطبيعية وإنما شجعه أيضاً على القراءة, فكان يقرأ مع أبناءه شكسبير وملتون وسكوت ويشاركهم حبه للموسيقى الكلاسيكية الهندية ومجموعته النادرة من الكتب.

ساعدت هذه التربية رامان على التخرج من المدرسة الثانوية في سن الحادية عشرة، وانهاء الكلية في الخامسة عشر والحصول على درجة الماجستير في السابعة عشرة، والالتحاق بوظيفة الخدمة الوطنية بعد الحصول على أعلى الدرجات في الامتحان التنافسي في عمر الثامنة عشرة. لكن هدف رامان الشخصي كان متجهاً نحو أبحاث الفيزياء وهو ما كان يفعله في أوقات فراغه. ليتابع في النهاية مهنة بداوم كامل في هذا المجال محققاً نجاحاً كبيراً.


برتراند راسل (1872 - 1970 ) نال جائزة نوبل في الأدب عام 1950

"من الصعب أن نجادل في مسألة المنزل مقابل المدرسة وأيهما أفضل، فإذا كانت المقارنة بين منزل مثالي ومدرسة فلا شك أن كفة المنزل سترجح، وإذا كانت المقارنة بين مدرسة مثالية ومنزل فكفة المدرسة سترجح. ولا أشك كذلك أن المدرسة المثالية أفضل من المنزل المثالي ولا سيما في المناطق الحضرية حيث الضوء والهواء وحرية الحركة والمزيد من الرفقة والمنافسين. ومن الطبيعي أن تمنع عاطفة الأهل تجاه أبناءهم من أذيتهم ، بينما في المدارس ما يحرك المدرسين ليست العاطفة وإنما الروح العام الذي يتم توجيهه نحو المجتمع ككل وليس الأفراد، ومن جانب آخر فالمدرسة تعود الطفل على الحياة الاجتماعية وإقامة العلاقات مع الآخرين وتعده للحياة العملية. أما ما يميز التعليم المنزلي فهو أنه يحافظ على التنوع بين الأفراد، فإذا كنا جميعاً متشابهين سينتج لدينا مجتمع ممل ويشكل ذلك عائقاً أمام تقدمه. يزداد اليوم الاختلاف بين الأفراد بشكل كبير بسبب اختلاف بيئاتهم، وجود الكثير من الفروق تشكل عائقاً أمام التضامن الاجتماعي، ولكن القليل من الاختلاف هو مكون جوهري لأفضل أشكال التعاون في المجتمع.



ونستون تشرشل (1874 - 1965) رجل دولة انجليزي ومؤلف وخطيب، نال جائزة نوبل في الأدب عام 1953

تعلم تشرشل القراءة والحساب في المنزل على يد مربية. ثم تم إرساله إلى المدرسة في سن السابعة، وعن تلك التجربة يقول: "عندما أصبح عمري سبع سنوات أصبحت ما يطلق عليهم الكبار لقب "صبي مزعج" وكان علي أن أبتعد عن المنزل لعدة أسابيع متواصلة من أجل تلقي الدروس. كنت قد سمعت الكثير عن المدرسة وقد ترك ذلك انطباعاً غير مستحب في ذهني، ولكني كنت متحمساً لهذا التغيير الكبير في حياتي. كنت أظن أنه بدلاً من الدروس سيكون هناك لعب ومتعة والعديد من الأولاد، وأننا سنعقد الكثير من الصداقات ونقوم بالمغامرات الرائعة. فقد أخبروني أن أيام المدرسة هي أسعد أيام العمر. 

ما حدث أنني كرهت تلك المدرسة، وعشت فيها حياة قلقة لأكثر من سنتين، أحرزت تقدماً بطيئاً جداً في دروسي ولم أحرز أي تقدم في الألعاب. كنت أعد الأيام والساعات لنهاية الفصل حيث سأتحرر هذا الاستعباد البغيض وأعود لأصف جنودي في غرفة الحضانة., ممتعتي الوحيدة في تلك الأيام كانت القراءة. فعندما كنت في التاسعة أهداني والدي قصة "جزيرة الكنز" ولا زلت أذكر الغبطة التي التهمتها بها، أزعج أساتذتي أن يروني أقرأ كتباً خارج المنهاج الدراسي، ورغم محاولاتهم بالتخلص منها لكني كنت أكثر عناداً. فحيثما لا يعمل عقلي وخيالي ومتعتي في آن واحد، لا أستطيع ولا أريد أن أتعلم.


ريتشارد فاينمان (1918-1988) فيزيائي أمريكي معروف بإسهاماته في نظرية الكم، نال جائزة نوبل عام 1965

لاحظ كتّاب سيرة فاينمان أن معظم تعليمه كان ذاتياً، من خلال القراءة الموسعة والمحادثة مع والده الذي كان يضع في حسبانه أنه سيربي عالماً. علماً أن أخته الصغرى جوان أيضاً أصبحت عالمة فيزياء. اكتسبت مدارس نيويورك العامة في تلك الحقبة سمعة جيدة وذلك بسبب شهرة خريجيها ، لكن فينمان يعتقد أن مدرسته كان "صحراء الفكر" فهو يقول أنه تعلم أكثر في المنزل، باعتماده على موسوعة الانسكلوبيديا، فبعد أن درب نفسه في بدائيات الجبر، ألف مجموعة من أربع معادلات وأربعة مجاهيل وقدمها لمعلمته مع حله المنهجي لها. فكان موقف المعلمة أن شعرت بالدهشة والحيرة فما كان منها سوى أن تأخذها إلى المدير لتتأكد من صحتها!



أندريه ساخاروف (1921 - 1989) عالم نووي سوفياتي نال جائزة نوبل للسلام عام 1975 لدفاعه عن حقوق الإنسان وضحايا السياسة.

اعتبر المدرسة "مضيعة للوقت" بعد أن نال تعليماً منزلياً أثناء حكم ستالين. وربما كانت هذه الخلفية التعليمية الضئيلة هي السبب في شجاعته الفكرية واستعداده لمقاومة الطغيان حتى على حساب حياته.


آرنو بينزياس (1933 - ) عالم فيزياء أمريكي نال جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1978 لاكتشافه للأشعة الخلفية الكونية الميكرونية.

تنبأ آرنو أن الأسواق لن تتطلب شهادات تخرج ممتازة وإنما ذوي الخبرة. يقول بينزياس: "أعتقد أننا ربطنا اكتساب المعرفة بالمدرسة بشكل  مبالغ به".


سابرامانين تشاندراسخار ( 1910 - 1995) عالم فيزياء هندي أمريكي نال جائزة نوبل للفيزياء عام 1983 عن عمله في نظرية بناء وتطور النجوم

هو ابن شقيق شاندرا فنكاتا رامان، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء 1930 وقد نال تعليماً منزلياً كعمه تماماً، حيث تعلم الانجليزية من أمه والحساب من والده وقد كان التعليم المنزلي شائعاً في ذلك الوقت بين العائلات من الطبقة الوسطى كون المدارس العامة في وضع مزري.

فقد وجد أبناء الطبقة المتوسطة أو العليا، في التعليم المنزلي مخلصاً لهم من الواجبات الكتابية المملة التي تفرضها عليهم المدرسة، كما أن المدارس الابتدائية لم تكن تدرس الانجليزية. يقول تشاندرا عن تعليمه أن كان بغاية الانضباط، فقد كان والده يعلمه كل صباح قبل ذهابه إلى عمله.

..

ترجمة: فريق رفـّي