لماذا نحب مسرحية "هاملت" لشكسبير؟


ما الذي يجعل هذه المسرحية حتى بعد أكثر من أربعة قرون عملاً مدهشاً وممتعاً للقارئ؟ "هاملت" هي أطول مسرحية لشكسبير، يتم تمثيلها عبر أربع ساعات متواصلة على المسرح. ولكن لماذا نقرأ هاملت حتى اليوم؟ لماذا هي قمة الأدب الغربي؟ ألأن هاملت فيلسوف بارع، يفكر كثيراً ويفعل القليل، ألأنه يمثل رجل النهضة، ألأنه يمثل الإنسان المتحضر؟

عندما كان أول جمهور لهاملت في طريقهم لمشاهدة هذا العمل الاليزابيثي، كانوا يعتقدون أنهم سيشاهدون "مسرح انتقام" مليء بالمعارك الدموية ومبارزات السيوف، لكنهم بدلاً عن الأفعال الدموية يشاهدون ما لا نهاية له من الأفكار المتصارعة، سواء في مشاهد المناجاة التي يفكر فيها هاملت بصوت مرتفع، أو التي يواجه فيها كل من حوله بخناجر الكلمات، سواء مع أمه أو مع أوفيليا أو مع عمه، أو تلاعبه بالألفاظ والحوار الساخر مع حفار القبور، هذه مسرحية فيها الكثير من الضجيج، ضجيج الكلمات والأفكار..

يناجي هاملت نفسه حول معنى الحياة، يتردد ويفتعل الجنون، ويعقد حياته بأرفع العقد الجدلية، يشكك بكل شيء حتى بحقيقة الشبح الذي يطالبه بالانتقام، لكنه يسوف ويؤجل ويماطل حتى بعد أن جمع الأدلة وأيقن من وقوع الجريمة.

ليست مأساة هاملت بالشيء اليسير، وليس قتل عمه بالأمر السهل، إن المطلوب منه هو التحول من التفكير بمأساة الحياة إلى المشاركة في صنع هذه المأساة. يراد لهذا الشاب الذي عاد لتوه من جامعته حيث كان متفرغاً للقراءة والدراسة، أن يتخذ قراراً ويتبنى مأساة ليس له يد فيها

هذه بعض الأفكار التي يمكن أن نجدها في مسرحية هاملت:

1- "العالم سجن" يتنهد هاملت قائلاً. هذه العبارة ليس مجرد بيان لحالته الذهنية. مسرحية شكسبير كلها هي دراما عن الرقابة في دولة البوليس حيث الجميع مراقب عبر شبكة واسعة من الجواسيس. بولونيوس يراقب ابنه وابنته تراقب هاملت وهو يتجسس على حديث هاملت وأمه، وأصدقاء هاملت يتجسسون عليه ويكتبون تقاريرهم لزوج أمه.

2- لا تثق بأصدقائك أبداً. فقد يتم إرسالهم من قبل والديك المحبين، ويتم التخطيط من خلالهما لتنفيذ شيء ضدك معتقدين أنه لصالحك كما فعل أصدقاء هاملت!

3- لن تعرف أبداً ما تريده أمك، لذا دعها للسماء كما قال الشبح. هاملت لم يعرف إن كانت أمه شريكة في مقتل والده، إن مشاعر الأم جيرترود هي البقعة المظلمة في المسرحية.

4- "هناك في الأرض وفي السماء أشياء أكثر بكثير مما حلمت به في فلسفتك" هذا ماقاله هوراشيو لهاملت. لكي يؤمن بالشبح. ونحن اليوم أحوج منه للإيمان بالأشباح في عالم مليء بالحروب، وحدهم الموتى لديهم الشجاعة الكافية لقول الحقيقة.

5- "نعم، لقد أحببتك يوماً" لنقل أن لدى هاملت مشكلة التزام، فرغم أن أوفيليا هي من أكثر الشخصيات التي توصف بالبراءة والإخلاص، فإن هاملت شكك في إخلاصها. من الجيد أن المسرحية تذكرنا أيضاَ بإشكالية العلاقة بين الجنسين منذ مئات السنوات وبأن الرجل لا يمكن أن يتسامح مع مسألة "ما الذي تريده المرأة؟". وبنفس الوقت تصور المسرحية مأساة الحب هذه المأساة المستمرة منذ قرون، فرغم كل الشك والتردد والصد الذي يتبادله المحبون، نجد هاملت يقفز إلى قبر أوفيليا في لحظة دفنها، صارخاً: ".. لقد أحببت أوفيليا. أربعون ألف أخ بمجموع حبهم لن يساووا مقدار حبي أنا". ربما أراد شكسبير أن يقول أن الحب بحد ذاته هو مأساة..

6- المال والسلطة هل توجه سلوكنا أكثر من الأخلاق؟ في كل زاوية من المسرحية هنا وهناك تنحدر لغة الحب إلى مستوى لغة التجارة، فهذا بولونيوس الأب الحنون يقدم لابنته نصائحاً أبوية تدور حول قيمة ابنته كسلعة في سوق الزواج.

7- يا للعار، أين هو حياءك؟ هاملت يتهم والدته بالتصرف بلا حياء عندما تزوجت بسرعة من عمه بعد موت والده. لكن الحقيقة أن الجميع في المسرحية كان يتصرف بلا حياء، والمغزى من المسرحية هو قدرة الجمهور على الإحساس بالعار.

8- يمكننا اليوم قراءة هاملت لانها مسرحية لا تعتمد على المؤثرات البصرية بقدر اعتمادها على الكلمات، إنها تؤسس مناخا من الخوف والشك منذ السطر الأول فيها. هذه المسرحية تسعد القراء، لأن فيها الكثير من المواضيع التي يمكن لكل نوع من أنواع القراء مناقشتها وقراءتها بطريقتهم الخاصة.

9- هذه المسرحية هي من أكثر الأعمال الأدبية التي علينا قراءتها اليوم.. فعندما يؤخر شكسبير ساعة الانتقام ، رغم توفر عدة فرص لهاملت ليغرس خنجره في قلب عمه، لكنه يتردد ويروح يفكر ويفكر بدل أن يقوم بالفعل مباشرة، ليس لأن الحافز أو الإرادة أو القوة أو الوسيلة تنقصه، بل لأن شكسبير كان يريد أن يقول أن هناك شيء أهم من الانتقام، هو أن على الإنسان أن يفكر أولاً قبل أن يقدم على أي فعل خطير.

10- هاملت شخصية رجولية ساحرة، شخصية عبقرية في كل ما يقول حتى في لحظات تظاهره بالجنون، ليست عبقرية الحالم البعيد عن الواقع، وإنما المدرك له، ومن إدراكه العميق تنشأ قدرته على الفكاهة الجارحة التي يصيب بها الحقيقة، ومقدرته اللفظية وتأملاته التي لا تخطر ببال محدثيه، وهو كريم الطبع لا تعرف نفسه الخديعة، ورغم العبث الذي يراه في كل ما حوله لا يتخلى عن نبل في الخلق يثير فينا الحب والاعجاب ، ورغم الكآبة التي تلازمه يستطيع الفرح بكل ما هو خير وجميل، ويتسع قلبه لحب لا ينتهي. حبه لوالده، لأوفيليا، لأمه ولصديقه هوراشوي..

 

لهذا كله عليك أن تقرأ هاملت الآن


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...

بين الكتب والقرّاء


حقوق القارئ!

16 يونيو 2017

مما قيل في الحب..

05 أغسطس 2017

الحصان والمكتبة

03 أغسطس 2017
المزيد »