لن يجود الدهر بمجنون مثلي!

28 عاماً من عمره أمضاها بحثاً وراء أسرار كلمة. في البحر وعلى الأرض وفي الجو ظل يلاحق المدلول تلو المدلول حتى استطاع أن يفك حجب هذه الكلمة. كتب فيها 600 صفحة. هذه الكلمة هي "ليس" وهذا الرجل هو خير الدين الأسدي.

أمضى 28 عاماً من عمره وهو يلهث وراء "كلمة" يبحث في المتاحف والمكتبات ويقلب المخطوطات القديمة وينفض الغبار عن مئات الكتب المقدسة في بيوت الناس، يشافه العلماء ويأخذ ما في صدورهم، ليعود إلى الشبهاء، يدون ما حمله في مجلد يضم بين دفتيه 600 صفحة. يقول: "ليس" هي الكلمة التي اشتريتها بربع قرن من عمري، سأتركها من بعدي للعلم وللغويين، وأنا واثق من استحالة الكتابة عن "ليس" أكثر مما كتبت. ولكن على الرغم من الجهد الذي بذلته في هذا السبيل، يصل إلى أذني بين فترة وأخرى همس خافت، وتساؤلات غريبة: ما فائدة "ليس"، وهل التعمق في دراستها، ونبش جذورها يسمى علماً؟.. إن العلم هو ما أفاد الناس وعمل على رفع مستواهم ودفع إلى الأمام مركبة التقدم. وردي على هؤلاء: "هناك كثير من العلوم، لا تقدم لنا فتيلاً من المادة، والعلم يعني الإحاطة بما هو في الطبيعة وكلمة "علماء" تعني حملة منظمة لمعرفة كنه الأشياء، والعلم هو أن يتخصص كل فرد في حقل معين، بعد إحاطة دائرة العلم بجميع أطرافها. ومهمة العلم لا أن نستفيد مادياً، مما نعمله، بل كشف هذا الكون. فالكيماوي في مختبره، والحداد في حدادته، واللغوي في ميدانه اللغوي. أليس في الطبيعة شيء اسمه اللغة؟. إذاً دراستنا اللغة، دراسة شيء طبيعي، ومن العبث أن تكلف الطبيب الاشتغال في الهندسة، وعبثاً تطلب من مهندس أن يزيح الستار عن قصة لغة الإنسان.

ولد محمد خير الدين أسد عام (1900م - 1971م) في حي الجلوم بمدينة حلب. أمضى 45 عاماً بين جدران مدارس حلب، يلقن الأجيال أصول اللغة وله في التعليم طريقة وأسلوب فريد. كان يدرب طلابه على تمثيل مسرحية "الاستقلال" عندما انفجرت كمية من البارود بين يديه ففقد كفه اليسرى لخطأ في العلاج وأكمل حياته وكتابة مؤلفاته بكف واحدة..

أنفق كل ما كان يكسبه في شراء الكتب واقتناء التحف حتى أسس وهو شاب مكتبة تعد من أضخم المكتبات الخاصة أهداها إلى دار الكتب الوطنية بحلب عام 1946 لقاء مبلغ شهري زهيد مالبثت الدار أن توقفت عن دفعه له،  ثم أعاد تأسيس مكتبة جديدة كان ينوي تقديمها إلى دار الكتب الوطنية أيضاً ثم عاجلته الوفاة وبيعت من بعده مع آلاف الصور لمدينة حلب وغيرها.

كان يفضل العزلة والانطواء والتفرغ للقراءة والكتابة.. كتب عن حلب موسوعة في سبعة مجلدات، أحصى فيها خمسين ألف كلمة حلبية دارجة وأكثر من عشرة آلاف مثل.. كان مفتوناً بحلب، حتى أنه نقب عن آثارها في كهوف حي المغاير باحثاً عن ما قد يرشده إلى آثار الإنسان الحلبي الأول. مات بمرض السكري في (دار العجزة) بعد أن لم يجد من يدفع نفقات علاجه.. قال عن حلب : «أحببتها وعقّتني وخلدتها ونفتني».


السهروردي (المقتول)

ولد في قرية سهرورد، في شمال غرب بلاد فارس، طلب العلم باكراً في أصفهان، ثم في ديار بكر، ثم بلاد الشام. واستقر في حلب، وهي في إمرة الملك الظاهر، ابن صلاح الدين. وفي حلب كتب أهم أعماله حكمة الإشراق، وكتاب اللمحات، وكتاب التلويحات، وكتاب المقاومات، وكتاب المطارحات، إلى عشرات الكتب الثانوية والرسائل.

 يُعتبر السهرودي من أوائل فلاسفة المتصوفة. عندما قدم حلب ذاع صيته، وصادق حاكمها الملك الظاهر، ابن صلاح الدين الأيوبي. مما أثار ذلك نقمة شيوخ حلب، فاتهموه بالزندقة والخروج على الدين، وشكوه إلى الناصر صلاح الدين، فأمر بإعدامه بعدما أفتى القاضي بذلك، وقال البعض إنه مات سنة 1191 في قلعة حلب وهو ما يزال شاباً ابن ست وثلاثين سنة، لكن الكثيرين يحسبون أن علمه يبلغ أضعاف أضعاف عمره.

من شعره:

أبداً تحن إليكمُ الأرواحُ

ووصالكم ريحانها والراحُ

وقلوبُ أهل ودادكم تشتاقكم

وإلى لذيذ وصالكم ترتاحُ

يا صاح ليس على المحبّ ملامةٌ

إن لاح في أفق الوصال صباحُ

لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى

كتمانهم فنما الغرام فباحوا

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

وكذا دماء البائحين تباحُ.


عماد الدين نسيمي

ولد الشاعر عماد الدين النسيمي بأذربيجان عام 1370م. هو شاعر صوفي عاش في عصر المماليك. درس اللغتين العربية والفارسية، إضافة إلى اللغة الأذرية، القريبة من التركية، ثم انصرف إلى دراسة العلوم الفلسفية والرياضية والفلكية والحكمية والطبية وتعمق في الأدب والشعر، فنظم الشعر بلغات ثلاث.

قرأ نسيمي من مصادر محلية وفقه ثقافة عصره بالإضافة لثقافة أسلافه. حيث قرأ للحلاج والخيام والفردوسي ونظامي وسعد الشيرازي والرازي وابن سيناء كما قرأ مؤلفات إخوان الصفا. ووصلته أخبار أبي الفتوح يحيى السهروردي، الذي صلبه صلاح الدين الأيوبي بحلب والذي سبقه بمئتي عام..

أعدمه السلطان المملوكي المحمودي الملقب بالملك المؤيد صلباً على باب حلب لأنه متنور وبسبب قصيدة وكان ذلك عام1417م. وسبب قتله أنه كان يترنم شعرا مغايرا لأصول الشريعة حسب زعم المتعصبين في تلك الفترة ويقال أن شابا كان يترنم بشعره حكم عليه بالإعدام فلما سمع الشاعر ذلك سارع إلى ساحة الإعدام صائحا أن الشعر له وليس للشاب وأنه بريء؛ فأجمع العلماء وأعلنوا كفره وأفتى المفتى بسلخ جلده وهو حي..