الرواية حياة ثانية. مثل الأحلام، تكشف لنا الروايات الألوان والتعقيدات في حياتنا وهي مليئة بالناس، الوجوه والأشياء التي نشعر بأننا نعرفها من قبل.

فما هي العمليات التي يقوم بها عقلنا عندما نقرأ الرواية:

1- نتأمل المشهد العام ونتابع القصة. نقرأ روايات التشويق والمغامرة، روايات الفروسية، الروايات رخيصة الثمن (الرويات البوليسية، روايات الحب، روايات التجسس وإلى آخره من الروايات التي قد تضاف إلى هذه القائمة) لمعرفة ما يحدث بعد ذلك، لكننا نقرأ الرواية الحديثة، "الرواية الأدبية" من أجل أجوائها. أجواء الرواية هي شيء ما أكثر قيمة. هي مثل لوحة مرسومة وتحتوي القليل جداً من السرد.

2- نحول الكلمات إلى صور في عقولنا. الرواية تحكي قصة، لكن الرواية ليست مجرد قصة. يظهر من القصة عدة مواضيع، وصف، أصوات، حوار، خيال، ذكريات، معلومات بسيطة، أفكار، أحداث، مشاهد وأزمنة. لكي نستمد المتعة من الرواية علينا الاستمتاع بهجر الكلمات وتحويل هذه الأشياء إلى صور في عقولنا. وبهذا، نحن القراء نكمل القصة، وفي غضون ذلك، نحفز مخيلتنا من خلال البحث عن ما يريد الكاتب قوله أو ما يريد الراوي قوله، ما الذي ينوي أن يقوله.

3- الجزء الآخر من عقولنا يتساءل كم من التجربة الحقيقة أخبرنا بها الكاتب في هذه القصة، وكم من الخيال. قراءة رواية يعني تساؤل مستمر، حتى في اللحظات التي نفقد فيها أنفسنا بعمق في الكتاب: كم من الواقع في هذا الكتاب، وكم من الخيال؟

4- لا نزال نتساءل: هل الواقع مثل هذا؟ هل تنسجم الأشياء المروية، المنظور، والوصف في الرواية مع ما نعرفه في حياتنا؟

5- نصدر أحكاماً أخلاقية على اختيارات وسلوكيات أبطال الرواية، وفي نفس الوقت، نقيم الكاتب على أحكامه الأخلاقية فيما يتعلق بشخصياته. الأحكام الأخلاقية هي ورطة لا مفر منها في الرواية. دعونا لا ننسى أبداً أن الحصيلة الأفضل لفن الرواية ليس من خلال محاكمة الناس لكن من خلال فهمهم، ودعونا نتجنب التعرض للحكم من خلال منطقة الأدانة في عقلنا. عندما نقرأ رواية، ينبغي أن تكون الأخلاق جزءاً من المشهد، وليست شيء ينبع من أنفسنا ويستهدف أبطال الرواية.

6- عقولنا تنفذ كل تلك العمليات في وقت واحد، وفي غضون ذلك، نحن فخورون بأنفسنا لأننا اكتسبنا الكثير من المعرفة، العمق والفهم. خاصة بالنسبة للروايات الأدبية الجيدة، العلاقة الوثيقة التي نوطدها مع النص قد تبدو لنا نحن القراء مثل نجاح شخصي. الوهم الجميل بأن الرواية قد كتبت فقط من أجلنا ينمو تدريجياً في داخلنا. الألفة والثقة التي تولد بيننا وبين الكاتب تساعدنا على التهرب، وتجنبنا القلق الشديد حول أجزاء الكتاب التي لا نستطيع فهمها، أو الأشياء التي نعارضها أو غير المقبولة بالنسبة لنا. بهذه الطريقة، نحن دائماً ندخل في تواطؤ مع الروائي إلى حد ما. عندما نقرأ رواية، جزء واحد من عقلنا منشغل في الحجب، التغاضي، تشكيل، وبناء سلوكيات إيجابية تشجع هذا التواطؤ. وحتى نتمكن من تصديق القصة، نختار عدم تصديق الراوي مثلما هو يريد لنا ذلك- لأننا نريد الاستمرار في قراءة القصة بأمانة، على الرغم من وجود انتقاد على بعض آراء، ميول وهواجس الكاتب.

7- بينما كل هذا النشاط العقلي مستمر، ذاكرتنا تعمل بشكل مكثف وبدون توقف. ولكي نستطيع أن نستمتع في القراءة ونستمد المعنى من العالم الذي كشفه لنا الكاتب، نشعر بأننا يجب أن نبحث عن محور الرواية السري، وتحقيقاً لهذه الغاية نحاول أن نخزن كل تفصيل من الرواية في ذاكرتنا، كأننا نحفظ كل ورقة من أوراق الشجرة عن ظهر قلب. لأن كل ما نواجهه عندما نتحرك خلال المشهد مرتبط مع كل شيء آخر يصادفنا. في الروايات التي بنيت بشكل جيد، كل شيء مرتبط ببعضه، وهذه الشبكة من العلاقات تشكل أجواء الرواية وتشير إلى جهة محورها السري.

8- الروايات تخاطب الإنسان المعاصر، وبكل تأكيد البشرية كلها، والفضل في ذلك يعود إلى حقيقة أنها خيال ثلاثي الأبعاد. تخبرنا الروايات عن التجارب الشخصية، المعرفة التي نكتسبها بواسطة حواسنا، وفي نفس الوقت تزودنا بشيء من الفهم، البديهية، دليل حول شيء عميق- أو بكلام آخر، المحور، أو معنى الحياة- مكان صعب الوصول إليه، نفترض متفائلين أنه موجود. حلم تحقيق معرفة قيمة وعميقة عن العالم والحياة بدون الحاجة إلى حسابات فلسفية معقدة، أو تحمل الضغوط الاجتماعية للدين- ونفعل ذلك على أساس تجربتنا الشخصية، واستخدام قدراتنا الفكرية- هي أمنية عادلة جداً، وديمقراطية جداً.

..

من كتاب أورهان باموك: "الروائي الساذج والحساس"