داخل المكتبة.. خارج العالم! : نصوص عالمية حول القراءة ترجمها راضي النماصي وهو كتاب ممتع يحوي 9 مقالات أو محاضرات، ألقاها في مناسبة متعلقة بالقراءة، تسع أدباء عالميين يتحدثون عن القراءة وتجربتهم مع الكتب والمكتبات وأهميتها للحياة والإنسان والمجتمع.. وبالطبع يختتم الكتاب بكلمة لخورخي لويس بورخيس، عاشق الكتب الأبدي..

فيما يلي بعض أجمل ما جاء في الكتاب:


فيرجيينا وولف

عملية القراءة الأولى، وهي استقبال المشاعر بأقصى فهم لدينا، ليست سوى نصف عملية القراءة، يجب أن تكتمل تلك العملية- إن أردنا أن نحظى بكامل المتعة من كتاب ما- بعملية أخرى.

يجب أن نتريث في إصدار الحكم بناء على انفعالاتنا اللحظية العديدة. دع غبار القراءة يهدأ. انتظر من كل تلك التساؤلات الجامحة والأفكار المتضاربة أن تنتهي، امش، تحدث بهدوء، اقطف البتلات الميتة من وردة قراءتك، أو حتى اذهب للنوم. عندها وفجأة، دون إرادة منا، تأخذ الطبيعة بتلك التحولات في عقولنا، وسيعود الكتاب بشكل مختلف. سيطفو على سطح العقل بأكمله كقطعة واحدة..

..

ألا يجب أن نعتبر بعض المؤلفين كالمجرمين؟ ألا يحق لنا أن نعتبر أولئك الذي يكتبون كتباً سيئة، كتباً تضيع وقتنا وتعاطفنا، كتباً خاطئة، كتباً تملأ هوائنا بالعفن والأمراض، ألا يحق لنا أن نعتبرهم أخبث أعداء المجتمع؟ إذاً لنكن قساة في أحكامنا، يجب علينا أن نقارن أي كتاب بالكتاب الأعظم في مجاله. كذلك يجب أن نقارن تلك الكتب التي قرأناها مسبقاً، والتي رسخت في بالنا عبر حكمنا عليها، قارن الرواية التي تقرأها مع تلك الروايات، فحتى أحدث الروايات وأصغرها تملك حق المقارنة مع الأفضل.


رديارد كيبلنغ

أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة. وهذا بالضبط هو حال من لا يقرأ الأدب، فهو جاهل بكل ما سبقته من خطط في هذه الحياة. ما ينساه كل جيل هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.

لا يمكن تعليم الأدب بالشكل المدرسي إلا لو كان الشخص ذاته يرغب حقاً أن يعرف شيئاً عنه. لا أحد يستطيع ترشيح الكتب- حتى لو كانت أفضلها- للناس إلا لو كان يعرف أدق تفاصيل كل فرد منهم.

احذروا من الانكباب على الكتب لأنها تسري عنكم كل مرة أو لأنها تناسب ذلك المزاج من التوتر والاكتئاب الأسود الذي يصيبنا في بعض الأوقات. هناك القليل من الحالمين الذين أفادوا البشرية، لكن من بين كل الحالمين، وسواء كانت أحلامهم طيبة أو محض كوابيس، هناك الآلاف منهم ممن صاروا أذى للنفس وعالة على الأهل وإزعاجاً للناس. تصبح الكتب أخطر المخدرات حينما تقرأ بإفراط، وهناك نوع من الكتب يجب علينا تجنبه حينما لا نكون بحال نفسية جيدة.


هنري ميللر

أعظم فائدة يجنيها المرء من القراءة هي في رغبته الصادقة للتواصل مع أشخاص غيره. أن تقرأ كتاباً يعني أن تستيقظ من سباتك الروحي وتحيا، وتحتوي اهتماماً أكبر بمن يجاورك، خصوصاً أولئك الذين يختلفون عنك في كل شيء.


فلاديمير نابوكوف

القارئ الجيد، القارئ العظيم، القارئ النشط والخلاق هو قارئ يعيد ما يقرأ، وأود أن أخبركم عن السبب. عندما نقرأ كتاباً للمرة الأولى ونحن نحرك أعيننا بمشقة من اليسار لليمين، سطراً إثر سطر وصفحة إثر صفحة، فإن هذا العمل الجسماني المعقد على الكتاب، والذي يجعلنا نتعرف عليه في حدود الزمان والمكان، يقف بيننا وبين التقدير الفني. عندما نطالع لوحة فنية فنحن لا نحتاج أن نحرك أعيننا بطريقة خاصة، حتى لو كانت مثل الكتاب في عمقه وبما ترمي إليه. نحن نحتاج وقتاً عندما نقرأ أي كتاب لنتآلف معه. لا نملك عضواً حسياً - كالعين مع اللوحة- يمكن أن يأخذ الصورة بأكملها ويستمتع بتفاصيلها. لكن عندما نقرأ للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة، فإنا بشكل ما نتعامل مع الكتاب كما لو كان لوحة.


ماريو بارغاس يوسا

مجتمع بلا أدب أو مجتمع يرمي بالأدب - كخطيئة خفية- إلى حدود الحياة الشخصية والاجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته.

استطاع الأدب أن يساعد الأفراد على تجاوز التاريخ، كقراء لكل من ثيرفانتس، شكسبير، دانتي، وتولستوي. نحن نفهم بعضنا عبر الزمان والمكان، ونشعر بأنفسنا ننتمى لذات النوعية، لأننا نتعلم ما نتشاركه كبشر من خلال الأعمال التي كتبوها، وما الذي يبقى شائعاً فينا تحت كل الفروقات التي تفصلنا.

لا شيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائماً في الأدب العظيم: أن الرجال والنساء من كل الأمم متساوون بشكل أساسي، وأن الظلم بينهم هو ما يزرع التفرقة والخوف والاستغلال. لا يوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري.


جوزيف برودسكي

لكتابة كتاب جيد، على الكاتب أن يقرأ الكثير من الهراء.

إذا كان الناقد كاتباً موهوباً، فإنه، سيحول كتابته النقدية إلى فن قائم بذاته، - خورخي لويس بورخيس مثال على ذلك- وربما قد ينتهي بك الحال إلى أن تقرأ عروض الكتب عوضاً عن قراءة الكتب نفسها.

لو كنت ناشراً، كنت سأضع على كتبي أعمار المؤلفين حينما ألفوا تلك الكتب بجانب أسماءهم، وذلك لكي أدع للقراء القرار حول التعامل مع أفكار صدرت من أشخاص كانوا أكبر منهم، أو أصغر منهم.


نيل جايمان

لكي نتأكد من أننا نربي جيلاً متعلماً تقل فيه الجريمة ويزيد فيه الوعي، فإن أسهل طريقة هي أن نعلمهم القراءة، ونريهم أنها نشاط قابل للاستمتاع. مما يعني لاحقاً أنه من اللازم أن نبحث عن الكتب التي تمتعهم ونوصلها لهم، وبالتالي سيقرؤون بكل اهتمام  وشغف.

في عام 2007 ذهبت إلى الصين لحضور أول مؤتمر حول كتابة الخيال العلمي. في لحظة ما، تحدثت مع أحد المسؤولين جانباً عن سبب استحداث هذا المؤتمر، وأخبرني بأن الأمر وبكل بساطة هو كون الصينيين متبعين لا مبدعين أو مطورين. ولذا، فقد أرسلوا مجموعة أسئلة للعديد من المطورين في الولايات المتحدة وشركات التقنية الكبرى مثل "أبل" و"مايكروسوفت" و"غوغل" عن أنفسهم، ووجدوا أنهم كانوا قراء لكتب الخيال العلمي في صغرهم.

سأل أحدهم العالم ألبرت آينشتاين عن كيفية تنمية ذكاء الأطفال، فأجاب: "إذا أردتم لأطفالكم أن يكونوا أذكياء، فاقرؤوا لهم حكايات خيالية أكثر"..

يستطيع السرد أن يريكم عالماً لم تروه من قبل، وعندما تخرجون من ذلك العالم يتملككم شعور طفيف بالاغتراب وعدم الرضا والتوافق مع الواقع الذي عدتم له، وهذا بحد ذاته أمر جيد، لأنه يحثنا على تعديل عالمنا وتحسينه، بحيث يعود مختلفاً، وبالطبع بحالة أفضل.


ألبرتو مانغويل

لم أرتح يوماً لمسمى الكاتب، وهناك شيء ما بداخلي يحرص على التصحيح حينما أسمع أحدهم يناديني بذلك وأقول بأني "ٌقارئ، قارئ استطاع الكتابة".

دائماً ما تغمرني الدهشة حينما أعلم يقيناً بأن مكتبة ما تحتوي بالتأكيد على كتاب، أو صفحة، او فقرة تعبر بالكلمات عن أقصى رغباتنا الدفينة. أنا متأكد بشدة أن هناك ما يخصني. ربما يأخذ الأمر وقتاً طويلاً كي أجدها - وهذا إن كنا محظوظين وأدركناها في حياتنا- ولكني متأكد تماماً من وجودها.


خورخي لويس بورخيس

أؤمن بأن مصطلح "القراءة الإلزامية" يحوي تعارضاً بين كلمتيه، إذ يجب على القراءة ألا تكون إلزامية. هل رأيتم أحداً ذات مرة يتحدث عن "متعة إلزامية"؟ ولأي سبب؟ لم تفرض المتعة على أحد يوماً، فالمتعة شيء نبحث عنه. تخيلوا لو كتب أحدهم عن "سعادة إلزامية"! فهي مما نبحث عنه أيضاً، ولا يعقل أن فرضت على أحد في يوم ما.

منذ عشرين عاماً وأنا أدرس الأدب الإنجليزي في جامعة بوينوس آيرس، ولطالما نصحت طلابي بأن يهجروا الكتاب الذي يقرؤونه إن لم يعجبهم. لا تقرؤوا أي كتاب لأنه مشهور أو حديث أو قديم. إذا كان الكتاب الذي تقرؤونه مملاً فاتركوه، حتى ولو كان "الفردوس المفقود" - والذي لا أجده مملاً بالنسبة لي- أو "دون كيخوته" - وهو كتاب لا أمل منه أيضاً-. إذا شعرتم بالملل من أي كتاب فاتركوه، فهذا الكتاب لم يؤلف من أجلك.

يجب أن تكون القراءة إحدى أشكال السعادة الخالصة، ولذا فإني ألقي بوصيتي الأخيرة- والتي لا أخطط لكتابتها- إلى جميع قرائي الحاليين والمستقبليين بأن يقرؤوا كثيراً ولا يغتروا بسمعة كاتب ما. اقرؤوا من أجل متعتكم ولأجل أن تسعدوا، فهذه هي الطريقة الوحيدة.